الجماعة في الصلاة المكتوبة واجبة (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز (^٣)، وأبي عبد الله ابن بَطة (^٤)، وهو قول عطاء بن أبي رباح (^٥)، والأوزاعي (^٦)، وابن المنذر (^٧)، وداود (^٨)، وأبي ثور (^٩).
وهل وجوبها شرط في صحة الصلاة أم لا؟
قال القاضي: المنصوص عنه في رواية حنبل: ليس بشرط في صحة الصلاة (^١٠)، قال: ومن أصحابنا من قال: إن وجوبها شرط في صحتها، فإن تركها مع القدرة عليها لم تصح صلاته، والأول أصح (^١١).
فإن صلى كلّ رجل في بيته جماعة يؤم بأهله، فهل يسقط عنه فرض الحضور، أم لا؟
_________________
(١) ينظر: التعليق الكبير ص ٥٧٩، الهداية ١/ ٤٢، الإنصاف ٢/ ٢١٠، المبدع ٢/ ٤١.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ١٢١، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٩٥.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٢٠٨.
(٤) لم أقف على رأيه بهذه المسألة، وقد أفرد مصنّفًا في هذه المسألة سمّاه: (صلاة الجماعة)، ولم يُطبع حتى الآن فيما أعلم.
(٥) ينظر: المغني ٢/ ١٣٠.
(٦) ينظر: المغني ٢/ ١٣٠.
(٧) ينظر: الأوسط ٤/ ١٣٤.
(٨) ينظر: المحلى ٣/ ١٠٤، التعليق الكبير ص ٥٧٩ وذكر أن داود يقول: الجماعة شرط في صحة الصلاة.
(٩) ينظر: المغني ٢/ ١٣٠.
(١٠) ينظر: التعليق الكبير ص ٥٧٩، وقد عزا هذه الرواية لحنبل أبو الخطّاب في الانتصار ٢/ ٤٧٦.
(١١) رجّح القاضي أبي يعلى عدم اشتراط الجماعة في صحّة الصلاة. [ينظر: التعليق الكبير ص ٥٨٤].
[ ٣١٣ ]
على روايتين؛ نقل حرب (^١): أن حضور المسجد واجب في الجماعة، ونقل المروذي وصالح (^٢): أنه ليس واجبًا/ إذا حضرت الجماعة في بيته (^٣). قال القاضي: وهو أصح (^٤).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الجماعة في غير الجمعة سنة (^٥).
وتحقيق مذهب الشافعي: أن الجماعة ليست بفرض على الأعيان، واختلفوا هل هي فرض على الكفاية أم لا؟
فمنصوص الشافعي في كتاب «الإمامة»: أنها فرضٌ على الكفاية (^٦)،
_________________
(١) حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني الفقيه، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، صاحب أحمد بن حنبل، رحل في طلب العلم، قال الخلال: كان رجلًا جليلًا، حثني أبو بكر المروذي على الخروج إليه. وله مسائل مشهورة عند الحنابلة. مات سنة ٢٨٠ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٤٥، تاريخ الإسلام ٦/ ٣١٠].
(٢) صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، القاضي أبو الفضل، الشيباني البغدادي، قاضي إصبهان، ولد سنة ٢٠٣ هـ، وكان قد ولي القضاء بطرسوس قبل ولاية القضاء بأصبهان، قال الخلال: سمع من أبيه مسائل كثيرة وكان الناس يكتبون إليه من خراسان ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل فوقعت إليه مسائل جياد، وكان أبو عبد الله يحبه ويكرمه ويدعو له. مات بإصبهان في رمضان سنة ٢٦٦ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٧٣، تاريخ الإسلام ٦/ ٣٤٣].
(٣) لم أقف على هذه المسألة في مسائل حرب ولا المروزي ولا صالح، ولكن ذكر القاضي في الروايتين والوجهين ١/ ١٦٤، ١٦٥ رواية حرب والمروذي وهي أنّ حضور المسجد واجب وإن كان في بيته جماعة، وذكر رواية صالح وهي سقوط السعي للمسجد إذا كانت في البيت جماعة.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ينظر للحنفيّة: حاشية ابن عابدين ١/ ٥٢٢، اللباب ١/ ٧٨. وللمالكيّة: حاشية الدسوقي ١/ ٣١٩، الإشراف ١/ ١٠٨. وللشافعيّة: المجموع ٤/ ١٨٣، الحاوي الكبير ٢/ ٢٩٧.
(٦) الأم ١/ ١٥٣ وعبارته: "لا يحل ترك أن يصلى كل مكتوبة في جماعة؛ حتى لا يخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يصلى فيهم صلاة جماعة". والنووي ذكر في المجموع ٤/ ١٨٤ أن منصوص الشافعي في كتاب الإمامة: أنها فرض على الكفاية.
[ ٣١٤ ]
وإليه ذهب أبو العباس (^١)، وأبو إسحاق (^٢)، وأكثر أصحابه (^٣).
ومن أصحابه من قال: إنها سنة (^٤).
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (^٥) الآية.
فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه أمرٌ، وأمرُه - سبحانه - يدل على الوجوب.
والثاني: أنه أَمَرَ باعتماد الصلاة جماعة مع الحال الشاقّة، وإسقاط [هيئات] (^٦) مقصودة بتكلف حمل الأسلحة، وتغيير وضع الصلاة على اختلاف المذاهب، فطائفة من الفقهاء يجعل صفًا يحرس حال سجود
_________________
(١) أحمد بن عمر بن سريج. القاضي أبو العباس البغدادي، إمام أصحاب الشافعي في وقته، ولي القضاء بشيراز، وكان يقال له: الباز الأشهب، تفقه على أبي القاسم الأنماطي. انتشر منه مذهب الشافعي، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني. وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه. وكان على مذهب السلف في الصفات، يؤمن بها ولا يؤولها، ويمرها كما جاءت. شرح المذهب ولخصه وعمل المسائل في الفروع، وصنف الكتب في الرد على المخالفين من أهل الرأي، وأصحاب الظاهر. مات ببغداد في جمادى الأولى سنة ٣٠٦ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧١، تاريخ الإسلام ٧/ ٩٩].
(٢) إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي، الشافعي، شيخ المذهب، وشيخ أبي زيد المروزي الزاهد، أحد أعلام المذهب، أقام ببغداد مدة طويلة يفتي ويدرس، ونجب من أصحابه خلق كثير، شرح المذهب ولخصه، وتفقه على أبي العباس ابن سريج، وصنف كتبًا كثيرة، وانتهت إليه رياسة المذهب بعد ابن سريج، وانتقل في آخر عمره إلى مصر. مات بمصر سنة ٣٤٠ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٧/ ٧٣٥].
(٣) ينظر: المجموع ٤/ ١٨٢، ١٨٤.
(٤) ينظر: المجموع ٤/ ١٨٢.
(٥) النِّساء: ١٠٢.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (هيهات)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣١٥ ]
صف (^١)، وطائفة تقول: يخرجون وهم في صلاة ويعودون فيتمون (^٢). فقد أسقط وقار الصلاة، وأدخل عليها أعمالًا ليست منها، يمكن التخلص منها بالصلاة فرادى، وما كان ذلك إلا لحفظ الجماعة، وهذا يدل ذوي الحجى على أنه ما شرع ذلك إلا لشدة الاعتبار بالجماعة؛ إذ كانت الضرورة في الأصل مؤثرة في إسقاط الفروض، فلما أوجبها حال الضرورة، وأدخل عليها أفعالًا مثلُها يُبطل الصلاة في غير حال الخوف توفُّرًا على الجماعة، عُلم أنها واجبة وجوبًا متأكدًا.
فإن قيل: هذا محمول على الندب، والاستحباب؛ لأن أيسر الأعذار يسقط وجوبها، مثل الأعذار العامة كالأمطار، والأوحال، والخاصة كالخوف من تلف/ خبز في التَّنُّور (^٣)، أو قدر على النار، أو نِطَارَة (^٤) بستان، أو رعى ماشيةٍ فخاف عليها التندد (^٥) والضياع، بل كانت في حال هذه الأعذار غير واجبة، ولم يوجد من الأمر بها على تلك الحال إيجابا لها مع الأعذار التي هي دون تلك الحال، بل التنبيه على أن سائر هذه الأعذار لا تؤثر في إسقاطها، فلمّا لم توجب ذلك لم يعط هذا وجوبها؛ فإن العذر على العذر أدل، فلم يبق إلا أن ذاك أمر ندب، أو إيجاب لإظهار شعائر الإسلام، وإشعار المشركين تأكيد طاعة المتبعين له - صلَّى الله عليه ـ، وتحقيق ما جاء به من الشرع، وتوفر الاعتقادات له، لا لتأكيد الجماعة في الصلاة، ألا ترى أنه أمر مناديه فنادى عند ابتلال النعال بالمطر:
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٤٧، الفروع ٢/ ٧٥.
(٢) ينظر: المبدع ٢/ ١٤٢، كشاف القناع ٢/ ١٨، المغني ٢/ ٣٠٩.
(٣) التَّنُّور: نوع من الكَوانِين يخبز فيه. [ينظر: الصحاح ٢/ ٦٠٢، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٤٧٥].
(٤) النَّاطِر، والنَّاطُور: حافظ الزرع والتمر والكرم، وجمع النَّاطِر: نُطَّار، ونُطَرَاء، وجمع النَّاطُور: نَواطير، والفعل: النَّطْر، والنِّطارَة. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٢١٧، الصحاح ٢/ ٨٣٠، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ١٤٦].
(٥) يقال: نَدَّ البعير: إذا نفر وذهب على وجهه شاردًا. [ينظر: الصحاح ٢/ ٥٤٣، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢٧٤].
[ ٣١٦ ]
ألا صلوا في رحالكم (^١). فإن تعلقت بذاك على الوجوب، نعلق عليك بهذا النداء على نفي الوجوب، فكيف توجبها مع الأشد من الأعذار، وتسقطها بالأقل، فلم يبق إلا أنه خصّ تلك الحال للغرض الذي استخرجناه وهو إظهار ما يقطع قلوب الكفار من شده الالتحاف به، والاجتماع عليه، وتأكد الطاعة له.
قالوا: ولأنهم لو صلوا فرادى واحدًا بعد واحدٍ لفاتت، ولو صلوا فرادى في حالة واحدة لا على وجه الاحتياط والحراسة لألَّب عليهم العدو.
قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الوجوب على ما مرَّ، وما ذكروه من التعليل فلا يختص النبي - صلَّى الله عليه ـ، بل موجود في كل أمير سرية أو إمام عصر؛ لأنّ كل عصر من الكفار إذا شاهدوا حرص المسلمين على الطاعة كان ذلك مغيظًا لهم، ومؤيسًا لهم من العُلو على هذه الملّة، والغلبة لأهلها، مع الحرص الذي يُشاهد من المحافظة على العبادات حتى أوقات الضرورات مع تطاول العهد، وقد بقي الرَّمَل (^٢) سنة دائمة/ باقية، كل ذلك ترغيمًا للشيطان، كذلك هذا يجوز أن يبقى لما بقي من تعظيم طاعة الرسول - صلَّى الله عليه ـ، والتزام قوانينه بعد موته في أشدّ خوف، وأعظم مشقّة، وليس من حيث أسقطتها بعذر من الأعذار تخرج عن الإيجاب، بدليل أن الله - تعالى - أوجب الثبات في الصّف، وتواعد على المولِّي عنه بالغضب والنار وإن كان ذلك ساقطًا بأيسر عائق من مرض، أو كون قدر على النار، أو خبز في التَّنُّور، أو دابة يخاف ندودها، أو صداع، أو حمى، أو كونه حافيًا، وكذلك الجمعة واجبة على الأعيان بما دل عليه الأثر الجمُّ، والوعيد الحتم، ولم يطعن في وجوبها بالأدلة ما قامت عليه الدلالة من سقوطها بالأعذار التي تسقط بمثلها الجماعة من مطر،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصلاة في الرحال، في الليلة الباردة أو المطيرة ١/ ١٢٩، ح ٦٣٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٨٤، ح ٦٩٧ من حديث ابن عمر.
(٢) الرَّمَل، بالتحريك: الهرولة فوق المشي ودون العدو. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٧١٣، المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٢٥٧].
[ ٣١٧ ]
أو [تعرض] (^١) ضرر خاص في الأموال كخوف احتراق خبز في التَّنُّور، أو قدر على النار، أو مرض، وما شاكل ذلك.
وتعليلهم بفوات الصلاة إذا تفرقوا في الأداء واحدًا واحدًا فلا يصح؛ لأنه قد يمكن أن تصلي كل طائفة لنفسها لكن لا يمنع الإمام عشرة عشرة، أو مئة مئة، على قدر الكثرة والقلة.
ومن جهة الأخبار: ما روى مسلم بن الحجاج في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء أعمى إلى النبي - صلَّى الله عليه - فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل النبي ﵇ أن يرخص له، فرخص له في بيته، فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء» قال: نعم. قال: «فأجب» (^٢). فأمره بعد أن رخص له.
وفي لفظ آخر، قلت: إن المدينة كثيرة الهَوَامّ (^٣) والسباع، فقال: «هل تسمع حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، فحيَّ هلًا»، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة وابن أبي حاتم، وأبو عبد الرحمن (^٤) (^٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (كمرض)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥٢، ح ٦٥٣.
(٣) الهَوَامُّ: ما كان من خَشَاش الأرض نحو العقارب وما أشبهها، الواحدة هَامَّة، ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأحناش، وقيل: كل ذات سمّ يقتل، فأما ما يسمّ ولا يقتل فهو السامة، كالعقرب والزنبور. وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل، كالحشرات. [ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٢٤٨، الصحاح ٥/ ٢٠٦٢، المحكم والمحيط الأعظم ٤/ ١١٢، النهاية ٥/ ٢٧٥].
(٤) أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، الإمام، الحافظ، الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، صاحب السنن، ولد سنة ٢١٥ هـ، وطلب العلم في صغره، وكان إمام أهل عصره في الحديث، وله كتاب السنن، وغيره، وسكن بمصر وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، وكان يصوم يوما ويفطر يومًا. مات سنة ٣٠٣ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٧٧، سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٢٥].
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة ١/ ١٥١، ح ٥٥٣، وأبو عبد الرحمن النسائي، كتاب الإمامة، باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن ٢/ ١٠٩، ح ٨٥١ من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم. وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٣٦٧، ح ١٤٧٨ عن ابن أم مكتوم. قال النووي: إسناده حسن. وقال ابن القطان: يرويه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، وسنه لا تقتضي له السماع منه، فإنه ولد لست بقين من خلافة عمر. وقال أبو زرعة العراقي: في سماع ابن أبي ليلى من ابن ام مكتوم نظر. وقال ابن حجر: لم يسمع منه - يعني ابن أم مكتوم - ابن أبي ليلى، قاله ابن معين. [ينظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٣٦٧، خلاصة الأحكام ٢/ ٦٥٣، بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٥٢، تحفة التحصيل ١/ ١٩٩، إتحاف المهرة ١٠/ ٥٧١].
[ ٣١٨ ]
وعن عمرو بن أم مكتوم (^١) قال: جئت إلى رسول الله - صلَّى الله عليه - فقلت: إني كبير [ضرير] (^٢) البصر، شاسع الدار، ولي/ قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة فقال: «ما أجد لك رخصة»، أخرج هذا الحديث أبو داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم (^٣).
_________________
(١) عمرو بن أم مكتوم القرشي، العامري، الأعمى، المؤذن، ابن خال خديجة ﵂، ويقال: اسمه عبد الله. هو ابن قيس بن زائدة بن الأصم، ومنهم من قال عمرو بن زائدة، لم يذكر قيسًا، ومنهم من قال قيس بدل زائدة، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي ﷺ، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، خرج إلى القادسية، فشهد القتال، واستشهد هناك، وكان معه اللواء حينئذ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٩٧، أسد الغابة ٣/ ٧٦٠، الإصابة ٤/ ٤٩٤].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ضرر)، وما أثبته هو الموافق للحديث.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة ١/ ١٥١، ح ٥٥٢ من طريق أبي رزين، عن ابن أم مكتوم، قال ابن القطان: رواية مشكوك في اتصالها، أبو رزين أعلى ما له الرواية عن علي، ويقال: إنه حضر معه بصفين. وابن أم مكتوم، قتل بالقادسية أيام عمر، وانقطاع ما بينهما إن لم يكن معلومًا - لأنا لا نعرف سنه - فإن اتصال ما بينهما ليس معلومًا أيضًا، فهو مشكوك فيه. وقال ابن الملقن: رواه أبو داود بإسناد حسن. وقال العلائي: قال ابن معين: أبو رزين عن عمرو بن أم مكتوم مرسل. وقال مغلطاي: إسناده صحيح على رسم مسلم. وقال ابن رجب: في إسناده اختلاف، وروى عنه عن أبى رزين مرسلًا. وقال ابن حجر: لم يسمع منه - يعني ابن أم مكتوم - أبو رزين، قاله ابن معين. [ينظر: بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٥١، تحفة المحتاج ١/ ٤٣٢، جامع التحصيل ص ٢٧٨، شرح ابن ماجه لمغلطاي ص ١٣٢٥، فتح الباري لابن رجب ٣/ ١٨٣، إتحاف المهرة ١٠/ ٥٧١]. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٣٦٨، ح ١٤٨٠ ثنا نصر بن مرزوق، ثنا أسد، ثنا شيبان أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم، ناه محمد بن الحسن بن تسنيم، ثنا محمد يعني ابن بكر، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله ابن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله، إني شيخ ضرير البصر شاسع الدار، ولي قائد فلا يلازمني فهل لي من رخصة؟ قال: «تسمع النداء؟» قال: نعم قال: «ما أجد لك من رخصة».
[ ٣١٩ ]
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له». وأخرجه - أيضًا - ابن أبي حاتم، وهبة الله الطبري (^١).
وفي لفظ آخر عن ابن عباس قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر لم يقبل الله منه الصلاة التي صلاها» قيل له: وما العذر، قال: «خوف، أو مرض» (^٢).
_________________
(١) لم أقف على رواية أبي داود، والحديث أخرجه ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة ١/ ٢٦٠، ح ٧٩٣ من طريق هشيم بن بشير، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واختلف على شعبة في رفعه ووقفه، قال أحمد: أخطأ فيه هشيم مرة فرفعه وهذا موقوف. وقال البخاري: رفعه بعضهم ولا يصح. وقال ابن عبد الهادي: رواه ابن ماجه، والدارقطني، وإسناده على شرط مسلم، وقد أعله بالوقف. وقال ابن كثير: إسناده صحيح، إلا أنه روي موقوفًا. وقال ابن رجب: وقفه هو الصحيح عند الإمام أحمد وغيره. [ينظر: التاريخ الكبير ١/ ٢٣٣، المحرر في الحديث ص ٢٤٢، إرشاد الفقيه ١/ ١٦٧، فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٤٩].
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة ١/ ١٥١، ح ٥٥١ من طريق أبي جناب، عن مغراء العبدي، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وتقدم الكلام في وقف الحديث ورفعه، وقال عبد الحق: هذا يرويه مغراء العبدي، والصحيح، موقوف على ابن عباس: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له. وقال ابن الجوزي: أبو جناب كان يحيى القطان يقول: لا أستحل أن أروي عنه، وقال الفلاس: متروك الحديث، وقال يحيى بن معين: هو صدوق لكنه يدلس. وقال ابن الملقن، وابن حجر: أبو جناب ضعيف مدلس، وقد عنعن. [ينظر: الأحكام الوسطى ١/ ٢٧٤، التحقيق لابن الجوزي ١/ ٤٧٠، البدر المنير ٤/ ٤١٥، التلخيص الحبير ٢/ ٦٥].
[ ٣٢٠ ]
فإن قيل: المراد بهذه الأخبار صلاة الجمعة بدليل أنه قال في الأخبار الأخيرة: «فلا صلاة له»، وعندكم إذا خالف وصلى فرادى وقعت صحيحة.
قلنا: اللفظ عام في الجمعة وفي غيرها؛ لأنه ذكر الصلاة بالألف واللام، فاقتضى استغراق الجنس، ولأنه قد نُقل في الجماعة صريحًا، روى الدارقطني في «مسنده» (^١) بإسناده عن عبد الله بن شداد بن الهاد (^٢)، عن ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إني لا أقدر على قائد هو يلائمني في كل ساعة، وبيني وبين المسجد أنهار وأشجار، فيسعني أن أصلي في بيتي، فقال: «أتسمع الإقامة» قال: نعم، قال: «فأتها» (^٣)، وكل ساعة لا تكون في الجمعة، وإنما التكرار في المكتوبات.
_________________
(١) كتاب: (السنن)، للحافظ أبي الحسن الدارقطني، قال الخطيب: لا يقدر على جمع ما تضمنه إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام. وقال ابن كثير: من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله، ولا يلحق في شكله، إلا من استمد من بحره، وعمل كعمله. [ينظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٤٨٨، البداية والنهاية ١٥/ ٤٥٩].
(٢) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني، أبو الوليد، من أكابر التابعين وثقاتهم، كانت أمه سلمى أخت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فلما استشهد تزوجها شداد، فولدت له هذا، وكان يأتي الكوفة كثيرًا فينزلها، وورد المدائن في صحبة علي بن أبي طالب لما خرج إلى حرب الخوارج بالنهروان، وخرج مع ابن الأشعث فقتل ليلة دجيل سنة ٨٢ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ١٤٨، تاريخ الإسلام ٢/ ٩٥٧].
(٣) أخرجه الدارقطني، كتاب الصلاة، باب الحث على صلاة الجماعة والأمر بها ٢/ ٢٢١، ح ١٤٣٠ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن أم مكتوم. وأخرجه الحاكم ١/ ٣٧٤، ح ٩٠٢ من طريق أبي جعفر الرازي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن أم مكتوم، أن رسول الله ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رقة، فقال: «إني لأهم أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان، يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه» فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إن بيني وبين المسجد نخلًا، وشجرًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: «أتسمع الإقامة؟» قال: نعم، قال: «فأتها»، وقال الحاكم: إسناده صحيح.
[ ٣٢١ ]
وروى أبو بكر من أصحابنا وغيره بإسنادهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق مع الرجال معهم حزم الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (^١)، وهذا خاص في غير الجمعة؛ لأنه إذا أمر رجلًا بفعلها فاتته ومن معه، وهو لا يترك الواجب، فدل على أنه أراد الصلاة التي يمكنه أن يعود ويصليها هو ومن معه.
ورواه الشيخ أبو عبد الله ابن بَطة بإسناده عن عبد الله بن شداد أن رسول الله - صلَّى الله عليه ـ/ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: «لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فينادى بها، ثم آتي قومًا في بيوتهم لم يشهدوا الصلاة فأحرقها عليهم» (^٢). وهذا صريح في صلاة العشاء، أو يكون التهديد عائدًا إلى صلاة الجمعة.
وقد روي ذلك مفسرًا فيما رواه أبو القاسم الطبراني (^٣) في
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة ٩/ ٨٢، ح ٧٢٢٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥١، ح ٦٥١ من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ، قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بنحوه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، أبو القاسم اللخمي الطبراني، الحافظ المشهور مسند الدنيا، ولد بعكا سنة ٢٦٠ هـ، وكان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثًا وثلاثين سنة، وسمع الكثير، وعدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة، صنف معجم شيوخه، والمعاجم الثلاثة - وهي أشهر كتبه ـ؛ المعجم الكبير على أسماء الصحابة، والمعجم الأوسط، وفيه الأحاديث الأفراد والغرائب، صنفه على ترتيب أسماء شيوخه، وكان يقول: هذا الكتاب روحي. والمعجم الصغير. مات سنة ٣٠٦ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٧، تاريخ الإسلام ٨/ ١٤٣].
[ ٣٢٢ ]
«المعجم الصغير» (^١) بإسناده عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي يوم الجمعة بالناس، ثم أحرق على قوم يتخلفون عنها بيوتهم» (^٢).
فإن قيل: لعل هذا الوعيد انصرف إلى المنافقين، وهذا هو الظاهر؛ لأن الذين كانوا يتخلفون عن الصلاة مع المسلمين كانوا منافقين في ذلك، وكانوا على ما قال الله - تعالى ـ: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (^٤)، وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ (^٥)، فكان تخلفهم عن الجماعة علامة لنفاقهم، كما قال - تعالى ـ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٦)، وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٧)، ثم لما ترسخ الإسلام قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ (^٨)، بعد أن قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٩) الآية، ويدل على ذلك: أن الأداء جماعة في البيت
_________________
(١) كتاب: (المعجم الصغير) للحافظ أبي القاسم الطبراني، أحد أشهر كتبه، خرج فيه حديثًا عن كل واحد من مشايخه الذين كتب عنهم بالأمصار، ورتبه على أسماءهم على حروف المعجم كما يقول في مقدمته. [ينظر: المعجم الصغير ١/ ٢١، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٧].
(٢) المعجم الصغير ١/ ٢٩٠، ح ٤٧٩، والحديث عند مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥٢، ح ٦٥٢ عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم».
(٣) التّوبَة: ٥٤.
(٤) المَائدة: ٥٨.
(٥) النِّساء: ١٤٢.
(٦) التّوبَة: ٤٤.
(٧) التّوبَة: ٤٥.
(٨) النُّور: ٦٢.
(٩) التّوبَة: ٤٣.
[ ٣٢٣ ]
مع الأهل جائزة بلا خلاف، فهذا التغليظ إن لم يحمل على ما قلناه لم يظهر له معنى على موجب قولكم، بدليل ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «أثقل الصلاة على المنافقين الفجر والعشاء» (^١).
قلنا: بل هو منصرف إلى كل مؤمن؛ لأنه خاطبهم كلهم فقال: «من سمع النداء فلم يجب فلا/ صلاة له» (^٢)، وبدليل قوله ﵇: «هلاك أمتي في اللبن» قيل: يا رسول الله ما اللبن، قال: «يحبون اللبن ويدعون الجماعات والجمع» (^٣)، روى هذا الحديث أبو بكر من أصحابنا بإسناده (^٤)، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلَّى الله عليه ـ، وأمته أهل الإيمان، وقال لابن أم مكتوم: «لا أجد لك رخصة» (^٥)، وكان من خيار المسلمين.
ويعضد ذلك أن النبي - صلَّى الله عليه - لم ينقل عنه ولا صلاة واحدة أنه صلى إلا في جماعة، حتى إنه - صلَّى الله عليه - خرج في حال مرضه التي توفي فيه ورجلاه تخطان الأرض (^٦)، وهذا يدل على أنها في حال الرفاهية والدَّعة أولى، ولو كانت الجماعة ليست واجبة لقد كان يخلّ بها، ويصلي فرادى ولو مرة واحدة، حتى كان يبيّن الجواز؛ كما فعل في الوضوء وغيره،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة ١/ ١٣٢، ح ٦٥٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥١، ح ٦٥١/ ٢٥٢ من حديث أبي هريرة.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد ٢٨/ ٦٣٢، ح ١٧٤١٥، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٠٧، وأبو يعلى ٣/ ٢٨٥، ح ١٧٤٦، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٩٥، ح ٨١٥) عن عقبة بن عامر الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هلاك أمتي في الكتاب واللبن». قالوا: يا رسول الله، ما الكتاب واللبن؟ قال: «يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع ويبدون». قال ابن رجب: في إسناده ابن لهيعة. وقال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه كلام. [ينظر: فتح الباري لابن رجب ١/ ١١٧، مجمع الزوائد ٢/ ١٩٤].
(٤) ذكر ذلك أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٤٨١.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة ١/ ٥٠، ح ١٩٨، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣١٢، ح ٤١٨/ ٩٢ من حديث عائشة.
[ ٣٢٤ ]
فلما لم ينقل عنه هاهنا إلا المداومة على الجماعات دلّ على وجوبها، فدخل تحت قوله: «خذوا عني مناسككم» (^١)، «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢).
فأما قولهم: إن المراد به الجمعة، فلا يصح؛ لأن الأخبار وردت في الصلوات على الإطلاق، وفي بعضها عشاء الآخرة فلا وجه لما ذكروه.
وأما الخبر الذي ذكروه، فلا يصح؛ لأنه تفرد به عن الرُّحَيْل بن معاوية (^٣): زياد (^٤).
الثاني: أنه لا يظن بالنبي ﵇ أنه يترك الجمعة لا يصليها، ويصلي بالناس غيره لأجل ما ذكروه، ولو قدر صحته فنقول: هذا الحديث وارد في الجمعة، وأخبارنا في بقية الصلوات، فنقول بها جميعًا ونكون أسعد، وهم لا يمكنهم العمل بها.
ويدل على ما ذكرنا: إجماع الصحابة.
روى أبو بكر عبد العزيز بإسناده عن الحسن، عن علي - كرّم الله وجهه - (^٥) أنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الحج ٢/ ٩٤٣، ح ١٢٩٧ من طريق أبي الزبير، أنه سمع جابرًا، يقول: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رُحَيْل بن معاوية بن حُديج الجعفي أخو أبي خيثمة زهير بن معاوية صدوق. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٢٠٨].
(٤) زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البَكَّائي، أبو محمد الكوفي، صاحب رواية السيرة النبوية عن ابن إسحاق، وهو أتقن من روى عنه السيرة، صدوق، ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، مات سنة ١٨٣ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٨٥٣، تقريب التهذيب ص ٢٢٠].
(٥) ذكر المصنّف ﵀ عبارة: (كرّم الله وجهه) في موضعين؛ الأول: عند ذكر علي ﵁، والثاني: عند ذكر أبي بكر ﵁. وإطلاق هذه العبارة على الصحابة ﵃ لا بأس به، لكن المحذور تخصيص بعض الصحابة بذلك حتى يكون شعارًا له، كما تفعل بعض الطوائف مع أمير المؤمنين عليّ ﵁. [ينظر: معجم المناهي اللفظيّة للشيخ بكر أبو زيد ص ٢١٣، ٢٧١].
[ ٣٢٥ ]
إلا من عذر (^١).
وعن أبي موسى: من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له (^٢).
وعن عائشة: من سمع النداء فلم يجب من/ غير عذر فلم يُرِد خيرًا، ولم يُرَد به (^٣).
وعن ابن مسعود: من سرّه أن يلقى الله - تعالى - مسلمًا فليحافظ على الصلوات المكتوبات حين ينادى بهن، فإنهنّ من سُنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق، ولقد رأيت الرجل يتهادى بين الرجلين حتى يقوم في الصف (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من قال إذا سمع المنادي فليجب ١/ ٣٠٣، ح ٣٤٧٠، وابن المنذر، كتاب الإمامة، باب ذكر تخوف النفاق على تارك شهود العشاء، والصبح في جماعة، وأن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ٤/ ١٥١، ح ١٨٩٠ من طريق منصور، عن الحسن.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من قال إذا سمع المنادي فليجب ١/ ٣٠٣، ح ٣٤٦٣، وابن المنذر، كتاب الإمامة، باب ذكر تخوف النفاق على تارك شهود العشاء، والصبح في جماعة، وأن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ٤/ ١٥١، ح ١٨٨٩، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الجمعة، باب وجوب الجمعة على من كان خارج المصر في موضع يبلغه النداء ٣/ ٢٤٨، ح ٥٥٨٩ من طريق أبي بردة، عن أبي موسى.
(٣) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب من سمع النداء ١/ ٤٩٨، ح ١٩١٧، ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من قال إذا سمع المنادي فليجب ١/ ٣٠٣، ح ٣٤٦٦، وابن المنذر، كتاب الإمامة، باب ذكر تخوف النفاق على تارك شهود العشاء، والصبح في جماعة، وأن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ٤/ ١٥١، ح ١٨٩٢، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الصلاة، باب ما جاء من التشديد في ترك الجماعة من غير عذر ٣/ ٨١، ح ٤٩٤١ من طريق عدي بن ثابت، عن عائشة.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥٣، ح ٦٥٤/ ٢٥٧ من طريق أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهنّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
[ ٣٢٦ ]
وهذا إجماع منهم ﵃.
والفقه في المسألة أنا نقول: صلاة مفروضة على الأعيان، فكانت الجماعة واجبة فيها، دليله الجمعة.
أو نقول: صلاة مكتوبة، فوجب فعلها في جماعة، أصله الجمعة، وهذا لأن المفروضات، والمكتوبات أعلى مراتب العبادات من الصلاة، وغيرها، فجاز أن يختص بمزية احترام وجمع له.
يدلّ عليه: أن الجمعة ليست بأكثر من أنها تجمّع الجماعات، وهي [إما] (^١) ظهر مقصورة، أو بدل عن ظهر، أو تكون هي الأصل، والظهر بدلها عن الفوات، فلو لم تكن الجماعة واجبة في كل ظهر لما تجدد الوجوب لاجتماع الجماعات، فلما كان اجتماع الجماعات لها واجبًا حتى إنه لا يحلّ اجتماع في مسجد من المساجد يوم الجمعة يصلى فيه ظهر من غير عذر، عُلم أن الجمعة إنما حكت ما هو الأصل وجَمَعَتْه، وإذا كان مجموع الشيء واجبًا دلّ على وجوب آحاده كالعمرة، والحج، والظهر، والعصر لما كان مجموعهما على صفة كان انفرادها على تلك الصفة، الجمعة نسك، وكل واحدة على حدتها نسك، ولما كانا واجبتين في الجمُع كانا في الانفراد كذلك، فلما كان جمع الجماعات يوم الجمعة واجبًا (^٢) دلّ على أن الجماعات للظهر في سائر البقاع واجبة، لكنها امتازت يوم الجمعة باجتماع الجمع.
فإن قيل: المعنى في الجمعة أنها لما/ وجبت لها الجماعة
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) في هذا المكان من الأصل حرف: (على)، وحذفه هو الموافق للسياق.
[ ٣٢٧ ]
كانت شرطًا في صحتها، بخلاف مسألتنا؛ فإن الجماعة ليس بشرط في صحتها، فلم تكن واجبة، فإن جميع ما يجب للصلاة المفروضة لا تصح الصلاة دونه مع اعتماد تركه، فلما لم يجب هذان الوصفان كون الجماعة لها شرطًا لم يجب كونها واجبة فيها.
الثاني: أن الجمعة يشترط لها المصر، والعدد المخصوص، والخطبة، وصفات من يحضرها من ذكورية، وحرية، واستيطان، وبلوغ، أو مقام في بنيان يستوطنه أربعون عند من لم يعتبر المصر الجامع، فما يؤمنكم أن يكون حاصلًا في الإجماع لها كما كان محصلًا سائر هذه الشروط، وهذه الصلوات بخلاف ذلك، وتكون العلة في ذلك أن الجمعة تندر وتقل، والصلوات الخمس تكثر، وتعمر أوقاتها، وتصادف الآحاد المنفردين بالأشغال المانعة، والعوائق السانحة من الاجتماع، فانتفى الوجوب للجماعة فيها لهذه العلة، بخلاف الجمعة، فدل على الفرق.
قلنا: عندنا في أحد الوجهين أن الجماعة تشترط في صحتها على ما ذكره القاضي في «شرح المذهب» (^١)، وهو قول داود (^٢)، وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن القاضي الشريف أبي علي بن أبي موسى الهاشمي (^٣)، والوجه فيه قوله ﵇: «من سمع النداء، ولم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (^٤)، وفي رواية: «لم يقبل الله الصلاة منه» (^٥)، ولأنه إذا وجبت الجماعة وجبت الصلاة، فكانت شرطًا، والأصل بقاء الأمر عليه إلى أن يمتثل، ولا يمتثل إلا بأداء الجماعة، فله إذن الصلاة مع الجماعة.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٢/ ٢١٠ وعبارته: «وعنه: أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ذكرها القاضي وابن الزاغوني في الواضح والإقناع، وهي من المفردات، واختارها ابن أبي موسى، وابن عقيل، والشيخ تقيّ الدين، فلو صلى وحده من غير عذر لم تصحّ، قال في الفتاوى المصرية: هو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد ذكره القاضي في شرح المذهب عنهم».
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٧٦، وهو مذهب الظاهرية كما في المحلى ٣/ ١٠٤.
(٣) ينظر: الإنصاف ٢/ ٢١٠.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٣٢٨ ]
وهذا مثل قول أبي حنيفة: إن الطهارة تجب، ثم الطواف يصح بدون الطهارة (^١).
ورددنا عليه نحن والشافعي وقلنا: لما وجب كان شرطًا في الصحة (^٢). كذلك هاهنا ولا فرق.
والثاني: ليست بشرط،/ فعلى ما ذكروه ليس بلازم - أيضًا ـ؛ لأنه (^٣) يجوز أن تجلب العلة وجوبًا، ولا تجلب اشتراطًا؛ لأن الاشتراط أعلى الوجوبين، ولهذا الصوم، والحج، والزكاة واجبة في الإسلام، وليست بشرط في صحة الإسلام، والإحداد واجب في العدة، وليس بشرط في صحة العدة، وكذلك وجب حمل السلاح عند الشافعي في صلاة الخوف ولم يشترط (^٤)، والإحرام من الميقات وجب في الحج ولم يشترط، والرمي، والبيتوتة، وطواف الوداع، والصلاة في أول الوقت وجبت، ولم تشترط، وكذلك المخيرات في التكفير وجبت كل واحدة، ولم تشترط لا على من قال بوجوب الكل، ولا من قال بأن الواجب واحد لا بعينه، بل وسع بالتخيير بين هذا وهذا، ووسّع في الوقت الأول بينه وبين غيره، كذلك جاز أن تكون هذه واجبة على التخيير والتوسعة، وكذلك الصلاة في الوقت واجب، ولا يمنع ذلك عندنا إذا خرج وقتها (^٥)، وأن خصيصة الوجوب المأثم، وقد لا يأثم وتحصل الصحة بفعلها بعد خروج الوقت، فإذا كان الوجوب مختلفًا، لم يمنع تعليلنا استدعاء الوجوب، وإن لم يستدع الشرطية، وكذلك كل واحد من المكلفين في فروض الكفايات إن فعل كان مؤديًا فرضًا، وإن لم يفعل لم يكن تاركًا شرطًا في إيمانه، وأركان إسلامه، فبان بهذا أن كونها واجبة على الأعيان كاف في وجوب الاجتماع لها.
_________________
(١) ينظر: المبسوط ٤/ ٣٨.
(٢) ينظر: المجموع ٢/ ٦٧، الإنصاف ٤/ ١٦.
(٣) في هذا المكان من الأصل حرف: (لا)، وحذفه هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر: المجموع ٤/ ٤٢٣.
(٥) ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٢٧.
[ ٣٢٩ ]
فإن قيل: جميع هذا الذي ذكرتم من التوسعة في الأوقات في الصلوات، والأعيان في الكفارات، والأشخاص في فروض الكفايات، لا ينتهي التخيير إلى ترك بالكلية، لابد من فعل الصلاة في الوقت، ولابد من تكفير بعين من الأعيان، ولابد من فعل يقع من أحد الأشخاص في باب فروض الكفايات، وهاهنا/ تُترك الجماعة فلا تسقط إلى شيء رأسًا، ولا ينوب عنها نائب بوجه ما.
قلنا: إذا تركت حصل المأثم بترك الجميع، كما يحصل المأثم بترك الوقت عاطلًا عن صلاة، ويحصل المأثم بترك الكل فرض الكفاية، والمأثم كافٍ في الإضلال.
على أن الجماعة لو أبطل تركها الصلوات لشق وجوب القضاء لتكررها، بخلاف الجمعة لأنها واحدة في الأسبوع، والأعذار فيها كثيرة؛ لأنها تدخل على أرباب الأشغال، فأسقط أعلى مراتب الإيجاب وهو الشرطية، ووجبت بحسب الإمكان كإيجاب الصلاة في الوقت الأول، وما ذكرنا من الموسعات في الإيجاب من العبادات.
وأما ما ذكروه في السؤال الأول من أن الجمعة اختصت بزيادة شرائط، قلنا: ولِمَ إذا وجبت هذه الشروط تجب الجماعة؟ ولم إذا سقطت تسقط الجماعة؟ ثم نقول: أما العدد فلأن الجماعة واجبة لها، ولا تكون الجماعة إلا بعدد، ونحن نقول: يجب العدد في جماعة الصلاة، ولأن الجمعة لا تتكرر فاشتراط العدد لها لا يشق، وبقية الفرائض تتكرر دفعات في اليوم فاشتراط العدد لها يشق، وأما الاستيطان فإنما شُرط؛ لأن في السفر قد يتعذر العدد غالبًا، وأما إذن الإمام فلا يشترط، وأما الخطبتان فإنها قائمة مقام ركعتين، وفي الصلوات زيادة عدد في ركعاتها؛ ولأن اعتبار شرائط لها لا يدل على إيجاب الجماعة فيها، ألا ترى أن صلاة الكسوف فيها زيادة أركان وليس الجماعة واجبة فيها، وكذلك صلاة العيد، الشروط المذكورة في الجمعة ليست مؤكدة، بل مخففة؛ لأنها معرضة للإسقاط بتعذر بعضها، فتسقط رأسًا، وكل شيء كثرت شروط وجوبه/
[ ٣٣٠ ]
كان أسرع اختلالًا، وأبطأ صحة ووجوبًا، فكان وجوبه ضعيفًا لا متأكدًا، مثل اشتراطنا في الحج الزاد والراحلة فيكون تعرض السقوط إذا اختل شرطه، وكذلك إقامة حد الزنا شرط في فاعله شروطًا، وفي المحل المزني به، وفي الإقرار والشهادة ما قصد به إبطاء وجوبه، وإسراع سقوطه لا تأكيده، وما المشروط وجوبه إلا كالطلاق، والعتاق المعلق، وما انعدمت أوائل شروطه كالطلاق المنجز، والعتاق الموقع، ومعلوم ما بين المنجز والمعلق، وإنما كانت الجمعة متأكدة بكثرة الشروط أن لو كانت الشروط للصحة مع كون الوجوب غير مشروط، فكان وجوبها معجلًا، وصحتها متأخرة مبطئة لتكميل الشروط، فهذا هو الوجوب المتأكد حيث شغل الذمة، ثم لم يفرغ الذمة منه إلا بشروط تصاحب الواجب، فيصير الواجب مستتبعًا واجبات عدة لا تفرغ الذمة دون حصولها.
وأما التفريق بالمشقة في اعتبار الجمع في هذه، فإن القدر الذي وجب لم يشترط له ما يتعذر غالبًا؛ لأنها تحصل بالاثنين، وأي المكلفين كان من عبد وحر، ومسافر ومقيم، وذكر وأنثى، فإيجاب جماعة هذه صفتها لا يكون مشقًا على المكلف.
فإن قيل: فسهولة حصول الجماعة، وسعة الأمر في تحصيل من تنعقد به أي مكلف كان يجب أن تشترط لها، إذ لا يشق تحصيل الجمع المعتبر في اشتراطه، كما لم يشق في إيجابه.
قلنا: قد ذكرنا المنع على أن للشرطية حكمًا ليس للإيجاب، وهو أن الإيجاب يوجب الفعل، ويوجب المأثم بالترك، فيحث على الفعل، والاشتراط يفضي إلى الإبطال، والفوات.
وقد قيل:/ بأن الجماعة من الأعلام الظاهرة، فصارت [واجبة] (^١) كالجهاد، وصلاة الجنازة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (وجبة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٣١ ]
احتجوا:
بما رُوي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ [بخمس] (^١) وعشرين درجة» (^٢)، ورُوِي: «[بسبع] (^٣) وعشرين درجة» (^٤).
فأثبت للفذ صلاة صحيحة فاضلة؛ لأنه لا يجوز المفاضلة إلا بين فاضلين، فأما من لا فضل فيه فلا يقال: فلان أفضل، كما لا يقال: فلان العالم أعلم من فلان وهو جاهل لا علم له، ولا يقال: العسل أحلى من الخل.
وعندكم تارك الجماعة عاصٍ مأثوم لا فضل في صلاته بحال، وقد تواترت الأخبار أن أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه - كانوا يصلون في رحالهم، ويتركون الجماعة، وقال ﵇ للرجلين اللذين صليا في رحالهما: «إذا أدركتما الجماعة وقد صليتما في رحالكما فصليا معنا» (^٥)، ولم ينكر عليهم ترك الجماعة، وهذا نص.
والفقه في ذلك: أنها صلاة، وليس من شرطها الاستيطان، فلم يكن من شرطها الجماعة، دليله: النافلة، والمنذورة، والفائتة، وفيه احتراز من الجمعة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (بخمسة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة ١/ ١٣١، ح ٦٤٦ من حديث أبي سعيد.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (بسبعة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة ١/ ١٣١، ح ٦٤٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٥٠، ح ٦٥٠ من حديث ابن عمر.
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم ١/ ١٥٧، ح ٥٧٥، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة ١/ ٤٢٤، ح ٢١٩، والنسائي، كتاب الإمامة، باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده ٢/ ١١٢، ح ٨٥٨ من حديث يزيد بن الأسود، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال النووي، وابن دقيق العيد، وابن الملقن: صحيح. وقال العيني: إسناده صحيح. [ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ٢٧٢، الاقتراح ص ١٢٤، البدر المنير ٤/ ٤١٢، نخب الأفكار ٦/ ١١].
[ ٣٣٢ ]
أو نقول: صلاة تصح حال الانفراد، ويسقط الفرض بفعلها، فلم يجب لها الاجتماع، دليله صلاة الجنازة، والاستسقاء، والكسوفين؛ وهذا لأن الاجتماع لها لا يخلو أن يكون شرطًا، أو ركنًا، أو واجبًا ليس بركن، وهو أدنى المراتب في باب اللزوم، وما دونه إلا السنة والندب، لا يجوز أن يكون ركنًا؛ لأن منزلة الركن أن لا تصح الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون شرطًا؛ لأن خصيصة الشرط أن لا تنعقد الصلاة دونه، ولا يجوز أن يكون واجبًا؛ لأن جميع واجبات الصلاة، وسائرها متى تركت عمدًا بطلت الصلاة، وهذه الصلاة تصح/ على الانفراد وتعمد ترك الاجتماع لها، فلم يبق إلا أنها سنة، أو فضيلة، وهو قولنا.
ومنهم من قال: لو كانت الجماعة واجبة ما وجبت بعينها وإنما وجبت للصلاة، وما كان وجوبه لغيره لا لعينه كان شرطًا، ولم يقع ذلك الشيء موقع الإجزاء دونه.
وربما قالوا: ما لا يجب في قضائها، لا يجب في أدائها، كالاستفتاح، والاستعاذة، وهذا صحيح؛ لأن القضاء يحاكي الأداء؛ لكونه بدله، وخلفه، وعوضه، ويقوم مقامه في إسقاط الفرض.
وربما قالوا: كل من لا تكون الجماعة شرطًا في صحة صلاته لم تكن في حقه [واجبة] (^١)، الدليل عليه: العبد والمرأة؛ وهذا لأنه لا فرق بين الحر، والعبد، والمرأة في أركان الصلاة، وواجباتها، وشرائطها، اعتبر هذا بسائر الأركان، والشرائط.
قالوا: وهذا كله راجع إلى معنى، وهو أن كُلًا مصلٍّ لنفسه، ويتقرب إلى الله تعالى، فلا حاجة في أدائه ما وجب عليه إلى أداء غيره إلا فيما استثناه الشرع.
قالوا: ولا شك أن الأوامر المطلقة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (^٣)، تتناول المنفرد، والمصلي في جمع.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (واجدة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) البقرة: ٤٣، ١١٠، يُونس: ٨٧، النور: ٥٦، الروم: ٣١، المزمل: ٢٠.
(٣) هود: ١١٤، الإسراء: ٧٨، العنكبوت: ٤٥.
[ ٣٣٣ ]
الجواب: عن الحديث أن صلاة الفذ صحيحة، إلا أنه آثم بترك الجماعة، والمفاضلة تحصل بين ما فيه فضل، وما لا فضل فيه، قال - تعالى ـ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا *﴾ (^١)، ولا خير في أصحاب النار، وقال تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (^٢)، ولا خير في المشركة، وقولهم: الصدق خير من الكذب، وقال الله - تعالى ـ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣).
جواب آخر: أن المراد بالخير أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ الذي صلاها منفردًا/ لعذر من مرض، أو فوات الجماعة، أو نحو ذلك، وتلك صلاة صحيحة، وفيها فضل، وفاعلها غير عاصٍ، ولا آثم، ولو لم تكن الجماعة واجبة في الصلوات؛ لما لزم بالنذور فروع الأوامر، وكلما ثبت في الأمر ثبت في النذر مثله، يدل عليه: أنه لا يجب في النذر إلا ما حبسه واجب الشرع، فدلّ على أنها فروعها، يدل على ذلك: أنه لو قال: لله علي أن أعود المرضى، لم يجب عليه ذلك بحكم النذر؛ لأن عيادة المرضى ليس بواجب، فلا يجب بالنذر، وإذا نذر الصوم، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك [مما] (^٤) له أصل في الشرع صح ذلك باعتبار أن له أصلًا في الشرع، كذلك هاهنا.
قال: وهذا على أصل أبي حنيفة ألزم، قال: لأنه قال في وجوب الصوم بالاعتكاف: إنه يجب بالنذر (^٥)، فدلّ على أنه يجب بأصل الشرع، وكذلك قال - أيضًا - في مسألة الأضحية (^٦).
_________________
(١) الفُرقان: ٢٤.
(٢) البَقَرَة: ٢٢١.
(٣) النّمل: ٥٩، وبالياء ﴿تُشْرِكُونَ﴾ هي قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وعاصم، وبالتاء ﴿تُشْرِكُونَ﴾ هي قراءة الباقين. [ينظر: الهادي شرح طيبة النشر ٣/ ١١٣].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (ما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ينظر: المبسوط ٣/ ١١٦.
(٦) ينظر: المبسوط ١٢/ ٨.
[ ٣٣٤ ]
وأما قولهم: إن الصحابة كانوا يصلون في رحالهم.
فهذه دعوى، بل كانوا يفعلون ذلك في بعض الأوقات للعذر من مطر وغيره، وقد كان النبي - صلَّى الله عليه - يأمر مناديه أن ينادي عند المطر إذا ابتلت النعال [بالصلاة] (^١) في الرحال، وكيف يظن بهم أنهم يتخلفون عن الجماعة مع رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، ويخلون بفضيلتها من غير عذر، هذا لا يليق بقدرهم، فأما الرجلين الذين صلّيا في الرِّحال فلعلّهُما صلّيا في جماعة، وهذا هو الظاهر من حال الصحابة على ما مرّ.
وأما قولهم: صلاة ليس من شرطها الاستيطان.
قلنا: إذا لم يكن من شرطها ذلك لا تجب لها الجماعة، والمعنى في النوافل أنها أنقص رتبة من الفريضة والمستحب إخفاؤها (^٢)، فالفريضة عالية الشأن، وأقوى أركان الإسلام فكانت بالجمعة أشبه.
وأما الصلاة المنذورة؛ فلا نسلمها/ ونقول: تجب لها الجماعة؛ لأن النذور محمولة على أصولها في الشرع؛ لأن النذور فروع الأوامر، وإن سلمنا فلأن من شرط الجماعة موافقة نية المأموم لنية الإمام، ولا يتفق ذلك في النذر.
على أن بعض أصحابنا المتأخرين قد جعل النذر حجة لنا، وجعل منه طريقة تصلح أن يستدل بها ابتداء في المسألة، فقال: أجمعنا على أنه لو نذر أن يصلي صلاة في جماعة فإنه يجب بالإجماع.
وأما الفائتة؛ فلا نُسلِّم، ونقول: تجب فيها الجماعة على احتمال ذكره شيخنا ﵀ (^٣)، وإن سلّمنا فالفائتة يتعذر فيها الجماعة؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فالصلاة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) في هذا المكان من الأصل تكرار لقوله: (والمعنى في النوافل أنها أنقص رتبة من الفريضة والمستحب إخفاؤها).
(٣) لم أقف عليه، وشيخه هو: يعقوب بن إبراهيم العكبري البرزبيني، وله كتاب فقهيّ اسمه: (التعليق) أو (التعليقة)، وفيما أعلم أنه غير مطبوع، وهو كتاب مُلخّص من كتاب القاضي أبي يعلى الشهير: (التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة).
[ ٣٣٥ ]
لأنها لا تصلى عندنا خلف مؤدٍّ (^١)، ولا تفوت في غالب الحال جماعة ناس في وقت، فيجتمعون فيصلونها قضاء، فسقط اعتبار الجماعة فيها لذلك، بخلاف الأداء، ولأن اعتبار المؤداة بالفائتة غلط؛ كما نقول في الجمعة يشترط في إدائها الجماعة، وإذا فاتت لم يشترط لها ذلك، ولأن القضاء يخالف الأداء، بدليل أن المسافر يقضي ما فاته في الحضر تامة، ولا يدل على أنها كانت واجبة تامة، والمريض يقضي الصلاة بحسب حاله جالسًا، أو مضطجعًا، ومن عدم الماء في حال القضاء يؤديها بالتيمم، كل ذلك اعتبارًا بحكم حاله حال القضاء، كذلك هاهنا.
وأما تعلقهم بكونها ليست بشرط في الصحة؛ تقدم جوابه.
وأما العبد: فقياس المذهب يقتضي وجوبها عليه، وقد نقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن العبد [يرسله] (^٢) مولاه في حاجة، فتحضر الصلاة، أيصلي ثم يقضي حاجة مولاه؟ أو يقضي حاجة مولاه ثم يصلي؟ ولعله إذا قضى الحاجة لا يجد مسجدًا يصلى فيه؟
قال: إذا علم أنه إذا قضى حاجة مولاه أصاب مسجدًا يُصلي/ فيه قضى حاجة مولاه، وإن علم أنه لا يدرك صلى ثم قضى حاجته (^٣).
وهذا يدل على وجوب الجماعة عليه، وإن سلّمنا فالعبد لا تجب عليه الجمعة، فلا تجب عليه [الجماعة] (^٤)، والحرّ بخلاف ذلك.
وبفصل الجمعة أجاب أصحابنا عن المرأة، وقالوا - أيضًا ـ: المرأة يكره لها فعل الجماعة، والرجل يستحب له ذلك، ولأن المرأة لو قلنا: تحضر الجماعات، لم يؤمن الافتتان بها، والرجل بخلاف ذلك.
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٥٩٠، الإنصاف ٢/ ٢٧٦.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (يرسل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ٧٢.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (الجمعة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٣٦ ]
وعندي أن الإشكال في إلزامهم المرأة باقٍ، وذلك أن إلزامهم إنما هو وجوب الجماعة على النساء في الجملة، وأنهم من أهل إيجابها عليهم، وما اعتذر به أصحابنا لا يصح؛ لأن الكراهة إنما تكون في حضور جماعات الرجال، وإلا فالمستحب للنساء إذا اجتمعن أن يصلين في جماعة، وكان ينبغي أن تجب الجماعة عليهم فيما بينهم إذا اجتمعوا، وكذلك - أيضًا - فصل الافتتان الذي اعتذر به الأصحاب إنما يكون في حضور جماعات الرجال، ثم المرأة العجوز لا يكره لها حضور الجماعات، ولا يخاف الافتتان بها، والجماعة ليست واجبة عليها (^١).
وأما قولهم: كلًا مصلٍّ لنفسه؛ فهذا ممنوع؛ وسيأتي الجواب عنه مستوفى في المسألة التي بعدها، وعلى الفور هو باطل بصلاة الجمعة.
_________________
(١) ينظر: التعليق الكبير ص ٥٨٧، ٥٩٢.
[ ٣٣٧ ]