لا تصح إمامة الفاسق سواء كان فسقه باعتقاده، أو أفعاله (^١)، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^٢)، اختارها الخرقي (^٣)، وأبو بكر (^٤)، وهي مذهب واثلة بن الأسقع (^٥)، والحسن، ومحمد بن الحسن بن محمد بن علي (^٦)، وأبي بكر ابن عياش (^٧) (^٨)، ومعاذ بن معاذ (^٩)، وسفيان الثوري (^١٠)،
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٤٤، المبدع ٢/ ٦٤، شرح الزركشي ٢/ ٨٥، الإنصاف ٢/ ٢٥٢.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧٢، الجامع الصغير ص ٥٣.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٢٩ وعبارته: «ومن صلى خلف من يعلن ببدعة أو بسكر أعاد»، وشرح هذه العبارة ابن قدامة في المغني ٢/ ١٣٧ بالفسق.
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٥) واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر، وقيل: واثلة بن عبد الله بن الأسقع، كان ينسب إلى جده، ويقال: الأسقع لقب، واسمه عبد الله، أسلم والنبي ﷺ يتجهز إلى تبوك وشهدها، ويقال: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، ويقال: إنه نزل البصرة وله بها دار، ثم نزل الشام، وكان منزله على ثلاثة فراسخ من دمشق بقرية يقال لها البلاط، وشهد فتح دمشق، وحمص، وغيرهما، ثم تحول إلى بيت المقدس، ومات بها سنة ٨٥ هـ وقيل غير ذلك. وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٥٦٣، أسد الغابة ٤/ ٦٥٢، الإصابة ٦/ ٤٦٢].
(٦) نسب القول لواثلة والحسن ومحمد بن الحسن أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٧) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحناط الكوفي المقرئ العابد، أحد الأئمة الكبار، مولى واصل الأحدب، في اسمه عدة أقوال أشهرها: شعبة، ولد سنة ٩٥ هـ، وقرأ القرآن على عاصم ثلاث مرات، وهو أنبل أصحابه، وكان من أرباب الحديث والعلماء المشاهير، وهو أحد راويي القراءات عن عاصم، قرأ عليه: الكسائي، ويحيى العليمي، ويعقوب الأعشى، وقد جاء من غير وجه عن أبي بكر أنه مكث أربعين عامًا يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة. مات جمادى الأولى سنة ١٩٣ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٥٣، تاريخ الإسلام ٤/ ١٢٦١].
(٨) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٩) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(١٠) أخرجه حرب في المسائل، باب الصلاة خلف القدرية وغيرهم من أهل البدع ص ٥٢٢، ح ١١١٩، عن أحمد بن يونس، قال: سمعت رجلًا قال لسفيان الثوري: رجل يكذب بالقدر؛ أصلي وراءه؟ قال: «لا تقدموه». قال: هو إمام القرية؛ ليس لهم إمام غيره؟ قال: «لا تقدموه، لا تقدموه»، ومن طريق عمر بن الهيثم، قال: قيل للثوري: ما تقول في رجل صلى خلف قدري؟ فقال: «أعدها ولو أربع سنين».
[ ٣٣٨ ]
وأنس بن عياض (^١) (^٢)، وزائدة (^٣) (^٤)، وشريك (^٥)، ومالك (^٦)، وغيرهم، ذكره ابن حامد في «شرح الخرقي» (^٧).
والثانية: صحة الصلاة خلفه (^٨)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي (^٩) (^١٠).
/ قال صاحب «الإرشاد»: واختلف قوله في الصلاة خلف شارب النبيذ على التأويل - إذا لم يسكر - على روايتين؛ أحدهما: يجوز الائتمام به، والأخرى: لا يجوز، وعلى من صلى خلفه الإعادة، قال: وبهذه الرواية أقول (^١١).
_________________
(١) أنس بن عياض الليثي، أبو ضمرة المدني، من المسندين الثقات، ولد سنة ١٠٤ هـ، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا أحسن خلقًا من أبي ضمرة، ولا أسمح بعلمه منه، قال لنا: والله لو تهيأ لي أن أحدثكم بكل ما عندي في مجلس لفعلت. مات سنة ٢٠٠ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ١٠٧٥].
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٣) أبو الصلت زائدة بن قدامة الثقفي، الكوفي الحافظ، أحد الأعلام، كان من أصدق الناس وأبرهم، إمامًا حجة، صاحب سنة واتباع، وكان لا يحدث صاحب بدعة، توفي مرابطًا بأرض الروم في سنة ١٦١ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٣٦٥].
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٥) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٦٥.
(٦) ينظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٣٢٦.
(٧) كتاب: (شرح الخرقي)، لابن حامد، شرح فيه متن الخرقي في الفقه الحنبلي (مختصر الخرقي)، وهو لم يطبع حتى الآن.
(٨) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧٢، الجامع الصغير ص ٥٣.
(٩) ينظر للحنفيّة: تبيين الحقائق ١/ ١٣٤، حاشية ابن عابدين ١/ ٥٥٩. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ١٩٩، المجموع ٤/ ٢٥٣.
(١٠) بهذا المكان في الأصل: (الأولة: قوله - تعالى ـ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾)، وعدم إثابتها هو الأولى؛ لأنه مكررة سترد قريبًا.
(١١) ينظر: الإرشاد ص ٦٧.
[ ٣٣٩ ]
الأوّلة:
قوله - تعالى ـ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ *﴾ (^١)، وقوله - سبحانه ـ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *﴾ (^٢)، فنفى المساواة بين الفاسق والمؤمن، وعامل الخير وعامل السوء.
فإن قيل: المراد بذلك الكافر، بدليل أنه قال في آخر الآية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ (^٣)، وهذه صفة الكافر.
قلنا: هو عام في كل فاسق، وكل من عمل سوءًا، وعام في نفي المساواة في كل شيء إلا ما خصه الدليل، وتخصيص آخر الآية لا يدل على تخصيص أولها كقوله - تعالى ـ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٤) عام في كل مطلقة، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ (^٥) خاص في الرجعيات، ولم يمنع هذا من الاحتجاج بأولها، وكذلك قوله - تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (^٦) عام، وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ (^٧) خاص في الكفار.
ومن جهة الأخبار: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مرثد بن عبد الله الغنوي (^٨) - وكان بدريًا - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «إنْ سرّكم أن تُقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم ﷿» (^٩)،
_________________
(١) السَّجدَة: ١٨.
(٢) الجَاثيَة: ٢١.
(٣) السَّجدَة: ١٩، ٢٠.
(٤) البَقَرَة: ٢٢٨.
(٥) البَقَرَة: ٢٢٨.
(٦) الأنعَام: ٩٤.
(٧) الأنعَام: ٩٤.
(٨) مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي، وأبوه صحابي، وهما ممن شهد بدرًا، وأحدًا، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أوس بن الصامت، استشهد مرثد في صفر ٣ هـ في غزاة الرجيع. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٣٨٣، أسد الغابة ٤/ ٣٦١، الإصابة ٦/ ٥٥].
(٩) الحديث أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١/ ٢٤٤، ح ٣١٧، والطبراني ٢٠/ ٣٢٨، ح ٧٧٧، والدارقطني، كتاب الجنائز، باب نهي رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه ٢/ ٤٦٤، ح ١٨٨٢/ ٢، والحاكم، كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب مرثد بن أبي مرثد الغنوي ٣/ ٢٤٦، ح ٤٩٨١، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٥٦٢، ح ٦١٨٧، وابن عساكر في المعجم ٢/ ٩٥٩، ح ١٢٢٤ من طريق القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وقال الدارقطني: إسناد غير ثابت. وقال ابن عبد البر: منقطع أرسله القاسم أبو عبد الرحمن، عن مرثد. وقال ابن عساكر: حديث غريب. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٣٨٤].
[ ٣٤٠ ]
فوجه الدلالة: أنه علّق قبول الصلاة بالصلاة خلف الخيّر، فدل على أن الفاسق لا تقبل الصلاة خلفه.
وروى بإسناده عن علي قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «لا تُقدِّموا/ صبيانكم ولا سفهاءكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم فإنهم وفدكم إلى الله تعالى» (^١)، فنهى؛ والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «ليؤمكم خياركم، وليؤذن لكم قراؤكم» (^٢)، فأمر؛ وأمره على الوجوب.
وروى أبو بكر، وابن حامد بإسنادهما عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه - وهو على المنبر: «يا أيها الناس، يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا إليه بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا، وتنصروا، وتجبروا» وذكر الحديث إلى أن قال: «لا تؤمَّن امرأة رجلًا، ولا يؤمَّن فاجر برًّا» (^٣)، فنهى أن يؤمَّن الفاجرُ البرَ،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الخلافيات ح ٢٦٢٢ من طريق حرملة بن موسى، عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي، عن علي، وقال: هذا إسناد ضعيف. وقال ابن عبد الهادي: لا يصح، إسناده مظلم، قال شيخنا أبو الحجاج: في إسناده غير واحد من المجهولين. وقال الذهبي: لم يصح. [ينظر: التنقيح لابن عبد الهادي ٢/ ٤٦٩، التنقيح للذهبي ١/ ٢٥٥].
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في فرض الجمعة ١/ ٣٤٣، ح ١٠٨١ من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا، واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر، استخفافا بها، أو جحودًا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه، ألا لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه». وقال أبو حاتم: حديث منكر. وقال الدارقطني: غير ثابت. وقال البيهقي: في إسناده ضعف. وقال ابن عبد البر: أسانيده واهية. وقال ابن رجب: حديث منكر في إسناده ضعف واضطراب واختلاف. وقال ابن الملقن: حديث ضعيف. وقال البوصيري: إسناده ضعيف. [ينظر: علل الحديث ٥/ ١٥٣، السنن الكبير ٣/ ١٢٨، فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٥، ٨/ ٦٢، البدر المنير ٤/ ٤٣٤، مصباح الزجاجة ١/ ١٢٩].
[ ٣٤١ ]
وفي لفظ آخر: «الفاسقُ المؤمنَ» (^١)، والنهي يدل على الفساد.
فإن قيل: المراد بجميع ذلك الاستحباب والفضيلة.
قلنا: لا يصح؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي الإيجاب، والنهي يقتضي التحريم.
والفقه: أنها إحدى الإمامتين؛ فنافاها الفسق، دليله الإمامة الكبرى، أو نقول: الإمامة نوع رتبة في الدين مفخمة معظمة، فلم يساو فيها الفاسقُ العدلَ، دليله الشهادة، ولا تلزم ولاية النكاح؛ لأنها كمسألتنا، وهذا صحيح؛ فإن الإمامة فيها نوع ولاية؛ بدليل أنها يستتبع بها غيره،
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ٣٠٥ من طرق عن جابر، وفيها محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، قال ابن حبان: يروي عن أبيه وغيره من الشيوخ العجائب التي لا يشك من هذا الشأن صناعته أنها معمولة أو مقلوبة، سألت ابن خزيمة مرارًا عن هذه الأحاديث فامتنع، ثم قرأت عليه، فلما قلت: حدثكم محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. أدخل إصبعيه في أذنيه، فلما قرأت إسنادًا واحدًا أخرجهما من أذنيه، وسمع إلى آخرها، وقال: نعم، وأنا خائف أنه كذاب.
[ ٣٤٢ ]
ويتحمل بها القراءة، وسجود السهو، وتوجب الاقتداء به واتباعه، ولا يجوز الافتيات (^١) عليه بسبق في فعل، ولا قول، ولا يسبق بتجميع إذا كان إمام الحي، ويتقدم بفضائل على من وراءه [في] (^٢) القراءة، والفقه، والسن، والشرف.
ولهذا استدلّ سادات الصحابة على استحقاق أبي بكر الصديق ﵁ للتّقدم في الخلافة بتقديمه في الصلاة، وما/ رضوا بأن يجعلوه قياسًا شبهيًّا (^٣) حتى جعلوه تنبيهًا (^٤)، فقال بعضهم: رضيك رسول الله - صلَّى الله عليه - لديننا، لا نرضاك لدنيانا؟ (^٥)
وقال الآخر: أيكم تطيب نفسه أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله (^٦).
وكيف يستدلون بهذا المنصب على منصب لا يصح مع الفسق، والذي استدلوا به يصح مع الفسق، ولهذا قال - صلَّى الله عليه ـ: «الأئمة ضمناء» (^٧)،
_________________
(١) افتات فلان على فلان في كذا، وتفوت عليه فيه، إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه، وهو من الفوت بمعنى السبق إلا أنه ضمن معنى التغلب فعدّي بعلى لذلك. [ينظر: الفائق في غريب الحديث ٣/ ١٤٧، النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٤٧٧].
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) قياس الشبه: أن يتردد فرع بين أصلين له شبه بكل واحد منهما، وشبهه بأحدهما أكثر، فيُردّ إلى أكثرهما شبهًا به.
(٤) التنبيه (مفهوم الموافقة): فهم الحكم في غير محل النطق بطريق الأولى.
(٥) أخرجه ابن سعد ٣/ ١٨٣، والخلال في السنة ١/ ٢٧٣، ح ٣٣٣، والآجري في الشريعة ٤/ ١٧٢٢، ح ١١٩٣ من طريق أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فقدمنا أبا بكر. ولفظ الآجري: قدم رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ يصلي بالناس وقد رأى مكاني، وما كنت غائبًا، ولا مريضًا، ولو أراد أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا.
(٦) أخرجه الطبري في التاريخ ٣/ ٢٠١ في أثر طويل، وفيه: فقام عمر، فقال: أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي ﷺ؟ فبايعه عمر، وبايعه الناس.
(٧) أخرجه ابن حزيمة، كتاب الإمامة في الصلاة وما فيها من السنن، باب ذكر دعاء النبي ﷺ للأئمة بالرشاد ٣/ ١٦، ح ١٥٣١، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الصلاة، =
[ ٣٤٣ ]
وصلاة من خلفه تبطل ببطلان صلاته، والطهارة وجميع الشرائط موقوفة على أمانته، [وهي] (^١) أمور يعاب عليها، فتحتاج الثقة به إلى أمانة لا يشهد لها إلا اعتدال أحواله في دينه، والفاسق مبتذل لا يؤمَن على الصلاة وشروطها،
_________________
(١) = باب فضل التأذين على الإمامة ١/ ٦٣٢، ح ٢٠٢٠ من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال البيهقي: لم يسمعه سهيل من أبيه، إنما سمعه من الأعمش. وأخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت ١/ ١٤٣، ح ٥١٧ من طريق محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». وأخرجه - أيضًا - أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت ١/ ١٤٣، ح ٥١٨ من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش، قال: نبئت عن أبي صالح - قال: ولا أراني إلا قد سمعته منه - عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن ١/ ٤٠٢، ح ٢٠٧ من طريق أبي الأحوص، وأبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال يحيى القطان: لا أراه سمعه من أبي صالح. وقال أحمد: ما أرى لهذا الحديث أصلًا. وقال الترمذي: رواه سفيان الثوري، وحفص بن غياث، وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وروى أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ هذا الحديث، وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح، عن عائشة. وسمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح. وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح، عن عائشة في هذا. وسئل أبو حاتم عن رواية محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، ورواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أيهما أصح؟ فقال: حديث الأعمش. وقال الدارقطني: اضطرب الحديث، عن أبي صالح، والصواب: عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال البيهقي: الأعمش، لم يسمعه من أبي صالح يقينا، إنما يقول فيه: نبئت عن أبي صالح، ولا أرى إلا قد سمعته منه، هكذا قاله عبد الله بن نمير، عن الأعمش. [ينظر: مسائل أحمد رواية أبي داود ص ٣٨٩، الجرح والتعديل ١/ ٨٢، علل ابن أبي حاتم ٢/ ٦١ - ٦٤، علل الدارقطني ١٠/ ١٩٧، ١٤/ ٣٩١، معرفة السنن ٢/ ٢٦٦].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (وهو)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٤٤ ]
سيما إذا كان فسقه بشرب الخمر، وملابسة النجاسات، وهو ممن لا يقبل قوله في نجاسة الماء، بل هو يخبرنا بنجاسته، وسبب نجاسته، ونحن نبقيه بعد خبره على أصل طهارته وتطهيره، وكيف نثق إلى أمانته فيما نحن متبعون له فيه، وصحة صلاتنا مربوطة بصحة صلاته.
فإن قيل: جميع ما ذكرتم لا يمنع صحة صلاته في نفسه، فلا يمنع صحة [إمامته] (^١) وخرج على هذا الإمامة الكبرى؛ لأنها أكمل، ألا ترى أنه يعتبر فيها الحرية، والذكورية، والنسب، والعلم بخلاف الصغرى، فإنه لم يعتبر فيها جميع هذه الأشياء، فلا تعتبر العدالة، وخرج - أيضًا - الشهادة؛ فإنه يتهم فيها أن يواطئ فيشهد بالزور، بخلاف الصلاة؛ فإنه لا تهمة فيها.
قلنا: أما صلاته في نفسه فلو أبطلناها أفضى إلى أن نخرجه من الإسلام، بخلاف إمامته؛ فإنها إذا بطلت لم تضرّ؛ لأن المأموم يطلب عدلًا فيصلي خلفه.
الثاني: أنه قد يصح الشيء منه في حق نفسه دون غيره، ألا ترى أنه لو رأى هلال رمضان وحده، وردت شهادته لزمه الصوم من رمضان/ وإن لم يلزم غيره، والشهادة على نفسه تصح، وعلى غيره لا تقبل، والمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها، وكذلك العبد يصح أن يصلي الجمعة، ولا يكون إمامًا في الجمعة، والأميّ تصحّ صلاته في نفسه، ولا يكون إمامًا للقُرّاء، كذلك في مسألتنا، وهذا كلّه لمعنى وهو أن صلاته في حق نفسه كإقراره، وصلاته بغيره [استتباع] (^٢) لغيره، وقبول لغيره، وائتمان له على قربة لا تتم إلا بالثقة، أشبه الشهادات، والولايات.
وأما اعتذارهم عن الإمامة الكبرى بكثرة شروطها؛ فليس إذا لم تعتبر هذه الأشياء لا تعتبر العدالة، بدليل أخبار الديانات، والشهادات.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (إماته)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (استتباعًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٣٤٥ ]
وقولهم: في الشهادة تلحقه التهمة؛ فباطل بأخبار الديانات، والشهادة برؤية الهلال؛ فإنه لا يتهم فيها، ولا تقبل منه.
الثاني: أنّا قد بينّا أنه قد يتهم أن يصلي وفي ثيابه الخمر، أو يرائي بالصلاة؛ لأنه من لا يتحاشا من الزنا، وأكل الربا، وشرب الخمر لا يتحاشا أن يصلي وفي فمه وثيابه الخمر، ولأنه يتهم في الإمامة أن يظاهر بها ليكرَم، ويُشهد له بالخير والصلاح لتقبل شهادته، فيجر بذلك نفعًا إلى نفسه.
طريقة أخرى، نقول: الفسق نقص يؤثر في الشهادة مع قدرته على التحمل، فأثر في الإمامة، دليله نقص الأنوثية؛ وهذا لأن نقص الفسق أكبر من نقص الأنوثية، لأن المرأة يقبل خبرها وشهادتها، والفاسق لا يقبل خبره وشهادته، ثم الائتمام بالمرأة لا يصح، فأولى أن لا يصح بالفاسق.
يدل عليه: أن الفسق نقص في الدين، والصلاة ركن الدين، والجماعة عندنا واجبة (^١)، وعندهم لإحراز الفضيلة، فلم يجز أداء الواجب، وإحراز الفضيلة من ناقص الدين، والمرأة - أيضًا - إنما منع من إمامتها لنقصان دينها بنص الرسول - صلَّى الله عليه - (^٢)،/ ولا بدّ من اعتقاد وجوده، عقلنا معناه، أو لم نعقل.
يدل عليه: أن هذا النقص قد منع قبول قوله في شرط الصلاة مثل القبلة، وطهارة الماء، فلأن لا يقبل قوله في تكميل شروط الصلاة بغيره أولى.
وقد قيل بأنه فاسق في ذمته، فلم تصح إمامته، دليله الكافر.
فإن قالوا: فيجب أن لا تصح صلاته في نفسه مثل الكافر. فقد تقدم جوابه.
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٤٢، الإنصاف ٢/ ٢١٠، المبدع ٢/ ٤١.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم ١/ ٦٨، ح ٣٠٤، ومسلم، كتاب الإيمان ١/ ٨٧، ح ٨٠ من حديث أبي سعيد.
[ ٣٤٦ ]
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «صلوا خلف كل برّ وفاجر» (^١).
وروى الدارقطني بإسناده عن أبي هريرة أن النبي - صلَّى الله عليه - قال: «سيليكم بعدي ولاة؛ فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم» (^٢).
وروي عنه ﵇ أنه قال: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب إمامة البر والفاجر ١/ ١٦٢، ح ٥٩٤ من طريق مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم؛ برًا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر». وقال العقيلي: ليس في هذا المتن إسناد يثبت. وقال الدارقطني: ليس يثبت، مكحول لم يسمع من أبي هريرة. وقال البيهقي: إسناد صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول، وأبي هريرة. وقال المنذري، وابن رجب: منقطع، مكحول لم يسمع من أبي هريرة. زاد ابن رجب: وقد أنكر أحمد هذا، ولم يره صحيحًا. وقال ابن الملقن: ضعيف. [ينظر: الضعفاء الكبير ٣/ ٩٠، سنن الدارقطني ٢/ ٤٠٣، معرفة السنن ٤/ ٢١٤، مختصر السنن للمنذري ٢/ ١٥٦، فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٨٨، البدر المنير ٤/ ٤٥٦].
(٢) أخرجه الدارقطني، كتاب العيدين، باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه ٢/ ٤٠٠، ح ١٧٥٩ من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال العقيلي: ليس في هذا المتن إسناد يثبت. وقال الدارقطني: ليس يثبت. وقال البيهقي: ضعيف غاية الضعف. وقال عبد الحق: في إسناده عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو ضعيف جدًا. وقال ابن الملقن: ضعيف. [ينظر: الضعفاء الكبير ٣/ ٩٠، السنن الكبير ٤/ ٢٩، الأحكام الوسطى ١/ ٣٢٣، البدر المنير ٤/ ٤٥٦.
(٣) أخرجه الدارقطني، كتاب العيدين، باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه ٢/ ٤٠١، ح ١٧٦١ - ١٧٦٣ من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا وراء من قال: لا إله إلا الله». وقال أبو حاتم: حديث منكر. وقال العقيلي، والدارقطني: ليس يثبت. وقال ابن حبان: ليس هذا من حديث رسول الله، ولا من حديث ابن عمر. وقال البيهقي: ضعيف غاية الضعف. [ينظر: علل ابن أبي حاتم ٣/ ٥٧٣، الضعفاء الكبير ٣/ ٩٠، المجروحين لابن حبان ٢/ ١٠٢، السنن الكبير ٤/ ٢٩].
[ ٣٤٧ ]
وروي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «يؤم القوم أقرؤهم» (^١)، ولم يفرق بين أن يكون عدلًا أو فاسقًا.
ولأنه إجماع الصحابة؛ فإن ابن عمر، وأنسًا ﵄ كانا يصليان خلف الحجاج (^٢).
وكذلك الحسن (^٣)، والحسين (^٤) ﵄
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٦٥، ح ٦٧٣ من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٢) أثر ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب الأمراء يؤخرون الصلاة ٢/ ٣٨٧، ح ٣٨٠٣، وابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة، باب في الصلاة خلف الأمراء ٢/ ١٥٢، ح ٧٥٥٩، وابن حذلم في حديث الأوزاعي ص ١٦، ح ٣٦ من طريق الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، قال: شهدت ابن عمر والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. ولفظ عبد الرزاق: عن عمير بن هانئ قال: رأيت ابن عمر، وابن الزبير، ونجدة، والحجاج، وابن عمر يقول: يتهافتون في النار كما يتهافت الذبان في المرق. فإذا سمع المؤذن أسرع إليه، يعني مؤذنهم فيصلي معه. وأما أثر أنس فلم أقف عليه، وقد ذكره القاضي في التعليق الكبير ص ٦٨٨.
(٣) الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، أمير المؤمنين أبو محمد، ولد في نصف شهر رمضان سنة ٣ هـ وقيل غير ذلك، قال النبي ﷺ: اللهم إني أحبه فأحبه. وقال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. وكان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، كان فاضلًا دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله. مات سنة ٤٩ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٣٨٣، أسد الغابة ١/ ٤٨٧، الإصابة ٢/ ٦٠].
(٤) الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، ولد في شعبان سنة ٤ هـ، قال النبي ﷺ: اللهم إني أحبه فأحبه. وقال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. كانت إقامته بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة فشهد معه الجمل، ثم صفين، ثم قتال الخوارج، وبقي معه إلى أن قتل، ثم مع أخيه إلى أن سلم الأمر إلى معاوية، فتحول مع أخيه إلى المدينة واستمر بها إلى أن مات معاوية، فخرج إلى مكة، ثم أتته كتب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب فأخذ بيعتهم. قتل يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٣٩٢، أسد الغابة ١/ ٤٩٥، الإصابة ٢/ ٦٧].
[ ٣٤٨ ]
كان يصليان خلف مروان (^١).
ويشهد لذلك ضرب من الفقه، وهو: أن من صحت صلاته في نفسه صحت إمامته لغيره، كالعدل، وهذا لأن [صحة] (^٢) صلاة الغير فرع صحة صلاته في نفسه، فإذا صحت صلاته في حق نفسه، صح ما يبنى عليها وهو فرع لها.
قالوا: ولأن من صحت إمامته في الجمعة، صحت في بقية الصلوات، كالعدل، وهذا لأن الجمعة أعلى رتبة من غيرها، وأكثر شروطًا، فإذا صحت إمامته فيها، ففي غيرها من الصلوات أولى.
قالوا: فإن منع مانع دللنا عليه بأنه قد جعل كالعدل في انعقاد الجمعة بأربعين/ من الفساق، والعدد في الجمعة شرط، كما أن الإمام لانعقاد الجماعة شرط، وإذا تم به شرط هذه الصلاة التي هي عَلَم من أعلام الدين الذين لا يتم الشرط إلا بهم، لم لا يتم به الشرط الآخر فيها وهو الإمام.
وربما حرروه قياسًا فقالوا: أحد الركنين [المعتبرين] (^٣) في صلاة الجمعة، فلم تعتبر له العدالة، كالعدد المعتبر في المأمومين، وضح هذا أن المأموم في الجمعة كالإمام من حيث إنه لم ينعقد العدد إلا بمن يصح أن يكون إمامًا، فإنه لا ينعقد بالعبد، ولا المسافر، ولا المرأة، وجماعة سائر الصلوات تنعقد، فإذا صحت الجمعة بأربعين فاسقًا، علم أن الفسق لم يقدح في العدد، وهو أحد قواميها، وركنيها، فلا يقدح في الإمام، وهذا يعطي أن تكون الصلاة صحيحة باطنًا عند الله - سبحانه ـ، فلا يحتاج إلى إعادة، فإذا ثبتت هذه القاعدة في إمامة الجمعة، قلنا: إن الجمعة يشترط لها الجماعة، والإمامة، وغيرها من الصلوات تجب عندكم،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة، باب في الصلاة خلف الأمراء ٢/ ١٥٢، ح ٧٥٦٠، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الصلاة، باب الصلاة خلف من لا يحمد فعله ٣/ ١٧٤، ح ٥٣٠٣ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (المعتبر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٤٩ ]
وتستحب عند غيركم ولا تجب، فإذا لم تعتبر العدالة للإقامة في آكد الصلاتين، فلأن لا تجب وتعتبر للصلاة التي هي أدون الصلاتين أولى.
قالوا: ويوضح هذا أنكم عولتم على التهمة في جانب الإمام لتعلق صلاة غيره [عليه] (^١)، وهذا موجود في حق المأمومين في الجمعة؛ فإنه لو انخرم واحد من الجماعة بحدث، أو بلبسه ثوبا غصبًا، أو حمله لنجاسة، انخرم العدد حيث انخرم الشرط، وهذا لا يؤمن في حصوله من الفاسق إذا كان مأمومًا، كما لا يؤمن إذا كان إمامًا، وصلاة الإمام، وجميع المأمومين مرتبط بعضها ببعض في الصحة والانعقاد، وما كان بهذه الصفة كان التابع، والمتبوع فيه سواء، وكذلك/ الواحد مع الإمام شرط في انعقاد الجماعة، فينبغي أن لا تنعقد الجماعة بإمام عدل، ومأموم فاسق، ألا ترى أن الشهود متى كان فيهم فاسق لم يصح القضاء بشهادتهم؛ لانخرام العدد المعتبر، فلو كان واحد من ثلاثة أعني شهادة رجل وامرأتين في شهادة المال، أو واحد من اثنين، أو من أربعة في العقوبات، لم يصح الحكم بالشهادة؛ لانخرام ما هو شرط للحكم، فيكون في منع الصحة كفسق الحاكم، وهو المتبوع الجاري في مجرى الإمام.
قالوا: ولأنه لو كان المنع لعدم الثقة لوجب أن لا يصلَّى في سترته، ولا يُتوضأ بمائه، ولا من آنيته، ولا تُستقبل قبلته الموضوعة في داره، ومسجد داره، فلما لم تقولوا ذلك، بطل أن يكون ما قلتم علة.
وقد تعلّق بعض الشافعية بطريقة أخرى (^٢)، وذلك أنه قال: إن كل واحد من القوم مؤدٍّ فرضه مثل لو كان منفردًا، وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد؛ لأن الأصل أن الإثنين إذا اجتمعا على أداء الفريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر، بل إن جاز فعل كل واحد منهما فجوازه بفعله، وإن فسد ففساده بفعله، لأن الفرض علة على الانفراد، فلا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (على غيره)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) لم أقف على من ذكرها من الشافعيّة.
[ ٣٥٠ ]
وأما الاقتداء فهو مجرد فعل الاتباع في الفعل، لتجتمع الجماعة على أداء هذا الفرض، فيكون أقرب إلى الخشوع، والخضوع، وانعدام السهو والغفلة، وأوفى في المغفرة والرحمة، وإذا ثبت هذا لم يؤثر فسق ذاك في صلاة هذا، كما لو صلى كل منهم منفردًا بجنب الآخر فإنه لا يؤثر، كذلك هاهنا.
وقال أصحاب أبي حنيفة: نحن نُسلِّم أن صلاة المأموم تبتنى على صلاة الإمام، فإذا كانت صلاة الإمام صحيحة كذلك ما ابتني عليها،/ ولا خلاف أن الفاسق صلاته في حق نفسه صحيحة، فكذلك ما يبتنى عليها (^١).
الجواب:
أما الخبر الأول؛ فنقل يعقوب بن بختان أن أحمد سئل عن الحديث: «صلوا خلف كلّ بر وفاجر» (^٢)، فقال: ما سمعنا بهذا (^٣).
ولا خير فيما لم يسمعه أحمد، على أنّا نحمل قوله: «صلوا خلف» أي: صلوا على، لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض بدليل ما ذكرنا، ويحتمل أن يريد به صلاة الجمعة ويعيد.
وأما خبر أبي هريرة؛ فيحتمل - أيضًا - ما ذكرنا، ويحتمل - أيضًا ـ: ادعوا لله وراءهم أن يصلحهم، أو يزيلهم.
وأما قوله: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله» (^٤)، فمعناه: صلوا عليهم إذا ماتوا، والمصلي فيها خلف الجنازة، وهي قائمة مقام الإمام في تقدمها عليه، ويحتمل: صلوا خلفهم إذا كانوا عدولًا كما قال:
_________________
(١) لم أقف على من ذكره من الحنفيّة. ولكن يرى الحنفية على أن صلاة المؤتمّ مبنية على صلاة الإمام صحة وفسادًا. [ينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٣٣، العناية ١/ ٣٧٥].
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ينظر: التعليق الكبير ص ٦٨٨، الانتصار ٢/ ٤٦٩.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣٥١ ]
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (^١)، يعني: ويلتزموا أحكامها، وكذا قوله: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٢)، ويدل على ذلك أنه أمر يقتضي الوجوب، ولا أحد يوجب أن يصلَّى خلف الفاسق.
وأما قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (^٣)؛ فالمراد به أقرؤهم من أهل العدالة؛ لأنه خرج مخرج التفضيل، والحثّ على تعلم القرآن، وتقديم أهله لفضلهم، وصلاحهم في الغالب، ولم يرد به الفاسق؛ لأنه نادر في أهل القرآن.
وأما ما نقلوا عن الصحابة فلعلهم صلوا وأعادوا، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يعيد (^٤)، أو يحتمل أنهم فعلوا ذلك مخافة شرهم، فقد كانوا يفعلون ذلك تقية.
روى النجاد من أصحابنا بإسناده عن حبيب بن [عمر] (^٥) (^٦) قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة ٢/ ١٠٥، ح ١٣٩٩، ومسلم، كتاب الإيمان ١/ ٥١، ح ٢٠ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الثياب البيض ٧/ ١٤٩، ح ٥٨٢٧، ومسلم، كتاب الإيمان ١/ ٩٥، ح ٩٤/ ١٥٤ من حديث أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر. وعند مسلم: قال: «وإن زنى وإن سرق» ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر» قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) لم أقف عليه، وقد ذكره القاضي في التعليق الكبير ص ٦٨٩.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (عمرو)، وما أثبته هو الصحيح كما سيرد في ترجمته.
(٦) حبيب بن عمر الأنصاري، المدني، روى عن أبيه، وعنه بقية بن الوليد، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، مجهول لم يرو عنه غير بقية. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: مجهول. [نظر: التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٢، الجرح والتعديل ٣/ ١٠٥، الثقات لابن حبان ٦/ ١٨٣، علل الدارقطني ٢/ ٧١].
[ ٣٥٢ ]
سألت واثلة بن الأسقع: أنصلي خلف القدريّ، فقال: لا تصلِّ خلفه، وإن صليت خلفه أعدت (^١).
وقيل للقاسم بن محمد (^٢):/ أنت تنهانا عن الصلاة خلفهم، وتصلي، فقال: أنا إذا تأخرتُ قيل تأخر القاسم، وأنت فلا تعرف (^٣). وهذا يدل على الخوف، ثم صلاتهم خلفهم الجمعة وكانوا يعيدون ظهرًا.
وقد روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال لأبي ذر: «كيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة» قال: قلت: فما تأمرني، فقال: «صل الصلاة لوقتها وصل معهم تكن لكن نافلة» (^٤).
وأما الفقه، وقولهم: من صحت صلاته.
فنقول: لم إذا صحت صلاته تصح إمامته، ورتبة الإمامة غير رتبة صلاته في نفسه، ألا ترى أن المرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها بالرجال، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة، وكذلك الأميّ تصح صلاته، ولا تصح إمامته بالقراء، وكذلك الفاسق يقبل النكاح لنفسه، ولا يقبله لغيره، وتصح ولايته في ماله، ولا تصح ولايته في مال غيره،
_________________
(١) أخرجه الطبراني ٢٢/ ٥٣، ح ١٢٤، وابن بطة في الإبانة، باب ما روي في المكذبين بالقدر ٤/ ٢٦٠، ح ١٨٧٤، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٤/ ٨٠٦ - ٨٠٧، ح ١٣٤٧، والبيهقي في القضاء والقدر، باب ما روي عن جماهير الصحابة وأعلام الدين وأئمته في إثبات القدر ﵃ ص ٣٠٩، ح ٥٠٠ من طريق بقية بن الوليد، عن حبيب بن عمر الأنصاري، عن أبيه، عن واثلة.
(٢) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي، التيمي، المدني، الفقيه، أحد الأعلام، ولد في خلافة عثمان، وكان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، نشأ بعد قتل أبيه في حجر عمته أم المؤمنين ﵂، وكان فقيهًا إمامًا مجتهدًا ورعًا عابدًا ثقة حجة، قال يحيى بن سعيد الأنصاري: ما أدركنا أحدًا بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد. وقد ذهب بصره في آخر حياته، مات سنة ١٠٨ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٥٩، تاريخ الإسلام ٣/ ١٣٨].
(٣) لم أقف عليه، وقد ذكره القاضي في التعليق الكبير ص ٦٩٠.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٤٨، ح ٦٤٨.
[ ٣٥٣ ]
وهذا لأن صلاته في نفسه شيء يخصه، وصلاته بغيره استتباع يتعدى إلى غيره، فهو كالماء إذا أخبر بنجاسته، وتيمم مع وجوده حكمنا بصحته في حقه، ولا يصح بنا التيمم لبقاء الماء في حقنا - مع خبره - على أصل طهارته، وخرج على هذا العدل؛ فإنه تصح شهادته، فصحت إمامته، والفاسق لا تصح شهادته، فلا تصح إمامته كالكافر.
وأما الجمعة؛ فلا نسلم أنه تصح إمامته في الجمعة، ومن صلاها خلفه يعيد، وقد نص أحمد على ذلك في رواية جماعة من أصحابه منهم المروذي، ويعقوب بن بختان، وأبو طالب (^١)، ونُقل عنه أن إمامته تصح ولا يعيد (^٢)، وهذه الرواية توافق الرواية في أصل المسألة، وأن إمامة الفاسق صحيحة، ونص على المنع.
ومن أصحابنا من أخذ بظاهر هذه الرواية، واعتذر فقال: الجمعة مما يتولاها/ الأمراء، وتكون إقامتها إليهم غالبًا، فلا يمكن انتقاء الأئمة فيها، وإن تركها اُتّهِم بأحد أمرين؛ إما بأنه لا يرى الجمعة، أو الطعن على الأئمة والأمراء، وذلك مخاطرة بالنفس، ومؤد إلى الهَرْج والفتنة، فلذلك أمسكنا؛ لأننا لا نُجوِّز ذلك، فإن الناصب (^٣) للإمام الفاسق في الجمعة لو سألنا عن إمامته لأفتينا بالنهي عنها، لكن أمسكنا وصلينا خلفه؛ لما بينّا من المصلحة وخوف المفسدة، - وإمامنا أحمد ﵁ لا يرى الخروج على الأئمة، ولا منابذتهم، بل لا يرى إلا مناصحتهم (^٤) ـ. قال: ولأن الجمعة لا مندوحة (^٥) عنها؛ فإن القعود عنها يؤدي إلى إسقاط عَلَمٍ ظاهر من أعلام الإسلام،
_________________
(١) ينظر: التعليق الكبير ص ٦٩١، ٦٩٢، الانتصار ٢/ ٤٧٥.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧٢، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٢/ ٨٦١.
(٣) نصبتُ لفلانٍ نصْبًا، إذا عاديته، ونصب له الحربَ نصْبًا: وضعها، وناصَبَه الشّرَّ: أظْهره. [ينظر: الصحاح ١/ ٢٢٥، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٣٤٤].
(٤) ينظر: أصول السنة للإمام أحمد ص ٤٦.
(٥) النُدْحُ بالضم: الأرض الواسعة، والجمع: أنداح، والمَنادِح: المفاوز، والمُنْتَدَح: المكان الواسع، ولي عن هذا الأمر مَنْدوحة ومَنْتَدَح، أي: سعة. [ينظر: الصحاح ١/ ٤٠٩].
[ ٣٥٤ ]
وإقامتها على وجه التخصيص لا يمكن؛ إذ لا يصح أن يتولاها إلا الأئمة عند قوم، ولو صح فإن العرف جار بأنه لا يتولاها سواهم، ولنا في صلاة الجماعة عن الفاسق مندوحة؛ فإن الجماعات كثيرة، فلا يتعذر إمام ظاهره العدالة.
والحرف: أن الحال حال عذر، وقد ينبني الاعتداد على الأعذار التي تمنع الإنسان من تولي الأمر بنفسه، كما يتبع الأئمة في الصوم، والفطر بحسب ما يثبت عندهم، وأخذ الغنائم، والتسري بالإماء المغنومات، إذا غزونا مع الأمراء الذين يعرفون أحكام الجهاد، وعقدنا للأنكحة بولاية قضاتهم الذين لا تصح ولايتهم، وفي إيجاب القضاء، وترك الاعتداد بذلك مشقة.
قال شيخنا ﵀: والصحيح عندي المنع، واختياري مع نصرة هذه الرواية أن يتخرج في جميع الصلوات ما فيها من الروايتين؛ لأن الاعتداد عن الجمعة لا يقوم إلا باتباعهم فيها، وأما أن يقوم في ترك القضاء وحصول الاعتداد فلا، ألا ترى أنا نتبعهم في الفطر والصوم بحكم ما ثبت عندهم، وإن كان عندنا/ في الباطن يقين يخالف ما عندهم رجعنا بالتزام القضاء على نفوسنا بما عندنا، فنجمع بين أداء الفرض باليقين، وبين حفظ سياسة الموافقة للأئمة، وترك المفارقة الموجب للفرقة (^١) في صوم رمضان، والوقوف بعرفة، وجميع العبادات المختصة بالأزمان (^٢).
وأما تعلقهم بانعقاد الجماعة، والجمعة بحضوره؛ فليس بصحيح؛ لأن المأموم في الجمعة، والجماعة يخالف الإمام، ألا ترى أن العبد، والمرأة، والمسافر يصح أن يكونوا مأمومين فيها، ولا يصح أن يكون الإمام في الجمعة واحدا من أولئك، أعني العبيد، والمسافرين، والنساء،
_________________
(١) في الأصل بهذا المكان تكرار لعبارة: (للأئمة وترك المفارقة الموجب للفرقة).
(٢) لم أقف عليه، وشيخه هو: يعقوب بن إبراهيم العكبري البرزبيني، وله كتاب فقهيّ اسمه: (التعليق) أو (التعليقة)، وفيما أعلم أنه غير مطبوع، وهو كتاب مُلخّص من كتاب القاضي أبي يعلى الشهير: (التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة).
[ ٣٥٥ ]
وكان المعنى فيه أن الإمام على اتفاق شرط فيها على الإطلاق، والمأموم لا يعتبر ذلك فيه شرطا على الإطلاق؛ فإنه يصح أن يكون مأمومًا بحال، وهو أن يكون زيادة على العدد المعتبر، وتصح منه جمعة يسقط بها الفرض عن ذمته، ولأنا لو اعتبرنا العدالة في المأموم لشق ذلك؛ لأنهم كثرة، والإمام واحد، فلا يشق اعتبار عدالته.
وأما جواز الصلاة إلى قبلته التي في داره في سترته، قلنا: إننا عملنا في ذلك بالأصل، لا ثقة به، فإن الأصل في أهل الإسلام وضع الطاق (^١) المعمول نحو الكعبة، وكذلك بقينا على الأصل في الماء، فأما خبره في القبلة فغير مقبول، وكذلك خبره بنجاسة الماء لا ينقل عن الأصل، كذلك هاهنا مثله؛ لأننا لا ننقل عن الأصل الذي هو شغل الذمة بالفرض بالصلاة خلفه لعدم الثقة به.
وأما قول من قال من الشافعية: إن كل واحد يصلي لنفسه (^٢)؛ فهو شيء يثبتونه على أصولهم، ونحن نخالفهم في هذا، وعندنا أن الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المأموم على صلاة الإمام (^٣)، حتى/ تصير الصلاتان كصلاة واحدة جوازًا وفسادًا.
والدليل عليه: المنقول، والمعنى، والحكم.
أما النقل: فقول الرسول ﵇: «الإمام ضامن» (^٤)، أي ضامن بصلاته صلاة المؤتم، وضمانه صلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاة الإمام جوازًا وفسادًا.
وأما من حيث الحكم: فإن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء،
_________________
(١) ينظر: الطاق: ما عطف وجعل كالقوس من الأبنية والطيلسان، وجمعه: أطواق. [ينظر: المعجم الوسيط ٢/ ٥٧١].
(٢) ينظر: المجموع ٤/ ٢٠٠.
(٣) ينظر: كشاف القناع ١/ ٤٨٠، المبدع ١/ ٤٧٩.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣٥٦ ]
بدليل أنه على أي حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد، وما هو واجب الصلاة في الأصل، ولو كان على ما زعمتم من قولكم: إن كل واحد يصلي لنفسه. وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأن الإمام إذا سهى يجب على القوم أن [لا] (^١) يسجدوا لسهوه، ولو لم يسجد الإمام سجد القوم عندكم، ولو سهى المؤتمّ لم يجب عليه شيء، فثبت بجميع ما ذكرنا أن الصلاتين قد صارا كصلاة واحدة، فبطل ما ادعوا.
على أن أصل الطريقة ينتقض به إذا كان الإمام كافرًا أو امرأة؛ فإن الصلاة لا تصح خلفهم، ولو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل صلاة المؤتمين في هاتين المسألتين.
وأما قول أصحاب أبي حنيفة (^٢): سلمنا أنها تنبني عليها إلا أنه إذا كانت صلاة الإمام صحيحة كذلك ما ينبني عليها.
قلنا: قد بينا فيما تقدم أن كون صلاته في نفسه صحيحة لا يكفي في الاقتداء به، بل لا بد من اعتبار معنى زائد على ذلك، بدليل ما قدمنا من المسائل، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ينظر: مجمع الأنهر ١/ ١١٦.
[ ٣٥٧ ]