إذا صلى في ثوب غصب، أو أرض غصب، أو ثوب حرير لم تصح صلاته (^١)، هذا مذهبنا في أصح الروايتين (^٢)، اختارها شيوخ المذهب ﵏ (^٣)، وهو قول أبي علي الجُبَّائي (^٤)، وأبي هاشم ولده (^٥)، وأبي شمر (^٦)،
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٢٩، ٣٠، زاد المسافر ٢/ ١١٥، الإنصاف ١/ ٤٥٧٧، ٤٩١، المبدع ١/ ٣٦٧، ٣٩٤.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٥٨، الهداية ١/ ٢٩، ٣٠، زاد المسافر ٢/ ١١٥.
(٣) كأبي الخطّاب في الانتصار ٢/ ٤٠٦.
(٤) محمد بن عبد الوهاب بن سلام، أبو علي الجبائي البصري، شيخ المعتزلة، ولد سنة ٢٣٥ هـ وكان رأسًا في الفلسفة والكلام. أخذ عن: يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره، وله مقالات مشهورة، وأخذ عنه: ابنه أبو هاشم، والشيخ أبو الحسن الأشعري. ثم أعرض الأشعري عن طريق الاعتزال وتاب منه. مات في شعبان سنة ٣٠٣ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٧، تاريخ الإسلام ٧/ ٧٠].
(٥) عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب، أبو هاشم بن أبي علي البصري الجبائي، كان هو وأبوه من رؤوس المعتزلة، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما، وله تصانيف وتلامذة، وكان يصرح بخلق القرآن كأبيه، ويقول بخلود الناس في النار، وأن التوبة لا تصح مع الإصرار عليها، وكذا لا تصح مع العجز عن الفعل، فقال: من كذب ثم خرس، أو من زنا ثم جب ذكره، ثم تابا لم تصح توبتهما، وأنكر كرامات الأولياء. مات ببغداد في شعبان سنة ٣١٢ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٨٣، تاريخ الإسلام ٧/ ٤٤٤].
(٦) أبو شمر الحنفي، من بني حنيفة، معتزلي من أصحاب إبراهيم بن سيار النّظام إلا أنه خالفه في الوعيد، وفي المنزلة بين المنزلتين، وجمع بين الإرجاء والقدر، وإليه تنسب الشمرية طائفة من المرجئة، قال السمعاني: كان يزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والمحبة والخضوع له بالقلب، والإقرار له بأنه واحد ليس كمثله شيء ما لم يقم عليه حجة الأنبياء، وإن قامت حجتهم عليه فالإقرار بهم وتصديقهم واجب من الإيمان، والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان، وليس كل خصلة من خصال الإيمان إيمانًا ولا بعض إيمان وإذا اجتمعت كان إيمانًا، كالسواد والبياض في الفرس بلق وليس كل واحد منهما بلقًا ولا بعض البلق، وجعل هؤلاء ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفرًا، هذا هو المشهور من قوله، ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي في الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة، وقال: لكنه كان يخالف في الإرجاء. [ينظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٢٦٨، الفرق بين الفرق ص ١٩٠، الملل والنحل ١/ ٥٩، ١٤٥، الأنساب للسمعاني ٨/ ١٤٧، الخطط للمقريزي ٤/ ١٧٧].
[ ٢٨٣ ]
وأهل الظاهر، والزيدية (^١).
والثانية: هو مأثوم، وصلاته صحيحة، وهي قول أكثر الفقهاء (^٢).
وهكذا الخلاف فيه إذا غصب ما يتوضأ به، أو غصب خفًا ومسح عليه، أو حج بمال حرام؛ على روايتين (^٣).
الأوّلة:
ما روى أحمد في «المسند» بإسناده عن ابن عمر أنه قال: «من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه»، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صُمَّتا إن لم يكن النبي - صلَّى الله عليه - سمعته/ يقوله (^٤). وهو نص.
وروى أبو حفص العُكْبَريّ (^٥) من أصحابنا بإسناده عن علي بن أبي طالب
_________________
(١) ينظر: المعتمد في أصول الفقه ١/ ١٨١. مبنى ذلك على مسألة أصوليّة وهي: (هل النهي يقتضي الفساد)، وقد ألّف العلائي مصنفًا خاصًا في هذه المسألة سمّاه: (تحقيق المراد في أنّ النهي يقتضي الفساد).
(٢) ينظر للحنفيّة: حاشية ابن عابدين ١/ ٣٨١، بدائع الصنائع ١/ ١١٦. وللمالكيّة: شرح الخرشي ١/ ٢٥٣، حاشية الدسوقي ١/ ٣٢. وللشافعيّة: الأم ١/ ٩١، المجموع ٣/ ١٦٤.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٥٨.
(٤) أخرجه أحمد ١٠/ ٢٤، ح ٥٧٣٢، وابن أبي الدنيا في الورع ص ١٠٨، ح ١٧٣، وابن حبان في المجروحين ٢/ ٣٨، والبيهقي في الشعب ٨/ ٢١٠، ح ٥٧٠٧ من طريق هاشم الأوقص، عن ابن عمر. قال أحمد: ليس بشيء، ليس له إسناد. وقال ابن حبان: إسناده واهٍ. وقال البيهقي: إسناده ضعيف. وقال الضياء: في إسناده رجل غير معروف. وقال الذهبي: هذا كذب لا يصح. وقال ابن رجب: إسناده فيه نظر. وقال العراقي: سنده ضعيف. [ينظر: السنن والأحكام ١/ ٣٩٣، تنقيح التحقيق ٢/ ١٠١، ميزان الاعتدال ٢/ ٣٩٤، ٤/ ٤٣١، جامع العلوم والحكم ١/ ٢٦١، تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٤٣٦].
(٥) عمر بن إبراهيم بن عبد الله أبو حفص العُكْبَريّ، شيخ الحنابلة، المعروف بابن المسلم، له تصانيف منها: المقنع، وشرح الخرقي، والخلاف بين أحمد ومالك، وغير ذلك من المصنفات، رحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان وسمع من شيوخهما وصحب من فقهاء الحنابلة عمر بن بدر المغازلي، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق بن شاقلا، وأكثر ملازمة ابن بطة، وله الاختيارات في المسائل المشكلات. مات جمادى الآخرة سنة ٣٨٧ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٣].
[ ٢٨٤ ]
قال: كُنّا عند النبي ﵇ فقال: «من كسب مالًا من حرام فأنفقه لم يقبل الله منه، فإن ادّخر منه شيئًا كان زاده إلى النار، ومن لبس سِرْبالًا (^١) حرامًا لم يقبل الله منه صلاة ما دام السِّربال عليه، إنّ الله أجلّ وأكرم أن يقبل صلاة رجل ودعاءه وعليه سِربال حرام» (^٢).
وروى أبو بكر النجاد (^٣) من أصحابنا بإسناده عن ابن عباس، قال:
_________________
(١) السِرْبال: القميص، والدرع، وقيل: كل ما لبس فهو سِربال. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٢٩، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٦٥٢].
(٢) أخرجه البزار ٣/ ٦١، ح ٨١٩ من طريق أبي عبد الرحمن النضر بن منصور، قال: حدثنا أبو الجنوب، قال: حدثنا علي، قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ: فطلع علينا رجل من أهل العالية فقال: يا رسول الله أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه قال: «ألينه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأشده يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له ولا صلاة له ولا زكاة له، يا أخا العالية إنه من أصاب مالًا من حرام فأنفقه لم يؤجر عليه، وإن ادّخره كان زاده إلى النار، يا أخا العالية إنه من أصاب مالًا من حرام فلبس جلبابًا، يعني قميصًا لم تقبل صلاته حتى ينحي ذلك الجلباب عنه، إن الله ﵎ أكرم وأجل - يا أخا العالية - من أن يتقبل عمل رجل أو صلاته، وعليه جلباب من حرام». وقال البزار: هذا الحديث لا نعلم له إسنادًا إلا هذا الإسناد، وأبو الجنوب لا نعلم من أسند عنه إلا النضر بن منصور. وقال المنذري: فيه نكارة. وقال الهيثمي: فيه أبو الجنوب، وهو ضعيف. [ينظر: الترغيب والترهيب ٢/ ٣٤٦، مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢].
(٣) أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، العالم الناسك الورع الفقيه، أبو بكر البغدادي النجاد الحنبلي، ولد سنة ٢٥٣ هـ، وكان من كبار أئمة الحنابلة، وممن اتسعت رواياته وانتشرت أحاديثه ومصنفاته، جمع المسند، وصنف كتابًا كبيرًا في السنن، وكتابًا في الخلاف، وكان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان، حلقة قبل الصلاة للفتوى على مذهب أحمد، وأخرى بعد الصلاة لإملاء الحديث، روي عنه أنه كان يصوم الدهر. مات سنة ٣٤٨ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٠٩، طبقات الحنابلة ٢/ ٧، تاريخ الإسلام ٧/ ٨٦٠].
[ ٢٨٥ ]
إذا حجّ الرجل بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله: لا لبيك ولا سعديك (^١).
وهذه الأخبار كلها تدل على ما قلنا.
والحديث الصحيح المتفق عليه قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (^٢)، وقوله ﵇ في خبر آخر: «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ» (^٣)، [والردّ] (^٤) إذا أضيف إلى عقود المعاوضة اقتضى الفساد، وإذا أضيف إلى العبادات اقتضى نفي القبول والاعتداد، والغصب ليس من ديننا، والاستتار به في الصلاة ليس عليه أمر النبي، بل نهيه، فكان الستر بهذا الثوب مردودًا مطَّرَحًا، فكأنه ما استتر للصلاة، ومن لم يستتر لها لا يعتدّ بصلاته، كما أن من استتر بالغصب ما اعتد بستره، والرد في الأعمال ضد القبول.
فإن قيل: قد ترد أمثال هذا الوعيد في هذه الأخبار تغليظًا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٥/ ٢٥١، ح ٥٢٢٨ حدثنا محمد بن الفضل السقطي، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خرج الرجل حاجًا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك؛ زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك؛ زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور». قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية ٣/ ١٣٤٣، ح ١٧١٨/ ١٨ من حديث عائشة.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٣/ ١٨٤، ح ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الأقضية ٣/ ١٣٤٣، ح ١٧١٨/ ١٧ من حديث عائشة.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (والمراد)، وما أثبته هو الموافق للسياق، يؤيد ذلك ما ذكره المصنّف بعد عدّة أسطر بقوله: (والردّ في الأعمال ضد القبول)، وهذا هو مقتضى النهي عند الأصوليين.
[ ٢٨٦ ]
في المكروهات والمحظورات، غير المبطلات مثل ما رُوِي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين يومًا» (^١)، وقوله: «شارب الخمر كعابد الوثن» (^٢)، وقوله: «لا صلاة للعبد الآبق» (^٣)، «لا صلاة للمرأة الناشِز» (^٤)، وقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٥)، وغير ذلك من المناهي، ويكون المراد هنا/
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأشربة، باب من شرب الخمر لم تقبل له صلاة ٢/ ١١٢٠، ح ٣٣٧٧، والنسائي، كتاب الأشربة، باب توبة شارب الخمر ٨/ ٣١٧، ح ٥٦٧٠ من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «من شرب الخمر وسكر، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد، فشرب، فسكر، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب، تاب الله عليه، وإن عاد، فشرب، فسكر، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد، كان حقًا على الله، أن يسقيه من ردغة الخبال، يوم القيامة» قالوا: يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار». لفظ ابن ماجه، والنسائي بنحوه، قال الحاكم: حديث صحيح. وقال مرة: على شرط الشيخين. [ينظر: المستدرك ١/ ٨٥، ٣٨٨].
(٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث ٢/ ٥٩١، ح ٥٤٩، والبزار ٦/ ٣٦٧، ح ٢٣٨٢، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٣٠٥ من حديث عبد الله بن عمرو، وقال العراقي: ضعيف. [ينظر: تخريج أحاديث الإحياء ٢/ ١٠٤١].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب فيمن أمّ قومًا وهم له كارهون ٢/ ١٩٣، ح ٣٦٠ حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن الحسن، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا أبو غالب، قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم؛ العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم لكارهون». ثم عقّب الترمذي على هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو غالب اسمه حزور. ومعنى أَبَقَ العبد أي: هرب. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٤٥، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٤٧٩].
(٤) تقدّم ذكره آنفًا في الحاشية السابقة، ومعنى نشزَت المرأة تنْشز وتَنْشِز نُشوزًا، إذا استعصت على بعلها وأبغضته، ونَشَزَ بعلها عليها، إذا ضرّها وجفاها. [ينظر: الصحاح ٣/ ٨٩٩].
(٥) أخرجه الدارقطني، كتاب الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر ٢/ ٢٩٢، ح ١٥٥٣، والحاكم ١/ ٣٧٣، ح ٨٩٨، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الصلاة، باب ما جاء من التشديد في ترك الجماعة من غير عذر ٣/ ٨١، ح ٤٩٤٥ من حديث أبي هريرة، وقال البيهقي، وعبد الحق: ضعيف. وقال ابن عبد البر، وابن كثير: لا يثبت. وقال ابن الجوزي، وعمر بن بدر الموصلي: لا يصح. وقال العراقي: إسناده ضعيف. وقال ابن حجر: ضعيف ليس له إسناد ثابت. [ينظر: الاستذكار ٢/ ١٣٨، الأحكام الوسطى ١/ ٢٧٥، العلل المتناهية ١/ ٤١٢، المغني عن الحفظ والكتاب ٢/ ٢٧١، خلاصة الأحكام ٢/ ٦٥٦، إرشاد الفقيه ١/ ١٦٧، تخريج أحاديث الإحياء ١/ ١٠٦، التلخيص الحبير ٢/ ٦٦].
[ ٢٨٧ ]
التهديد والوعيد دون الإبطال، كذلك هاهنا، أو يحمل قوله في الخبرين الأولين: لم تقبل منه صلاة؛ بمعنى: لم [يثب] (^١) عليها.
قلنا: لا يجوز أن يحمل الوعيد من جهة صاحب الشرع إلا على الحقيقة، فإما على ضرب من المجاز، وإما ما ذكروا من المناهي، فلو خلينا والظاهر لقلنا بظواهرها، لكن قام دليل الإجماع على صحة الصلاة وهي [في] (^٢) ما عداه على ظاهره.
وأما حملهم إياها على الثواب فلا يصح؛ لأن قوله: «لم تقبل منه صلاة» عائد إلى عين الصلاة، والثواب شيء آخر، على أنه عام في الجميع فمن خصّه فعليه الدليل.
والفقه في المسألة: أن الصلاة لم تعرف صلاة إلا بورود الشرع بها، ولو لم يرد الشرع بها لم تعرف الصلاة، وهذا أمر لا يختلف الفقهاء فيه، وإذا ثبت أنها مشروعة من قبل الله فلا تثبت إلا على الوجه المشروع، والصلاة على الصفة التي اختلفنا فيها مثل الصلاة في الدار الغصب، والثوب الحرير غير مشروعة، فلا تفيد الصحة؛ لأن المشروع للعباد بأفعالهم لا يثبت إلا بأفعال مشروعة، ولا نعني بالمشروعة إطلاق الشرع وإباحته، ولا نعرف المشروعية في العبادات إلا بهذا.
ثم الدليل على أن هذه الصفة غير مشروعة: ورود النهي عليها،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (يثاب)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٨٨ ]
والنهي عنه ضد الإطلاق، فلا يكون المنهي عنه مطلقًا، وإذا لم يكن مطلقًا لا يكون مشروعًا، يبيّنه أن النهي يدل على القبيح، والقبيح محظور، والمحظور والمشروع ضدان لا يجتمعان، يدل عليه: أن النهي ضد الأمر، فإن كان الأمر يفيد كون المأمور مشروعًا، فالنهي يفيد كون المنهي عنه غير مشروع، ولأن المشروع له درجات، وأدنى درجاته الإباحة، فإذا لم يكن مباحًا لم يكن له/ أدنى درجاته، والنازل على أدنى الدرجات نازل على العدم.
يدل عليه: أن الصلاة من حقها أن تكون طاعة وقربة، والصلاة في الدار المغصوبة معصية؛ لأنها تشتمل على القيام، والقعود، والركوع، والسجود، وهذه الأشياء تَصرُّفٌ في الدار المغصوبة، وشُغلٌ لأماكنها وأهويتها، ومنعٌ لربِّ الدّار منها لو حضر، وذلك معصية كالقعود، ووضع المتاع فيها، وإذا ثبت ذلك فالواجب لا يتأدى بالمعصية، والطاعة تنافيها المعصية، وكذلك القربة، وقد قال ﵇: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١) فما ظنك بعمل فيه نهيه، فهو أولى بالردّ، والردّ ما لا يقبل، ولا له نفاذ، كالمردود عن دخول الدار، والمردود بالعيب.
فإن قيل: أفعال الصلاة ما يفعله المصلي في نفسه من القيام، والركوع، والسجود، وليس ذلك شُغلًا للدار، وإنما هو شُغلٌ للهواء، وإنما تُشغل الأرض باستقرار قدميه، وليس ذلك من الصلاة، لأنه لو أمكنه أن يصلي من غير أن تستقر [قدماه] (^٢) في الدار جازت.
قلنا: هذا لغو بيِّن؛ فإنَّ استقرار قدميه من جملة صلاته، والقيام، والسجود، والجلوس جميعه من أركان الصلاة، وذلك شُغلٌ لعَرْصة (^٣) الدار.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (قدميه)، والصحيح لغة ما أثبتّه.
(٣) عَرْصَة الدَّار: وسطها، وقيل: ما لا بناء فيه. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٧٣٨، الصحاح ٣/ ١٠٤٤].
[ ٢٨٩ ]
وقولكم: لو أمكنه أن يصلى في الهواء جازت صلاته؛ غلط؛ فإنه يمكنه أن يعلّق بحبل [تحت] (^١) إبطيه في الهواء، ولكنه لو صلى معلقًا لم تصح صلاته، إلا أن يُفعل به ذلك مكرهًا.
ثم هبْ صحّ لكم ذلك، فشُغله لهواء الدار غصب منه؛ لأن مالك الدار أحق بهواء داره، ألا ترى أن إنسانًا لو أراد أن يشرع [جناحًا] (^٢) إلى هوائه كان له منعه.
فإن قيل: فهذا المنع إنما هو لحق [الغير] (^٣)، وإلا فالصلاة قد/ استوفى أركانها، وشرائطها الشرعية، والنهي لمعنى في غير المنهي عنه لا يبطله؛ لأنه كالأجنبي.
قلنا: من شروط الصلاة أن تكون طاعة، وأن ينوي بها أداء ما وجب عليه، وليس هذان بحاصلين، فإنا قد بينّا كون حركاته بالأركان معصية، ونيته أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب - بل هو معصية - محال، ولأنه إذا كان من جملة الصلاة ما هو معصية لم يَجُز أن يكون واجبًا من جهة أخرى.
على أن النهي عن الشيء لمعنى في غيره يمنع صحته، بدليل أن نكاح المُحْرِم، وابتياعه للصيد باطل، وهو [لمعنى] (^٤) في غير الصيد، والمرأة، والعاقد، وإنما هو الإحرام، وكذلك بيع المفلس المحجور عليه باطل، وهو لأجل الغرماء لا لمعنى فيه وفي ماله، وكذلك بيع الفُضُولِي (^٥)، وتزويجه باطل، لا لمعنى فيه، وإنما لحق المالك،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (جاحًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ٢/ ٤١١، وقوله جناحًا: يعني بروزًا من علو في داره إلى هواء أرض جاره.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (العين)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (المعنى)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) الفُضولي: المشتغل بما لا يعنيه، وفي عرف الفقهاء: من ليس بمالك، ولا وكيل، ولا ولي. [ينظر: تاج العروس ٣٠/ ١٧٨، معجم لغة الفقهاء ١/ ٣٤٧].
[ ٢٩٠ ]
وكذلك إذا فرق بين الأمة وولدها في البيع لا يصح العقد، وليس لمعنى في العاقد، ولا في المعقود عليه، وإنما لأجل الحزن، وكذلك البيع بشرط مجهول، أو خيار مجهول باطل، وليس لمعنى يرجع إلى العاقد، ولا إلى العقد، وإنما هو شرط خارج عن العقد، وكذلك جميع الشروط الفاسدة، فسقط ما ذكروه.
فإن قيل: فقد يكون مأمورا بها، ويؤدى بها حق الآمر وإن كانت في الغصب، ألا ترى أن مشيه في الدار الغصب ليخرج منها حركات في الغصب، وهي طاعة، ويقضى بها حق الآمر في ترك الغصب، كذلك فعل الصلاة يقع طاعة وإن كان حركات في الغصب.
قلنا: لا نُسلِّم أن حركاته للخروج طاعة، ولا مأمور بها، وإنما هي معصية، إلا أنه يفعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما، لأن دوامه في الدار معصية تطول، وخروجه/ معصية قليلة، ولهذا الكذب معصية، ثم لو قصد إنسانٌ نبيًّا أو مؤمنًا ليقتله ظلمًا، فهرب منه واختبأ، فجاء إلى من قد رآه، فقال: أرأيت الذي فرَّ منِّي الآن (^١) أين اختبأ؟ - وهو يعلم به ـ، جاز أن يقول: لم أره، ولم أعلم أين هو؛ ليدفع أعظم المعصيتين بأقلهما، فكذلك هاهنا، وهذا الدليل بعينه يجيء في الثوب الغصب؛ لأن حركاته في غصب، وذلك محرم، [فلا تتأدى] (^٢) فيه الطاعة.
ويدل عليه: أن المنهي عنه لم يتناوله التكليف، وما لم يتناوله التكليف لا يسقط به التكليف، وهذا لأن التكليف لا يتناول إلا ما له صفة زائدة على حسنه، والنهي إنما يتناول ما ليس بحسن، فدل على أن التكليف لم يتناوله، ويوضح ذلك أنه - تعالى - لو قال: صلوا، ثم قال: لا تصلوا بغير طهارة، دلّ على أن قوله: صلوا، لا يتناول الصلاة بغير طهارة؛ لأن أمره يدل على حسن الصلاة، ونهيه عن الصلاة بغير طهارة يدل على قبح الصلاة بغير طهارة، وأحدهما غير الآخر.
_________________
(١) في هذا المكان من الأصل حرف: (و)، والموافق للسياق حذفه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ولأنه أدى)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٩١ ]
فإن قيل: فمن أين معكم أن ما لم يتناوله التكليف لا يسقط به التكليف.
قلنا: من حيث إن فاعله لم يفعل ما كُلِّفَه، وتُعُبِّد به، فهو بمثابة أن يقول - تعالى - له: صل، فيصوم، أو يقول: صم، فيتصدق، فإنه لا يسقط عنه ما أمر به.
فإن قيل: فقد يجوز أن يكون الفعل [منهيًّا] (^١) عنه لنوع قُبح، لكن يقوم مقام المأمور في باب مصلحة هذا، كما لو جعلت الصلاة مصلحة في النهي عن الفحشاء، فلا يخرجها فعلها في الدار الغصب عن ذلك، ولهذا يجوز أن يقول - تعالى ـ: لا تصلوا في الدار المغصوبة، فإن صلّيتُم سقط عنكم الفرض.
قلنا: لا نسلم ذلك؛ فإنّ مرتكب المنكر بصلاته لم تنهه صلاته عن المنكر الفاحش، ثم ليس/ إذا ورد دليل على سقوط الفرض لمنهي عنه، يجب إذا لم يرد دليل أن يكون كذلك، ألا ترى أنه لو قال: صلوا بطهارة، فإن صليتم بغير طهارة سقط فرضكم، [لا] (^٢) يدل على ذلك أنه إذا صلى من غير ورود الدليل بغير طهارة يسقط فرضه، وكذلك لو قال: صلوا، فإن صمتُم قام مقام الصلاة، لا يجيء منه أنه إذا لم يَرِد ذلك، وقال: صلوا، تجزئ الصلاة عن الصوم، كذلك في مسألتنا لم يرد دليل بإسقاط التّعبد بما لم يتناوله التّعبد من المنهي يسقط به التّعبد.
ومن أصحابنا من قال: إنّ مخالفينا من الفقهاء وافقوا أن النهي إذا كان لمعنى يختص الصلاة والعبادة في الجملة كان دالًا على فسادها، ومعلوم أنه كما يبطل الشيء لفساد يرجع إليه يبطل بفساد شرطه، وقد ثبت أن الاستتار في الصلاة شرط لصحة الصلاة مع القدرة بلا خلاف بيننا (^٣)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (منهي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ٩٥، الغاية القصوى ١/ ٢٨٣، الإشراف ١/ ٨٩، الإنصاف ١/ ٤٥١.
[ ٢٩٢ ]
فإذا كانت السترة مغصوبة عاد النهي إلى نفس الشرط، فالشرع يقول: استتر للصلاة، ثم إنه هو القائل: ولا تستتر بهذه السترة المغصوبة، فإذا استتر بها حسًّا كان عريانًا حكمًا؛ إذ لم يمتثل الأمر بالاستتار، بل خالف، وكذلك البقعة المغصوبة يصير هذا الاستقرار كلا قرار، فيصير - وإن كان معتمدًا، ومستقرًا حسًا - كالمعلّق في الهواء حكمًا، فيصير كالمصلي في أرجوحة، أو لا ترى أنّ ما كان عدمه لا يؤثر - لما كان فساده كعدمه - لم يبطل، كالمهر إذا سماه فاسدًا بأن جعله خمرًا، أو خنزيرًا صار بالفساد كعدم التسمية، ولو عقد نكاحًا بلا تسمية مهر لانعقد وصحّ، وكذلك إذا أفسد التسمية صار كعدمها، وعدمها لا يبطل عقد النكاح، كذلك تسمية عوضه إذا كانت فاسدة.
فإن قيل: هذا باطل بالسترة الثانية والثالثة؛/ ليست شرطًا، وتبطل الصلاة بكونها غصبًا.
قالوا: وفارق ما نقوله نحن وأنتم في السترة الثانية إذا كانت نجسة؛ فإنها تبطل الصلاة وإن استقل الستر والشرط بالطاهرة، لكن السترة لم تُبطل بنجاستها من حيث كونها سترة، لكن أبطلت الصلاة من حيث كونها كانت نجسة محمولة، فكلّ نجاسة حملها المصلي في صلاته أبطلت سواء ستر محلها أو لم يستره، ولهذا لو كان الثّوب النّجس في كُمِّه وهو حامل له في صلاته أبطل صلاته، ولو كان الغصب في كمِّه لم يبطل فعلم فرق ما بينهما.
جواب آخر عن أصل الدليل: أنه لو كان الاستتار بالغصب [كالتعري] (^١) حكمًا لوجب إذا استتر بالغصب عن أعين الناس أن لا يخرج عن عهدة النهي عن الكشف بذلك الستر، ويكون عليه إثمان؛ إثم الغصب، وإثم كشف العورة، كما اجتمع في الصلاة إثم تركها، وإثم الغصب وإبطالها، فلما لم نقل ذلك، بل كان مأثم الغصب خاصة، دل على بطلان دعواكم أن المستتر بالسترة المنهي عنها كالتعري.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (كالتعزير)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٩٣ ]
وجواب آخر: أنه كان يجب إذا لم يجد ثوبًا يستتر به، فاستتر بالغصب أن تصح صلاته؛ لأنه في حالة يصح أن يصلي فيها عريانًا من طريق الحس، فإذا كان فيها عريانًا من طريق الحكم أولى أن تصح.
قلنا: أما الأول فلا يصح؛ لأنه [و] (^١) إن لم تكن الثانية شرطًا، إلا أنها من جنس الشرط، وما كان من جنس الشيء، وعاملًا عمله أجري مجراه، كالسترة الثانية، والثالثة في كفن الميت؛ يتم بها النِّصاب، فيقطع بها، وبالكفن عندنا (^٢)، وعند الشافعي (^٣)، ولو كانت منفصلة عنه مدفونة معه لا عليه لم يقطع بها، ولم يتمم بها النصاب؛ لأن الستر لا يتعين بواحدة؛/ فالحلال والمغصوب جميعًا ساترة، فالمخالفة عادت إلى السترة، وكل من الثياب ساتر، ويستعمل في الستر الذي هو مشروط في الصلاة.
وأما إذا استتر بالغصب عن أعين الناس، قلنا: يجوز أن تسقط عهدة الستر لحق الآدمي، كالاستتار بجلد الكلب، والخنزير، وسائر الستر النجسة؛ لا يحصل بها قضاء حق الستر للصلاة، ويحصل بها امتثال الستر عن أعين الناس، ويخرج به من عهدة مأثم الكشف بينهم.
وأما إذا لم يجد غير الثوب المغصوب، قلنا: أبطلنا صلاته؛ لأنه مستتر بالغصب حسًّا، ويكفي الإبطال أحد أمرين؛ إما تعريه حكمًا، أو الاستتار بالغصب حسًّا.
طريقة أخرى: أنها بقعة تحرم عليه الصلاة فيها، أو ثوب تحرم الصلاة فيه، فإذا صلى فيه لم تصح الصلاة، دليله: البقعة النجسة، والثوب النجس، ولا تلزم الصلاة في البقاع المنهي عن الصلاة فيها كالحمام، وظهر الكعبة، والمقبرة؛ لأنها كمسألتنا؛ وهذا لأن الصلاة قربة محضة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم المعنى.
(٢) ينظر: شرح الزركشي ٦/ ٣٤٩، المغني ٩/ ١٣١.
(٣) ينظر: أسنى المطالب ٤/ ١٤٥، الغرر البهية ٥/ ٩٤.
[ ٢٩٤ ]
وعبادة لا يشوبها غير التعبد لله، والتقرب بها إليه، وقد أخذ عليه أن يخلص النية للفرض، والتقرب إلى الربّ - جلّت عظمته ـ، فإذا كان حرام عليه فعلها على هذه الصفة لم تنعقد قربة، إذ من المحال أن يتقرب إلى الله بما هو معصية لله، ومحال أن تنعقد مع انعدام النية المأخوذة عليه لأجلها، يدل عليه أن الفعل الشرعي إما أن يوجد من طريق الوجوب، أو الندب، أو الجواز، وهذه الصلاة لا يوجد فيها شيء من هذه الأوجه، فلم تكن شرعيّة، فبطلت.
فإن قيل: لو كانت الصلاة إذا وقعت على وجه محرّم، أو منهي عنه يبطلها، لوجب أن لا تصح/ صلاة من رأى مسلمًا يغرق، أو نارًا تحرق نائمًا غافلًا، أو طفلًا عاجزًا، أو شيخًا [هرمًا] (^١) وهو يعلم من نفسه القدرة على استنقاذه، وكذلك من كان عليه دين، أو عنده وديعة وهو مقتضى بالدين، أو مطالب بالوديعة وهو ممكن من أداء دينه، وردّ الوديعة، فلما صحّت الصلاة مع هذه المناهي، وكان فعل الصلاة محرّمًا، وغير متقرّب بها على ما قررت، ثم إنها وقعت مجزئة [فبطل] (^٢) تعلقكم بما ذكرتم، واعتلالكم بما ذكرتم، وآكد من هذا صلاة الآبق الذي هو في الحقيقة غاصب لنفسه التي يصلي بها، وفيها - وهي للصلاة آثر من السترة، وأخص - تقع صحيحة محرمة عندكم وإن كان جميع ما قررتم من العصيان، وعدم التقرّب موجود في صلاته.
فإن قلتم: ليس ذلك منهيًّا عنه لأجل الصلاة.
قيل لكم: وليس الغصب منهيًّا عنه لأجل الصلاة.
وأما إذا كانت السترة نجسة فإنما بطلت الصلاة؛ لأنه يحمل نجاسة، أو يلاقيها، فلم تصح صلاته، بخلاف مسألتنا فإنه صلّى في موضع طاهر، وثوب طاهر، فصحت صلاته.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (هما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (بطل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٩٥ ]
قلنا: تنجية الغريق من الغرق، وما شاكل ذلك من الهلكى فليس بواجب للصلاة، ولا شرطًا فيها، والسترة والقرار في البقعة شرطان للصلاة، فإذا انعدما لم ينعقد للصلاة مع عدمها، وإذا وجدا على الوجه الذي نهي عنه كانا في الحكم كأن لم يوجدا.
وأما الآبق فأوقات صلاته مستثناة له من ملك سيده، وهو في أوقات الصلوات كالحر، فيصير في أوقات صلواته المستثناة كالمصلي في بيت يختصه إما بالملك، أو الإجارة في الدار المغصوبة فلا تصادف صلاته ما غصبه من سيده.
والمدين - أيضًا ـ،/ والمودع لا يجب عليه ذلك في وقت الصلاة، ولهذا نقول: لو أُخرت الوديعة بعد المطالبة لأجل صلاة فرض قد حضر وقتها، فتلفت الوديعة لم يضمن، وكذلك كل شغل يخصه من بول، أو وضوء، أو ما شاكله.
وأما عذرهم عن السترة النّجسة بأنه حامل للنجاسة، وملاقيها.
قلنا: ولم إذا كان حاملًا للنجاسة أو ملاقيها تبطل صلاته إلا لأن الشرع حظر عليه ذلك، وقد حظر عليه الصلاة في البقعة، والثوب الغصب، على أن علة الأصل باطلة به إذا صلى في سترة نجسة لا يجد غيرها، أو حبس في موضع نجس؛ فإنه يصلي وصلاته صحيحة.
طريقة أخرى: أنها صلاة في ثوب غصب، أو أرض غصب فلم تصح، دليله: صلاة النافلة، وكل ثوب لا يصح فيه النفل لا تصح فيه صلاة الفرض، دليله: الثوب النجس؛ وهذا لأن النفل أخف حكمًا من الفرض، فإذا لم يصح مع خفّة حكمه، فأولى أن لا يصح الفرض.
فإن قيل: صلاة النفل ممنوعة على أحد الوجهين، وإن سلمنا أنها لا تصح فإنما قلنا ذلك؛ لأن النافلة ليس فيها سوى القربة، فإذا أتى بها على وجه المعصية لم تقع موقعها، ولم يبق شيء يحكم بصحتها لأجله، فأما الفريضة فإنها قربة، وأداء شيء مفروض في الذمة، فإذا زالت القربة بقي أداء ما في الذمة، وإسقاط الفرض.
[ ٢٩٦ ]
قلنا: أما المنع فليس بمذهب، فلا يلتفت إليه، وأما العذر فلا يصح؛ لأنها إذا كانت قربة فلا انفصال للقربة عن الفرض، فهي مفروضة متقرب بها، فإذا سقط معنى التقرب لم تبق صلاة فريضة، ولا الصلاة المأمور بها، فالإتيان بها بلا قربة كعدم الإتيان بها، ولسنا نعرف صلاة ليست قربة/ يسقط بها الفرض، ولا عبادة لله - سبحانه - أصلًا تقع على غير وجه القربة، بل قربة لا تقع فرضًا وهي النافلة، لأن كل فريضة قربة على صفة الإيجاب والإلزام، فمن ألزمه الله - سبحانه - صلاة على وجه القربة، فأتى بصلاة لا على وجه القربة كان كمن أمره بصلاة بطهارة، وستارة، فجاء بصلاة لا بطهارة، ولا ستارة.
فإن قيل: يجوز أن يسقط الفرض وإن كان الشرط حاصلًا بمحظور، بدليل أن من تقوّى على أداء العبادات البدنية بطعام، مثل إنْ تزوّد في الحج بطعام مغصوب، فقوي به على السعي إليه، والنهوض بمناسكه، وأفطر وتسحّر في رمضان بطعام مغصوب، فقوي به على الصوم في الطرفين إفطارًا وسحورًا، وكان يضعف عن القيام في الصلاة في زمن قحط ومجاعة، أو لفقر يخصه، فغصب طعامًا فقوي بأكله، ونهض فصلى قائمًا، فإنه تصح صلاته وإن كان [ما] (^١) تجدد من القوة عن الأكل المحظور للطعام المغصوب.
قلنا: الطعام منذ مضغه، (^٢) صار في ذمته بإتلافه، وقوى أكله له، حيث استحال، وخرج [عن] (^٣) كونه طعامًا ومالًا، ولم يبق في صلاته سوى شغل ذمته بالغرامة، والقوة ليست عين الغصب، ولا توصف بالتحريم، ولهذا برئ من ضمان الغصب، ومأثمه بالغرامة للمال، والندم على فعاله، والعزم على أن لا يعاود إلى مثله، وهاهنا قد استعمل في الشرط عين الغصب، ونفس الحركات، والسكنات المتعدّى بها لا يجوز أن تقع قربة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) بهذا المكان في الأصل حرف: (و)، وحذفه هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٩٧ ]
ولا طاعة على ما تقدم بيانه، فأما الإفطار فإنه حصل بعد مصارفة العبادة، والخروج منها، فيصير كغصب ثوب بعد/ الصلاة، فيبقى حكم الغصب، لا عين الغصب.
وأما السحور فصادف ما قبل التلبس بالعبادة، فهو كتلبسه بالغصب قبل الصلاة، وكذلك لو ذبح في الهدي والأضحية شاة الغير لم يصح، ولو أكل شاة الغير ثم تقوى بها على صوم هو بدل الهدي لم يمنع الصحة، لما كان [أثرًا] (^١) له، وقوة عن المغصوب، لا عين المغصوب.
وكذلك لو أكل الميتة، وشرب الخمر، ولم يزل كذلك يتقوى على الصلاة لم تقع الصلاة باطلة، وإن كانت قوة صدرت عن أعيان نجسة مثلها يمنع صحة الصلاة، وإن كانت القوى الصادرة عنها تصح معها وبها الصلاة، فبطل أن يؤخذ ما يحدث عن الغصب مأخذ الغصب.
احتجوا:
بما روى عقبة بن عامر قال: أهدي لرسول الله - صلَّى الله عليه ـ[فَرّوجٌ] (^٢) (^٣) من حرير، فلبسه، وصلى فيه المغرب، فلما قضى الصلاة نزعه نزعًا عنيفًا، فقلنا: يا رسول الله لبسته، وصليت فيه. فقال: «ليس هذا من لباس المتقين» (^٤). وفي لفظ آخر: «إن هذا لا ينبغي للمتقين» (^٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (أمرا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (فروجًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) الفَرُّوج: قباء - وهو ثوب يلبس فوق الثياب - فيه شق من خلفه، سمي بذلك للتفريج الذي فيه. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٤٠٠، النهاية ٣/ ٤٢٣].
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٢٧٥، ح ٧٥٨ ولفظه: أن النبي ﷺ صلى في فروج حرير، ثم نزعه، فقلت: يا رسول الله، صليت فيه، ثم نزعته؟ قال: «إن هذا ليس من لباس المتقين»، وأصله في الصحيحين كما سيأتي.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه ١/ ٨٤، ح ٣٧٥، ومسلم، كتاب اللباس والزينة ٣/ ١٦٤٦، ح ٢٠٧٥ عن عقبة بن عامر، قال: أهدي إلى النبي ﷺ فروج حرير، فلبسه، فصلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، وقال: «لا ينبغي هذا للمتقين».
[ ٢٩٨ ]
فوجه الدلالة: أنه خلعه بعد الفراغ، ولم يعد الصلاة، والخلاف في الحرير والغصب سواء.
قالوا: ولأن الأمة لم تخل فيما سلف من قوم يصلون في غير أملاكهم، وفي أراض غصبوها من أقوام، ولم يسمع في ذلك تشاجر، فلا مناظرة، ولا نكير تبعه الأمر بقضاء الصلوات، وهذا دليل على أن الأمة أجمعت على أن الصلاة مجزئة، فلا يلتفت إلى خلاف من خالف؛ لأن الإجماع قد سبقه.
قالوا والفقه في ذلك: أنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها على تمامها وكمالها، فصحت عبادة وإن كان في موضع غصب، كما لو توضأ/ بمائه في موضع غصب، أو صام في غصب، أو زكى وهو في موضع مغصوب، وهذا لأن الشيء إذا وجد بشرائطه، وأركانه، فلابد من الحكم بوجوده، بدليل الحسيّات؛ فإن الشيء المحسوس إذا ثبت في محلّه، وصدر من أهله ثبت قطعًا، كذلك هاهنا.
قالوا: وأما النهي الوارد من الشرع فهو الدليل على تحقيق الصلاة؛ لأن النهي عما لا يتصور سفه وعبث، وإنما يتصور النهي عن متكون، فأما عما لا يتكون فلا؛ لأنه لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للآدمي: لا [تطر] (^١)، فدلّ عين النهي عن الصلاة على تحقيق الصلاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يتصور محسوسًا وإن لم يتصور مشروعًا؛ لأن الصلاة صلاة بالشرع، لا بالحسّ، وكذلك الصوم، والنهي عن الصلاة ينصرف إلى صلاة حقيقة، وكذلك النهي عن الصوم ينصرف إلى صوم حقيقة، والذي هو صلاة حقيقة صلاة منعقدة صحيحة، فالنّهي عنها دلّ على تكوّنها، يُبيّنه أن حقيقة النهي طلب الكف عن الفعل، وحقيقة الأمر طلب الفعل، فإذا لم ينكف، وفعل فماذا؟ حكمه موقوف على الدليل.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تطير)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٢٩٩ ]
وقال القاضي أبو زيد في «أصوله» (^١): النهي ليس لإعدام الشيء بنفسه، بل هو طلب الإعدام بكف العباد عنه، كما أن الأمر ليس بإيجاد الشيء بنفسه، لكنه طلب الإيجاد بفعل العبد إياه، وإنما يتصور الإعدام بكف العباد عنه إذا كان يتصور وجوده بفعله، فإذا لم يتصور وجوده بفعله لم ينعدم بكف العبد عنه (^٢).
قالوا: ولأن النهي في مسألتنا لمعنى في غير المنهي عنه، فلا يمنع صحة الصلاة، كما إذا صلى وهو مدافع للأخبثين (^٣)،/ أو صلى وهو مماطل بالوديعة، أو صلى وإنسان يغرق، أو يحترق وهو قادر على خلاصه، ومن غير هذا الباب الطلاق في حالة الحيض، والخطبة على خطبة أخيه، والدليل عليه أنه ممنوع من الغصب في غير الصلاة، وإذا لم يكن المنع يختص بالصلاة يجب أن لا يؤثر فيها، كما قلنا في تلك الأشياء.
يدل عليه: أن الكون في الدار المغصوبة معصية، والصلاة فيها ليس هو الكون، بل هي الأفعال المخصوصة، وهي طاعة لله - سبحانه - في نفسها، والدليل على أن الكون في الدار غير الصلاة، والصلاة غير الكون في الدار أنه قد يفعل الكون في الدار من ليس بمصلّ فيها، ويكون مصليًا من لا يفعل الكون فيها بأن يصلي في غيرها، فأوجب هذا التقرير أن الصلاة طاعة، وقربة منفصلة عن الكون في الدار، فلا يعود الكون الذي هو [حيّز] (^٤) لها بإبطالها، وإخراجها عن كونها طاعة، ومجزئة.
_________________
(١) كتاب: (تقويم الأدلة في أصول الفقه)، للقاضي أبي زيد الدبوسي، شرحه فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي. [ينظر: كشف الظنون ١/ ١٩٦، ٤٦٧، هدية العارفين ١/ ٦٤٨، ٢/ ٨٣].
(٢) ينظر: تقويم الأدلة ١/ ٥٦.
(٣) الأخبثان: البول والغائط. [ينظر: الصحاح ١/ ٢٨١، المحكم والمحيط الأعظم ٥/ ١٦٦].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (محيّز)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٠٠ ]
ومنهم من قال: بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة، وسترة طاهرة محيلة بين عورة المصلي وبين القبلة، أو موازية للعورة أشبهت الحلال المختصة به ملكًا واستئجارًا.
قالوا: ولأن كل بقعة صحّت فيها صلاة الجمعة صحّت فيها صلاة الظهر كالحلال، وقد نص على هذا أحمد (^١).
قالوا: ولأنه غصب استعمل في عبادة، فلا يبطلها، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو على يدي عبد مغصوب، أو ورثها بميراث مغصوب، أو استنجى، أو استجمر بحجر مغصوب، أو أحرم [واقفًا] (^٢) على جمل مغصوب، وكذلك - أيضًا - إذا غصب سكّينًا فذبح بها شاته، أو نحر بها الهدي، أو جنى بها فإنه يصح، كذلك هاهنا.
قالوا: ولأنه لما لم يمنع صحة الصلاة كون الجدران/ مغصوبة، وقبلته مغصوبة، كذلك بقعته، ألا ترى أن أحمد منع من الصلاة في مسجد وراء قبلته حش، ومنع من صحة الصلاة إليها كما منع صحة الصلاة في الحش (^٣)، فلو كان الغصب مانعًا من الصلاة فيه لمنع صحة الصلاة إليه، ولأنه لو كانت البقعة الحلال شرطًا لما صحّت صلاة من زحم رجلًا عن مكان قد سبق إليه من المسجد، ولمّا صحّت دلّ على ما قلناه.
يدل عليه: أنه لو كان المكان المغصوب يمنع صحة الصلاة لكان الزمان الذي هو أخص بها يمنع صحة الصلاة، وذلك أنه لو تضايق وقت الصلاة المفروضة بحيث لم يبق من الوقت إلا بمقدار فعلها، فعدل عن فعلها إلى صلاة نافلة، فلمّا صحّت صلاة النفل مع غصب وقت الفرض، [كانت] (^٤) صلاة الفرض في مكان الغصب أولى أن تصح، ولأنه لو صلى في أرض غصب، أو ثوب غصب وهو لا يعلم بذلك، ثم علم صحت صلاته، كذلك إذا كان عالمًا به.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٩٤، المبدع ١/ ٣٩٥.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (وقف)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٩٥، الفروع ١/ ٣٧٣.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (فصحت)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٠١ ]
الجواب عن الحديث: أنه يحتمل أنه كان نزول التحريم حين نزعه نزعًا عنيفًا، وهذا هو الظاهر، والذي يعضد هذا التأويل ما روى أبو بكر الخلال في كتاب «اللباس» (^١) بإسناده عن أنس بن مالك أن أكيدر دومة الجندل (^٢) أهدى إلى رسول الله - صلَّى الله عليه - جُبَّة (^٣) حسنة من سندس (^٤)، قال: وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها فقال: «والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها» (^٥). فدل على أنه قد كان مباحًا، فيحمل نزعه للفَرُّوج على النسخ، وأنه كان ذلك ابتداءً الحظر، والدليل على هذا لبسه لها، فكل جواب لهم عن اللبس هو جوابنا في الإعادة.
الثاني: يحتمل أن يكون أعاد، ولم ينقله الراوي.
وأما دعوى/ الإجماع فغلط؛ لأنهم لا يمكنهم تحصيلها، لأنه يحتاج أن ينقل أن جميع فقهاء العصر عرضت عليهم صلاة غاصب في ثوب، أو أرض، فأفتوا بصحة صلاته، وإجزائها، فأما أن تجعل معولك
_________________
(١) كتاب (اللباس) لأبي بكر الخلال، والراجح أنه جزء من الجامع. [ينظر: المدخل المفصل لمذهب أحمد ٢/ ٨٨٢، المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته ٢/ ٢٤ - ٣١].
(٢) دومة الجندل: محافظة تتبع منطقة الجوف، جنوب غرب مدينة سكاكا، شمال المملكة العربية السعودية، وبينها وبين مكة المكرمة مسافة كيـ ١٢٢٠ ـلًا. [ينظر: المعالم الأثيرة ص ١١٧].
(٣) الجُبَّة: ضرب من مقطعات الثياب، وجمعها: جُبَب، وجِباب. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٢٢٤].
(٤) السُّنْدُس: رقيق الدِّيباج ورفيعه. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ١٠٦، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٦٤٧].
(٥) أخرجه أحمد ٢١/ ١٢٣، ح ١٣٤٥٥، والنسائي في الكبرى، كتاب الزينة، باب لبس السندس ٨/ ٤٠٨، ح ٩٥٤١، والحديث أصله في الصحيح، أخرجه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب قبول الهدية من المشركين ٣/ ١٦٣، ح ٢٦١٥، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ٤/ ١٩١٦، ح ٢٤٦٩ ولم يذكر أنه لبسها، وفيه: وكان ينهى عن الحرير.
[ ٣٠٢ ]
على أنه لم ينقل ذلك، فهذا نفي لا يعطي إثباتًا، وكيف يعوّل على النفي مع ما نقلنا من الإثبات، بل الإجماع الذي نتعلق به نحن أوضح وأوضح؛ لأن الناس أجمعوا على تحريم فعلها في الغصب، وعلى أنها معصية، وأن الصلاة تجب ويشترط أن تقع قربة، وتنوى قربة إلى الله - تعالى ـ، ولا يمكن هذا نية القربة بفعل هو معصية، فإذا تعذر ذلك لم تقع الصلاة مجزئة إجماعًا، على أنا نتعلق بإجماع سابق وهو أن الصلاة ثابتة في ذمته على وجه لا يختلف الناس فيه، وهو فعلها على وجه القربة المحضة، وأداؤها بسترة مغصوبة في بقعة مغصوبة ليس يتحقق معه نية القربة حيث كان الشرع قائلا له: لا تصل في الغصب، ولا تستقر في البقعة الغصب، وهو فاعل ذلك، ومرتكب له، وإذا كان مؤديًا لا على الوجه الذي أمر به، بل على الوجه المنهي عنه فالصلاة المأمور بها على وجه القربة باقية في ذمته بالإجماع، إذ كان الذي أتى به غير المأمور به، فهو كما لو قيل له: صلِّ مستترًا متطهرًا، فصلى عريانًا محدثًا.
فإن قالوا: هذا قول يعطي الإحباط، ولستم قائلين به، ولا أحد من الفقهاء؛ لأنكم إذا جعلتم نية القربة لا تتم إلا بالبراءة من التلبس بالمعصية كان معناه أن نيته الصلاة لا تنعقد قربة لكونه متلبسًا بمعصية، وهذا غير صحيح على مذاهب أهل السنة؛ لأن الفقهاء قالوا: إذا نوى بصلاته ظهرًا ولم ينوها واجبة/ وقعت واجبة بحكم أنها واجبة، وأغناه ذلك عن نية الوجوب (^١)، والإخلال بنيّة الوجوب أبلغ من فعل معصية خارجة عن نيّة الصلاة، فإذا لم يؤثر الإخلال بنيّة الوجوب في خروج الصلاة عن كونها الواجبة المأمور بها، كذلك التلبّس بالغصب مع كونه نوى الصلاة التي هي قربة في أصل وضعها لا يخرجها عن كونها قربة.
قلنا: ليس هذا من قول أهل الإحباط في شيء؛ لأن الإحباط أن تعكّر المعصية على الطاعة بالإحباط، وإن خرجت الطاعة وتمّت على الوجه المأمور به فيبطل ثوابها.
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ١/ ١٧٢، المبدع ١/ ٤١٤.
[ ٣٠٣ ]
فأما ما نحن فيه فهو إخلال بشرط فيها، والإخلال بشرط الواجب، أو التعبد يخرجه عن كونه المأمور به، وكون الظهر والعصر، وسائر الصلوات المؤقتة إذا نواها ظهرًا أو عصرًا فقد نوى الموجَب ضمنًا؛ لأن الظهر لا تقع من المكلّف إلا واجبة، فدلّوا على أن المصلي في العصر لا تقع صلاته إلا قربة، ولا يمكنكم ذلك؛ فقد صار الموجب لعدم الإجزاء الإخلال بشرطها، وهو نيّة القربة، والإتيان بالسترة، والاعتماد على وقعه على الوجه المأمور به، ولم يحصل، فأما الإحباط فلا يتحقق.
وأما قولهم: إنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها.
قلنا: هذا ممنوع، لا نسلم أنه أتى بشرائط العبادة، وأركانها؛ لأن من شرائطها الستارة وهي غصب، وإن من شروطها الشرعية أن تكون طاعة، وأن ينوي بها الواجب، وليس هذان بحاصلين، ولأنه إذا كان من جملة الصلاة ما هو معصية لم يجز أن يكون واجبًا فيها من جهة أخرى، ولأن الشرط في صحة شرائطها، وأركانها أن يتناولها التكليف الشرعي، ولم يتناولها،/ فأوقعت على وجه قبيح، والتكليف إنما يتناول الحسن، فإن الله - تعالى - لا يتعبدنا بالمحرم القبيح.
وما ذكروه فلا نسلمه؛ فإن أحمد ﵁ قد نص في رواية ابن بختان (^١) فيمن اكترى (^٢) [دُكَّانًا (^٣) غصبًا] (^٤) وهو لا يعلم وقد خرج، ما يصنع بما اشترى؟
_________________
(١) أبو يوسف يعقوب بن بختان الفقيه، صاحب الإمام أحمد، قال الخلال: كان جار أبي عبد الله وصديقه وروى عنه مسائل كبيرة لم يروها غيره في الورع. قال ابن أبي الدنيا: كان من خيار المسلمين. وقال الخطيب: أحد الصالحين الثقات. [ينظر: تاريخ بغداد ١٦/ ٤٠٨، طبقات الحنابلة ١/ ٤١٥، تاريخ الإسلام ٦/ ٤٥١].
(٢) الاكتراء: الاستئجار، وأكريته الدار وغيرها إكراء فاكتراه: آجرته فاستأجر، واكترى الدار وغيرها: استأجرها. [ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٣٢، المعجم الوسيط ٢/ ٧٨٥].
(٣) الدُّكَّان المتجر، والدُّكَّان - أيضًا ـ: الدكة المبنية للجلوس عليها. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٨٤، ٥/ ٢١١٤، المعجم الوسيط ١/ ٢٩٢].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (دكان غصب)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٣٠٤ ]
قال: يرده في الموضع (^١). وقال في موضع: يرجع فيلقيه في المدينة ويخرج (^٢).
فإذا قال هذا في البيع وليس بتعبد، فما ظنك فيما قصده به القربة بفعله على وجه منهي عنه.
ثم إن سلمنا فما قاسوا عليه ليس يرجع إلى شرط من شرائط العبادة، فإن الصوم ليس من شرطه المكان، والسترة، وكذلك الزكاة، والوضوء بخلاف الصلاة.
جواب آخر عن أصل الطريقة: دعواهم وجود شرائط الصحة باطل، وما دلّوا عليه فليس بكافٍ، بل لا بدّ مع ذلك من الإتيان بها على شرط الشرع، وهو خلوها من الأسباب المفسدة، وقد سبق بيانه، والتعلق بالحسيّات ليس بشيء؛ لأن الذي اختلفنا فيه إنما هو شرعيّ، وإنما يتبع به مورد النص.
فأما قولهم: إنّ النهي عن الشيء يدل على تحقق ذلك الشيء، وتكونه.
قلنا: نعم حسًا، فأما شرعًا فلا يمكن أن يقال [تحقق] (^٣) إلا بالشرع، وقد ذكرنا اعتراضهم على هذا، ووجه الانفصال عنه: أن النهي لطلب الامتناع عن الشيء كما قالوا، ولا يعقل طلب الامتناع إلا بعد تصوّر فعل الشيء منه، فيقال لهم: إنما طلبتم تصحيح النهي عن الشيء معقولًا ومحسوسًا لا مشروعًا، فيتبقى الحسّ، فنقول: قد تُصوِّرت الصلاة محسوسًا، فتُصوِّر النّهي وعُقل، ثم حينئذ ينظر إلى عمل النهي بحسب ما يدل عليه الدليل، وقد دل على أن/ علة الإعدام عدم المشروعية على ما سبق.
_________________
(١) جاء في النكت على المحرر ١/ ٤٥ ما نصه: «قال ابن الزاغوني: لو عقد البيع والنكاح في موضع غصب، فقال المخالف: يصح ملزمًا، فقال ابن الزاغوني: لا نُسلّم هذا، ونقول البيع والنكاح وسائر العقود الشرعية باطلة؛ لأنه قد نقل يعقوب بن بختان عن الإمام أحمد وسئل: إذا اكترى دكانًا غصبًا وهو لا يعلم، فما الذي يصنع بما اشترى منه؟ قال: يرده في الموضع الذي أخذه منه».
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ٤١٨.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (تتحقق)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٠٥ ]
والحرف الوجيز: أن الصلاة محسوس ومشروع، فمن حيث تحقيق النهي عنها معقولًا يعتبر المحسوس، ثم كونها مشروعة يفوت بالنهي، فتبقى صلاة محسوسة لا مشروعة، فلم تصح، ولم يترتب عليها الحكم لما بينّا أنّ المشروع يتبع السبب المشروع، هذا جواب.
جواب آخر وهو: أن النهي عن هذه الصلاة إخبار عن نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفت الصلاة المشروعة قطعًا، وهذا مثل النهي عن نكاح المشركات، ونكاح الأمهات، والبنات، ونكاح امرأة الأب، وبيع الحر، وما هو بمسألتنا أخص من النهي عن الصلاة بغير وضوء، وبغير ستارة، وبغير قرآن، وغير ذلك، صح النهي في هذه الصور كلها لتصوّر وجودها من العبد على غاية ما يمكن منهم، ثم انتفت الصحة شرعًا؛ لأن النهي نفى المشروعيّة، ولا يُتصوّر عقد مشروع مع انتفاء المشروعية.
فإن قالوا: فالمناهي كلّها نفي إذًا، والنهي عيّن.
قلنا: بل هي في الشرع نفي المشروعية، وهذا لأنّا نتّبع الدليل، وقد قام الدليل في هذه المواضع فعملنا به، ولا كلام لهم على هذا أصلًا.
أما قولهم: إن النهي لمعنى في غير الصلاة؛ فهذا الكلام لا يرد على هذه الطريقة التي اعتمدنا عليها، ثم نقول: إن النهي عن العبادات وغيرها من العقود الشرعية يوجب فسادها في أي موضع ورد، وعلى أي وجه وجد من غير تفصيل.
ويقال لهم على قولهم في التفريق بين النهي الوارد على الشيء لعينه، أو لغيره: فهذا الفرق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه/ لا يُتصوّر عندنا؛ لأن النهي بخطاب الشرع، ولا ينهى عن الشيء لعينه بحال، ولأنه لو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه؛ فإنّ النّهي عن القتل إذا كان لعين القتل فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا، وغير ذلك، فهذا كلام متلقى من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلًا مرة، ومحظورة عقلًا أخرى، وهذا مذهب مردود متروك، وهو بدعة وضلالة، فأما عندنا فالحظر والإيجاب بالسمع لا غير.
[ ٣٠٦ ]
يدل على أن النهي عن الشيء يدل على قبحه سواء كان لمعنى في عينه، أو لمعنى في غيره، فكذلك يدل على الفساد.
فإن قيل: إنما يدل على القبح بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا ينهى إلا عن القبيح، وكذلك الأمر يدل على الحسن بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا يأمر إلا بالحسن، فإذا كان القبح بواسطة دليل لم يدل على الفساد بنفسه.
قلنا: نهي الحكم دليل القبح في نفسه، فيكون دليل الفساد في نفسه؛ لأن القبيح والفاسد في الشرع واحد.
وأما قولهم: إن الصلاة تنفرد عن الغصب، والكون.
قلنا: هذا كلام ظاهر الفساد؛ لأن الكون في الدار وإن تصور غيرًا ومنفردًا عن الصلاة، والصلاة منفردة عنه، لكن إذا صلى فيها لا يكون مصليًا في الدار إلا بفعل الكون فيها، والكون المفعول في الصلاة في الدار المغصوبة لا ينفرد عنها، وما هذا إلا بمثابة من قال: القعود في الدار غير الكون فيها؛ لأنه قد ينفصل القعود عن الكون فيها بأن يكون فيها قائمًا لا قاعدًا، فيقال له: هذه أحوال الكون؛ فحالة يكون فيها قاعدًا، وحال يكون فيها قائمًا، كذلك الكون في الدار وهو غير مصلّ/ لا يُخرج المصلي فيها عن كونه فاعلًا للكون فيها في حال صلاته فيها، وكما لا يعطي ما ذكرت أن يكون القعود في الدار غير الكون فيها، لا يعطي أن تكون الصلاة فيها غير الكون فيها، وما هذا إلا بمثابة من قال: إنّ الكون ليس بحركة؛ لأنه قد يكون في المكان ساكنًا، وليس بسكون في المكان؛ لأنه قد يكون فيه متحركًا. وذلك قول فاسد؛ لأنه يعطي أن اللّون غير السواد فإنه قد يكون اللّون بياضًا، وغير البياض؛ لأنه قد يكون حمرة، وإنما الصحيح أن اللّون شامل لهذه الصفات، كذلك الكون شامل لكون الكائن في المكان متحركًا [تارة] (^١) وساكنًا، كذلك الكون في الدار في حق المصلي لا ينفصل عن كونه مصليا فيها.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (كارة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٠٧ ]
وأما قول من قال منهم: إنها بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة.
قلنا: ولم اكتفيت بهذه الأوصاف [في] (^١) الإجزاء ووقوع الصلاة موقعها، على أنّك من حيث شرطتَ الطهارة، واستقبال القبلة للاعتداد، يجب أن تشترط الأصل المعتمد وهي كونها غير منهي عن الصلاة فيها؛ لتقع قربة غير محرمة الاستعمال، ليكن الستر والكون واقعين على وجه الطاعة [لا] (^٢) المعصية والمخالفة، ولم جعلت الحرام كالحلال، والإخلال كالتحصيل، على أنك تتعلق للإجزاء والصحة بكونها طاهرة، ونتعلق نحن لنفي الإجزاء بكونها مستعملة لا على الوجه المأمور به وهو القربة، ونرجع إلى أصل هو الإيجاب لها، والخطاب بها، ولا يمكن الخروج عن عهدة ذلك إلا بتكامل الشروط المعتبرة، ولا تكامل مع اختلال نية القربة والطاعة، وحصول الستر والاستقرار بغير ما نهي عن الاستقرار عليه، والاستتار به.
/ وأما تعلقهم بصلاة الجمعة، قلنا: لا نُسلّم، ونحمل قول أحمد على الرواية التي يقول فيها بالإجزاء، وقد حَكينا الروايتين في رأس المسألة.
ويحتمل أن أحمد ﵁ قال ذلك لمعنى، وهو أن الجمعة يقيمها السلطان، فتقع في المكان الذي يعينه، وليست الجمعة مما تقام حيث شاء المكلف، بل هي منوطة بالسلاطين والأمراء، وهي من أعلام الدين الظاهرة، فأمر بالصلاة فيها لإقامة العَلَم الظاهر، ولئلا ينسب إلى أنه لا يرى الجمعة، أو يتهم بالطعن في الأمير المقيم لها، أو الإمام المصلي بالناس، فيعطي العَلَم الظاهر حقه ويعيد.
وقد علّل أصحابنا (^٣) في قوله بالصلاة خلف الفاسق في الجمعة دون غيرها؛ لأنه يمكنه أن ينتقي الأئمة في الجماعات لأنها كثيرة، فأما الجمعة فلا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (إلا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) كالقاضي أبي يعلى في التعليق الكبير ص ٦٩٢.
[ ٣٠٨ ]
وقد كان جماعة من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه - يصلون خلف الحجاج (^١) مع ظهور فسقه اتّقاء شرِّه، وإقامةً للعَلَم الظاهر، والشعار الذي [إن] (^٢) تركوه أخلد العوام إلى إهماله، والغالب ممن يتولاها من بين ظالم، أو لابس حرير، أو متسلِّط، فيفضي تحري البقاع، وشروط الاتباع إلى أحد أمرين؛ إما إسقاطها وفيه إسقاط للشعار الكثير الظاهر المستحسن الذي يخسف صدور الملحدين والجاحدين، أو إلى المخاطرة بالنفس، ووقوع الهَرْج (^٣)، بخلاف الصلوات الخمس فإنه يمكن التحري لها، والبقاع وغيرها من الشروط في إقامتها، والجوامع يتولى بناءها الأمراء [الذين] (^٤) لا يتحرون في أبنيتهم، فيصلي على ما ذكرنا، وفي إيجاب الإعادة روايتان (^٥).
فإن قالوا: فعلى [قولكم] (^٦) هذا يجب أن تقولوا: يستتر بالسترة المغصوبة إذا لم يجد/ سواها.
قلنا: إن كانت عليه وهو مكتوف لا يمكنه خلعها فكذلك نقول،
_________________
(١) الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي، أمير العراق، أبو محمد، ولد سنة ٤٠ هـ، ولي إمرة الحجاز، ثم ولي العراق عشرين سنة، وكان فصيحًا بليغًا، قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أحدًا أفصح من الحسن والحجاج، والحسن أفصحهما. وكان له في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها؛ فقد قتل عبد الله بن الزبير، وغيره من العلماء والصالحين، وفي الصحيح: أن أسماء بنت أبي بكر قالت للحجاج: أما إنّ رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابًا، ومبيرًا [المبير: الذي يسفك الدماء، ويعتدي على النّأس، يظلمهم]، فأما الكذّاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. مات سنة ٩٥ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢٩، تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٧١].
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) الهَرْج: الفتنة، والهَرْج: القتال والاختلاط فيه، والهَرْج: شدة القتل وكثرته. [ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ٣١، الصحاح ١/ ٣٥٠، المحكم والمحيط الأعظم ٤/ ١٥٩].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (الذي)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٧٥.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (قود)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٠٩ ]
وإن كانت بحيث يمكن خلعها فلا يصلي فيها، بل يصلي عريانًا؛ لأنه (^١) يمكنه أن يصلي تاركًا لها، وأما البقعة فلا يمكنه الانفكاك عنها، فمتى أمكنه ذلك لم تصح الصلاة فيها، فهما سواء أعني السترة والبقعة، فإن صلاة العريان صحيحة مع العذر، والجمعة لا تصح مع منفرد، [وفعل] (^٢) الجمعة في بقعة مخصوصة [وضعها] (^٣) السلطان لا يمكن تركها إلا بترك الجمعة، وهذه يمكن تركها، وتصح على وجه التجرّد والتعرِّي، كمن عُدم السترة رأسًا، بخلاف النجسة، فتلك حق لله - تعالى - يسقط في [حقٍّ له] (^٤)، وحقُّ الآدميّ لا يسقط لحقِّ عبادةٍ، بل يسقط حقّ الله لأجله، بدليل تنجية الغريق في الصلاة؛ يقدَّم عليها.
وأما قولهم: غصب استعمل في عبادة كالمسائل؛ فقد تقدم جوابها بين المنع والتسليم والاعتذار، ولأن الوضوء في أرض كالوضوء في طست مغصوب، والبقعة والطست لو كان نجسًا لم يمنع، [لأن] (^٥) إخراج الماء المستعمل إلى الطست والأرض والقرار ليس بمعتبر.
وأما الاستجمار، والاستنجاء؛ فقد قال بعض الأصحاب: يحتمل أن يُعتبر كون المستعمل حلالًا (^٦)، كما اعتبر أن لا يكون عظمًا ولا روثًا، [ولو] (^٧) سلّم فذاك إزالة عين، فهو كرد الغصب؛ يحصل برده على يدي عبد مغصوب، إذ ليس القصد إلا حصول العين في يد مالكها، وهاهنا القصد القربة بالفرض الكامل الشرط، ولا كمال شرط مع كون السترة، أو البقعة المغصوبة، فأما التقرب بالاستجمار، والاستنجاء بالماء المغصوب فلا يحصل.
_________________
(١) في هذا المكان من الأصل حرف: (لا)، وقد حذفته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (بفعل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (وضعه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (جوابه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (لأنه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٢٢٦، الإنصاف ١/ ١٠٩، وذكر أنّ اشتراط إباحة المستجمر به من مفردات الحنابلة.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (ولم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣١٠ ]
وأما الذبح بالسكين الغصب؛ فقال أبو بكر عبد العزيز: تصير الذبيحة ميتة (^١)./ وقال أحمد: لا يحرم؛ لأن الضرورة تبيح ذلك (^٢).
وأما إذا ختن فهناك إتلاف لا يمكن استدراكه فهو كالعتاق، والطلاق في الغصب فإنه يقع.
وأما إذا أسلم، أو اعتقد الإيمان في الدار الغصب؛ فإنما صح لأنه لا يتصرف به في الدار، وهاهنا حركاته إنما تقع في الدار.
وأما إذا كانت الحيطان مغصوبة؛ فلا نُسلِّم على ما نقله المروذي (^٣)، وإن سلمنا فالقرار مخالف للأبنية، ولهذا تعتبر طهارة القرار، ولا تعتبر طهارة البناء المحيط بالمصلي، ولأن البقعة شرط لصحة الصلاة؛ فإنه لو صلى في البرّ الذي لا عوج فيه ولا شخص صحت الصلاة فافترقا.
وأما إذا زحم رجلًا عن مكانه؛ فقد ذكر بعضهم فيها نوع احتمال، وعلى التسليم إنما لم تبطل؛ لأنها منفعة مشتركة في الأصل، وإنما يصير دفعًا عن حق.
قال بعض أصحابنا المتأخرين (^٤) - والأرجح عندي - بطلان الصلاة؛ لأن السبق أزال حكم الشركة، فهو كنوم الشريك في المهايأة (^٥).
وأما إذا تضايق وقت الفريضة لفعلها، فأوقع فيه نافلة؛ فقد قال بعض أصحابنا: إن النافلة لا تصح (^٦)؛ لأن النافلة محض القربة،
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ٤١٩.
(٢) ينظر: التعليق الكبير ص ١٣١، الفروع ٦/ ٣١٣.
(٣) ينظر: التعليق الكبير ص ١٢٩، فقد قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: أليس ينظر في البناء؟ قال: نعم، كان أبو مسلم قد بنى مسجدًا، فكان المبارك لا يصلي فيه إلا الفرض - يعني الجمعة ـ.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٣٣٤.
(٥) المهايأة: الأمر المتهايأ عليه، وتهايئوا على كذا: تمالؤوا، والمهايأة في الدار ونحوها: مقاسمة المنافع، وهي أن يتراضى الشريكان أن ينتفع هذا بهذا النصف، وذاك بذاك النصف، أو هذا بكله في كذا من الزمان، وذاك بكله في كذا من الزمان بقدر مدة الأول. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٤/ ٤٤٧].
(٦) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٤٥.
[ ٣١١ ]
ولا قربة في التنفل في وقت المفروضة المتضايق، قال النبي ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (^١). فكان تنبيها على تضايق الوقت؛ لأن الإقامة قد تتسع معها الصلاة الحاضرة وغيرها، وهذا الوقت الضيق لا يتسع إلا لها، ويشهد لذلك - أيضًا - قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «لا صلاة لمن عليه صلاة، لا صدقة وذو رحم محتاج» (^٢).
وأما إذا صلى وهو غير عالم؛ فليس عن أحمد في ذلك نص، فيحتمل أن لا نسلم، وإن سلّمنا فلأن الجاهل بذلك لا إثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَب إذا وقعت على الوجه المحرّم نافى القربة، فأما حق الآدمي فلا يسقط بالنسيان/ وهو أجرة المثل، ولأن الشافعي قد قال: لو صلى وهو حامل لنجاسة ناسيًا لم تبطل صلاته، ولو كان عالمًا بطلت (^٣). كذلك الغصب، والله أعلم.
وقد احتج بعضهم في هذه المسألة بأن قال: ليس في هذا أكثر من إسخاط آدمي، ولا يجوز أن يبلغ سخط الآدمي إلى رتبة إبطال العبادات لله - سبحانه ـ.
وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نُسلِّم أنه ليس سوى إسخاط الآدمي، بل سخط الله - سبحانه - لأجل الآدمي، ولهذا اتفقنا نحن والشافعي على أن القصر والفطر رخصة (^٤) في تعبد الله - سبحانه ـ، سقطت للسفر في قطع الطريق، وأخذ أموال الناس، والغصب، ولا يقال بأنه ليس من رتبة سخط الآدمي سقوط رخصة في عبادة لله - سبحانه ـ، وصلاة القصر صحيحة في (^٥) السفر المباح، فإذا كان السفر محظورًا لكونه سفرًا لغصب أموال الناس بطلت المقصورة، وما بطلت إلا لأجل الناس، لكن لما كان في ذلك سخط الله أبطل، وإن قلت: ليس فيه سخط الله وقد أبطل؛ كان إبطالًا لما تعلقت به من الدعوى.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٩٣، ح ٧١٠ من حديث أبي هريرة.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ينظر: المجموع ٣/ ١٥٠، الحاوي الكبير ٢/ ٢٤٣.
(٤) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ٣٦٦، ٣٦٨، شرح الزركشي ٢/ ١٤٨، الروايتين والوجهين ١/ ١٧١.
(٥) بهذا المكان في الأصل: (الحضر و)، وبحذفها يستقيم المعنى.
[ ٣١٢ ]