تستقرّ الصلاة في الذمة بدخول الوقت سواء اتّسع الوقت لأدائها أو لم يتسع (^١)، نص عليه (^٢)، وهو قول أبي يحيى البلخي الشافعي (^٣) (^٤).
وقال أبو حنيفة،/ ومالك، والشافعي: لا تستقر بدخول الوقت (^٥).
وذكر مثل ذلك القاضي الشريف في «الإرشاد» (^٦) فقال: والصلاة تجب بأول الوقت، ويستقر الوجوب بإمكان الأداء (^٧).
فعلى هذا صار في المسألة خلاف في المذهب.
واختلفوا بماذا تستقر؛ فقال أبو حنيفة: تستقر إذا خرج الوقت (^٨).
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٢٦، شرح الزركشي ١/ ٤٩٥، الإنصاف ١/ ٤٤١.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٣/ ١٣٢٧، ٩/ ٤٧٧٠، مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ٣١.
(٣) زكريا بن أحمد بن يحيى بن موسى خت، أبو يحيى البلخي، كان أبوه وجده أهل بيت علم، ولي قضاء دمشق أيام المقتدر، وكان من كبار الشافعية، مات بدمشق في ربيع الأول سنة ٣٣٠ هـ. [ينظر: انظر: تاريخ دمشق ١٩/ ٥٧، تاريخ الإسلام ٧/ ٥٩١].
(٤) ينظر: المجموع ٣/ ٦٧.
(٥) سيرد توثيق مذاهبهم قريبًا.
(٦) كتاب: (الإرشاد إلى سبيل الرشاد)، للقاضي أبي علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي الشريف، كتاب مختصر في الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، تميز بصغر حجمه، وسهولة عبارته ووضوحها، اعتنى مؤلفه بذكر الأقوال والروايات والترجيح بينها، مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، والتعليلات لبعض الأحكام، كما ذكر في أوله أبوابًا من أبواب الاعتقاد على غير عادة أغلب الكتب الفقهية، وعليه اعتماد كثير من الحنابلة. [ينظر: مقدمة الإرشاد ص ٣].
(٧) ينظر: الإرشاد ص ٥٠.
(٨) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٩٥، حاشية ابن عابدين ١/ ٣٥٦.
[ ٢٥٣ ]
وقال الشافعي: إذا مضى من الوقت ما يمكنه أداؤها فيه (^١).
وفائدة المسألة: أنه لو دخل من الوقت قدر تكبيرة، ثم حاضت المرأة أو جُنَّت؛ وجب عليها القضاء بعد الطّهر والعقل، وعندهم لا يجب القضاء.
لنا:
أن الوجوب قد حصل، والوجوب يقتضي اللزوم والثبوت لغة وشرعًا، يقال: وجبت الشمس، ووجب الحائط، إذا سقط سقوطًا لا يمكن رفعه. قال - تعالى ـ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (^٢)، وفي الشرع: أوجب القاضي، إذا ألزم. ومُرَّ على النبي - صلَّى الله عليه - بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت» وأثنوا على الأخرى شرًا، فقال: «وجبت». أي: استقر الأمر على ذلك، ولهذا قال: «أنتم شهود الله في الأرض» (^٣).
[وهذه] (^٤) الطريقة إنما تصح إذا ثبت الوجوب، وأبو حنيفة يخالف في الوجوب هل حصل، أم لا.
فندل على الوجوب فنقول: الأمر يفيد الوجوب باتفاق منا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت؛ لأن الخلاف في أمر موقوت، معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولًا جميع الوقت، وإلا فلا يكون الأمر مؤقتًا به، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت، فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة.
ونظير ما قلناه من قول السيد لعبده: افعل كذا غدًا، أو افعله
_________________
(١) ينظر: المجموع ٣/ ٦٧، حلية العلماء ٢/ ٣٠، روضة الطالبين ١/ ١٨٨.
(٢) الحج: ٣٦.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت ٢/ ٩٧، ح ١٣٦٧، ومسلم، كتاب الجنائز ٢/ ٦٥٥، ح ٩٤٩ من حديث أنس.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (وهذا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٥٤ ]
وقت الظهر، يكون الخطاب متناولًا جميع/ الوقت المذكور حتى يكون فاعلًا بأمره إذا فعله.
يدل عليه: أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر، أو الوقت؛ فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل، ولا بدّ من الحكم بالوجوب على كل واحد [من] (^١) السببين.
ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور، أو ينوي المفروض، وإذا أدى ما أداه بالأمر فقد أدى الواجب، وأداء الواجب أوجب دليل على وجود وقت الواجب، لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته، والكلام في هذا مستوفى في غير هذا الموضع، إلا أن هذا القدر الذي ذكرناه كاف في غرضنا.
طريقة أخرى، نقول: أحد طرفي الوقت، فلم يعتبر في الاستقراريّة إمكان الأداء كالطرف الآخر؛ وذلك أنها لو طهرت وقد بقي من الوقت قدر ركعة، أو تكبيرة وجبت عليها الصلاة، وكذلك لو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، ولا يعتبر أن يبقى ما يمكن فيه الأداء، وهذا لأن إدراك وقت الوجوب وهو من أهل الوجوب يؤذن بالاستقرار، ولا يقف الاستقرار على الإمكان، ولهذا لو عرض له مرض، أو شغل لا يمكنه الفعل لم يسقط ذلك عنه الاستقرار في ذمته، وكذلك في آخر الوقت.
فإن قيل: آخر الوقت يمكنه البناء على الفعل بعد الوقت، وفي أول الوقت لا يمكنه البناء إذا طرأ العذر.
قلنا: كلامنا في استقرار الوجوب في الذمة، لا في فعل العبادة ليعتبر إمكان الفعل من عدم إمكانه، على أنّ إمكان الفعل في الوقت غير حاصل في الوقتين معًا، وإمكان فعله في غيرهما ممكن، ثم كان يجب أن تقدروا ذلك بتكبيرة الإحرام/ فإنه يمكن البناء، ثم تقولون يشترط ركعة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليست في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٥٥ ]
ولأنكم إذا قررتم وجوب ما لم يدرك وقته من الصلاة لأجل ما أدرك بعلة البناء، فنحن نجعل الفعل بعد الوقت مبينًا على وجوب الاعتقاد والعزم الواجبين بنفس دخول الوقت، وبناء الفعل على الاعتقاد صحيح؛ لأنه بناء على ما أوجبه الوقت.
فإن قيل: زوال العذر لو وقع في وقت الثانية من صلاتي الجمع وجبت الصلاتان فأولى أن نقول: إذا زال في وقت الصلاة أن تجب، بخلاف مسألتنا فإن وجود العذر في الأولى يُسقط الثانية، فجاز أن يُسقط معه الأولى.
قلنا: صلاة الفجر إذا زال العذر وقد بقي منها مقدار ركعة وجبت، ولو زال العذر فيما بعدها لم تجب، على أنّا نقيس على الطرف الآخر من وقت الثانية من صلاتي الجمع إذا أدركت [وقت] (^١) الظهر ثم حاضت، فقد روى عبد الله (^٢)، عن أحمد: أنه يلزمُها قضاء الظهر والعصر (^٣)، وإن سُلِّم [أنه] (^٤) وقت لهما في حال العذر فإنه لا يعتبر إمكان أدائهما ويجبان، على أنّ القياس يقتضي أن لا يجب فعل صلاة بإدراك وقت غيرها، لكن تركناه إذا أدرك وقت الثانية؛ لما روي عن عبد الرحمن بن عوف (^٥)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (وقيل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، الحافظ أبو عبد الرحمن ابن الإمام أبي عبد الله الذهلي الشيباني، المروزي الأصل، البغدادي، ولد سنة ٢١٣ هـ، وسمع من أبيه شيئًا كثيرًا من العلم، وحدث عنه بالمسند وغيره، ولم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه منه، وكان ثبتًا فهمًا ثقة، صالحًا صادق اللهجة كثير الحياء، وقع له عن أبيه مسائل جياد كثيرة يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل فقد جود عنه وجاء عنه بما لم يجيء به غيره. مات جمادى الآخرة سنة ٢٩٠ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٨٠، التقييد لابن نقطة ص ٣١٠، تاريخ الإسلام ٦/ ٧٦٢].
(٣) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٥٠، والمسألة مذكورة - أيضًا - في مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٣/ ١٣٠٩.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (لأنه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر عن رسول الله ﷺ أنه توفي وهو عنهم راضٍ، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله ﷿، أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا قبل دخول دار الأرقم، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. مات سنة ٣٢ هـ على الأشهر، ودفن بالبقيع. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٨٤٤، أسد الغابة ٣/ ٣٧٦، الإصابة ٤/ ٢٩٠].
[ ٢٥٦ ]
وابن عباس أنهما قالا ذلك (^١)، وبقي إدراك وقت الأولى على مقتضى القياس.
طريقة أخرى: أنه إدراك يتعلق به وجوب صلاة، فتعلق بتكبيرة الإحرام، أصله إدراك المسافر الجماعة خلف المقيم.
فإن قيل: ذلك الإدراك لا يتعلق به وجوب صلاة؛ لأن فرض المسافر أربعًا، ورخص له القصر بشرائط منها: أن لا يبني صلاته على صلاة مقيم، وإذا بناها لزمه الأصل.
قلنا: لا خلاف [أن] (^٢) للمسافر صلاة ركعتين، فإذا دخل خلف مقيم انحتم عليه [أربع] (^٣) / وما لزمت [الركعتان] (^٤) إلا لإدراكه.
_________________
(١) أثر عبد الرحمن بن عوف: أخرجه عبد الرزاق، كتاب الحيض، باب صلاة الحائض ١/ ٣٣٣، ح ١٢٨٥، وابن أبي شيبة، كتاب التطوع والإمامة، باب في الحائض تطهر آخر النهار ٢/ ١٢٢، ح ٧٢٠٥، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الصلاة، جماع أبواب المواقيت، باب قضاء الظهر والعصر بإدراك وقت العصر وقضاء المغرب والعشاء بإدراك وقت العشاء ١/ ٥٦٩، ح ١٨١٥ أنه قال: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء. وأما أثر عبد الله بن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب التطوع والإمامة، باب في الحائض تطهر آخر النهار ٢/ ١٢٢، ح ٧٢٠٧)، والدارمي، كتاب الطهارة، باب المرأة تطهر عند الصلاة أو تحيض ١/ ٦٤٤، ح ٩٢٢، وابن المنذر، كتاب الحيض، باب ذكر الحائض تطهر قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر ٢/ ٣٧١، ح ٨٢٢ من طريق مقسم، عن ابن عباس، قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (أربعًا)، وما أثبته هو الصحيح لغةً.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (الركعتين)، وما أثبته هو الصحيح لغةً.
[ ٢٥٧ ]
وفي هذه الطريقة ضعف.
طريقة أخرى: نقول: عبادة دخل وقت وجوبها، فلم يقف وجوب أدائها على إمكان الأداء، كالصوم إذا دخل وقته على المريض، والحائض، والمغمى عليه، فإنه يجب عليه قضاؤه وإن لم يمكنه الأداء في الوقت.
فإن قيل: الصوم حجة عليكم من وجهين فكان مشترك الدلالة، أحد الوجهين: أنه لو مات قبل إمكان الأداء والقضاء لم يُطعَم عنه، والوجه الثاني: أنه إذا بلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر في بعص اليوم لم يلزمهم قضاء ذلك اليوم لعدم الإمكان.
قلنا: إنما اعتبرنا الإمكان في إيجاب الإطعام لأنه يجب على طريق الفدية، والفدية لا تجب إلا كنوع تكفير قال - تعالى ـ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ (^١) وتقديره: ولا يصومونه، والفدية تجب على طريق الكفارة قال - تعالى ـ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (^٢) يعني: كفارة، والكفارة إنما تجب لضرب من التفريط، فاعتبر لها ضرب من المأثم.
وجواب آخر: أن [في] (^٣) الصوم يعتبر إمكان الأداء في الطرف الثاني على معنى إن أسلم، أو بلغ في آخر النهار لم يلزمه قضاء ذلك اليوم عندهم، ولا يعتبر إمكان الأداء في الطرف الثاني من وقت الصلاة.
وأما الصبي إذا بلغ، والمعتوه إذا أفاق، واليهودي والنصراني إذا أسلم، فالمنصوص عنه القضاء لذلك اليوم مع وجوب الكف عن الطعام (^٤).
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٤.
(٢) البَقَرَة: ١٩٦، لفظة: ﴿مِنْكُمْ﴾ في الآية، ساقطة من الأصل.
(٣) ما بين المعكوفين في ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ٢٢، الإنصاف ٣/ ٢٨٢.
[ ٢٥٨ ]
فإن قيل: المعنى في الصوم أن المرض لو تقدمه، واتصل بالوقت لم يمنع الإيجاب، وليس كذلك الصلاة؛ فإن العذر وهو الحيض، والجنون، والإغماء لو تقدمت الوقت واستدام مَنَعَ الإيجاب.
قلنا: أجاب أصحابنا/ عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا يؤكد ما ذهبنا إليه؛ لأنه إذا كان العذر في بعض العبادات لا يمنع الفرض وإن تقدّم واستدام، فأولى أن يمنع إذا طرأ بعد دخول الوقت وهي شريطة الإيجاب، وميقات الخطاب، التي جعلت في حيّز الإكساب.
وهذا جواب ضعيف؛ لأن لهم أن يقولوا: هذا وإن أكد غرضكم، إلا أنه آكد للفرق، وكان قصدكم بالقياس الجمع بين العبادتين، [فلما] (^١) بيَّن تأكيد إحداهما على الأخرى قطع الجمع بينهما.
والجواب الثاني - وهو الصحيح ـ، وهو: أن تقدّم العذر على وقت الصلاة ليس إذا منَع الفرض يجب أن يمنع إذا طرأ بعد الوقت وقبل الإمكان، بدليل آخر الوقت لو استدام العذر إلا قدر ركعة، أو تكبيرة الإحرام لم يمنع الفرض، ولو استدام منع فدل على الفرق بينهما.
فإن أعادوا [السؤال] (^٢) إلينا وقالوا: آخر الوقت يحصل على ما بينا علته.
قلنا: إذا علل بالبناء في الفعل، فلم لا يعلل بالبناء في الوجوب؟ فإنه إذا كان البناء في الفعل، فلِمَ لا يكون البناء في الوجوب؟ والوجوب أصل للفعل وإيجاده، يوضح هذا: أن الوجوب لا يعتبر بالفعل [بدليل] (^٣) أن المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم مقدار تكبيرة الإحرام لزمه الأربع ركعات، فقد لزم الكل وما أدرك إلا البعض، على أن الاعتقاد
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فيما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (سؤال)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٥٩ ]
والعزم [إنما يجب] (^١) بدخول الوقت، فإذا جاز العذر، وعمّ الوقت أمكننا بناء الفعل في غير الوقت على وجوب الاعتقاد والعزم في الوقت، وإذا أمكن بناء الوجوب على واجب، تبعه الفعل بحكم الوجوب.
طريقة أخرى: أنها أدركت الوقت وهي من أهل فرض الصلاة، واستقر الفرض عليها، كما لو مضى مقدار/ وقت إمكان أدائها على الشافعي (^٢)، وكما لو خرج الوقت على أبي حنيفة (^٣)، يوضح هذا أن الأوقات متّسعة للفعل وإن لم تتسع للأداء، وهو أن جميع الأوقات صالحة للقضاء، فلا وجه لإعدام صفة الوجوب، [ومنع] (^٤) الاستقرار لأجل ضيق وقت الأداء.
فإن قيل: إذا أدرك لإمكان الأداء وقتًا فذاك تكليف موافقٌ قانون الشرع، وهو التكليف بحسب الطاقة، فأما إذا لم يتسع كان التكليف مخالفًا للأصل وهو قوله - سبحانه ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (^٥)، و: ﴿إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (^٦)، وكما أن الفعل لا يتأتى إلا باستطاعة، فالاستطاعة لا يتأتى بها الفعل إلا في وقت يتقدر به الفعل؛ لأن أفعال المخلوقين لا تصح إلا في وقت، وتعرضكم بالقضاء لا يصح؛ لأن الأداء هو الأصل، والقضاء بدل عنه، فالعبرة باتساع الوقت لأداء الأصل، فإذا اتسع للأصل، وتركها للأصل، فخوطب بالبدل فرعًا وانتقالًا عند إعواز أصل الفرض.
قلنا: ليس هذا بتكليف ما لا يطاق؛ لأننا لا نضيق بإيجاب إيجاد الفعل في غير وقت، ولا في وقت يضيق عن الفعل، لكن نوجبه في الذمة، ويتسع لأدائه وقت القضاء، ولو جاز أن يدعى هذا تكليف ما لا يُطاق لكان تكليف الصلاة بإدراك أيسر وقت من آخر وقتها تكليف ما لا يطاق،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) تقدّم توثيق ذلك في صدر المسألة.
(٣) تقدّم توثيق ذلك في صدر المسألة.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (ومن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) البَقَرَة: ٢٨٦.
(٦) الطّلَاق: ٧.
[ ٢٦٠ ]
ولا يختلف، والمخالف [يرى] (^١) أن الحائض إذا طهرت وقد بقي من الوقت ما لا يتسع لأداء الصلاة وجبت، وكذلك زوال سائر الأعذار كبلوغ الصبي وإفاقة المجنون.
وأما جوابهم عن القضاء فلا يصح؛ لأن الأداء هو القضاء، والقضاء هو الأداء؛ لأن الصلاة ظهر مفروضة، إنما القضاء اسم لفعلها في وقت مخصوص فإذا صادف وقتًا صالحًا لها لم يختلف وقت الأداء والقضاء.
/ احتجوا:
بأنها عبادة فاعتبر في استقرار وجوبها إمكان الأداء كسائر العبادات من الصوم، والحج، والزكاة، وهذا لأن إمكان الأداء معتبر في التكليف بدليل قوله - سبحانه ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (^٢)، و: ﴿إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (^٣)، والوقت من شرط الإمكان، فكان معتبرا في الاستقرار كسائر العبادات.
ولأنه أحد الحقين، فاعتبر في إيجابه إمكان الأداء كحقوق الآدميين، مثل ردّ الوديعة، وأموال الشركة، والرهن.
يوضح هذا: أن حقوق الآدميين أصعب؛ لأن مبناها على الشح والمضايقة، وحقوق الله أسهل؛ لأن مبناها على التوسعة والمسامحة، فإذا لم تجب حقوق الآدميين مع عدم الإمكان، فما نحن فيه من حقوق الله - تعالى - أولى أن لا تجب مع عدم الإمكان.
ويعنون بحقوق الآدميين: ما ذكرنا من الوديعة والرهن إذا لم يمكنه ردهما حتى تلفا.
قالوا: ولأنها لو كانت تستقر بأول الوقت لوجب أن يأثم بالتأخير،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) البَقَرَة: ٢٨٦.
(٣) الطّلَاق: ٧.
[ ٢٦١ ]
ويموت مطالبًا بها؛ لأن استقرار الوجوب ثمرته وفائدته في الدنيا إيجاب القضاء وتقرُّره، وفي الآخرة مأثمُ [تأخّر] (^١) الأداء، فإذا لم يحصل علم أنه لم يتحصل.
فإن قيل: لا يلزمنا هذا؛ لأنا نعتبر إمكان الأداء في حال القضاء؛ لأنه لو استدام المرض جميع الشهر، وبعد الشهر إلى أن مات لم يثبت القضاء في ذمته، وإنما يلزمه القضاء إذا زال المرض بعد خروج الشهر زمانًا يمكنه القضاء فلم يقض.
قلنا: هذا اعتبار إمكان الأداء في زمان القضاء، ومثله نقول نحن: إذا أدركت من الوقت قدر ركعة ثم طبق (^٢) بها الجنون إلى الموت لا تؤاخذ بالقضاء.
فإن قيل: فإذا قلتم هذا زال الخلاف واعتبرتم الإمكان.
/ قلنا: لا يزول الخلاف؛ لأن قولنا: إذا أفاق بعد خروج الوقت يلزمه القضاء، وعندكم: لا يلزمه القضاء (^٣)، فالخلاف حاصل، وليس يمتنع أن تستقر العبادة على وجه يعتبر إمكان الأداء حال القضاء؛ بدليل أنه لو مضى من الوقت قدر أربع ركعات، ثم جُنّ، ودام به الجنون إلى الموت لم يكن مطالبًا به في الآخرة، ولو أفاق بعد خروج الوقت مقدار الصلاة ثم جُنّ كان مطالبًا بالقضاء في الآخرة؛ لوجود الإمكان حال القضاء، كذلك هاهنا.
الجواب:
أما قياسهم على سائر العبادات فلا نسلمها، ونقول: بدخول وقتها
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تعذر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) الجنون المُطْبِق: الذي لا يفيق منه، وقيل: الذي يغطي العقل، وقد أطبق عليه الجنون، وأطْبَقه إطْباقًا: غطّاه وجعله مُطْبِقًا عليه فانْطَبَق. وأصل الطبق: الشيء على مقدار الشيء مطبقًا له من جميع جوانبه كالغطاء له، ومنه يقال أطبقوا على الأمر؛ إذا اجتمعوا عليه، وأطبقت عليه الحمى، وأطبق عليه الجنون. [ينظر: النظم المستعذب ٢/ ١٨٣، المصباح المنير ٢/ ٣٦٩، تاج العروس ٢٦/ ٥٨].
(٣) تقدّم توثيق الأقوال في صدر المسألة.
[ ٢٦٢ ]
ووجود شرائطها تجب في ذِمّته وإن لم يُمكنه الأداء، نصّ عليه (^١) كمسألتنا سواء.
وقولهم: إن هذا فيه تكليف ما لا يطاق؛ فليس كذلك لأنا لا نكلّفه الفعل قبل إمكان أدائه، وإنما نلزمه ذلك في ذمته، ويفعله وقت إمكانه، على أنا نوجب الصوم على المغمى عليه، والحائض، والمريض، ولا يمكنهم أداؤه (^٢).
وأما تعلقهم بحقوق الآدميين، فعنه جوابان:
أحدهما: أن في حقوق الآدميين ما لا يعتبر فيه إمكان الأداء كالغصب، والعارية، والمقبوض على وجه السَّوم (^٣)، وسائر الديون.
والثاني: أن العلة في حقوق الآدميين أن ما كان متبرعا به اعتبر فيه إمكان الأداء في حقه كالوديعة ونحوها، وما لم [يكن] (^٤) متبرعًا لم يعتبر فيه إمكان الأداء، فليكن في حق الله كذلك، والصلاة غير متبرع بها، على أن حقوق الله - تعالى - آكد من حقوق الآدميين؛ لأن الرسول ﵇ قال: «فدَيْن الله أحق بالقضاء» (^٥) فدلّ على تأكده.
وأما فصل الإثم؛ فإنما لم يأثم بالتأخير؛ لأن وقت الوجوب موسّع عليه،/ ولهذا لو مضى من الوقت مقدار إمكان الأداء جاز له التأخير،
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ١٢٥.
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ١٢٦.
(٣) السَّوْم: عرض السلعة على البيع، تقول: ساوَمْتُهُ سوامًا، واسْتامَ عليّ، وتَساوَمْنا، وسُمْتُك بعيرك سِيمَةً حسنةً، وإنه لغالي السِّيمَة، وسُمْتُه خسفًا، أي: أوليته إياه وأوردته عليه، وسُمْتُ بالسِّلْعَةِ سَومًا وساوَمْتُ واسْتَمتُ بها وعليها: غاليت، واسْتَمْته إياها وعليها: سألته سَوْمها، وسَامَنِيها: ذكر لي سَوْمَها. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٧٥، الصحاح ٥/ ١٩٥٦، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٦٢٥]، ومعنى عبارة المصنِّف: السلعة يقبضها السائم للتجربة ونحوها.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبتها ليستقيم السياق.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٢٦٣ ]
ولم يأثم، والموت لا تسقط به الصلاة، وإنما لا تدخلها النيابة، ولهذا لو مات بعد خروج الوقت قد ثبتت الصلاة في ذمته، ولا يناب عنه فيها، ثم هذا يبطل بالدين المؤجل، وبقضاء رمضان، وكفارة اليمين، لا يأثم بتأخيرها وهي واجبة، وكذلك الزكاة عند أبي حنيفة تجب بالحول، ولا يأثم بتأخيرها، وتسقط بالموت (^١).
فإن قيل: فكان يجب أن يسقط (^٢) عن ذمته بالموت إذا لم يجد كما تسقط الصلاة؛ لأن الإعسار يجعل الدين بمثابة الصلاة لعدم الإمكان.
قلنا: إنما سقطت الصلاة؛ لأن النيابة لا تدخلها، والدين تدخله النيابة، وكذلك ما كان من العبادات تدخلها النيابة لا تسقط بالعجز والموت، وهي الزكاة، والحج، كذلك الدَيْن لما جاز أن يتطوع بقضائه غيره، ويجوز أن [يبرئ ذمته] (^٣) من هو له، لم يكن لإسقاطه بالعجز معنى.
فإن قيل: فاعتباركم لإدراك شيء من الوقت لا معنى له؛ لأن اعتبار دخول الوقت إن كان لإيجاب الكل فاعتبروا إدراك وقت يصلح لأداء الكل، وإن كان لإيجاب ما يخص الوقت فأوجبوا من العبادة بمقدار ما أدرك، فأما أن تعتبروا لإيجاب كل العبادة ما لا يتسع إلا لبعضها فلا وجه، بدليل وجود بعض الماء، وبعض الدَيْن، وبعض الستارة، لم يلزمه إلا بمقدار ما وجد.
قلنا: ليس يتقدر الواجب بمقدار المدرك من الوقت؛ لأن الوقت جُعل لأصل الإيجاب شرطًا، ولم يقدر بالفعل المؤدى، بخلاف عين الماء، والدَيْن، والسترة، ولهذا زوال العذر في حق أهل الأعذار يحصّل إيجاب الصلاة/ وإن قلّ عن [اتساعه] (^٤) للفعل في الوقت الآخر،
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٥٣.
(٢) يعني الدين.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (يبر مته)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (الساعة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٦٤ ]
كذلك [يجب] (^١) الصوم بإدراك الهلال من غير اتساعه للأداء بأن حاضت المرأة، وثبت الصوم في ذمتها، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٦٥ ]