إذا اتفق العيد يوم جمعة فالأفضل في حضورهما، فإن حضر العيد ولم يحضر الجمعة فلا شيء عليه (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، وهو مذهب عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وبه قال الشعبي، والنخعي، وأبو البختري (^٣)، والأوزاعي، ذكر ذلك هبة الله الطبري في «سننه» (^٤).
واختلفت الرواية عن أحمد في الإمام هل يسقط عنه فرض الجمعة
_________________
(١) ينظر: الجامع الصغير ص ٦٠، الانتصار ٢/ ٥٩٠، الإرشاد ص ١/ ١٠٩، الإنصاف ٢/ ٤٠٣، المبدع ٢/ ١٦٧.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١١٥.
(٣) سعيد بن فيروز، أبو البختري الطائي مولاهم، الكوفي الفقيه العابد، كان مقدم القراء مع ابن الأشعث، فقتل في وقعة الجماجم، قال حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد بن جبير، وأبو البختري، فكان أبو البختري أعلمنا وأفقهنا. مات سنة ٨٣ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٢٤، تقريب التهذيب ص ٢٤٠].
(٤) لم أقف على سنن الطبري. وبالنسبة لمذهب عثمان، فقد أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها ٧/ ١٠٣، ح ٥٥٧٢ من طريق أبي عبيد، مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له. وأما مذهب الشعبي، والنخعي، والأوزاعي: فينظر الانتصار ٢/ ٥٩٠. وأما مذهب عمر وعلي وسعد بن أبي وقاص ابن عمر وابن عباس وابن الزبير فلم أقف عليها مسندة وقد نسب ذلك لهم أبو الخطّاب في الانتصار ٢/ ٥٩٠. وأما مذهب أبو البختري فقد أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة العيدين، باب في العيدين يجتمعان يجزئ أحدهما من الآخر ٢/ ٨، ح ٥٨٤٧ من طريق عطاء بن السائب، قال: اجتمع العيدان في يوم، فقام الحجاج في العيد الأول، فقال: من شاء أن يجمع معنا، فليجمع، ومن شاء أن ينصرف، فلينصرف ولا حرج. فقال أبو البختري، وميسرة: ما له قاتله الله، من أين سقط على هذا؟
[ ٣٨٤ ]
بحضور العيد، أم لا على روايتين (^١):
أحدهما: أنها لا تسقط عنه الجمعة، والثانية: إطلاق القول بأنّ العيد يجزئ عن الجمعة.
وقال أكثر الفقهاء: حضور العيد لا يسقط الجمعة (^٢).
لنا:
ما احتج به الإمام أحمد ﵁ من حديث زيد بن أرقم رواه الساجي، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، عن إياس بن أبي رملة الشامي (^٣) قال: شهدتُ معاوية يسأل زيد بن أرقم: شهدتَ مع رسول الله عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، صلى العيد في أول النهار، ثم رخص في الجمعة قال: «من شاء أن يجمع فليجمع» (^٤).
وروى النجاد بإسناده عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلَّى الله عليه - أنه قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء اجتزأ بالعيد من جمعته، وإنا لمجمعون إن شاء الله» (^٥).
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ٥٩٠، الإنصاف ٢/ ٤٠٤، المبدع ٢/ ١٦٧.
(٢) ينظر للحنفيّة: البناية على الهداية ٣/ ١١٣، حاشية ابن عابدين ٢/ ١٦٦. وللمالكيّة: المدونة ١/ ١٥٣، الإشراف ١/ ١٣٥. وللشافعيّة: الأم ١/ ٢٣٩، حلية العلماء ٣/ ٢٦٦. وللشافعيّة تفصيل هو: أنّ أهل البلد لا تسقط عنهم الجمعة، أما أهل القرى إذا صلوا العيد سقطت عنهم الجمعة.
(٣) إياس بن أبي رملة الشامي، مجهول. [ينظر: التقريب ص ١١٦].
(٤) أخرجه أحمد ٣٢/ ٦٨، ح ١٩٣١٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد ١/ ٢٨١، ح ١٠٧٠، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الرخصة لبعض الرعية في التخلف عن الجمعة إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، ٢/ ٣٥٩، ح ١٤٦٤، والنسائي، كتاب صلاة العيدين ٣/ ١٩٤، ح ١٥٩١ بلفظ: «من شاء أن يصلي فليصل»، ولم يذكرها النسائي، وقال ابن المديني: إسناده جيد. وقال ابن المنذر، وابن القطان: لا يثبت هذا، فإن إياسًا مجهول. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. [ينظر: المستدرك ١/ ٤٢٥، الاستذكار ٢/ ٣٨٦، بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٠٤].
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم ١/ ٤١٦، ح ١٣١١ م، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد ١/ ٢٨١، ح ١٠٧٣ من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال أحمد: إنما رواه الناس عن عبد العزيز عن أبي صالح مرسلًا. وقال البزار: رواه غير واحد، عن أبي صالح، مرسلًا. وقال أبو حاتم: رواه أبو عوانة، عن عبد العزيز بن رفيع؛ قال: شهدت الحجاج بن يوسف واجتمع عيدان في يوم، فجمعوا، فسألت أهل المدينة؛ قلت: كان فيكم رسول الله ﷺ عشر سنين، فهل اجتمع عيدان؟ قالوا: نعم. قال: وهذا أشبه. وقال الدارقطني: عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح مرسلًا هو الصحيح. وقال الخطابي: في إسناده مقال. وقال الحاكم: حديث صحيح غريب على شرط مسلم. [ينظر: مسند البزار ١٥/ ٣٨٦، علل ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٢، علل الدارقطني ١٠/ ٢١٦، معالم السنن ١/ ٢٤٦، المستدرك ١/ ٤٢٥، تاريخ بغداد ٤/ ٢١٨].
[ ٣٨٥ ]
وفي لفظ آخر رواه الساجي، وابن أبي حاتم: «ا جتمع لكم يوم عيد ويوم جمعة، وإني مجمع إذا رجعت، فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهدها» (^١)، فوجه الدليل أنه علق ذلك بالمشيئة فدلّ على أنه غير واجب.
وروى الأثرم بإسناده عن الحسن، عن علي قال: إذا اجتمع عيدان أجزأ أحدهما (^٢).
وعن مجالد، عن الشعبي في [عيدين] (^٣) اجتمعا/ في يوم قال: يجزئ أحدهما من الآخر (^٤).
وعن الحكم، عن إبراهيم قال: إذا اجتمع عيدان أجزأ أحدهما (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ٢٧٣ من طريق زياد البكائي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وتقدم الكلام على الحديث.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (عيدان)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة العيدين، باب في العيدين يجتمعان يجزئ أحدهما من الآخر ٢/ ٨، ح ٥٨٥٠ من طريق سفيان الثوري، عن مجالد، عن الشعبي، قال: إذا كان يوم جمعة، وعيد أجزأ أحدهما من الآخر.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة العيدين، باب في العيدين يجتمعان يجزئ أحدهما من الآخر ٢/ ٨، ح ٥٨٤٨ من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم.
[ ٣٨٦ ]
وهذا يدل على صحة الأخبار، واشتهارها بين السلف حتى صاروا إليه (^١).
فإن قيل: هذه الأحاديث وردت في قوم مخصوصين وهم أهل العوالي (^٢)، بدليل ما روى عطاء، [عن عبد الله] (^٣) بن السائب (^٤) قال: حضرت العيد مع رسول الله - صلَّى الله عليه - فصلى فلما قضى صلاته قال: «قد قضينا الصلاة، فمن كان من أهل العوالي فأحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن ينتظر الخطبة فليجلس» (^٥). وأهل العوالي لا تجب عليهم الجمعة.
_________________
(١) يعني: إلى هذا الأمر.
(٢) جمع عالية: ويطلق على أعلى المدينة المنورة حيث يبدأ وادي بطحان، والقدماء يذكرون أنها قرية أو ضيعة، بينها وبين المدينة ثلاثة أميال أو أربعة وذلك أدناها، وأبعدها ثمانية، ولكنها اليوم تتصل بالمدينة، وفي جنوب شرق المسجد النبوي حيّ من أحياء المدينة على طريق العوالي سمي حيّ العوالي. وكانت العوالي عامرة بالبساتين، وأكثر أشجارها النخيل، ولكن العمران زحف إلى كثير من هذه البساتين وكاد يقضي عليها. [ينظر: معجم البلدان ٤/ ١٦٦، المعالم الأثيرة ص ٢٠٣].
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٤) عبد الله بن السائب بن أبي السائب - صيفي - بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، كان يسكن مكة، وكان من قراء القرآن، يعرف بالقارئ، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وعليه قرأ مجاهد وغيره من قراء أهل مكة. مات بمكة في إمارة ابن الزبير قبل وفاته بيسير، وصلى عليه ابن عباس. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩١٥، أسد الغابة ٣/ ١٥٠، الإصابة ٤/ ٨٩].
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في انتظار الخطبة بعد الصلاة ١/ ٤١٠، ح ١٢٩٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجلوس للخطبة ١/ ٣٠٠، ح ١١٥٥، والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين ٣/ ١٨٥، ح ١٥٧١ من طريق الفضل بن موسى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن السائب، قال: حضرت العيد مع رسول الله ﷺ فصلى بنا العيد، ثم قال: «قد قضينا الصلاة، فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب»، ولفظ أبي داود: «إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس ..»، ولفظ النسائي: «من أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم للخطبة فليقم». وقال ابن معين: هذا خطأ؛ إنما هو عن عطاء فقط، وإنما يغلط فيه الفضل بن موسى السيناني، يقول: عن عبد الله بن السائب. وقال أحمد: مرسل. وقال أبو زرعة: الصحيح عن عطاء: أن النبي ﷺ .. مرسل. وقال أبو داود: هذا مرسل عن عطاء، عن النبي ﷺ. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. [ينظر: تاريخ ابن معين رواية الدوري ٣/ ١٥، علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٠، المستدرك ١/ ٤٣٤، فتح الباري لابن رجب ٩/ ٤٩].
[ ٣٨٧ ]
قلنا: هذا غلط من أوجه:
أحدها: خبر زيد: فرخص في الجمعة؛ ولم يخص، وكذا خبر أبي هريرة: «فمن شاء اجتزأ بعيده عن جمعته» (^١)، وهذا إشارة إلى كل أحد ممن تجب عليه الجمعة.
الثاني: أنه جعل العلة اجتماع العيدين لإسقاط الجمعة عمن لا تجب عليه ولو لم يصل العيد.
الثالث: أن حمله على فائدة أولى من حمله على أهل العوالي الذين استفدنا سقوط الجمعة عنهم بغير هذا.
الرابع: أن التعليل أعم من اللفظ، والعلة اجتماع العيدين، وقد روى ابن عباس قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه - إذا اجتمع عيدان في يوم يقول: «من شهد معنا أول النهار فهو بالخيار في آخره» (^٢).
وذكر القاضي في «شرح المذهب» قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد النرسي (^٣) بإسناده عن أبي هريرة، قال: سأله أبو صالح (^٤):
_________________
(١) تقدم تخريج حديث زيد، وأبي هريرة قريبًا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون، أبو نصر، البزاز، النرسي، البغدادي، قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقًا صالحًا. مات سنة ٤١١ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٣، تاريخ الإسلام ٩/ ١٩٢].
(٤) ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، من كبار علماء أهل المدينة، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، قال أحمد: إذا ذكر عثمان بكى، فارتجت لحيته وقال: هاه هاه. وقال الأعمش: كان أبو صالح مؤذنًا فأبطأ الإمام، فأمّنا، فكان لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء. مات سنة ١٠١ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ١٨٩، تقريب التهذيب ص ٢٠٣].
[ ٣٨٨ ]
صليت مع رسول الله - صلَّى الله عليه - عشر سنين أما اجتمع فيما صليتم عيدان في يوم؟ قال: بلى، كان رسول الله - صلَّى الله عليه - إذا اجتمع عيدان في يوم [أجزأ] (^١) أحدهما (^٢).
وهذا إخبار عن دوام الفعل من النبي - صلَّى الله عليه ـ،/ على أن أهل العوالي إذا حضروا المصر يوم الجمعة فعليهم الجمعة، وهذا كما نقول في المريض: لا يلزمه الحضور، فلو حضر صار فرضه الجمعة.
وقد قيل: إن العوالي لم تكن بعيدة من المدينة، بل كانت قريبة بحيث يخاطبون بالجمعة.
ويدل عليه: أن الصحابة فعلوا ذلك، وأفتوا به في أزمان مختلفة، وأماكن متباينة، فروى الساجي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن وهب بن كيسان (^٣) قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فأخر الخروج، ثم خرج، فخطب، فأطال في الخطبة، ثم صلى ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك قوم، فقال ابن عباس: أصاب السنة، وبلغ ابن الزبير فقال: شهدت العيد مع عمر فصنع كما صنعت (^٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (أخر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) لم أقف على الكتاب.
(٣) وهب بن كيسان القرشي مولاهم، أبو نعيم، المدني، المعلم، ثقة، مات سنة ١٢٧ هـ. [ينظر: التقريب ص ٥٨٥].
(٤) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الرخصة لبعض الرعية في التخلف عن الجمعة إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، ٢/ ٣٥٩، ح ١٤٦٥، قال: حدثني وهب بن كيسان قال: شهدت ابن الزبير بمكة وهو أمير فوافق يوم فطر - أو أضحى - يوم الجمعة فأخر الخروج حتى ارتفع النهار فخرج وصعد المنبر، فخطب وأطال، ثم صلى ركعتين، ولم يصل الجمعة فعاب عليه ناس من بني أمية ابن عبد شمس، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال أصاب ابن الزبير السنة، وبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا.
[ ٣٨٩ ]
وفي لفظ آخر: فخرج ابن الزبير فصلى بهم العيد، ثم دخل ولم يخرج حتى صلى العصر، فذكر ذلك لابن عمر فلم ينكره (^١).
وعن أبي عبد الرحمن السلمي (^٢) قال: شهدت عليًّا ﵁ في يوم عيد ويوم جمعة قال: اجتمع لكم في يومكم عيدان فمن شاء أجزأه هذا عن الجمعة (^٣).
وعن سعد نحو ذلك (^٤).
وهذه نصوص من الأئمة - رضوان الله عليهم - تدل على أنهم عرفوا ذلك من قول رسول الله - صلَّى الله عليه - وفعله.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة العيدين، باب في العيدين يجتمعان يجزئ أحدهما من الآخر ٢/ ٧، ح ٥٨٤١ من طريق هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان في يوم، فخرج عبد الله بن الزبير فصلى العيد بعدما ارتفع النهار، ثم دخل فلم يخرج حتى صلى العصر، قال هشام: فذكرت ذلك لنافع، أو ذكر له فقال: ذكر ذلك لابن عمر، فلم ينكره.
(٢) عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي، مقرئ الكوفة بلا مدافعة، قرأ القرآن على: عثمان، وعلي، وابن مسعود، وسمع منهم ومن عمر، وأقرأ بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، قرأ عليه عاصم بن أبي النجود، قال ابن مجاهد: أول من أقرأ الناس بالكوفة بالقراءة التي جمع الناس عليها عثمان أبو عبد الرحمن السلمي، فجلس في مسجدها الأعظم، ونصب نفسه لتعليم القرآن أربعين سنة. مات سنة ٧٤ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ٨٩٧].
(٣) أخرجه عبد الرزاق، كتاب صلاة العيدين، باب اجتماع العيدين ٣/ ٣٠٥، ح ٥٧٣١ عن الثوري، عن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: اجتمع عيدان في يوم، فقال: «من أراد أن يجمع فليجمع، ومن أراد أن يجلس فليجلس». قال سفيان: يعني يجلس في بيته. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب صلاة العيدين، باب في العيدين يجتمعان يجزئ أحدهما من الآخر ٢/ ٧، ح ٥٨٣٨، وابن المنذر، كتاب العيدين، ذكر اختلاف أهل العلم في العيدين إذا اجتمعا في يوم واحد ٤/ ٣٣٢، ح ٢١٧٥ من طريق عبد الأعلى بن عامر، عن أبي عبد الرحمن، قال: اجتمع عيدان على عهد علي، فصلى بالناس، ثم خطب على راحلته فقال: يا أيها الناس، من شهد منكم العيد فقد قضى جمعته - إن شاء الله ـ.
(٤) لم أقف عليه.
[ ٣٩٠ ]
وقد ذكر أصحابنا طرقًا من الفقه، فقالوا: لنا فريضتان على المكلف يسقط فعل إحداهما فعل الأخرى، وهي الجمعة والظهر؛ فإن من لا يخاطب بالجمعة، لكن لزمه [فرض] (^١) الظهر - وهو العبد، والمرأة، والمسافر - إذا صلوا الجمعة سقطت ظهرهم، جاز أن يسقط حضور العيد حضور الجمعة، والجمعة إلى العيد أقرب؛ إذ هما عيدان، وصلاتان تجتمعان في عدة/ شروط، وحرروا من هذا عبارة فقالوا: صلاة عيد فجاز أن يسقط غيرها بفعلها، دليله صلاة الجمعة، فإن الجمعة تسقط بفعلها صلاة الظهر، وقد دل على صحة التسمية قوله (^٢) ﵇: «عيدان اجتمعا» (^٣)، سماهما عيدين.
فإن قيل: إنما سقطت الظهر بفعل الجمعة؛ لأنهما صلاتا وقت واحد على وجه التخيير، كأنواع الكفارة إذا فعل أحدهما سقط غيره، وليس كذلك العيد؛ لأنهما صلاتا وقتين، فلم يسقط فعل أحدهما الآخر، كصلاة الظهر مع العصر، ولأنّا نقول: إنّ الجمعة أسقطت الظهر؛ لأن الفرض المخاطب به يوم الجمعة هو الجمعة.
قلنا: لا نسلم لك هذا في الأصل، ولا في الفرع؛ لأن في الأصل ليس وقت الجمعة [وقتًا] (^٤) للظهر؛ لأنه يجوز فعل الجمعة عندنا قبل الزوال، ولا يجوز فعل الظهر في ذلك الوقت، وأما في الفرع فهما صلاتا وقت واحد؛ لأنه (^٥) تصلى الجمعة في الوقت الذي تصلى فيه صلاة العيد.
جواب آخر: وذلك أن علّة الأصل تبطل به إذا نذر أن يصلي صلاة في إحدى أوقات الصلوات؛ فإن المنذورة وصلاة الوقت قد حصلا صلاتا
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فرضه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) بهذا المكان في الأصل كلمة: (تعالى)، وحذفها هو الموافق للسياق.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (وقت)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٥) في هذا المكان من الأصل: (لا)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ٢/ ٥٩٩.
[ ٣٩١ ]
وقتٍ واحدٍ ومع هذا فلا يسقط أحدهما بفعل الآخر، ويلزم عليه - أيضًا - الصلاتين المجموعتين قد جمعهما وقت واحد ومع هذا فلا تسقط أحدهما بفعل الأخرى.
وقولهم: إن الجمعة لا تسقط الظهر: لا يصح؛ لأن الجمعة بفعلها سقطت الظهر، ألا ترى أنه لو لم يأت بالجمعة لزمه الظهر.
فإن قيل: الجمعة فرض على الأعيان، فتأكدت، فجاز أن يسقط بها فرض مثلها، بخلاف العيد؛ فإنها سنة/ عندنا (^١)، وعندكم فرض على الكفاية (^٢)، وكيف تسقط [فرضًا متأكدًا] (^٣) على الأعيان.
قلنا: ونحن لا نقول: إنها تسقط فرضًا، [بل] (^٤) توجب تخييرًا بين فعل الجمعة، وفعل الظهر (^٥)، كما يوجب السفر عندنا تخييرًا بين فعل القصر والإتمام (^٦)، ولا سيما على أصلكم؛ فإن الجمعة عندكم ظهر مقصورة (^٧)، والظهر لا تسقط للعيد بحال.
فإن قيل: فعندكم المفروض في يوم الجمعة صلاة الجمعة [وقد] (^٨) سقطت.
قلنا: عندنا قد فرضت الجمعة يوم الجمعة (^٩)، وهو غير الظهر، ولم ينسخ الظهر إلا أن الله - تعالى - خاطبنا أن نفعل الجمعة إذا عدم العذر، وإذا فعلناها دفع عنّا فعلها فعل الظهر، ومتى تعذر فعلها لعذر رجعنا
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٢/ ٤٢٠، المبدع ٢/ ١٧٨.
(٢) ينظر: روضة الطالبين ٢/ ٧٠، المجموع ٣/ ٣.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (فرض متأكد)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليوافق السياق.
(٥) تقدّم توثيق ذلك في صدر المسألة.
(٦) ينظر: الهداية ١/ ٤٧، الإنصاف ٢/ ٣٢١.
(٧) ينظر: المجموع ٤/ ٢٤٩، ٣٥٦، ٥٣١، روضة الطالبين ٢/ ٢٣.
(٨) ما بين المعكوفين في الأصل: (وما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٩) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١٠٧، شرح الزركشي ١/ ٢٧٦.
[ ٣٩٢ ]
إلى فعل الظهر، وهاهنا تعذر علينا فعل الجمعة لما ذكرنا من العذر فرجعنا إلى الظهر.
على أنه قد قيل: ليس يمتنع أن يُسقط الأضعف الأقوى، كالمقصورة من الصلوات تدفع صلاة التمام، وكذلك المسح على الخف يمنع وجوب غسل الرجلين وإن كان بدلًا ضعيفًا، وكذلك سقوط ستر العورة - وهو واجب - لأجل مداواة الطبيب للمرض، ولأجل الخيار عند أبي حنيفة - وهو سنة - (^١)، ومن لا يحسن حلق عانته (^٢)، أو كان مقطوع اليد فكشف عورته للحلاق.
وقد قال بعض أصحاب أبي حنيفة: الصلاة في أول الوقت نافلة تسقط الفريضة (^٣).
على أن العيد - وإن كانت دون الجمعة - إلا أن الصلاة في يوم [العيد] (^٤) وظيفة العيد، وإظهار الزينة والمسرّة، فأسقطنا [الاجتماع] (^٥) للجمعة لما [كان] (^٦) يتكرر في السنة، ولم نُسقط الأضعف لكونه في يومه وسلطانه، وهو [وظيفة يومه] (^٧) المختصة به.
_________________
(١) لم يظهر لي معنى هذه العبارة حتى أوثقها من مراجع الحنفيّة، ولكن قد يكون هناك سقطًا من الناسخ قبل عبارة: (ولأجل الخيار عن أبي حنيفة - وهو سنّة ـ)، ليكون معنى العبارة بعد إضافة السقط: هناك شيئًا - لم استظهره - درجته سنّة، ويسقط بالخيار عند أبي حنيفة.
(٢) العانة منبت الشّعر فوق القُبُل من المرأة، وفوق الذّكر من الرجل، والشعر النّابت عليها يقال له الشعرة والإسب، وقيل: عانة الرجل إسبه من الشّعر النَّابِت على فرجه وتصغيرها عُوَيْنة. [ينظر: تهذيب اللغة ٣/ ١٢٩، الصحاح ٦/ ٢١٦٩، المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٣٦٩].
(٣) ينظر: أصول السرخسي ١/ ٣٠، ٣١.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (الجمعة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (للاجتماع)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، ووقد أثبته ليستقيم السياق.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (وضيفة يوم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٩٣ ]
طريقة أخرى: أن الجمعة إنما فرضت على صفة تخالف سائر الأيام قصدًا لاجتماع/ الناس، ووعظهم، وإغاظة عدوهم، وتذكرهم نعم الله عليهم، ولهذا شرطت فيها الخطبة لذلك، وقصرت الصلاة، وإذا صليت العيد فقد وُجد هذا المعنى على أوفى ما يكون؛ لأنا زدنا على صلاة الركعتين التكبير الزائد، والذكر، واستوفينا الخطبتين على أكمل أحوالها، فلا يحتاج إلى التكرار في فعل ذلك، فإن المقصود قد حصل، وتكراره ربما أدى إلى الملل والسآمة، ولهذا قال بعض الصحابة: كان النبي ﵇ يتخوّلنا (^١) بالموعظة أحيانًا خيفة السآمة (^٢).
فإن قيل: فكان ينبغي أن لا يجوز فعل الجمعة لأجل ما ذكرتم.
قلنا: بل يفعلها؛ ليحضرها من يحب كثرة الطاعة، والاجتهاد في العبادة، ويتركها من هو مترف، وكسلان، وضجر، وتعب، وذو أشغال، كما يفعل النوافل بالليل والنهار من يريد الاجتهاد في العبادة، ويتركها غيرهم، فيكون الأولون أهل الفضائل، والباقون أهل المسامحة، واللطف، والمساهلة.
طريقة أخرى: أن الجمعة تسقط بمشقة السفر، والمرض، والمطر، والوحل، وغير ذلك، وفي فعلها مع صلاة العيد مشقة تضاهي ذلك، أو تزيد عليه؛ فإن الناس يبكرون لصلاة العيد، ويجتمعون من أطراف البلد وسواده (^٣)، ثم يجلسون للصلاة، وسماع الخطبة، ثم يعودون إلى بيوتهم، فإنه إن كان فطرًا فنفوسهم تائقة إلى الطعام والشراب، وإن كان أضحى
_________________
(١) التخوّلُ: التعهُّد، وتخوَّلهم بالموعظة، إذا تعاهدهم بها. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ١٠٥٦، تهذيب اللغة ٧/ ٢٢٩، الصحاح ٤/ ١٦٩٠].
(٢) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ١/ ٢٥، ح ٦٨، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار ٤/ ٢١٧٢، ح ٢٨٢١ من حديث ابن مسعود.
(٣) السواد: ما حول كل مدينة من القرى. [ينظر: الصحاح ٢/ ٤٩٢، مشارق الأنوار ٢/ ٢٢٩].
[ ٣٩٤ ]
فقلوبهم مشتغلة بالتضحية، والطبخ، وغير ذلك، فإن أمرناهم بالعود ففي ذلك من المشقة والضجر ما يزيد على فعل المسافر وهو في البلد قد حط رحله، وأقام يومه، ويزيد على المشي في الوحل وتغسيل رجله، وإن مُنعوا/ من الانصراف إلى بيوتهم حتى يصلوا الجمعة كان ما يلحقهم من المشقة والضجر أوفر وأعظم.
ومعلوم أن الرسول ﵇ قال: «إذا حضرت الصلاة والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء» (^١)، فأباح لهم ترك الجماعة لأجل العَشاء ووقتها قصير، فكيف يقعد الناس من بكرة يوم العيد وإلى العصر، أو قريب منه لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينظرون بيوتهم، وصبيانهم، وعيالهم، وفي ذلك أعظم الحرج، وقد قال - تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢)، فكان الأحسن من لطائف الشرع ومسامحته أن يبيح لهم الانصراف إلى منازلهم، والاشتغال بمصالحهم، وأن يصلوا الظهر في محالّهم تخفيفًا، لتتم لهم أفراح عيدهم، والأعياد للفرح، والرفاهة، وكل منصف إذا رجع إلى عقله، وترك العصبية والهوى علم أن ما ذهبنا إليه أليق بمحاسن الشرع ولطفه مما ذهب إليه خصومنا.
ولا يلزم على ما ذكرنا أن يقال: فقد نرى من الناس من يسهل عليه العود إلى الجمعة وقد قال الرسول ﵇: «وإنا مجمعون إن شاء الله» (^٣)، لأنا لا نمنع من أراد الجهاد في الله بصيام النهار، وقيام الليل، والحج ماشيًا، والجهاد [متبرعًا] (^٤)، وصدقة ماله من الطاعة، وإنا نقول له: الله - تعالى - ما أوجب [عليك] (^٥) [ذلك، فإن تطوعت به آجرك الله - سبحانه ـ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه ٧/ ٨٣، ح ٥٤٦٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٣٩٢، ح ٥٥٨ من حديث عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء، فابدءوا بالعشاء».
(٢) الحَجّ: ٧٨.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (متفرعًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ٢/ ٥٩٩.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (عليه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٩٥ ]
وأجزل ثوابك، وإن] (^١) تركته فلا شيء عليك، وكذلك نقول له في مسألتنا، ولا فرق.
ولأن من جعل الخطبتين في الجمعة قائمة مقام الركعتين أسقط شطر الجمعة بما ليس من صلاة - وهي الخطبتان - تخفيفًا عن المكلفين؛ لئلا يجتمع عليهم خطبتان وصلاة تامة، فلأن يسقط الاجتماع لصلاتين بأربع خطب في يوم واحد - وهو يوم مسرة، وأكل، وشرب/ على ما بيناه - أولى.
فإن قيل: إذا تقابل في يوم العيد هذان الاجتماعان، وكانا من جنسين مختلفين، لم يسقط أحدهما الآخر، بدليل أن الجماعة قبل الجمعة وبعدها واجبة لا تسقط عندكم في صلاة فجر يوم العيد، ولا صلاة عصره، ولا مغربه، ولا عشائه، كذلك العيد والجمعة مع اختلافهما، واختلاف وقتهما.
قلنا: أما الجماعات فلكلِّ دربٍ مسجد، فلا [تعسف] (^٢) في الاجتماع غالبًا، فأما الجامع فإنه يبعد عن منازل الناس غالبًا، فيحتاجون إلى الاجتماع إليه، والسعي من الأقطار المتباعدة؛ ولهذا سقط عندكم (^٣) عن أهل الرستاق (^٤)، ولم يسقط عن أهل المصر للمعنى الذي ذكرنا، كذلك هاهنا.
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٥)، ولم يفرق، وبقول النبي ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة» (^٦)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أتممته من الانتصار ٢/ ٥٩٩.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (يعسف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) للشافعية تفصيل في المسألة، وهو: أنّ أهل البلد لا تسقط عنهم الجمعة، أما أهل القرى إذا صلوا العيد سقطت عنهم الجمعة. [ينظر: الأم ١/ ٢٣٩، حلية العلماء ٣/ ٢٦٦].
(٤) الرُستاقُ فارسيّ معرّب، ويقال: رُزْداقٌ ورُسْداقٌ، والجمع، الرساتيق، وهي: السواد، ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم، أو القرية. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٨١، المصباح المنير ١/ ٢٢٦].
(٥) الجُمُعَة: ٩.
(٦) تقدم تخريجه.
[ ٣٩٦ ]
وقوله ﵇: «إن الله فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة» (^١)، فهذا عام، فمن خصَّه فعليه الدليل.
والفقه فيه: أن الجمعة صلاة يجب فعلها يوم الجمعة، فلم تسقط بفعل العيد، دليله صلاة [العيد] (^٢).
أو نقول: صلاة تجب في غير يوم العيد، فلا تسقط بالعيد، دليله الأصل.
أو نقول: صلاة تجب بزوال الشمس، فلا تسقطها صلاة وجبت قبل الزوال، كالظهر مع الفجر لا تسقطها، كذلك العيد معها.
قالوا: ولأن كل من لزمه فعل الجمعة إذا لم يصلِّ العيد لزمه فعلها وإن صلّى، كالإمام، فقد نصَّ أحمد عليه (^٣)؛ ولأنه لو جاز أن تسقط الجمعة بالعيد جاز أن تسقط العيد بالجمعة؛ ولأن من يلزمه فرض الجمعة إذا حضرها، كذلك وإن لم يحضرها، دليله من لم يصلِّ العيد؛ ولأنه لو قام/ حضور العيد مقام الجمعة لعملت عمل الجمعة في إسقاط الظهر، كالمقصورة مع التّامة، والجمعة مع الظهر، لمَّا قامت مقام غيرها أسقطت وجوب ذلك الغير رأسًا، وهاهنا لا يسقط الظهر، ولأنه لو سقطت عنه الجمعة لجاز له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام، كالعبد والمسافر، فلما لم يجز ذلك دلَّ على بطلان ما قلتم.
الجواب عن الآية والخبر: أنها عامة، وأخبارنا خاصة، فنخصص بها، كما [خصصتموها] (^٤) على من ليس بمسافرٍ، ولا مريضٍ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وتقدم نحوه من حديث جابر.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (العصر)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ٢/ ٦٠٠.
(٣) ينظر: الانتصار ٢/ ٥٩٠، الإنصاف ٢/ ٤٠٤، المبدع ٢/ ١٦٧.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (خصصتمونا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٣٩٧ ]
أما قولهم: إنها صلاة تجب يوم الجمعة.
قلنا: إن أردتّم يجب فعلها في يوم الجمعة على من صلّى العيد، فلا نُسلّم، وإن أردتم على من لم يصلِّ العيد، فلا يصح قولكم: فلِمَ تسقط بفعل العيد.
وقولهم: صلاة تجب في غير يوم العيد؛ فغير ممتنع أن تجب في غير يوم العيد وتسقط بفعل العيد، كالظهر يجب في كل يوم ويسقط بفعل صلاة الجمعة.
وقد قال بعض أصحابنا (^١): ما سقطت بالصلاة، [بل] (^٢) بالمشقة اللاحقة باستئناف سعيٍ آخر في يوم جعل للمسّرة ودعوة الله - سبحانه ـ؛ يوضح هذا أن من صلى العيد في بيته فرادى لا تسقط عنه الجمعة، والمعنى في العصر والظهر أنه لا يشق فعلها في بيته، أو في مسجد دربه، وصلاة الجمعة يشق عليه فعلها على ما تقدم بيانه.
وأما قولهم: إن كل من لزمه فعل الجمعة إذا لم يصلِّ العيد؛ لزمه وإن صلَّى.
قلنا: لِمَ قلتم هذا؟ وإذا صلَّى فقد وجد في حقه من العذر ما يرخص له به في الترك، بخلاف من لم يصلِّ.
وأما الإمام؛ فلا نسلم في رواية (^٣)، وقد دلَّ عليه/ حديث ابن الزبير، وإن سلّمنا فإنّ في إسقاطها عن الإمام إسقاط صلاة الجمعة عن من لم يصلِّ، ومن يريد الفضيلة والتعبد؛ لأنهم لا يجدون من يصلي بهم، بخلاف بقية الناس.
وقال بعض أصحابنا (^٤): إن كان للإمام من يستخلفه بعد صلاة العيد
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ٥٩٧.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (لأن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) تقدّم توثيق ذلك.
(٤) ينظر: الإنصاف ٢/ ٤٠٤، المبدع ٢/ ١٦٨.
[ ٣٩٨ ]
جاز له الاستخلاف في الجمعة، وسقط عنه الخروج إليها كسائر المأمومين، وإنما إذا لم يحضره من يستخلفه لزمه الخروج لأجل غيره، وذلك أن في الناس من لا يحضر العيد لكونها سنة عنده، أو فرضًا على الكفاية.
وغير ممتنع أن يلزم الإنسان لغيره ما لا يلزمه في نفسه، كالمحرم للمرأة يخرج معها في الحج، وفي التغريب لأجلها، لا لأجل نفسه، فهو عقوبة للمرأة أو عبادة، وخروجه حفظًا لها وحياطة، ونفقته عليها، أو على بيت المال في الحدِّ على احتمال في المذهب (^١).
وقولهم: فينبغي أن تسقط الجمعة العيد.
قلنا: إن قدم صلاة الجمعة في الوقت الذي نصلي [فيه] (^٢) العيد، وصلاها سقط عنه صلاة العيد، ثم كيف يصح هذا منكم؟ وبدخول وقت الجمعة عندكم يخرج وقت صلاة العيد (^٣)، فلا يبقى فعل عيد تسقطه الجمعة، على أنا نقول: لِمَ قلتم هذا؟ ونحن نرى الجمعة تسقط الظهر، والظهر لا يسقط الجمعة.
وأما قولهم: إنه يلزمه فرض الجمعة إذا حضرها.
قلنا: يلزم عليه المريض، والمسافر، والعبد، إذا حضروا لزمهم فعل الجمعة، ولا يلزمهم إذا لم يحضروا، وكذلك من لا تلزمه الجمعة من غير أهل المصر، والمعنى في الأصل أنه لا مشقة في حقه، أو أنه لم يأخذ حظَّه من سماع الذكر، والموعظة، والتعب في الطاعة، بخلاف مسألتنا.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١٠/ ١٧٤، المبدع ٩/ ٦٥.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٧٦، ٢٦٨، الاستذكار ١/ ٢٥٠، ٢٥١، المجموع ٥/ ٤، ٥١١.
[ ٣٩٩ ]
وقولهم: إنه كان ينبغي أن تُسقط الظهر، كالمقصورة مع التامة.
قلنا: قد بيَّنا أنها ما أسقطت الجمعة، لكن الذي أسقطت/ حضورها، فكان عليه ما على من سقط عنه حضور الجمعة من أهل الأعذار، لم يسقط أصل صلاة الوقت، وهي الظهر، وسقط عنهم حضور الجمعة لأجل العذر، وها هنا المشقة هي العذر المسقط للحضور.
وقولهم: كان ينبغي أن يجوز له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام.
قلنا: كذا نقول (^١).
_________________
(١) ينظر: الانتصار ٢/ ٦٠٢، الإنصاف ٢/ ٣٧٢.
[ ٤٠٠ ]