تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والجنابة؛ هذا مذهبنا في إحدى الروايات (^١)، اختارها القاضي (^٢)، وعليه شيوخ المذهب (^٣)، وهي مذهب الحسن، والنخعي (^٤)، وعطاء (^٥)، والزهري (^٦)، وابن أبي ليلى (^٧)،/ وحماد (^٨)،
_________________
(١) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١/ ١٤، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٢/ ٢٧٦، شرح الزركشي ١/ ١٩٣، كشاف القناع ١/ ٩٦.
(٢) ينظر: الجامع الصغير ص ٢٥.
(٣) كأبي الخطّاب الكلوذاني، ينظر: الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٨٣.
(٤) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي الكوفي، فقيه العراق، دخل على عائشة ﵂ وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع، كان ذكيًا حافظًا، صاحب سنة، ومن كبار الأئمة، مات سنة ٩٦ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٥، تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٥٢].
(٥) أبو محمد عطاء بن أبي رباح - أسلم، وقيل: سالم - بن صفوان مولى بني فهر أو جمح، القرشي مولاهم، المكي، ولد أثناء خلافة عثمان، كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها، وقد سمع من جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقًا كثيرًا من الصحابة ﵃، وإليه وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما، مات سنة ١١٥ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٦١، سير أعلام النبلاء ٥/ ٧٨].
(٦) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة الإمام، أبو بكر القرشي الزهري المدني، أحد الأعلام الفقهاء المحدثين، وحافظ زمانه، وأحد الأعلام التابعين بالمدينة، ولد سنة خمسين، وطلب العلم في أواخر عصر الصحابة، وقد كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه، مات سنة ١٢٤ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٧٧، تاريخ الإسلام ٣/ ٤٩٩].
(٧) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، قاضي الكوفة وفقيهها وعالمها ومقرئها في زمانه، ولد سنة ٧٤ هـ، وتولى القضاء بالكوفة، مات سنة ١٤٨ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٧٩، تاريخ الإسلام ٣/ ٩٦٧].
(٨) حماد بن أبي سليمان - مسلم - الفقيه الكوفي، أبو إسماعيل، أصله من أصبهان، روى عن أنس، وابن المسيب، والشعبي، وطبقتهم، وتفقه بإبراهيم النخعي، مات سنة ١٢٠ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٢٢٥].
[ ٩٦ ]
وابن المبارك (^١)، وبه قال إسحاق (^٢) (^٣).
وفيه رواية أخرى: أنهما يجبان في الغسل دون الوضوء (^٤)، نقلها القاضي الشريف (^٥) (^٦)، وهي مذهب أبي حنيفة (^٧)، والثوري (^٨) (^٩).
_________________
(١) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم، التركي، ثم المروزي الحافظ، ولد بمرو سنة ١١٨ هـ، وطلب العلم، وهو ابن بضع عشرة سنة، ولقي التابعين، وقد أكثر الترحال والتطواف لأجل طلب العلم والجهاد والحج والتجارة، جمع بين العلم والزهد، تفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ، وكان شديد التورع. مات سنة ١٨١ هـ وقيل: سنة ١٨٢ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٢، تاريخ الإسلام ٤/ ٨٨٢].
(٢) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي، المعروف بـ (ابن راهويه)، نزيل نيسابور وعالمها، أحد الأئمة الأعلام المتبوعين، ولد سنة ١٦١ هـ وقيل غير ذلك، وسمع من عبد الله بن المبارك، وارتحل في طلب العلم سنة ١٨٤ هـ، وجمع بين الحديث والفقه والورع، وكان أحد أئمة الإسلام، قال أحمد بن حنبل: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقه من إسحاق. وله مسند مشهور، مات سنة ٢٣٨ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ١٩٩، تاريخ الإسلام ٥/ ٧٨١].
(٣) ينظر: المغني ١/ ٨٨، التمهيد ٤/ ٣٤، الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٧٧.
(٤) ينظر: الهداية ١/ ١٤، الإنصاف ١/ ١٥٢.
(٥) محمد بن أحمد بن أبي موسى، الشريف أبو علي الهاشمي البغدادي، شيخ الحنابلة وعالمهم، ولد سنة ٣٤٥ هـ، روى عنه أبو بكر الخطيب، والقاضي أبو يعلى ابن الفراء وتفقه به، وكان سامي الذكر، عديم النظير، له وجاهة عند الخليفتين القادر والقائم، صنف كتاب الإرشاد. مات سنة ٤٢٨ هـ[ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢١٥، تاريخ الإسلام ٩/ ٤٥٠].
(٦) ينظر: الإرشاد ص ٣٣.
(٧) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ٤، ١٣، حاشية ابن عابدين ١/ ١١٥، ١٥١.
(٨) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، الثوري، الكوفي؛ ولد سنة ٩٧ هـ، وطلب العلم وهو حدث باعتناء والده، وحدث وهو شاب، وكان إمامًا في علم الحديث وغيره من العلوم، قال: ما استودعت قلبي شيئًا قط فخانني. قال يحيى بن معين: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقال بشر بن الحارث: كان سفيان الثوري كأن العلم بين عينيه، يأخذ منه ما يريد ويدع منه ما يريد. توفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ[ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٨٦، سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢٩].
(٩) التمهيد ٤/ ٣٤.
[ ٩٧ ]
وفيه رواية ثالثة: أنه يختص الاستنشاق بالوجوب (^١)، وبها قال أبو عبيد (^٢)، وأبو ثور (^٣) (^٤).
وقال مالك (^٥)، والشافعي: هما سنتان في الطهارتين (^٦)،
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية المروزي ٢/ ٢٧٥، ٢٧٦.
(٢) القاسم بن سلام - بتشديد اللام ـ، الإمام أبو عبيد البغدادي الفقيه الأديب، صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات والفقه واللغات والشعر، ولي قضاء طرسوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، وكان ذا فضل ودين وستر ومذهب حسن، ومما حفظ عنه أنه قال: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. وقال إسحاق بن راهويه: إن الله لا يستحيي من الحق؛ أبو عبيد أعلم مني ومن أحمد بن حنبل والشافعي. له كتاب غريب الحديث، قال عبد الله بن أحمد: عرضته على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا. مات بمكة سنة ٢٢٤ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٦٠، تاريخ الإسلام ٥/ ٦٥٤).
(٣) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي البغدادي، الفقيه أحد الأعلام، قيل: كنيته أبو عبد الله، ولقبه أبو ثور، صاحب الإمام الشافعي، وناقل الأقوال القديمة عنه، كان أولًا يتفقه بالرأي، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قدم الشافعي بغداد، فرجع عن الرأي إلى الحديث، وله كتب مصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، توفي ببغداد سنة ٢٤٠ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٥٧٦، وفيات الأعيان ١/ ٢٦، تاريخ الإسلام ٥/ ٧٧٢].
(٤) ينظر: الأوسط ١/ ٣٧٩، التمهيد ٤/ ٣٥.
(٥) أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، لازم فقيه المدينة المنورة ابن هرمز سبع سنين يتعلم عنده، كما أخذ عن كثير من غيره من العلماء كنافع مولى ابن عمر وابن شهاب الزهري، ومن أبرز تلاميذه محمد بن إدريس الشافعي، صاحب المذهب الشافعي، وابن القاسم، وابن وهب، وأسد بن الفرات وغيرهم. من مصنفاته: الموطأ، ورسالة في الرد على القدرية، وتفسير غريب القرآن، توفي سنة ١٧٩ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٣٥، سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨].
(٦) ينظر للمالكية: المدونة ١/ ١٥، الاستذكار ٢/ ١١، حاشية الدسوقي ١/ ٩٧. وينظر للشافعيّة: الأم ١/ ٣٩، المجموع ١/ ٣٦٢، مغني المحتاج ١/ ٥٧، ٧٣.
[ ٩٨ ]
وبه يقول الحسن (^١)، والزهري، وربيعة (^٢)، والليث (^٣)، والأوزاعي (^٤)، نقله ابن القصار (^٥) (^٦).
وقال داود (^٧):
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الصلاة، باب من نسي الإقامة في السفر ١/ ٥١٣، ح ١٩٦٨، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارة، باب في الرجل ينسى المضمضة والاستنشاق ١/ ١٧٩، ح ٢٠٦٤ من طريق يونس، عن الحسن، في الرجل نسي المضمضة والاستنشاق حتى صلى، قال: لا يعيد بذلك. ولفظ ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق: ليس على النساء إقامة، ومن نسي إقامة في السفر فليس عليه إعادة، ومن نسي المضمضة، والاستنشاق لم يعد.
(٢) أبو عثمان، ربيعة بن أبي عبد الرحمن - فروخ - المعروف بـ (ربيعة الرأي)، فقيه أهل المدينة، أدرك جماعة من الصحابة، إمام حافظ، فقيه مجتهد، روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، وغيرهم. مات سنة ١٣٦ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢٨٨، سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٩].
(٣) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي، مولى خالد بن ثابت بن ظاعن، ولد في شعبان سنة ٩٤ هـ، إمام، حافظ، عالم الديار المصرية، وقال الشافعي ﵁: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. مات سنة ١٧٥ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٢٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ١٣٦].
(٤) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، عالم أهل الشام، فلم يكن بالشام أعلم منه، ولد سنة ٨٨ هـ، وتوفي سنة ١٥٧ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٢٧، سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧].
(٥) علي بن عمر بن أحمد الفقيه، أبو الحسن ابن القصار البغدادي المالكي، من كبار المالكية ببغداد، تفقه على القاضي أبي بكر الأبهري، وكان أصوليًا، ولي قضاء بغداد، قال الشيرازي: له كتاب في مسائل الخلاف كبير لا أعرف لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه. وقال أبو ذر: هو أفقه من لقيت من المالكيين. مات سنة ٣٩٧ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٤٩٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٦٨، ترتيب المدارك ٧/ ٧٠، تاريخ الإسلام ٨/ ٧٧٦].
(٦) ينظر: عيون الأدلة ١/ ١٣٥.
(٧) داود بن علي بن خلف، أبو سليمان البغدادي الإصبهاني، مولى المهدي، الفقيه الظاهري، رأس أهل الظاهر، ولد سنة ٢٠٠ هـ، رحل إلى نيسابور، فسمع من إسحاق بن راهويه المسند والتفسير، ثم قدم بغداد فسكنها وصنف كتبه بها، وكان إمامًا ورعًا ناسكًا زاهدًا، وكان من أكثر الناس تعصبًا للشافعي، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بـ (الظاهرية)، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، مات سنة ٢٧٠ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٤٢، وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٥، تاريخ الإسلام ٦/ ٣٢٧].
[ ٩٩ ]
يجبان في الوضوء دون الغسل (^١).
واختلف قوله في تسميتهما فرضًا مع قولنا بوجوبهما على روايتين (^٢)؛ أحداهما: يسميان فرضًا، والثانية: يسميان سنة مؤكدة.
وسواء تركهما عامدًا أو ساهيًا فإن الطهارة باطلة.
فإن تركهما حتى فرغ من الطهارة فهل يعيد غسلهما حسب، أم يعيد جميع الوضوء على روايتين (^٣)؛ أحدهما: يعيد جميع الوضوء اعتبارًا بالترتيب، والثانية: يعيد غسلهما فقط؛ لأن الترتيب يجب في أعضاء ثبت فيها بالنص، ووجوبهما مختلف فيه فجاز له العدول به.
فأما داخل العين فهل يجب غسلهما؛ فقال أصحابنا: فيهما روايتان (^٤)؛ إحدهما: يجب، والثانية: لا يجب، وهو أصح (^٥)؛ لأنه يشق إيصال الماء إليه، وإنما يستحب غسلهما في غسل الجنابة، هذا هو المنصوص عن أحمد في مواضع.
ومأخذ المسألة: أن الفم والأنف لهما حكم الظاهر من كل وجه، وعند الشافعي لهما حكم الباطن من كل وجه (^٦)، وعند أبي حنيفة لهما
_________________
(١) مذهبه فيما وقفت عليه: أن المضمضة والاستنشاق مسنونتان في الجنابة، أما الوضوء فيجب الاستنشاق دون المضمضة. [ينظر: المحلى ١/ ١٩٥، الاستذكار ١/ ١٣].
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٧٠، الإنصاف ١/ ١٥٣.
(٣) ينظر: مسائل الأمام أحمد رواية أبي داود ص ١٣، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢٩٢، شرح الزركشي ١/ ١٨٧.
(٤) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٤، الإنصاف ١/ ١٥٥، كشّاف القناع ١/ ٩٦.
(٥) اختار المصنّف الرواية الثانية، كما اختارها القاضي أبو يعلى في الخلاف الصغير ص ٢٥.
(٦) المجموع ١/ ٣٦٤.
[ ١٠٠ ]
حكم الظاهر من وجه، والباطن من وجه (^١)، ولهذا فرق بين [الطهارتين] (^٢).
الأوّلة (^٣):
قوله - تعالى ـ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٤) والفم والأنف من الوجه حقيقة وشرعًا.
فأما الحقيقة: فلا يختلف الناس أنهما من أعضاء الوجه، وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى اللحيين (^٥) / والذقن، ومن الأذن إلى الأذن (^٦).
وأما الشرع: فقوله - تعالى ـ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٧)، قيل في التفسير: إنه السؤال والدعاء أن يجعل قبلته إلى الكعبة (^٨).
فعبّر بالدعاء الخارج من الفم بالوجه؛ لأنه جزء منه، وقد يُعبَّرُ عن الشيء
_________________
(١) العناية ١/ ٢٧.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الطاهرين)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) يعني دليل أو وجه الرواية الأولى في المسألة. والأَوّلة: لغة: (الأُولى) حكاها ثعلب، ثم قال: ليس هذا أصل الباب، وإنما أصل الباب: الأَول والأُولى كالأطول والطولى. وقال الحريري: إنها من مفاحش ألحان العامة. وقال ابن الجوزي: إن هاء التأنيث لا تدخل على أوّل. وقال الصفدي: العامة تقول: (هذه النعمة الأولة)، والصواب الأُولى. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٤٠١، درة الغواص للحريري ص ١٥٠، تقويم اللسان لابن الجوزي ص ٦٧، تصحيح التصحيف للصفدي ١/ ١٣٩].
(٤) المَائدة: ٦.
(٥) اللَّحْيُ: منبت اللِّحية من الإنسان وغيره، واللحيان: حائط الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم، يكون للإنسان والدابة. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢٤٨٠، المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٤٤٤].
(٦) في الأصل - بعد عبارة: (من الأذن إلى الأذن) - فراغ بمقدار كلمة واحدة، ولم تظهر آثار طمس في المخطوط، ولكن المعنى مكتمل، ولعل مكان هذا الفراغ - إن كانت الكلمة مطموسة ـ: (عرضًا)، لتكون العبارة: ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.
(٧) البَقَرَة: ١٤٤.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٢/ ٥٢٧، تفسير ابن كثير ١/ ٤٥٣.
[ ١٠١ ]
بجزء منه، ولهذا تقول: رأيتُ زيدًا، إذا رأيتَ وجهه من [زاوية] (^١) أو من وراء ستر.
فإن قيل: ظاهر الفم والأنف من الوجه ونحن نوجب غسل ذلك، فأما باطنهما فلا؛ لأن الوجه مأخوذ مما تقع به المواجهة، وإنما تقع المواجهة بظاهرهما دون باطنهما.
قلنا: بل الوجه عبارة عن جملة هذا العضو ظاهرًا وباطنًا بدليل قوله - تعالى ـ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (^٢) أي: خضعت وذلت، والخضوع أليق بالباطن من الظاهر.
ويدل عليه: أنه يُعبَّر بالوجه عن الكل، قال الله - تعالى ـ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (^٣) أي: ذاته تعالى، وكذا قوله - تعالى ـ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ *﴾ (^٤) أي: ويبقى ربك ﷾.
ولهذا عقل الرسول من كتاب الله المنزل ذلك، فكل من وصف وضوءه من عثمان (^٥)، وعلي، وعبد الله بن زيد (^٦)، وابن عباس ﵃ روى أنه كان يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه (^٧).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل كلمة غير مقروءة، رسمت هكذا (روريه) - بدون نقطتين على الحرف الرابع ـ، ولعل ما أثبته هو الأقرب لرسم المخطوط، وهو موافق للمعنى المراد.
(٢) طه: ١١١.
(٣) القَصَص: ٨٨.
(٤) الرَّحمن: ٢٧.
(٥) أبو عبد الله، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وكان غنيًا شريفًا في الجاهلية والإسلام، ومن أعظم أعماله في الإسلام: تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، توفي سنة ٣٥ هـ. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٥٧٨، الإصابة ٤/ ٣٧٧].
(٦) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن الأنصاري المازني، أبو محمد، اختلف في شهوده بدرًا، وشهد أُحدًا وغيرها، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب فيما ذكر خليفة ابن خياط وغيره، قُتل يوم الحرة سنة ٦٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩١٣، أسد الغابة ٣/ ١٤٦، الإصابة ٤/ ٨٥].
(٧) حديث عثمان: أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء ١/ ٤٤، ح ١٦٤، ومسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٠٤، ح ٢٢٦ من طريق حمران مولى عثمان بن عفان =
[ ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثًا، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». وأما حديث علي: فأخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ ١/ ٢٧، ح ١١١، والنسائي، كتاب الطهارة، باب غسل الوجه ١/ ٦٨، ح ٩٢ من طريق خالد بن علقمة، عن عبد خير، قال: أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور وقد صلى ما يريد، إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثًا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا. قال البغوي، والجورقاني: حديث حسن. وقال مُغلَطاي: طريق صحيحة. [ينظر: شرح السنة ١/ ٤٣٤، الأباطيل والمناكير ١/ ٥١٨، شرح ابن ماجه لمغلطاي ص ٢٤٧]. وأما حديث عبد الله بن زيد: فأخرجه البخاري، كتاب الوضوء ١/ ٤٨، ح ١٨٥، ومسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢١٠، ح ٢٣٥ من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلًا، قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني، كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بنحوه. وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة ١/ ٤٠، ح ١٤٠ من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء، فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء، فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله، يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
[ ١٠٣ ]
فأما قولهم: إن الوجه مشتق مما تقع به المواجهة؛ فليس كذلك بل الوجه مشتق من الوجاهة والتقدم، قال الله - تعالى - في موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (^١) أي: متقدمًا مرتفعًا، ويقال: قد توجه فلان عند السلطان؛ إذا ارتفعت منزلته، ويقال: فلان وجْه العرب، ووجْه العشيرة؛ أي: متقدمها، ويقال: هذا وجه الرأي؛ أي: صوابه،/ وإنما سمي الوجه بذلك، لأنه أشرف أعضاء البدن، لأنه يجمع الحواس من البصر، والسمع، والشم، والذوق، ويشارك بقية البدن في اللمس.
فأما المواجهة فهي المشتقة من الوجه، يقال: تواجها بكذا، إذا كان وجهه حذاء وجهه، فاشتقت المواجهة من مقابلة الوجه، ولم يشتق الوجه من المواجهة.
يدل على ذلك: أن المواجهة تقع بالصدر والبطن ولا يسميان وجهًا حقيقة، وإذا خدشته في [ذقنه] (^٢) أو لحيته قيل: قد جرح وجهه، والمواجهة لا تقع بذلك فإنه مستور بالشعر.
وقال الأصمعي (^٣)، والمفضل بن سلمة (^٤): ما جاوز وتد الأذن
_________________
(١) الأحزَاب: ٦٩.
(٢) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ١/ ٢٨٤.
(٣) عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن علي، أبو سعيد الباهلي الأصمعي البصري، صاحب اللغة، قيل: اسم أبيه عاصم، ولقبه قريب، كان إمام زمانه في علم اللسان، وكان صاحب لغة ونحو، وإمامًا في الأخبار والنوادر والملح والغرائب، وكان شديد الاحتراز في تفسير الكتاب والسنة، فإذا سئل عن شيء منهما يقول: العرب تقول معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو. له تصانيف كثيرة منها: كتاب خلق الإنسان، والمقصور والممدود، والأجناس، وما اختلف لفظه واتفق معناه، وغير ذلك من الكتب. وأكثر تصانيفه مختصرات، توفي سنة ٢١٥ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٧٠، تاريخ الإسلام ٥/ ٣٨٣].
(٤) المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب البغدادي الأديب اللغوي، كوفي المذهب، مليح الخط، لقي ابن الأعرابي وغيره من العلماء، واستدرك على الخليل في كتاب العين وخطأه، له كتاب الفاخر فيما يلحن فيه العامة، وكتاب ضياء القلوب في معاني القرآن، وكتاب المدخل إلى علم النحو، وكتاب الخط والقلم. [ينظر: نزهة الألباء ص ١٥٤، وفيات الأعيان ٤/ ٢٠٥، تاريخ الإسلام ٦/ ٨٣٨].
[ ١٠٤ ]
من العارض، والعارضان من الوجه (^١).
والمواجهة لا تقع بذلك فدل بهذا كله على أن الوجه مشتق من الوجاهة لا من المواجهة.
وقد سلّم القاضي أن الوجه مأخوذ من المواجهة، لكنه قال: طرف الأنف تقع به المواجهة، والفم إذا فتح وقعت به المواجهة، ولكنه إذا أطبق كان بمثابة الكف إذا ضم (^٢).
و- أيضًا - من جهة الأخبار ما روى الدارقطني (^٣) بإسناده عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «إذا توضأ أحدكم فليُمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس» (^٤)، وهذا أمر يقتضي الوجوب.
_________________
(١) لم أقف عليه، وقد عزاه ابن قدامة في المغني ١/ ٨٦ لهما.
(٢) لم أقف على كلام القاضي أبي يعلى.
(٣) أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، الدارقطني، الشافعي، الحافظ المشهور صاحب المصنفات، إمام عصره في الحديث، وأول من صنف القراءات وعقد لها أبوابًا، ولد سنة ٣٠٦ هـ بدار القطن - من أحياء بغداد - قال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراء والنحويين. من مصنفاته: السنن، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية، والمجتبى من السنن المأثورة، والمؤتلف والمختلف، توفي سنة ٣٨٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٨٧، وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٧، تاريخ الإسلام ٨/ ٥٧٦].
(٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده ١١/ ٢٥٣، ح ٦٣٧٠، والطبري في التفسير، سورة المائدة، القول في تأويل قوله - تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ٨/ ١٧٢، وابن حبان في المجروحين ٢/ ١١٠، والطبراني في الأوسط ١/ ١٧٢، ح ٥٣٨)، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب ما روي من قول النبي ﷺ: «الأذنان من الرأس» ١/ ١٧٨، ح ٣٤٧ من طريق علي بن هاشم بن البريد، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة. قال ابن حبان: كان علي بن هاشم غاليًا في التشيع ممن يروي المناكير عن المشاهير حتى كثر ذلك في رواياته مع ما يقلب من الأسانيد. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا إسماعيل، تفرد به علي بن هاشم. وقال الدارقطني، وعبد الحق: لا يصح. وقال البيهقي: روي عن النبي ﷺ بأسانيد كثيرة ما منها إسناد إلا وله علة. وضعفه ابن الصلاح. [ينظر: الخلافيات ١/ ٣٤٧، الأحكام الوسطى ١/ ١٧١، مقدمة ابن الصلاح ص ١٧٨].
[ ١٠٥ ]
وروى بإسناده عن عائشة (^١) أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه» (^٢).
وروى - أيضًا - بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله - صلَّى الله عليه - دعا بماء فتوضأ مرة مرة، ثم قال: «هذا وظيفة (^٣) الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به»،
_________________
(١) هي: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، الصديقة بنت الصديق، زوج النبي ﷺ، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، وتزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، ولم ينكح ﷺ بكرًا غيرها، واستأذنت رسول الله ﷺ في الكنية فقال لها: اكتنى بابنك عبد الله بن الزبير. يعني ابن أختها، وقال عمرو بن العاص لرسول الله ﷺ: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها. توفيت سنة ٥٧ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٨٨١، أسد الغابة ٦/ ١٨٨، الإصابة ٨/ ٢٣١].
(٢) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب المضمضة والاستنشاق ١/ ١٤٤، ح ٢٧٥، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب تأكيد المضمضة والاستنشاق ١/ ٨٧، ح ٢٣٩ من طريق الحسين بن علي بن مهران، عن عصام بن يوسف، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب المضمضة والاستنشاق ١/ ١٤٤، ح ٢٧٦ من طريق إسماعيل بن بشر البلخي، عن عصام بن يوسف، بلفظ: «من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما». قال ابن عدي: لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الدارقطني: تفرد به عصام، عن ابن المبارك، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلًا، عن النبي ﷺ: «من توضأ فليتمضمض وليستنشق»، وأحسب عصامًا حدث به مِنْ حفظه، فاختلط عليه فاشتبه بإسناد حديث ابن جريج، عن سليمان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، والله أعلم. وقال ابن الجوزي: في هذا الحديث مقال. وقال مُغلَطاي: في إسناده مقال. [ينظر: التحقيق في مسائل الخلاف ١/ ١٤٤، شرح ابن ماجه لمغلطاي ص ٢٧١].
(٣) الوظيفة من كل شيء ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام أو علف، ووظّف الشيء على نفسه ووظفه توظيفًا ألزمها إياه، قال السندي: أي: القدر اللازم في صحته، لا يصح بدونه، فلو أخل به لم يصح. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٤١، حاشية السندي على ابن ماجه ١/ ١٦٣].
[ ١٠٦ ]
وذكر الخبر (^١)، ولا يخلو أن يكون تمضمض/ أو ترك، [و] (^٢) لا يجوز أن يكون ترك فإنه لم ينقل عنه أحد ممن حكى وضوءه أنه توضأ ولم يتمضمض ويستنشق، ولأنه يفضي إلى أن لا يقبل الله الصلاة بوضوء فيه مضمضة واستنشاق ولم يقل هذا أحد، فثبت أنه لا يقبل الله الصلاة بوضوء لا مضمضة فيه.
وروى أبو بكر عبد العزيز (^٣) بإسناده عن أبي هريرة أن النبي - صلَّى الله عليه - أمر بالمضمضة والاستنشاق (^٤)،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب وضوء رسول الله ﷺ ١/ ١٣٤، ح ٢٥٨، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا ١/ ١٤٥، ح ٤١٩ من طريق زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر، قال: توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: «هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به»، ثم توضأ ثنتين ثنتين، فقال: «هذا وضوء القدر من الوضوء»، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا أسبغ الوضوء، وهو وضوئي، ووضوء خليل الله إبراهيم، ومن توضأ هكذا، ثم قال عند فراغه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتح له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء». قال أبو زرعة: حديث واه. وقال أبو حاتم: لا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ. وقال البيهقي: روي من أوجه كلها ضعيف. [ينظر: علل الحديث ١/ ٥٥١، معرفة السنن والآثار ١/ ٢٩٨].
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم الكلام.
(٣) عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد، أبو بكر الفقيه الحنبلي، المعروف بـ (غلام الخلال)، شيخ الحنابلة، وعالمهم المشهور، تفقه على أبي بكر الخلال، وتفقه عليه: أبو عبد الله ابن بطة، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو حفص العكبري، وأبو عبد الله بن حامد، وكان كبير القدر، معظمًا في النفوس، صحيح النقل، بارعًا في نقل مذهبه، له مصنفات منها: المقنع، والشافي، وزاد المسافر، والخلاف مع الشافعي، ومختصر السنة، وتفسير القرآن، والقولين، والتنبيه. مات في شوال سنة ٣٦٣ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٢٩، طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩، تاريخ الإسلام ٨/ ٢١٤].
(٤) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ١/ ٢٠٨، ح ٤١٥، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ ص ٩٤، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب تأكيد المضمضة والاستنشاق ١/ ٨٦، ح ٢٣٨ من طريق هدبة بن خالد. وأخرجه - أيضًا - الدارقطني، كتاب الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ١/ ٢٠٩، ح ٤١٦ من طريق داود بن المحبر، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة. قال عند البيهقي: وقال مرة أخرى مرسلًا، لم يقل عن أبي هريرة. قال الدارقطني: وغيرهما يرويه، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار مرسلًا، وهو الصحيح، ورواه هدبة بن خالد مسندًا، وفيه قال هدبة في موضع آخر: ليس فيه أبو هريرة. وقال البيهقي: كذا في هذا الحديث أظنه هدبة أرسله مرة، ووصله أخرى، وتابعه داود بن المحبر، عن حماد في وصله، وغيرهما يرويه مرسلًا، وخالفهما إبراهيم بن سليمان الخلال، فقال: عن حماد، عن عمار، عن ابن عباس، وكلاهما غير محفوظ. وقال النووي: ضعيف. وقال ابن عبد الهادي: رواية من أرسل هذا الحديث أشبه بالصواب. [ينظر: علل الدارقطني ٨/ ٣٣٥، خلاصة الأحكام ١/ ١٠٠، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٩].
[ ١٠٧ ]
وروى ابن عباس عن النبي - صلَّى الله عليه - مثله (^١).
وروى الأثرم (^٢) بإسناده عن عمار بن ياسر (^٣) أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «من الفطرة - أو قال: - الفطرة المضمضة والاستنشاق» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الفسوي في المشيخة ص ٤٦، ح ١٨ عن إبراهيم بن سليمان الخلال، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، واختلف فيه على حماد، ورجح الدارقطني، وابن عبد الهادي إرساله، وقال البيهقي: غير محفوظ. [ينظر: علل الدارقطني ٨/ ٣٣٥، السنن الكبير للبيهقي ١/ ٨٧، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٩].
(٢) أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الأثرم الطائي، ويقال: الكلبي الإسكافي الحافظ، صاحب الإمام أحمد، كان ممن يعد في الحفاظ والأذكياء، جمع وصنف السنن، وخرج كتاب العلل، وله مسائل سألها الإمام أحمد، مات سنة ٢٦٠ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٩٥، طبقات الحنابلة ١/ ٦٦، تاريخ الإسلام ٦/ ٢٧٥].
(٣) عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف العنسي، أبو اليقظان، حليف بني مخزوم، وأمه سمية أول من استشهد فِي سبيل الله، وكان من السابقين الأولين هو وأبوه وأمه، اختلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة، وكتب إليهم: أنه من النجباء من أصحاب محمد. وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، قتل مع علي بصفين سنة ٨٧ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٣٥، أسد الغابة ٣/ ٦٢٦، الإصابة ٤/ ٤٧٣].
(٤) سنن أبي بكر الأثرم، باب فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في وضوئه ص ٢٣٥، ح ٢٤، والحديث أخرجه بطوله ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب الفطرة ١/ ١٠٧، ح ٢٩٤، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب السواك من الفطرة ١/ ١٤، ح ٥٤ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: «من الفطرة، المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح، والاختتان»، وقال أبو الوليد الطيالسي: لا أراه إلا منقطعًا. وقال ابن معين: مرسل. وقال ابن الملقن: حديث ضعيف. وقال ابن حجر: صححه ابن السكن، وهو معلول. [ينظر: مسند الشاشي ٢/ ٤٣٦، المجروحين لابن حبان ١/ ٣٣٧، البدر المنير ٢/ ١٠٠، التلخيص الحبير ١/ ١٣٢].
[ ١٠٨ ]
وهذه الأخبار اشتهر العمل بها في السلف فروى الأثرم عن مجاهد (^١) أنه قال: «المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء» (^٢).
وعن عطاء: «من نسي المضمضة والاستنشاق يُعيد» (^٣).
وعن عمرو العنبري (^٤) قال: «أبصرت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (^٥)
_________________
(١) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي الإمام المقرئ المفسر، الحافظ، أحد الأعلام، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، ولد في خلافة عمر، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد، توفي وهو ساجد سنة ١٠٢ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ١٤٨، تذكرة الحفاظ ١/ ٧١].
(٢) أخرجه الأثرم في السنن، باب فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في وضوئه ص ٢٣٥، ح ٢٥ من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارات، باب في الرجل ينسى المضمضة والاستنشاق ١/ ١٧٩، ح ٢٠٥٧، والأثرم في السنن، باب فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في وضوئه ص ٢٣٥، ح ٢٦ من طريق قيس بن سعد، عن عطاء.
(٤) عمرو العنبري، روى عن ابن عباس، روى عنه أبو بشر جعفر بن إياس، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. بهذا القدر تكلّم عنه من ترجم له - فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: الجرح والتعديل ٦/ ٢٧١، التاريخ الكبير ٦/ ٣٨٤].
(٥) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله الهذلي المدني الضرير، ابن أخي عبد الله بن مسعود، وأحد الفقهاء السبعة، من أعلام التابعين، لقي خلقًا كثيرًا من الصحابة، وكان إمامًا حجة حافظًا مجتهدًا، قال: ما سمعت حديثًا قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته. وكان يعدّ من الشعراء. وقيل: هو مؤدب عمر بن عبد العزيز، توفي بالمدينة سنة ٩٨ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١١٥، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٣٧].
[ ١٠٩ ]
توضأ فنسي أن يستنشق، فلما ولى الغلام بالكوز قال: نسينا أمر رسول الله - صلَّى الله عليه - فدعا بماء فاستنشق» (^١).
وعن إبراهيم قال: «يُعيد الرجل الوضوء من نسيان المضمضة والاستنشاق» (^٢).
فإن قيل: أما حديث عائشة فقد قال الدارقطني (^٣): إنه تفرد به عصام بن يوسف (^٤)، ووصله، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج (^٥)، عن سليمان بن موسى (^٦)، عن النبي ﵇ مرسلًا، ولو قدر صحته فمعناه:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارات، باب من يأمر بالاستنشاق ١/ ٣٣، ح ٢٧٥، والأثرم في السنن، باب فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في وضوئه ص ٢٣٦، ح ٣٠.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارات، باب في الرجل ينسى المضمضة والاستنشاق ١/ ١٧٩، ح ٢٠٦١، والأثرم في السنن، باب فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في وضوئه ص ٢٣٥، ح ٢٧ من طريق حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي.
(٣) تقدم توثيق كلام الدارقطني عند تخريج الحديث.
(٤) عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة، أبو محمد الباهلي البلخي، أخو إبراهيم بن يوسف، كان هو وأخوه شيخي بلخ في زمانهما، قال ابن حبان: كان صاحب حديث ثبتًا في الرواية وربما أخطأ. وقال ابن عدي: روى عن الثوري وغيره أحاديث لا يتابع عليها. وقال الخليلي: صدوق. مات سنة ٢١٥ هـ. [ينظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٥٢١، الكامل لابن عدي ٨/ ٥٢٧، الإرشاد في معرفة علماء الحديث ٣/ ٩٣٧، تاريخ الإسلام ٥/ ٣٩٦].
(٥) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، مولى بني أمية، وعالم أهل مكة، ولد بعد سنة ٧٠ هـ وقيل غير ذلك، وكان أحد أوعية العلم، ربما دلس، وهو أول من صنف التصانيف في الحديث، وكان صاحب تعبد وخير، وما زال يطلب العلم حتى شاخ، مات في عشر ذي الحجة سنة ١٥٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٦٣، تاريخ الإسلام ٣/ ٩١٩].
(٦) سليمان بن موسى الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل. قال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: هو أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث. قال مطعم بن المقدام: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: سيد شباب أهل الشام: سليمان بن موسى. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. مات سنة ١١٥ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٢٥٥، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٥].
[ ١١٠ ]
أن الوضوء لا بُدّ منه، وتحمل باقي الأخبار في الأمر بها على سبيل الاستحباب.
قلنا: أما تفرد عصام فلا يقدح؛ لأن عصام بن يوسف ثقة، وقد رواه عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن/ موسى، (^١) عن الزهري، عن عروة (^٢)، عن عائشة، وتفرد الثقة بالحديث لا يوجب ضعفًا، قال عبد الله بن عمر: «كنا نخابر (^٣) أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خَدِيج (^٤) أن النبي ﵇ نهى عن المخابرة» (^٥).
_________________
(١) بهذا المكان في الأصل: (النبي ﵇ مرسلًا)، وبحذف هذه العبارة يستقيم السياق.
(٢) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، الإمام الفقيه، أبو عبد الله القرشي، الأسدي، المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، أبوه الزبير بن العوام أحد العشرة، وأمه ذات النطاقين أسماء بن الصديق ﵃ أجمعين ـ، ولد سنة ٢٩ هـ وقيل غير ذلك، وكان ثبتًا حافظًا فقيهًا عالمًا بالسيرة، قال الزهري: رأيته بحرًا لا تكدره الدلاء. مات سنة ٩٣ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٥، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٣٩].
(٣) المخابرة: هي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. وهو الخِبر - أيضًا - بالكسر. [ينظر: الصحاح ٢/ ٦٤١].
(٤) رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، الحارثي، عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، فخرج بها وشهد ما بعدها، وأصابه يوم أحد سهم في ترقوته، فقال له رسول الله ﷺ: أنا أشهد لك يوم القيامة. فنزع السهم وبقي النصل، واستوطن المدينة إلى أن انتقضت جراحته، فمات. وكان موته في سنة ٧٤ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٤٧٩، أسد الغابة ٢/ ٣٨، الإصابة ٢/ ٣٦٢].
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب الرهون، باب المزارعة بالثلث والربع ٢/ ٨١٩، ح ٢٤٥٠، والنسائي، كتاب المزارعة، باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر ٧/ ٤٨، ح ٣٩١٧، والحديث عند مسلم، كتاب البيوع ٣/ ١١٧٩، ح ١٥٤٧ بلفظ: كنا لا نرى بالخبر بأسًا حتى كان عام أول، فزعم رافع أن نبي الله ﷺ نهى عنه.
[ ١١١ ]
ثم الراوي إذا صح عنده الحديث قاله تارة عن النبي، وتارة يسنده عنه، وعلى أن المرسل عندنا حجة؛ لأن الثقة لا يرسل الحديث ويخبر عن النبي - صلَّى الله عليه - إلا إذا ثبت عنده عدالة من يروي عنه وثقته، ويتضح له أن الخبر من قول النبي - صلَّى الله عليه ـ، وإلا كان يحيل به على من نقله إليه إذا شك فيه، هذا هو المعقول المعلوم من فعل الثقات، قال الحسن: «إذا ذكرت لكم في الحديث أن فلانًا حدثني فلم أسمعه إلا منه، وإذا قلت: قال النبي ﵇، سمعته من سبعين صحابيًا» (^١)، أو كما قال.
وأما التأويل: فغلط؛ لأنه قد روي في لفظ آخر: «من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما» رواه الدارقطني بهذا الإسناد (^٢)، ورواه ابن شاهين عن ابن عباس (^٣)، عن النبي - صلَّى الله عليه ـ، وإذا كان الوضوء ناقصًا بعدمهما، لم يصح الوضوء الناقص، كما لو ترك لمعة من الوجه، أو اليد.
ثم الوضوء يشتمل على فروض وسنة، فإذا جعله من القسم الذي لابد منه فهو من فرضه، ولو لم يرد ذلك لقال: هما من الوضوء، مطلقًا.
وأما حملهم على الاستحباب باطل والأمر يقتضي الإيجاب، فمن حمله على غيره احتاج إلى دليل.
_________________
(١) ذكره الكافيجي في المختصر ص ١٧٣، والقاري في شرح النخبة ص ٤٠٣.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب ما روي من قول النبي ﷺ: «الأذنان من الرأس» ١/ ١٧٦، ح ٣٤٣ من طريق علي بن يونس، عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما، والأذنان من الرأس». قال الدارقطني: جابر ضعيف، وقد اختلف عنه فأرسله الحكم بن عبد الله أبو مطيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء، وهو أشبه بالصواب. وقال البيهقي: روي عن النبي ﷺ بأسانيد كثيرة ما منها إسناد إلا وله علة. وضعفه ابن الصلاح. [ينظر: الخلافيات ١/ ٣٤٧، مقدمة ابن الصلاح ص ١٧٨].
[ ١١٢ ]
والفقه في المسألة:
أن الفم والأنف عضوان في محل الفرض لا يشق غسلهما، فوجب غسلهما في طهارة الحدث كالخدين؛ وهذا لأن الوجه مفترض غسله، وهما فيه يقينًا،/ وغسلهما متيسر عادة وسنة، ومفترض إذا حلهما نجاسة، وما هذا سبيله يجب تطهيره في الحدث والجنابة كبقية أعضاء الوضوء، والبدن جميعه في الجنابة.
ولا يلزم على ما ذكرنا داخل العينين واللحية الكثة - إن سلمنا أنه لا يجب غسلهما؛ لأن إيصال الماء إليهما يشق.
فإن قيل: إنما يجب غسل العضو في طهارة الحدث إذا لحقه حكم الحدث، وداخل الفم والأنف لا يلحقه حكم الحدث، ولهذا بقية البدن متيسر الغسل ولا يجب غسله في الوضوء؛ لأنه لم يلحقه حكم الحدث.
قلنا: بل الحدث يعم جميع البدن، قال ﵇: «من توضأ وسمى طَهُر سائر جسده، ومن لم يسم طَهُر ما أصابه الماء» (^١) فدل على أن بدنه قد لحقه حكم الحدث، ولأنه لا يجوز له القراءة فقد لحقه حكم حدث الجنابة، ولا يمس المصحف بلسانه وهو محدث، ويلحقه حكم التطهير بغسل الأعضاء الأربع تيسيرًا على الناس وتخفيفًا عنهم لأجل تكرر طهارة الحدث في اليوم والليلة دفعات، فلو [أوجبنا] (^٢) غسل جميع البدن احتاج إلى خلع ثيابه، وأخذ الماء الكثير، وذلك لا يوجد في الأسواق والطرق، فيحتاج إلى دخول الحمام، أو قصد المواضع الخالية الكثيرة الماء، فينقطع معاشه، ويضيع ماله.
ويدل عليه: أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف بظهره وصدره ولسانه وشفتيه، ولو لم يحلهما الحدث لجاز ذلك، وحدث الجنابة
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (أن جنبا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١١٣ ]
يلحق جميع البدن، فكذا الآخر إلا أن ذلك يقل فوجب غسله فيه، لأنه [لا] (^١) يشق، وفي الحدث/ يشق فاقتصرنا على الأعضاء الظاهرة، ونابت عن بقية البدن، كما ناب التيمم في عضوين عن بقية الأعضاء، وكما نابت الصلاة المقصورة عن الرباعية.
طريقة أخرى: أنه عضو يجب غسل ظاهره النجس، ولا يلزم داخل العين واللحية لما ذكرنا.
فإن قيل: يلزم داخل الأنف لا يجب غسله، وإن وجب غسل ظاهره، ولا يصح القياس؛ لأن في الأصل لا باطن لذلك.
قلنا: أما مسألة الإلزام فممنوعة على قول أبي إسحاق بن شاقلا (^٢) فإنه قال (^٣): يجب غسله؛ لقول النبي ﵇ للقيط بن صَبِرة (^٤): «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (^٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وأثبته ليستقيم الكلام.
(٢) إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أبو إسحاق البزار، شيخ الحنابلة، جليل القدر كثير الرواية حسن الكلام في الأصول والفروع، تفقه على أبي بكر غلام الخلال، وروى عنه أبو حفص العكبري وأحمد بن عثمان الكبشي، ومات سنة ٣٦٩ هـ وعُمْره ٥٤ عامًا. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٨، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٢].
(٣) قال: يجب غسل داخل الأنف. [ينظر: الانتصار ١/ ٢٨٩]. وذكر في الإنصاف ١/ ١٣٢ قول ابن شاقلا وهو: وجوب المبالغة في الاستنشاق وحده.
(٤) لقيط بن صَبِرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري، وافد بني المنتفق إلى النبي ﷺ، وقيل: هو لقيط بن عامر العقيلي أبو رزين، قال أبو عيسى في كتاب العلل: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو رزين العقيلي هو: لقيط بن عامر، وهو عندي لقيط بن صبرة. قال أبو عيسى: وأما أكثر أهل الحديث فقالوا: لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر، قال: وسألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا، فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر، وأما مسلم بن الحجاج فجعلهما في كتاب الطبقات اثنين، والله أعلم. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٣٤٠، أسد الغابة ٤/ ٢٢٢، الإصابة ٥/ ٥٠٧].
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار ١/ ١٤٢، ح ٤٠٧، وأبو داود، كتاب الصوم، باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق ٢/ ٣٠٨، ح ٢٣٦٦، والترمذي، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ٣/ ١٤٦، ح ٧٨٨، والنسائي، كتاب الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق ١/ ٦٦، ح ٨٧)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال ابن حجر: حديث صحيح. [ينظر: المستدرك ٤/ ١٢٣، بيان الوهم والإيهام ٥/ ٥٩٢، الإصابة ٩/ ٣٩٠].
[ ١١٤ ]
وإن سلمنا فهناك بعض العضو، ونحن قلنا: عضو؛ ولأن كلامنا في إيجاب غسل باطن ما [وجب غسل ظاهره] (^١) لا في الاستيعاب.
وقولكم: إن الأصل لا باطن [له] (^٢)، غلط، بل له باطن معروف لغة، وشرعًا، وحسًا.
أما اللغة:
قول جرير (^٣):
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح (^٤)
وقال غيره (^٥):
وامدد إليَّ يدًا تعوّد بطنُها … بذل النوال وظهرُها التقبيلا (^٦)
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ١/ ٢٨٩؛ حتى تستقيم العبارة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) أبو حزرة جرير بن عطية بن حذيفة - ولقب حذيفة المذكور آنفًا هو (الخطفى) ـ. شاعر مشهور؛ كان من فحول شعراء الإسلام، مدح يزيد بن معاوية ومن بعده من الأمويين، وإليه المنتهى وإلى الفرزدق في حسن النظم، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمع العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل، توفي سنة ١١٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٣٢١، تاريخ الإسلام ٣/ ٢١].
(٤) ينظر: التاج في أخلاق الملوك للجاحظ ص ١٣٣، الشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٤٥٩، الإبانة للصحاري ١/ ٤٥١، وهذا البيت قيل في عبد الملك بن مروان.
(٥) يعني ابن الرومي.
(٦) ينظر: ديوان المعاني للعسكري ٢/ ٢١٥، محاضرات الأدباء للأصفهاني ١/ ٣٧١، التذكرة الحمدونية ٤/ ٤٧.
[ ١١٥ ]
وقال الآخر (^١):
فباطنها للندى … وظاهرها للقبل (^٢)
وأما الشرع:
فقول علي ﵇: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن القدم أولى من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله - صلَّى الله عليه - يمسح على ظاهر خفيه» (^٣).
وقال الشافعي: إذا مس فرجه ببطن كفه انتقض وضوءه، وبظهره لا ينتقض (^٤).
وأما الحس:
فإن الإنسان إذا ضم كفه صار باطنًا لا تعلم صفته، وإذا فتحها [ظهرت] (^٥) كالفم سواء.
/ طريقة أخرى: نقول: كل عضو دخله سنة الغسل وجب أن يدخله فرضه، دليله: بقية الأعضاء، وهذا لأن السنة تكملة للفرض فإذا لم يكن في العضو فرض فماذا يكمل، وصار ما قلنا بمنزلة المجاز إنما يتجوز به عن الحقيقة، فإذا لم يكن في الشيء حقيقة فلا مجاز يتصور فيه.
فإن قيل: داخل الأنف يسن غسله ولا يجب، وكذلك تطويل الغرة يسن غسله في الوضوء ولا يجب.
_________________
(١) يعني إبراهيم بن العباس في الفضل بن سهل.
(٢) ينظر: ديوان المعاني للعسكري ٢/ ٢١٥، محاضرات الأدباء للأصفهاني ١/ ٣٧٠، التذكرة الحمدونية ٤/ ٤٧.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كيف المسح ١/ ٤٢، ح ١٦٤، قال عبد الحق: صحيح. وقال عبد الغني المقدسي: إسناده صحيح. وقال ابن كثير: إسناده جيد. [ينظر: الأحكام الوسطى ١/ ١٨٠، تنقيح التحقيق ١/ ٣٣٨، إرشاد الفقيه ١/ ٤٧].
(٤) الأم ١/ ٣٤.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (ظهرى)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١١٦ ]
قلنا: لا نسلم؛ فإنه يجب غسل داخل الأنف على قول أبي إسحاق (^١)، ومواضع تطويل الغرة والتحجيل يجب غسله في الجنابة، فأما في الوضوء فتُرك وجوبه لدليل، ثم لا يلزم، لقولنا: كل عضو دخل في سنة الغسل؛ وداخل الأنف بعض العضو.
طريقة أخرى تخص أبا حنيفة (^٢)، فنقول: طهارة يجب فيها غسل الوجه، فوجب فيها غسل داخل الأنف والفم، دليله: طهارة الجنابة والنجاسة، وهذا لأن الفم والأنف من الوجه، والوجه يجب غسله في الوضوء كما يجب في الجنابة والنجاسة، فيجب أن يجب غسل أبعاضه في الوضوء كما وجب في الطهارتين المقيس عليهما.
فإن قيل: يلزم على هذا داخل الأنف والعين واللحية، فإنه يجب غسل الوجه، ولا يجب غسل هذه المواضع، وهي من الوجه، والمعنى في [حدث] (^٣) الجنابة أنه يحل الفم، ولهذا تمنع القراءة، بخلاف الحدث الأصغر، فإنه لا يمنع ذلك من القراءة، لأنه لا يحل الفم.
الثاني: أن الجنابة آكد؛ لأنها تعم جميع البدن، وكذلك النجاسة تتعدى إلى عين البدن، بخلاف الوضوء.
قلنا:/ أما مسائل الإلزام فممنوعة على ما مضى، - وإن سلمنا - فغسلها يشق في الوضوء لتكريره، ويندر في غير الوضوء فلا يشق.
وأما قولهم: إن الجنابة تحل الفم، والحدث الأصغر لا يحل الفم.
قلنا: لا نسلم بل يحل الفم بدليل ما تقدم، فأما منع القراءة فليس لأجل ذلك، لكن القراءة تضاف إلى القارئ، وشُرط عليه أن لا يكون جنبًا،
_________________
(١) قال: يجب غسل داخل الأنف. [ينظر: الانتصار ١/ ٢٨٩]. وذكر في الإنصاف ١/ ١٣٢ قول ابن شاقلا وهو: وجوب المبالغة في الاستنشاق وحده.
(٢) فإنه يقول: داخل الفم والأنف لا يجب غسله في الوضوء، وإنما الواجب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس. [ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢١].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (حديث)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١١٧ ]
كما شُرط عليه أن لا يكون على فعل الغائط والبول، وأن لا يكون ساجدًا (^١)، وكما شُرط أن لا يقرب الصلاة وهو سكران، وكما شُرط عليه أن لا يلبث في المسجد وإن لم يُشرط ذلك في الحدث الأصغر، ومعلوم أن الحدث الأصغر قد حلّ رِجْل المُحدث كما حلّت رِجْلَه الجنابةُ، لكن الشرع لمَّا [علم] (^٢) أن الحدث الأصغر يكثر لم يمنع من القراءة لئلا ينسى الناس القرآن، أو لا يقدروا على حفظه، لأن الغالب أن أكثر زمان الناس يكون على غير وضوء، بخلاف الجنابة فإنها تندر وتقل، فلا يفضي المنع من القراءة إلى تعذر حفظ القرآن.
ولأنه - تعالى - قسّم الأحوال في القرآن على ثلاث مراتب؛ فجعل اللمس له لا يجوز إلا بوجود الطهارتين، وجعل النظر إليه يجوز مع عدم الطهارتين، وجعل القراءة جائزة مع عدم إحدى الطهارتين، وهذا لأن اللمس فوق القراءة لأنه مباشرة حسية، والنظر دونها لأنه غير مباشرة، والقراءة بينهما.
وأجود من هذا: أنه لولا السنة لما منعنا الجنب من القراءة، ولهذا لو كان بفِيه نجاسة لم تمنعه وهي أكثر من الحدث، وإنما روي أنه لم يكن يحجز رسول الله - صلَّى الله عليه - عن/ القراءة شيء عدا الجنابة (^٣).
_________________
(١) يرى المصنف عدم جواز قراءة القرآن في السجود، فقد أخرج مسلم في الصحيح، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/ ٣٤٨، ح ٤٧٩ حدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا؛ فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم».
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (أعلم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة ١/ ١٩٥، ح ٥٩٤، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن ١/ ٥٩، ح ٢٢٩، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا ١/ ٢٧٣، ح ١٤٦، والنسائي، كتاب الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن ١/ ١٤٤، ح ٢٦٥ من حديث علي، ولفظ الترمذي: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا. قال الترمذي، والبغوي: حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال ابن الملقن: حديث جيد. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٥٣، شرح السنة ٢/ ٤٢، البدر المنير ٢/ ٥٥١].
[ ١١٨ ]
وقولهم: إن الجنابة والحدث آكد؛ فهو وإن كان كما ذكروا إلا أن الوضوء قد ساواهما في وجوب دخول الوجه فيه، فيجب أن يساويهما في دخول أبعاضه فيه كما في اليدين والرجل، وكما أن الحج أعم من العمرة ويستويان في حكم الطواف والسعي، وكذلك الظهر أعم من الفجر وهما سواء في القراءة والسجود والركوع في الركعتين.
ثم يبطل ما ذكروا بغسل الميت وهو أعم من الوضوء، وقد ساوى الوضوء في سقوط المضمضة والاستنشاق عندهم.
احتجوا:
بما روى الدارقطني بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «المضمضة والاستنشاق من السنة» (^١)، وهذا نص.
وبما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب ما روي من قول النبي ﷺ: «الأذنان من الرأس» ١/ ١٧٧، ح ٣٤٦، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٧٧، ح ١٨٠، والخطيب في التاريخ ٤/ ٣٨١ من طريق القاسم بن غصن، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس». قال الدارقطني: إسماعيل بن مسلم ضعيف، والقاسم بن غصن مثله، خالفه علي بن هاشم، فرواه عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة ولا يصح - أيضًا ـ. وقال البيهقي: روي عن النبي ﷺ بأسانيد كثيرة ما منها إسناد إلا وله علة. وقال ابن حجر: حديث ضعيف. [ينظر: الخلافيات ١/ ٣٤٧، التلخيص الحبير ١/ ١٣٢].
(٢) لم أقف عليه مسندًا بهذا اللفظ، وذكره ابن الجوزي في التحقيق ١/ ١٤٥، وأخرج البخاري، في كتاب الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء ١/ ٤٣، ح ١٦١، ومسلم، في كتاب الطهارة ١/ ٢١٢، ح ٢٣٧/ ٢٢ من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر». ولعله دخل للمصنِّف هذا الحديث في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج». أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب الارتياد للغائط والبول ١/ ١٢٢، ح ٣٣٨، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستتار في الخلاء ١/ ٩، ح ٣٥، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. [ينظر: المستدرك ٤/ ١٥٢].
[ ١١٩ ]
وبما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «عشر من الفطرة؛ قص الشارب، وإعفاء اللحية، والمضمضة، والاستنشاق، ونتف الإبط، وقص الأظفار، وإنقاء البراجم (^١)، والسواك، وحلق العانة، وانتقاص الماء» (^٢)، [و] (^٣) فيه دليلان؛ أحدهما: أنه جعلهما من السنة، والسنة غير الواجب، الثاني: أنه قرنها بما ليس بواجب إجماعًا.
وبما روي عن النبي ﵇ أنه علَّم الأعرابي الوضوء فقال له: «اغسل وجهك ويديك» (^٤)، ولم يذكر له المضمضة والاستنشاق، ولو كانتا واجبتين لذكرهما؛
_________________
(١) البرجمة: المفصل الظاهر من الأصابع، وقيل: الباطن، وقيل: البراجم: مفاصل الأصابع كلها، وقيل: هي ظهور القصب من الأصابع، وقال ابن الأثير: هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٥٩٨، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١١٣].
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٢٣، ح ٢٦١ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل طمس بمقدار حرف، وقد استظهرته من السياق.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١٢٠ ]
لأن الأعرابي كان جاهلًا بالحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكذلك حديث أم سلمة (^١) لما سألته عن غسل الجنابة فقال: [«إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء فإذا أنت قد طهرت» (^٢)، وكذلك روى جبير بن مُطعِم (^٣) قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال:] (^٤) «أما أنا فأحثي على/ رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طَهُرت» (^٥)، والحجة منه ما سبق.
والفقه فيه: أنهما عضوان باطنان من أصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليهما كباطن العين، وتأثير هذا الكلام ظاهر من حيث إنّ الغسل تعلّق بالأعضاء الظاهرة، وما كان باطنا فهو ينزل منزلة باطن سائر البدن.
_________________
(١) هي: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين، اسمها هند، وقيل: رملة. تزوجها النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة أربع، وقيل سنة ثلاث، وكانت ممن أسلم قديمًا هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة، ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة. ماتت سنة ٥٩ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٩٢٠، أسد الغابة ٦/ ٣٤٠، الإصابة ٨/ ٤٠٤].
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الحيض ١/ ٢٥٩، ح ٣٣٠ من حديث أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين».
(٣) جبير بن مُطعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو محمد، القرشي النوفلي، كان من أكابر قريش، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، فسمعه يقرأ الطور، قال: فكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي. أسلم بين الحديبية والفتح، وقيل في الفتح، مات سنة ٥٧ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٢٣٢، أسد الغابة ١/ ٣٢٣، الإصابة ١/ ٥٧٠].
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، ولكن يظهر أن هناك سقطًا من الناسخ بدليل أنه كتب: (كما حديث أم سلمة)، ثم أورد حديث جبير بن مطعم، وهذا السقط الذي فات على الناسخ أتممتُه من الانتصار ١/ ٢٩٦.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب من أفاض على رأسه ثلاثًا ١/ ٦٠، ح ٢٥٤، ومسلم، كتاب الحيض ١/ ٢٥٨، ح ٣٢٧ من حديث جبير بن مطعم، قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ: «أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف». هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري مختصرًا.
[ ١٢١ ]
والدليل على أن الفم باطن: أنا نعلم بأن الإنسان خلق بأصل الخلقة ومبدئها منطبق الفم، وإنما ينفتح فمه لعارض وحاجة، ولا اعتبار بالعارض.
يدل عليه: أن الظاهر ما تراه العين وتصادفه بأول نظرة، وباطن الفم لا تراه العين إلا بعد أن تفتحه.
يدل عليه: أنه يقال: داخل الفم، ولا فرق بين قولنا باطن وداخل، فدل على أنه باطن في أصل الخلقة، وإذا كان كذلك فالاعتبار بأصل الخلقة.
والدليل عليه: باطن اللحية لما خلق ظاهرًا - وإنما استتر بعارض - وجب إيصال الماء إليه.
والدليل عليه من حيث الشرع - فإنه جعلهما في حكم الباطن أيضًا ـ: أنه لو جمع الريق في فمه وبلعه لا يفطر، ولو أخرج الريق إلى ظاهر الفم وعاد فازدرده (^١) أفطر، وكذلك يثبت في الفم والأنف حكم الجائفة (^٢) إذا جرحه في فكه، أو منخره فنفذ إلى الباطن، ولو كان في حكم الظاهر لم يثبت فيه حكم الجائفة.
وقد عبر بعضهم بأنه: عضو مضموم، بالكلام موسوم، فلم يكن غسله محتوم، دليله الحلقوم.
وربما قالوا: عضو لا يجب غسله في حق الميت، فلا يجب في حق الحي، دليله داخل العين، وهذا صحيح؛/ فإن غسل الميت يعم جميع البدن، وهو آخر زاده من الاغتسال، فهو أحق بالكمال، ثم لا تجب المضمضة والاستنشاق، فأولى أن لا تجب في الوضوء.
_________________
(١) زَرِدَ اللقمة - بالكسر - يَزْرَدُها زَرْدًا، أي: بلعها. والازْدِرادُ: الابتلاع. [ينظر: الصحاح ٢/ ٤٨٠].
(٢) الجائفة: الطعنة التي قد وصلت إلى الجوف. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ١٠٤٣، الصحاح ٤/ ١٣٣٩، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣١٧].
[ ١٢٢ ]
قالوا: ولأنه تطهر تعلق بالفم فلم يجب كالسواك.
وربما قالوا: طهارة عن حدث فلم يجب فيها إيصال الطهور إلى الفم والأنف كالتيمم.
أما القاضي أبو زيد (^١) فإنه قال (^٢): الفم والأنف قد أُعطي لهما حكم الظاهر من وجه بدليل ما قلتم، وقد أعطي لهما حكم الباطن بدليل ما قالوا، فلما أخذا حكم السنة من الحالين جميعًا عملنا بالشبهتين.
فنقول: الطهارة تنقسم إلى عامة، وإلى خاصة، فالعامة هي الغسل، والخاصة هي الوضوء، والكل طهارة شرعية تعبدية، فقلنا: لما كان الغسل طهارة عم وجوبها الأعضاء وجب فيها المضمضة والاستنشاق احتياطًا، وعملًا بالتعميم الذي وضع الغسل فيه، ولهذا يجب غسل ما تحت اللحية الكثيفة، وباقي البدن، وما تحت الخفين من الرجلين لما بيَّنَّاه من كونها طهارة عامة، والوضوء لما كان طهارة خاصة لا يجب فيه غسل كل الأعضاء الظاهرة، وإنما يجب غسل الأعضاء البادية، وكيف يجب فيه غسل ما كان باطنًا من وجه! ولهذا اختص الوضوء بالأعضاء التي [تبدو] (^٣) فضلًا كالوجه واليدين وبعض الرأس والقدمين، فلم يجب غسل الفم والأنف في الوضوء، وقلنا يستحب، ولهذا وجب غسل الفم والأنف من النجاسة؛ لأن إزالة النجاسة طهارة عامة يجب إزالتها عن كل محل.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن عيسى، القاضي أبو زيد الدبوسي الفقيه الحنفي، ودبوسية بلدة صغيرة بين بخارى وسمرقند، كان من كبار أصحاب أبي حنيفة، وممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، صنف كتاب تقويم الأدلة، وكتاب الأمد الأقصى، وغير ذلك، وكان شيخ تلك الديار، مات ببخارى سنة ٤٣٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٨، تاريخ الإسلام ٩/ ٤٧٦].
(٢) لم أقف على كلام القاضي، ولكن وجدت أنّ هذا الرأي عند الحنفيّة. [ينظر: كشف الأسرار ١/ ٥٢].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (تبدوا)، والصحيح إملاء ما أثبته.
[ ١٢٣ ]
الجواب:/
أما الحديث الأول: فقد طعن فيه الدارقطني، وقال: يرويه القاسم بن غصن (^١)، عن إسماعيل بن مسلم (^٢)، وهما ضعيفان (^٣). ويدل على ذلك أن رواية عطاء ومذهبه وجوبهما (^٤).
ثم يحمل قوله: «سنة»؛ أي: شريعة، بدليل قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (^٥) أي: شرعة، وبدليل قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي» (^٦)، أي: شريعتي، وقال علي: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد» (^٧)، وأراد الشريعة.
_________________
(١) القاسم بن غصن، قال أحمد: يحدث بأحاديث منكرة. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، ويقلب الأسانيد حتى يرفع المراسيل ويسند الموقوف لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. بهذا القدر تقريبًا تكلّم عنه من ترجم له - فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: الجرح والتعديل ٧/ ١١٦، المجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٢].
(٢) إسماعيل بن مسلم المكي، أبو إسحاق، كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيهًا ضعيف الحديث. بهذا القدر تقريبًا تكلّم عنه من ترجم له - فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: تقريب التهذيب ص ١١٠].
(٣) نسب هذا القول له الزيلعي في نصب الراية ١/ ٨٥.
(٤) تقدّم توثيق القول في صدر المسألة.
(٥) غَافر: ٨٥.
(٦) أخرجه ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ١/ ١٦، ح ٤٣، وأبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة ٤/ ٢٠٠، ح ٤٦٠٧، والترمذي، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ٥/ ٤٤، ح ٢٦٧٦ من حديث العرباض بن سارية، وقال الترمذي: حديث صحيح. قال ابن عبد البر: حديث ثابت. وقال البغوي: حديث حسن. [ينظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٦٥، شرح السنة ١/ ٢٠٥].
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الديات، باب من قال: لا يقتل مسلم بكافر ٥/ ٤٠٩، ح ٢٧٤٧٧، والدارقطني، كتاب الحدود والديات ٤/ ١٥٤، ح ٣٢٥٤، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الجراح، باب لا يقتل حر بعبد ٨/ ٦٣، ح ١٥٩٣٨ من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي.
[ ١٢٤ ]
وأما الحديث الثاني: فالمعروف خبر أبي هريرة: «من توضأ فليستنشق» (^١)، وهو أمر، ولو قدر صحته فالاستنثار غير الاستنشاق؛ لأن النثر هو الامتخاط، والاستنشاق تحصيل الماء في طرف الأنف، والنثر إن فعله فقد أحسن، وإن تركه فلا شيء عليه.
وأما الفقه؛ قولهم: إنه باطن، ممنوع؛ ولهذا لو ترك الإنسان وشؤم طباعه فإن فمه مفتوح، ولهذا إذا نام انفتح فمه، على أنهما قد جُعلا في الشرع في حكم الظاهر بدليل سبعة أشياء:
أحدها: أنه يجب غسلهما من النجاسة.
والثاني: أنه يشرع غسلهما في الوضوء.
والثالث: أنه لا يفطر بحصول الطعام فيهما.
والرابع: أنه لا يحد بحصول الخمر فيهما.
والخامس: أنه لا ينشر حرمة الرضاع بحصول اللبن فيهما في حق الطفل.
السادس: أنه إذا استدعى القيء إليهما أفطر.
السابع: أنه يجب القصاص في العظام من الأسنان، وقصبة الأنف، والقصاص لا مدخل له في العظام الباطنية.
فأما ما تعلَّقوا به من بلع الريق فإن جمعه وبلعه أفطر، وإن جرى على عادته إلى حلقه لم يفطر؛ لأنه لا يمكنه/ الاحتراز من ذلك، وهو فيه أعذر ممن دخل حلقه ذبابة، أو بقة (^٢)، أو تراب الطريق، فقد قال أحمد في ازدراد النخامة: إنه يفطر (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) البقة: البعوضة، وقيل: عظام البعوض، والجمع البق، وقيل: هي دويبة مثل القملة حمراء منتنة الريح، يكون في السرر والجدر، إذا قتلتها شممت لها رائحة اللوز المر. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٥١، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٤٣،].
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٨.
[ ١٢٥ ]
وأما حكم الجائفة فلا يثبت، وليس عن إمامنا ﵁ ما يضاد ذلك، ومن سلّم ذلك فإن الجائفة تثبت لكون الفم أجوف، لا لأنه باطن، فلم يستقم ما ذكروه.
على أنا نقابل بمثله فنقول بأن تغطية الأسنان بالشفتين لو زال فإن انكشف عظم السن بالخرم فإنه إذا صار أخرم لا يكون كشف السن بخرم الشفة إيضاحًا (^١)، والإيضاح من حكم الرأس، وينحصر بعظم الرأس، ثم لا يجعل ذلك إيضاحًا، فلما لم يكن العظم بكشفه موضحة لم يكن له حكم الباطن، وإذا لم يكن للعظم وهو أبعد عن الباطن من الفم، لا يكون له حكم الباطن فيما وراءه؛ لأن الشفتين للأسنان كالشدقين (^٢) للفم في حصول الستر، فإذا تعلقتم بأن وصول الجراحة إلى ما وراء الشدق يكون جائفة فدل على أنه جوف، استدللنا على أن كشف السن لا يكون موضحة فلا يكون الفم باطنًا، فتقابلا وبقي الترجيح معنا بما ذكرنا.
فإن قيل: فيلزم على ما ذكرتم داخل العين يجب غسله من النجاسة، ولا يُحدُّ بحصول الخمر فيه، ولا يفطر بحصول الماء فيه، ثم هو في حكم الباطن لا يجب غسله في الوضوء، وكذلك باطن اللحية.
قلنا: قد روى أبو بكر المروذي (^٣) عن أحمد ما يدل على وجوب
_________________
(١) الموضحة: الشجة التي بلغت العظم فأوضحت عنه، وقيل: هي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم أو تشقها حتى يبدو وضح العظم. [ينظر: تهذيب اللغة ٢/ ١٠٢، المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٤٧٤].
(٢) الشِدق: جانب الفم، وهو لحم باطن الخدين من جانبي الفم. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٥٢، الصحاح ٤/ ١٥٠٠].
(٣) أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، أبو بكر، الفقيه، المعروف بـ (المروذي)، أحد الأعلام، وأجل أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، كان من كبار علماء بغداد، وكان أبوه خوارزميًا، وكانت أمه مَروَذِيَّة، حمل عن أحمد علمًا كثيرًا، ولزمه إلى أن مات، وكان المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به، وينبسط إليه؛ وهو الذي تولى إغماضه لما مات وتغسيله. وروى عنه مسائل كثيرة، وصنف في الحديث والسنة والفقه، مات سنة ٢٧٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ١٠٤، طبقات الحنابلة ١/ ٥٦، تاريخ الإسلام ٦/ ٤٩٤].
[ ١٢٦ ]
غسل العين، وباطن اللحية (^١)، وقد دل الشرع على ذلك؛ روى أبو هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء» (^٢).
/ روى ابن عباس: «افتحوا أعينكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم» (^٣).
وروي عن عثمان أنه لما وصف وُضوء رسول الله - صلَّى الله عليه - خلل لحيته ثلاثًا (^٤).
وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: يغسل داخل عينيه (^٥).
_________________
(١) لم أقف على رواية أبي بكر، ولكن هذه الرواية مذكورة في زاد المسافر ٢/ ٣٤.
(٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٠٣، وابن عدي في الكامل ٢/ ٥٠٠، ح ٣١٢٦ من طريق البختري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأتم فلا تنقضوا أيدكم فإنها مرواح الشيطان وأشربوا أعينكم الماء». قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول. [ينظر: علل الحديث ١/ ٥٠٦].
(٣) ينظر: مسند الفردوس للديلمي ١/ ٧١. قال ابن حجر في (الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس مما ليس في الكتب المشهورة) - وهو مخطوط مصور من دار الكتب المصرية - ص ٣٨: أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، عن الحسين بن أحمد بن المخارق، عن محمد ابن الحسن بن سماعة، عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «افتحوا أعينكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم». قلت: موسى بن عبيدة ضعيف وابن سماعة.
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في تخليل اللحية ١/ ١٤٨، ح ٤٣٠، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية ١/ ٤٦، ح ٣١ من طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن المنذر: الأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه خلل لحيته قد تكلم في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان. وقال الحاكم: إسناده صحيح، وقد اتفق الشيخان على إخراج طرق لحديث عثمان في دبر وضوئه، ولم يذكرا في رواياتهما تخليل اللحية ثلاثًا. [ينظر: العلل الكبير للترمذي ص ٣٣، الأوسط لابن المنذر ٢/ ٢٩، المستدرك ١/ ٢٤٩].
(٥) ذكره ابن القيم في زاد المعاد ٢/ ٤٥. والذي وقفت عليه في الغسل - دون الوضوء ـ، فقد روى مالك في الموطأ ٢/ ٦٢ عن نافع، أن عبد الله بن عمر «كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه، ونضح في عينيه، ثم غسل يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، ثم غسل رأسه، ثم اغتسل، وأفاض عليه الماء».
[ ١٢٧ ]
وإن سلمنا فداخل العين يشق إيصال الماء إليه، فعفي عنه، ولا يجب غسلها من النجاسة والجنابة كذلك، ولو سُلِّم فالنجاسة يندر وجودها في العين فلا يشق، وكذلك باطن اللحية لا يتكرر في الجنابة، ويتكرر في الوضوء فيشق، وللمشاق تأثير في العبادات، ولهذا لما تكررت الصلاة في حق الحائض والنفساء سقطت عنها، ولما لم يتكرر الصوم وجب عليها قضاؤه، وكذلك شطر الصلاة الرباعية، وتأخير صوم رمضان يجوز في السفر للمشقة، وتأخير الصلاة عن وقتها للجمع.
وأما تعلقهم بغسل الميت فلا نسلمه، ونقول: يجب غسله على قدر ما يتأتى ولا يفضي إلى المُثلة (^١)، وهو أن يبل خرقة فيغسل بها فمه وأنفه.
فإن قيل: الغسل هو طرح الماء في الفم وإدارته وإخراجه، وما ذكرتم هو مسح.
قلنا: هذا هو الغسل الخفيف لأجل المشقة كما فعل في الرأس أصله الغسل؛ لأن به تحصل الوضاءة، فلما شق عدل به تعالى إلى المسح، وكما في الرِّجْل يعدل إلى مسح الخف عنها للمشقة.
وقد سلّم أصحابنا، وقالوا: الميت متى مضمض بأن يطرح الماء في فيه فإنه يخرج من فرجه، فتصير مُثلة، فسقط كما يسقط غسل العضو المجروح.
فإن قيل: في الجرح يعدل إلى بدل، فيجب أن يعدلوا ها هنا إلى بدل، وتحصيل الماء في طرف الأنف/ لا يفضي إلى ذلك، فيجب أن لا يسقط.
_________________
(١) مَثَلْتُ بالحيوان أَمْثُل به مَثْلًا، إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومَثَلْتُ بالقتيل، إذا جدعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المُثْلَة، بالضم. فأما مَثَّلَ، بالتشديد، فهو للمبالغة. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٨١٦، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٩٤].
[ ١٢٨ ]
قلنا: وقد سقط الشيء لأجل المشقة إلى غير بدل كما سقطت الصلاة في حق الحائض والنفساء، وكما سقطت ركعتان من الرباعية لأجل المشقة.
وجواب آخر: أن غسل الميت أضعف، ولهذا يسقط بالشهادة؛ وفيه ضعف؛ فإن الشهادة أبلغ في العبادة والتطهير من طهارة الماء، ولأنها تشهد عند الله ببذل المهجة في سبيله، ونصرة دينه، فسقطت بها الطهارة، وليس في حق الميت حتف أنفه ما يوفي على ذلك، فَلِم أسقطتم ما تمكن منه.
جواب آخر: أن الميت يصلى عليه فوجب تطهير ظاهره كالبساط الذي يصلى عليه، والحي يصلي به فوجب تطهير باطنه وظاهره كالسترة التي يصلى فيها؛ وفيه ضعف؛ فإنا قد بيّنا أن الفم والأنف في حكم الظاهر، ولأنهما قد استويا في إيجاب غسل النجاسة، واستيعاب الجميع بخلاف البساط، فإنه لو طَهرَ بعضه صحّ الصلاة عليه، ولأنهم فرقوا بين الميت والحي في الاستحباب، فجاز أن يفرق في الإيجاب، وأوجبها أبو حنيفة في غسل الحي، ولم يوجب في غسل الميت (^١)، والأولى المنع على ما ذكرنا.
وأما العين: فقد تقدم الجواب عنها.
وأما قياسهم على السواك بعلة أنه تطهير علق بالفم، فنقول: لم إذا علق التطهير بالفم لا يجب، ثم يلزم النجاسة إذا كانت في الفم، فإنه تطهير يتعلق به ويجب، فأما السواك فهو متعلق بالأسنان، فهو هيئة في تطهير/ الفم، ولهذا يستوي فيه إذا أكل ما يغير ريح فمه، وإذا أراد القراءة، وإذا أراد الصلاة، فهو كالجهر في القراءة بخلاف المضمضة، فإنها تطهير يتعلق ببعض الوجه، فهي كغسل الجسد.
_________________
(١) ينظر: المبسوط ١/ ٦٢.
[ ١٢٩ ]
ولأن السواك ورد الشرع فيه بترك الأمر، لأنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (^١)، بخلاف المضمضة فإنها أَمَر بها، وبيَّن أنها من الوضوء الذي لابد منه فافترقا.
وأما تعلقهم بالتيمم فلا يصح؛ لأن مبناه على التخفيف، ولهذا يسقط تطهير الرأس والرجلين، ولهذا لا يسن إيصال التراب إلى الفم والأنف، بخلاف طهارة الماء.
ولأنه لم ينقل عن الرسول - صلَّى الله عليه - ولا عن أحد من أصحابه فعله، وقد فعل ذلك في طهارة الماء وقال: «هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» (^٢)، فسقط ما ذكرتم، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التمني، باب ما يجوز من الـ (لو) ٩/ ٨٥، ح ٧٢٤٠، من حديث أبي هريرة، وكتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ٢/ ٤، ح ٨٨٧، ومسلم، كتاب الطهارة، ١/ ٢٢٠، ح ٢٥٢ بزيادة: «مع كل صلاة».
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٣٠ ]