وظيفة الرأس مسح جميعه، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^١)، اختارها عامة الأصحاب (^٢)، وهي قول مالك (^٣)، وداود (^٤)، والمزني (^٥) (^٦).
والثانية: لا يجب الاستيعاب (^٧)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي إلا أنهم اختلفوا؛ فقال أبو حنيفة في رواية: يجب مسح ربعه. وفي رواية: قدر الناصية. وفي رواية: ثلاثة أصابع (^٨). وقال بعض الشافعية: ما يقع عليه [اسم] (^٩) المسح. وبعضهم قال: ثلاث شعرات (^١٠). وبعضهم قال: ما يتعلق به حكم الموضحة (^١١).
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٦، الروايتين والوجهين ١/ ٧٢، الجامع الصغير ص ٢٤.
(٢) ينظر: الهداية ١/ ١٤، الكافي ١/ ٢٩، شرح الزركشي ١/ ١٩٠.
(٣) ينظر: الاستذكار ٢/ ٣٠، الذخيرة ١/ ٢٥٩.
(٤) المشهور عن داود استحباب مسح جميع الرأس، والواجب ما يقع عليه اسم المسح. [ينظر: المحلى ١/ ٢٩٥]. ومن أصحاب داود من قال بوجوبه. [ينظر: الاستذكار ٢/ ٣٤].
(٥) إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم، الفقيه أبو إبراهيم المزني المصري، صاحب الشافعي، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وصنف كتبًا كثيرة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختصر المختصر. وهو الذي غسّل الشافعي، واتفقوا على أنه أزهد أهل العلم بمصر في زمانه، وأحسنهم ديانة، وكان الشافعي يخصه بما لا يخص به غيره، قال الذهبي: كان رأسًا في الفقه، ولم يكن له معرفة بالحديث كما ينبغي. مات سنة ٢٦٤ هـ. [ينظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ١/ ٤٢٩، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩٧، تاريخ الإسلام ٦/ ٢٩٩].
(٦) ينظر: المجموع ١/ ٣٩٩.
(٧) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٦، الروايتين والوجهين ١/ ٧٢، الإنصاف ١/ ١٦١.
(٨) ينظر: المبسوط ١/ ٦٣، بدائع الصنائع ١/ ٤، حاشية ابن عابدين ١/ ٩٩.
(٩) ما بين المعكوفين في الأصل: (الاسم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(١٠) ينظر: الأم ١/ ٢٦، المجموع ١/ ٣٩٩، روضة الطالبين ١/ ٥٣، مغني المحتاج ١/ ٥٣.
(١١) لم أقف على هذا القول في كتب الشافعيّة، لكنِّي وجدتُ أن بعض الحنابلة قد نسب هذا القول للشافعيّة، منهم أبو المواهب العكبري في رؤوس المسائل الخلافيّة بين جمهور الفقهاء ١/ ٢٨.
[ ١٣١ ]
الأوّلة:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (^١) فعلّق المسح بالرأس، والرأس في اللغة عبارة عن الجملة المعروفة، وهو ما ترأس وعلا، ولا [يسمى] (^٢) / بعضه رأسًا؛ لأن كل جزء له اسم يخصه، الناصية، والقَذال (^٣)، والهامة (^٤)، والفَوْدَان (^٥)، واليافوخ (^٦)، وغير ذلك، كما في الوجه: الخدان والأنف، والفم، والعين، فلا يسمَّى الخد، أو الأنف وجهًا، كذلك لا يسمَّى البعض رأسًا، فيجب مسحه كله.
فإن قيل: فالبعض يسمَّى رأسًا بدليل أنه إذا قُبِّل موضع من رأسه قيل: قد قُبِّل رأس فلان، وكذلك إذا أوضحه، أو شجه في موضع منه قيل: أوضح رأسه، وشجه.
قلنا: البعض لا يسمَّى رأسًا حقيقة، ولهذا يقال: ليس هذا الرأس، هذا بعضه، كما يقال: ليس هذا الوجه، هذا الخد، أو العين، فأما المستشهَد به فإنما سُمي بذلك للعرف القائم بين الناس، وأنه إذا قبّل موضعًا قيل: قبّل رأسه، وكذلك إذا أوضح موضعًا، ولأن القُبْلَة، والإيضاح لا تُمكن في جميع الرأس، فلهذا حمل على البعض، ولا عرف بيننا وبينه - سبحانه - في المسح، ويمكن استيعاب الجميع، فوجب حمله عليه.
_________________
(١) المَائدة: ٦.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (سيما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) القَذَال: مؤخر الرأس فوق فأس القفا، والجميع القُذُل، والعدد أقذِلة. [ينظر: تهذيب اللغة ٩/ ٧٤، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٣٤٦].
(٤) الهامة: الرأس، والجمع هام، وقيل: الهامة: ما بين حرفي الرأس، وقيل: هي وسط الرأس ومعظمه من كل شيء، وقيل: من ذوات الأرواح خاصة. [ينظر: الصحاح ٥/ ٢٠٦٣، المحكم والمحيط الأعظم ٤/ ٤٤١].
(٥) الفَوْد: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن. وفَوْدا الرأس: ناحيتاه، والجمع أفواد، يقال: بدا الشيب بفَوْديه، قال ابن السكيت: إذا كان للرجل ضفيرتان يقال: لفلان فَوْدان. [ينظر: الصحاح ٢/ ٥٢٠، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٤٣٩].
(٦) اليافوخ: حيث التقى عظم مقدم الرأس وعظم مؤخره، وقيل: هو ما بين الهامة والجبهة. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٥/ ٢٣٩].
[ ١٣٢ ]
جواب آخر: لو سُمي كل جزء رأسًا، فتعلق الحكم باسم مطلق يعم الجميع، كما لو قال: اقطعوا سُرّاقكم، وحُدّوا زُناكم، عمَّ جميعهم، كذا ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (^١) يعم جميع ما يسمَّى رأسًا.
فإن قيل: إلا أنه قد أدخل الباء في الكلام، والباء إذا دخلت في الكلام المستقل بنفسه مع عدمها أفادت التبعيض، كما قال: مسحت برأس اليتيم، وبالمنديل، وأخذت بقميص فلان، وبزمام الناقة.
قلنا: لا يُعرَف عن أحد من أهل اللغة أنه قال: الباء للتبعيض، قال أبو بكر عبد العزيز:/ سألت أبا بكر ابن دريد (^٢)، وأبا عبد الله ابن عرفة (^٣)، وأبا محمد جعفر بن محمد (^٤)، عن الباء تُبعِّض؟ فقالوا: لا نعرف في اللغة أنها تُبعِّض، وإنما جعلت للخفض، وتحسين الكلام (^٥).
_________________
(١) المَائدة: ٦.
(٢) محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، أبو بكر الأزدي البصري، نزيل بغداد، ولد في سنة ٢٢٣ هـ، كان واسع الحفظ، رأسًا في العربية وأشعار العرب، كان يقال: ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء. وله شعر كثير وتصانيف مشهورة منها: كتاب الجمهرة، وكتاب الأمالي، وكتاب اشتقاق أسماء القبائل، وغيرها. مات سنة ٣٢١ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٥٩٤، تاريخ الإسلام ٧/ ٤٤٦].
(٣) إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، أبو عبد الله، العتكي، الأزدي، الواسطي، الملقب نفطويه، النحوي، ولد سنة ٢٤٤ هـ، كان يحفظ نقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرمة، أخذ العربية عن ثعلب، والمبرد، ومحمد بن الجهم، وخلط نحو الكوفيين بنحو البصريين، وتفقه على مذهب داود ورأس فيه، وكان دينًا ذا سنة ومروءة وفتوة، وكَيْسٍ، وحُسن خلق، صنف غريب القرآن، والمقنع في النحو، وكتاب البارع، وتاريخ الخلفاء، وغير ذلك، وله شعر رائق. مات سنة ٣٢٣ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٧/ ٩٣، تاريخ الإسلام ٧/ ٤٧٢].
(٤) جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، أبو بكر الفِرْيابيّ، الحافظ، المصنّف، تركيّ الأصل، أحد أوعية العِلم والفهم، ثقة حجة، تولى القضاء، وأحد شيوخ أبي بكر عبد العزيز، ولد سنة ٢٠٧ هـ ومات سنة ٣٠١ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٧/ ٣١، الوافي بالوفيات ٤/ ٣٥، الأعلام للزركلي ٢/ ١٢٧].
(٥) ذكر تلك الرواية غير واحد، ولم يذكر أحد منهم جعفر بن محمد، وإنما ذكروا ابن دريد، وابن عرفة فقط. [ينظر: شرح الزركشي ١/ ١٩٠].
[ ١٣٣ ]
وقيل: تدخل للإلصاق، يقال: أسندت ظهري بظهره، وكتبت بالقلم.
وقيل: هي للاختلاط، يقال: خلطت الماء باللبن، والدراهم بالدنانير (^١).
فإن قيل: فقد روي عن الشافعي: أنها للتبعيض (^٢).
قلنا: لا يُعرَف هذا اللفظ عنه، وإنما قال: يجزئ مسح بعض الرأس. فحمله بعضهم على أنه قال: الباء للتبعيض. ولو قدِّر أنه قاله فلا يعارض قولُه قولَ من حكينا عنه.
والذي يدل على أنها ليست للتبعيض: قوله - تعالى ـ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٥).
وقولهم: استعنت بالله، وتزوجت بامرأة، وجُشت بصدره، وما أنت بصديق.
وقال الشاعر (^٦):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . … نضرب بالسيف ونرجو بالفرج (^٧)
كل هذا يستقل بنفسه مع إسقاطها ولا تفيد التبعيض.
_________________
(١) ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني ص ٣٦، وقد ذكر أن للباء ثلاثة عشر معنى.
(٢) ينظر: الحاوي الكبير ١/ ١١٥، المجموع ١/ ٤٠٠. قال ابن جنّي: «فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي عنه من أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أصحابُنا ولا ورد به ثبت». [ينظر: صناعة الإعراب ١/ ١٢٣]. وأيّده أبو المعالي الجويني - من أئمة الشافعيّة - فقال: هذا خلف من الكلام لا حاصل له. [ينظر: البرهان ١/ ١٣٦].
(٣) النِّساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٤) المؤمنون: ٢٠.
(٥) يُوسُف: ١٧.
(٦) النابغة الجعديّ.
(٧) هذا عجز البيت، وصدره: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج. [ينظر: أدب الكاتب لابن قتيبة ص ٥٢٢، المنتخب من كلام العرب ص ٧١١، الإبانة للصحاري ١/ ٣٠٤، درة الغواص للحريري ص ٢٤].
[ ١٣٤ ]
فأما ما ذكروه فإنما حمل على البعض لقرينة، وهو أن القصد من مسح رأس اليتيم الحنو والشفقة، والمسح بالمنديل قصده تنشيف يده، والقصد من أخذه بقميص فلان إمساكه والتلبب (^١) به، وكذا في قولهم: أخذت بزمام الناقة؛ قصده أن يقودها، بخلاف مسألتنا فإن القصد مسح الرأس الحقيقي، يدل عليه أنه لو أسقط الناس جميع ذلك فقال: مسح رأس اليتيم، وأخذ زمام الناقة، عقل ما ذكرناه.
فإن قيل: فأي فائدة في إدخال الباء في قوله - تعالى ـ: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (^٢).
قلنا: فائدتها ما ذكرنا من الخفض، وتحسين الكلام، أو الإلصاق فكأنه/ أمر أن يلصق المسح بالرأس، فعلى هذا يجب أن يعم ما يسمَّى رأسًا حقيقة، ولا يعدل عنه.
جواب آخر: أنه لو أريد بالرأس البعض لما حسُن تأكيده بألفاظ الاستغراق، ومعلوم أنه يحسن أن تقول: امسح برأسك كله، وجميعه، ولو قال: امسح ببعض رأسك كله، أو جميعه، لكان عيًّا، ولُكنة (^٣)، وقبحًا في القول.
جواب آخر: لو لم يرد الجميع لما حسن الاستثناء، فتقول: امسح برأسك إلا ثلثه، إلا ربعه، إلا الناصية، إلا اليافوخ، كما لا يحسن أن تقول: امسح بعض رأسك إلا ثلثه، إلا ربعه.
فإن قيل: إنما حسن الاستثناء والتأكيد؛ لأن اسم الرأس يصلح للجميع، فمتى استثنى أو أكد علمنا أنه أراد الجميع، ومتى خلا من ذلك جاز حمله على البعض لما ذكرنا.
_________________
(١) لبَبَت الرجل ولبَّبْته، إذا جعلت في عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. وأخذت بتلبيب فلان، إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره. والتلبيب: مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل. [ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٢٣].
(٢) المَائدة: ٦.
(٣) اللُّكْنَة: عُجمة في اللسان وعِيّ، وهي: أن تعترض على كلام المتكلم اللغةُ الأعجمية. [ينظر: تهذيب اللغة ١٠/ ١٣٨، الصحاح ٦/ ٢١٩٦].
[ ١٣٥ ]
قلنا: هذا قول من زعم أنه لا صيغة للعموم، فإذا قلنا: فلِمَ نؤكد ونستثني فيه؟ قالوا: لأنه لا يصلح لذلك، وقد أفسدنا هذا واتفقنا أن ألفاظ الجميع من: كل، وجميع؛ تقتضي الاستغراق حقيقة، والدليل على ذلك: أنه لا يحسن أن يدخل تحته كل رجل أشرت إليه وزيد فيهم، فبطل أن يدخل التأكيد والاستثناء على ما يصلح مجازًا.
جواب آخر: لو ثبت أن الآية تحتمل البعض، وتحتمل الجميع صارت مجملة فيجب أن يرجع في البيان إلى الرسول ﵇، وقد روى مالك بن أنس وذكره البخاري (^١) في «صحيحه» (^٢) بإسناده عن عمرو بن أبي حسن (^٣)، أنه سأل عبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - صلَّى الله عليه ـ/ يتوضأ. فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء، فأفرغ على يديه، وذكر الخبر إلى قوله: ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (^٤). وهذا الخبر كفلق الصبح في البيان.
_________________
(١) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، حبر الإسلام، والحافظ لحديث رسول الله ﷺ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بـ (صحيح البخاري)، والتاريخ، والضعفاء في رجال الحديث، وخلق أفعال العباد، والأدب المفرد، ولد في بخارى سنة ١٩٤ هـ ونشأ يتيمًا، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، مات سنة ٢٥٦ هـ[ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٢٢، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١، الأعلام للزركلي ٦/ ٣٤].
(٢) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قال البخاري: «أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مائة ألف حديث. وقال: ما وضعت فيه حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين». وقال: «ما أدخلت فيه إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول». وهو أول من وضع في الإسلام كتابًا على هذا النحو، وكتابه في الحديث أصح كتاب بعد كتاب الله - تعالى ـ. [ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٨].
(٣) عمرو بن أبي حسن، الأنصاري، أخو عمارة، ذكر أبو موسى المديني، عن سعيد بن يعقوب أنه ذكره في الصحابة. بهذا القدر تكلّم عنه من ترجم له - فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٧١٢، الإصابة ٤/ ٥١٢].
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١٣٦ ]
فإن قيل: يحتمل أنّه بين بذلك الاستحباب بدليل ما روي عنه ﵇ «أنه توضأ فمسح بناصيته» (^١)، وهي مقدم الرأس.
قلنا: ما خرج مخرج البيان من فعله في أمر واجب يقتضي الوجوب، إلا ما خرج بدليل، فأما خبر الناصية فلا حجة فيه؛ لأنه روي فيه أنه مسح بناصيته وعمامته، فيحتمل أنه كان برأسه عذر فمسح بالناصية، وتمم المسح بالعمامة، وذلك يجزئ عندنا (^٢)، على أن الناصية عبارة عن الجملة قال - تعالى ـ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ (^٣)، وتقول: عندي عشرة نواص من الخيل، كما تقول: عندي عشرة رؤوس من الخيل.
والفقه في المسألة: أنا نقول: عضو غير محدود في الطهارة فوجب استيعابه، دليله الوجه، وهذا صحيح فإنّ غسل الوجه إما أن يكون في الاستيعاب لأنه أمر بتطهيره مطلقًا، [أو] (^٤) لأنه مغسول فقوي حكمه فعمّ، فأما الأول فهو قولنا، وأما الثاني فباطل باليدين والرجلين مغسولة ولا يجب [استيعابها] (^٥)، والوجه في التيمم ممسوح ويجب استيعابه.
وتحقيق هذه الطريقة: أن الله - تعالى - علّق الطهارة بالأعضاء على وجهين؛ أحدهما: تعليق مقترن بالتحديد في اليدين والرجلين، والثاني: تعليق مطلق على التحديد وهو الوجه والرأس، فلا يخلو الغرض في/ التحديد أن يكون المراد به الاحتياط، أو قطع التوهم في ظن الزائد، وبيان الاكتفاء بدون التسمية المشتركة في العموم، لا جائز أن يكون لأجل الاحتياط؛ فإنه في الوجه بالعكس، فإنا أوجبنا الإيعاب لعدم التحديد، ولأنه كان الاحتياط في البدن الاستغراق، وكان التحديد لضدِّه،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٣١، ح ٢٧٤/ ٨٣ من حديث المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين.
(٢) ينظر: الكافي ١/ ٤٠.
(٣) الرَّحمن: ٤١.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (و)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (استيعابه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١٣٧ ]
ولأن التقييد للتخصيص في وضع اللغة على خلاف الإطلاق، لم يبق إلا أن يكون أراد به قطع التوهم في وجوب الزيادة المشتركة في الاسم والاكتفاء بدون الكل، وإذا كان كذلك فالرأس أزيل عنه التحديد فاقتضى الاستغراق.
طريقة أخرى: أنه عضو من أعضاء الطهارة فلم يجزئ فيه ما يقع عليه الاسم، ولا [الثلاثة] (^١) أصابع، أو الأربع، دليله بقية الأعضاء، وهذا صحيح فإن أعضاء الطهارة على ضربين؛ ضرب يجب استيعابه [وهو الوجه والرأس، وضرب لا يجب استيعابه] (^٢) وهو اليدان والرجلان، ثم الجميع لا يجزئ فيها ما ذكرتم، وكذلك الطهارة تحصل بمسح وغسل، والممسوح في الطهارة لا يتقدر بذلك، دليله التيمم، والجبيرة (^٣)، و[المغسول] (^٤) لا يتقدر بذلك، دليله بقية الأعضاء.
فإن قيل: هذا قياس شبه عضو بعضو، ومبنى الأعضاء على الاختلاف.
قلنا: الحكم تعلق بهذه الأعضاء [تعلقًا واحدًا] (^٥)، ومقصودها واحد، فهي تقتضي التساوي في الحكم من الاستيعاب، والغسل، إلا أن يخص بعضها دليل، وليس هذا بدون قياس الصحابة ﵃ في الجد أنه لما أسقط الابن ابنَ الابن، كذا يسقط أبو الأب ابنَ الابن، وقياسهم الأصابع على الأسنان، والإخوة بالشجرة والجداول (^٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثلاث)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبتُه ليستقيم الكلام.
(٣) وقد تقرأ - أيضًا - في المخطوط: (الخبرة).
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (المعول)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (تعلق واحد)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٦) احتج القائلون بتوريث الإخوة الأشقاء والإخوة من الأب مع الجدّ بقياسهم على (الشجرة والجداول)، فقالوا نشبِّه الجدّ بالبحر أو النهر الكبير، والأب بالخليج، والميت وإخوته بالساقيتين من الخليج، ولا شك أن الساقية إلى الساقية أقرب منها إلى البحر، فإنه إذا سُدّت إحداهما أخذت الأخرى ماءها ولم يرجع للبحر. وكذلك قالوا: نُشبِّه الجدّ بساق الشجرة وأصلها، والأب بغصن منها، والإخوة بفروع من ذلك الغصن، ولا شك أن أحد الفرعين أقرب إلى الآخر منه إلى أصل الشجرة، فإذا قُطع أحدهما امتصّ الآخر ما كان يمتصّه المقطوع، ولم يرجع للساق. [ينظر: العذب الفائض ١/ ١٠٦].
[ ١٣٨ ]
وأقوى من هذا قياس صاحب الشريعة - صلَّى الله عليه - قضاء الحج بقضاء الدين بقوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين» (^١). وقياسه/ قبلة الصائم على المضمضة (^٢)، وأمثال ذلك يطول ذكرها.
طريقة أخرى: أن الطهارة وإن شرعت حكمية إلا أن المعقول من مقصودها التنظيف [والتزين] (^٣) للمقام بين يدي الله ﷿، قال - تعالى ـ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (^٤)، وقال - تعالى ـ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، والرجل يحج عن المرأة ٣/ ١٨، ح ١٨٥٢ من حديث ابن عباس ﵄، أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء».
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب القبلة للصائم ٢/ ٣١١، ح ٢٣٨٥ من حديث عمر بن الخطاب قال: هششت، فقبلت وأنا صائم، فقلتُ: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبّلتُ، وأنا صائم، قال: «أرأيت لو مضمضت من الماء، وأنت صائم» قلت: لا بأس به؟ قال: «فمه». قال ابن المديني: لا أحفظه إلا من هذا الوجه، وهو حديث مصري، يرجع إلى أهل المدينة، وهو إسناد حسن. وضعفه أحمد، وقال: هذا ريح، ليس من هذا شيء. وقال النسائي: حديث منكر. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن عبد الهادي: إنما ضعف الإمام أحمد هذا الحديث وأنكره النسائي مع أن رواته صادقون، لأن الثابت عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن القبلة للصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم. فقال: من ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ. وقال ابن كثير: إسناده حسن. وقال ابن حجر: حديث حسن. [ينظر: السنن الكبرى للنسائي ٣/ ٢٩٣، المستدرك ١/ ٥٩٦، تنقيح التحقيق ٣/ ٢٣٦، مسند الفاروق ١/ ٤١٧، موافقة الخبر الخبر ٢/ ٣٥٩].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (والدين)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) المَائدة: ٦، زاد بعده في الأصل: (به).
(٥) الأعرَاف: ٣١.
[ ١٣٩ ]
يريد عند كل صلاة، والغسل أبلغ في التنظيف، وأدخل في التزين، فلو كان المفروض من الرأس ما ذكروه لأوجب - سبحانه - غسله؛ لأنه متيسر يستعمل عادة مع غسل الوجه [للاتساع] (^١) فلما عدل عنه إلى المسح دل على أنه أراد الاستيعاب، وغسله مستوعبًا يشق؛ لأنه لا يمكن إلا بكشف الرأس، وبلِّ الثياب فجعل استيعابه بالمسح، ألا ترى أن الطهارة الكبرى لمَّا أُمِن ذلك فيها استوى الرأس مع بقية الأعضاء في الغسل.
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - «أنه مسح بناصيته» (^٢)، والناصية هي مقدم الرأس، وذلك بعضه، وروي في لفظ آخر: «أنه مسح ببعض رأسه» (^٣).
والفقه فيه: أنه مسح في طهارة لا على وجه الضرورة أشبه المسح على الخفين، وهذا لأن الله - سبحانه - خص الرأس من بين سائر الأعضاء المغسولة بالمسح، ولا علّة تلوح لذلك إلا صيانته عن الغسل الذي يشق إيقاعه فيه خوف المضرة في النفس واللباس، وما يورث من الصدمات، وهذه العلة صالحة للاقتصار على البعض، ولهذه العلّة قلتم بجواز المسح على العمامة.
وقد قال بعضهم بأنه فعل يتعلق وجوبه بالرأس أشبه التقصير، فإنه لا يجب الاستيعاب فيه، ولا يلزم الكشف في الإحرام لأنه ترك للتغطية، وقد فرقت الأصول بين/ الفعل والترك، ألا ترى أن النجاسة لما كان بابها التروك وجب طهارتها في جميع الأعضاء، ووجب تركها عن جميع البدن، وطهارة الحدث لما كانت [فعلًا] (^٤) وجبت في بعضه، كذلك هاهنا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (للاستاع)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، باب المسح على الخفين ص ٦٢، ح ١٠٣ عن أبي عُبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء. ولم أقف على من تكلم عن الحكم على هذا الحديث.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (فعل)، والصحيح لغة ما أثبته.
[ ١٤٠ ]
الجواب:
أما الحديث: فالذي روي أنه مسح بناصيته وعمامته، وذلك يجوز عندنا (^١).
الثاني: أن الحديث قضية عين، وحكاية حال، فإذا احتملت وُقِفت، ووجه احتمالها أن تكون كما روي وأنه مسح ما ظهر، وتمم بالمسح على العمامة عما بطن؛ لأن ظهور بعض الرأس معتاد بخلاف ظهور بعض القدم، أو يحتمل أن الراوي ما شاهد إلا مبادأته بالمسح، فنقل ما رأى، ولم يقف حتى يرى تتمة المسح، كما لو رأى جلادَ النبي - صلَّى الله عليه - يجلد محدودًا في قذف، أو شرب فشهد جلدات فقال: جُلد الشارب بين يدي رسول الله - صلَّى الله عليه - عشر جلدات. وصدق فيما روى لكن لا يقطع بأن لم يزد عليها، ويحتمل أن يكون عبر عن جميع الرأس بالناصية، كما روي أنه أمر بجز النواصي (^٢)، يعني: حلق الرأس؛ لأنه لا يجوز أن يعود إلى بعضٍ، لأنه نهى عن القزع (^٣)، والقزع هو حلق بعض الرأس، فوُقِفت القضية لهذا التردد.
الثالث: أنه قد يعبر بالناصية عن الجملة قال الله - تعالى ـ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ (^٤)، وقول القائل: عند فلان كذا كذا ناصية من العبيد، وأراد به الجملة، ويقال: ناصية مباركة، وناصية مسومة، وغير ذلك، وإذا كان يعبر بالناصية عن الجملة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم.
وأما اللفظ الثاني فغير محفوظ، ولأنه يحتمل أن يكون مسح ببعض رأسه، وتمم على العمامة لعذر بدليل ما ذكرنا.
_________________
(١) تقدّم توثيق القول.
(٢) لم أقف عليه، ولكن روى الخلال - كما ذكر ذلك ابن القيم في أحكام أهل الذمة ٢/ ٧٤٤ - فقال: حدثنا يحيى بن جعفر بن أبي عبد الله بن الزبرقان، ثنا يحيى بن الكسر، ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: أمر عمر ﵁ أن تجزّ نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب القزع ٧/ ١٦٣، ح ٥٩٢٠، ومسلم، كتاب اللباس والزينة ٣/ ١٦٧٥، ح ٢١٢٠ من حديث ابن عمر ﵁.
(٤) الرَّحمن: ٤١.
[ ١٤١ ]
وأما قياسهم وقولهم:/ مسح في طهارة لا على وجه الضرورة، فهي لفظ يعطي ضد مقتضى الأصول؛ لأن الضرورات تفيد في الأصول ما لا تفيد المشاق، من ذلك أكل الميتات، وتجرع الخمر، وترك الوضوء، وترك القيام في الصلاة، والرخص لا تؤثر في ذلك، وأما المسح على الخفين فذلك إيراد أصل على بدل على وجه الرخصة، وهاهنا إيراد أصل على أصل فهو كالغسل.
وأما ما ذكروه من قصد التخفيف؛ فالتعبد في ذلك بعيد عن التعليل، فإن غسل الأعضاء الأربعة دون بقية البدن لا يظهر له تعليل يرضي أهل التحصيل، فكيف بإدخال مسح بين غسلين، ومخالفة ما بين الأعضاء، فإن صح ما ذكرتم فقد كفى تخفيف فرضه بالمسح عن تخفيف في المقدار، وليس من حيث دخل التخفيف في الشيء من وجه مما يدل على أنه يجب التخفيف فيه من كل وجه، ولهذا نظائر يكثر ذكرها.
على أن التخفيف بالمسح في أثر الاستنجاء، ووجه المتيمم ويديه لم يدل على [تخفيفه] (^١) بالمقدار بل وجب بالمسح استيعاب المحل الذي يستوعب بالغسل.
وأما كلامهم الآخر، وفرقهم بين التروك والأفعال، قلنا: إن التروك - أيضًا - قد لا تعمّ، والدلالة عليه أن أثر الاستنجاء لا يجب إزالته وهو من باب التروك، وبعض اللمعة من الحدث لا يعفى عنها وهي من باب الأفعال، [فأما] (^٢) النجاسة فإنما وجب تركها عن جميع الترك؛ لأنه لا مشقة في تركها؛ فإنها عين تَنْدُر ملاقاتها، والحدث لا ينفك الجسد عنه بخروج الخارج والنوم وغير ذلك، ويكثر حصوله على البدن، ألا ترى أن النجاسة التي كثرت ملاقاتها سقط إزالتها وهي محل الاستنجاء للعلة، [وألا ترى أن ترك الحجر على الوليّ في النكاح] (^٣) / دفعًا للحرج،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تحقيقه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (فإنما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد استظهرته ليستقيم الكلام.
[ ١٤٢ ]
لأن الحجر في النكاح يحرج به (^١)، ونقله إلى بلد آخر أشد في ذلك الحرج، فأما لو اختلطت أخته بعشرة من الأجانب لم يجز له التحري، بخلاف الأواني فإنه لو اختلط تسعة أوانٍ نجسة بعشرة طاهرة جاز عندكم التحري، وأيّ وقْع لزيادة هذا الإناء في جواز التحري.
فإن قيل: لأن الحكم في الشرع للأكثر، ولهذا لو غلب صدق الشاهد على أقواله سمعت شهادته (^٢)، ولو غلب كذبه لم تجز، وكذلك إذا غلب المباح في مال الرجل حلت معاملته، ولو غلب الحرام لم تحل، وكذلك إذا غلب قتلى المسلمين على قتلى المشركين جازت الصلاة عليهم، ولو غلب المشركون لم تجز الصلاة عليهم، وكذلك يجوز له الرمي إلى دار الحرب؛ لأن الغالب فيها الكفار، ولا يجوز الرمي إلى دار الإسلام؛ لأن الغالب فيها أهل الإسلام، وهذا لأن [الأصل] (^٣) في المياه الطهارة، فإذا طرأت نجاسة، وشك في مكانها احتاج إلى الاجتهاد بالعلامات على إخراج الطاهر من النجس، ثم رأينا العلامة ربما دخلها شك فقويناها بمزيد تأكيد وهو اعتبار الكثرة ليقوى الظن، وتقرب الإصابة.
قلنا: دعواكم أن الحكم للأكثر في الشرع ممنوع، ولهذا سوّت الأصول بين القليل والكثير في باب التحري في القبلة والثياب عندكم، وكذلك إذا اشتبهت أخته بعشرة أجنبيات، والصلوات في باب منع التحري.
فأما ما ذكروه من الشاهد والمال؛ فلا نسلمه، ونقول: إذا تكرر منه الكذب لم تقبل شهادته وإن كان صدقه أغلب، وقد روي عن أحمد ﵁/ أنه قال: من كذب في حديث واحد لم أقبل روايته (^٤)، وكذلك من خالط ماله الحرام لا تجوز معاملته وإن كان الحلال أكثر.
_________________
(١) يعني: يضيق به. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١/ ٤٣٥، الصحاح ٢/ ٣٢٨].
(٢) بعده في الأصل: (ولو غلب صدق الشاهد على أقواله سمعت شهادته)، وقد حذفته؛ لأنه مكرر.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته لتستقيم العبارة.
(٤) نسب القول له ابن الصلاح في علوم الحديث ص ١٦، وابن الملقن في التوضيح ٣/ ٥٤٧.
[ ١٤٣ ]
الثاني: أن هناك إذا غلب الأكثر أسقطنا حكم المغلوب رأسًا، وها هنا توجبون التحري والاجتهاد فبطل قولكم.
وأما الصلاة؛ فيصلى على الأموات بنية المسلمين سواء قلُّوا أو كثُروا.
وأما الرمي؛ فلا تعتبر الكثرة فيه، وإنما يعتبر دار الحرب، وأنها دار إباحة، ودار الإسلام دار أمان فحظر الرمي، ولهذا قال أحمد ﵀ فيما نقله بكر بن محمد (^١): إذا تَتَرَّسَ (^٢) المشركون بالمسلمين لم نرمهم إذا أمِنَّا ضررهم (^٣).
وأما قولهم: إن الأصل في الماء الطهارة؛ فهو كذلك حتى تطرأ النجاسة فيصير الأصل في الماء النجاسة.
وأما التقوية بالكثرة لغلبة الظن فغير حاصل؛ لأن زيادة إناء في الطهارة لا يؤثر بحال [في] (^٤) تقوية ظن، وربما صادف النجاسة فاستعملها.
وربما قيل: إن التحري في الإناءين أولى من التحري في كله؛ لأن الأواني إذا كثرت كان الإشكال أكثر، ولنا طهور متيقن الطهارة يجوز استعماله مع وجود الماء لنوع عذر من زيادة ثمن، أو مرض، أو خوف عطش، فلا نتركه لأمر مشكوك فيه نخاطر فيه بصلاتنا وهي عماد الدين.
_________________
(١) أبو أحمد بكر بن محمد النسائي الأصل، البغدادي المنشأ، قال الخلال: كان أبو عبد الله يقدمه ويكرمه وعنده مسائل كثيرة سمعها من أبي عبد الله. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١١٩، المقصد الأرشد ١/ ٢٨٩].
(٢) التترّس: التستر بالتُرْس، وكذلك التَتْريس، والتُّرْس من السِّلاح: المُتوقّى بها، وجمعه: أَتْراس، وتِراس، وتِرَسَة، وتُرُوس. [ينظر: الصحاح ٣/ ٩١٠، المحكم والمحيط العظم ٨/ ٤٦٦].
(٣) لم أقف على رواية النسائي، ولكن هذا القول ذكره المرداوي في الإنصاف ٤/ ١٢٩.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ١٤٤ ]
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١)، فأباح التيمم بشرط أن لا يجد الماء، وها هنا هو واجدٌ للماء.
والفقه فيه: أن اشتباه المبدل لا يبيح الانتقال إلى البدل.
أصله إذا وجبت عليه رقبة فاشتبهت بعبيد غيره، فإنه لا ينتقل إلى الصوم، وإذا اختلط دم الحيض بدم الاستحاضة لا/ يبيح الانتقال إلى الشهور، وإذا اشتبه طريق النص هل هو صحيح، أو ضعيف لم ينتقل إلى القياس.
قالوا: شرط من شرائط الصلاة يمكن الوصول إليه بالاستدلال فيجب ذلك، دليله استقبال القبلة، وستر العورة، يبين هذا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء، ولا يجوز ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس وإن كانا على السواء، كما لو كان عنده ثوبان أحدهما نجس والآخر طاهر فإنه يتحرى ويصلي كذلك ها هنا، ولأن التحري اجتهاد واستدلال وهو دليل الله ﷿ نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى أحكامه في الشرعيات، والرجوع إليه واجب في كل موضع يمكن الرجوع إليه، بدليل ما ذكرنا من الاشتباه.
الجواب:
أما الآية: فلا حجة فيها؛ لأن الواجد هو القادر على الماء، والاشتباه يعدم القدرة.
فإن قالوا: جهله بالطاهر لا يسلبه القدرة، كما قلتم في الناسي للماء في رحله (^٢).
_________________
(١) النِّساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٢) الرَحْلُ: مسكن الرجُل، وما يستصحبه من الأثاث، والرحل أيضًا: مركب للبعير والناقة، وجمعه أرحُلٌ ورِحالٌ، والرحال: الدور والمساكن والمنازل، يقال لمنزل الإنسان ومسكنه: رحله. وانتهينا إلى رحالنا: أي منازلنا. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٧٠٦، المحكم والمحيط العظم ٣/ ٣٠٠، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٢٠٩].
[ ١٤٥ ]
قلنا: قد يقال لمن كُلِّف طلب شيء وتمييزه من غيره إذا اشتبه عليه ولم يعرفه بعينه: ما وجده، ولا قدر عليه، ويخالف من نسي الماء في رحله؛ فإنه لو طلب لوجد، فإن طَلَبَ فلم يجد فقد فرّط في الطلب؛ لأن رحله تحت يده، وهو محصور معلوم لا يشق تفتيشه.
وأما القياس: فهو باطل بالإناءين إذا كان [في] (^١) أحدهما بول.
وأما الأصل فهو حجة عليه؛ لأنه لا يجوز التحري فيه، ولأن هناك يمكنه أن يعتق العبد في كفارته وإن لم يعرف عينه،/ وكذلك المعتدة، تقعد أيام أقرائها أو تميز، فإن عدمت هذين فكانت مبتدأة أو ناسية قعدت أقلّ الحيض، أو غالب عادات النساء في أول كلِّ شهر، وفي مسألتنا لا يمكنه التوصل إلى الطاهر؛ لأن العلامات ضعيفة، وقد (^٢) يصادف النجس فتفسد طهارته، وبدنه، وثيابه، فبطل ما قالوه من هذا الوجه، والله أعلم.
فإن قيل: فأليس مسائل الاجتهاد قد تفضي إلى حق، وإلى باطل، ولم يمنع ذلك من سلوك الاجتهاد طلبًا للحق، وتحريًا للصواب بطريق إما يترجح به أحد المجوّزَين ظنًا، أو غلبة ظن وإن لم يبلغ رتبة اليقين، لكن كفانا أن ترجح عندنا بالدلالة أحد المجوّزَين فنظن أنا جانبنا الباطل، وجُنِّبنا الخطأ، وكفى ذلك غاية.
قلنا: الاجتهاد الذي يشيرون إليه في الأحكام ليس من باب التحري، وإنما كان ذلك لمعنى وهو أن في مسائل الاجتهاد ليس يقع بين شيئين أحدهما محرم قطعًا، وصواب قطعًا، وإنما يكون بين جهتين يترجح الظن بينهما في الجواز والمنع، أو الصحة والفساد، وهاهنا عين يقطع على تحريمها، ويقطع بأنها لا تعمل تطهيرًا، ولا طهارة، بل توجب منعًا ونجاسة، وعين تعمل ذلك، والتحري غير موثوق به في أن يهجم بنا
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) في هذا المكان بالأصل (ربما)، وقد حذفتها مراعاة للسياق.
[ ١٤٦ ]
على العين الطاهرة المطهرة للمحل، فكان بالتحري بين التصعير والذمير (^١) أشبه، وذلك لا يجوز لعلّتي التي هي تجويز الهجوم على المحظور، كذلك ها هنا، ولا فرق.
وأما قولهم: إنه يمكن الوصول إليه؛ ممنوع، بل بالاشتباه قد تعذر الوصول.
وأما استقبال القبلة فقد تقدم جوابه، وكذلك الثياب لا يتحرى فيها بل يصلي بعدد النجس وزيادة/ صلاة.
فإن قيل: إذا قلتم: نصلي في الثوبين؛ فقد أمرتم بالصلاة مع النجاسة وذلك محرم.
قلنا: لا نسلم أن فعل الصلاة مع النجاسة في حال العذر محرم، ولهذا نجيز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره، وهل تلزمه الإعادة على روايتين (^٢)، وكذلك إذا صلى في ثوب نجس وهو لا يعلم، ثم علم أجزأته صلاته في إحدى الروايتين (^٣)، وكذلك إذا صلى في ثوب نجس ليتوصل به إلى تأدية فرضه بيقين فهو معذور، فلم يحرم عليه ذلك، وصار كما نقول في المستحاضة ومن به سلس البول: يصلي، والحدث متجدد، ولكن يجعل ذلك كأنه ليس بحدث؛ للضرورة، وكذلك من لم يجد ماء، ولا ترابًا جعل حدثه كالمعدوم في صحة صلاته؛ للضرورة.
فإن قيل: فلو كان العذر يصيّر الثوب كالطاهر، لوجب أن يكون الاشتباه يجعل الثوب النجس كالطاهر، فيصلي في أيهما شاء.
_________________
(١) التصعير: إمالة الخد عن النّظر إلى النّاس تهاونًا من كبر وعظمة. والذمير: الشجاع. [ينظر: المخصص لابن سيّده ١/ ١٣٤، تاج العروس ١١/ ٣٨٨]. ومعنى عبارة المصنِّف: التحري بين الإناءين الطاهر والنجس - بناء على مذهب المخالف ـ، إنما هو صدود عن أحد الإناءين وإقدام بشجاعة على الآخر بدون دليل.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٩٢، الإرشاد ص ٨٠.
(٣) ينظر: الإرشاد ص ٢٣.
[ ١٤٧ ]
قلنا: إنما نأمره بالصلاة ليؤدي فرضه بيقين، فحاجته دعت إلى الصلاة في الثوبين، فإذا صلى في فرد ثوب فلا حاجة إلى تجويز صلاته، وحكمنا في النجس أنه كالطاهر.
فإن قيل: لا يجعل حال الاشتباه كحال علمه، كما قلنا في الأواني فإنه إذا كان معه إناء نجس حرم عليه استعماله، ولو اشتبه عليه إناءان حرم عليه - أيضًا - الاستعمال.
قلنا: إنما قلنا ذلك في الأواني لأنا نمنع التحري، ثم لو قلنا له: توضأ بكل إناء وصلِّ، لم يكن كأنه أدى فرضه بيقين؛ لأنه ربما استعمل النجس أولًا فتنجس ثيابه وبدنه، فإذا عاد وتوضأ بالثاني لم تزُل نجاسته، بخلاف الثياب فإن فرضه بيقين يحصل/ فافترقا.
ثم يبطل أصل السؤال بمن اشتبه عليه ثوبان على وجه لا يتميز؛ فإنه يصلي عندهم عريانًا، وصلاة الإنسان [عريانًا] (^١) ومعه ثوب طاهر بيقين محرَّمٌ، فلم جوزتم ذلك؟ ولم جوزتم إذا عدم الماء، والتراب أن يصلي وحدثه قائم؟ والصلاة مع قيام الحدث محرمة، ولم جوزتم صلاة المستحاضة ودمها جارٍ؟ وذلك محرم في غير وقت الحاجة، فثبت أن الحاجة تتيح ذلك تيسيرًا من الشرع، فبطل ما قالوه، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (عريان)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ١٤٨ ]