إذا ترك صلاة الفرض عامدًا (^١) حكم بكفره، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^٢)، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد (^٣)، والقاضي (^٤)، وهي مذهب مكحول (^٥)، والحسن (^٦)، وحماد بن زيد (^٧) (^٨)،
_________________
(١) تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٥١، الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥، الإنصاف ١/ ٤٠٤.
(٣) نسب ذلك لابن شاقلا وابن حامد المرداوي في الإنصاف ١/ ٤٠٤، وابن قدامة في المغني ٢/ ٣٣٠.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الإيمان والرؤيا، بعد باب ما ذكر فيما يطوي عليه المؤمن من الخلال ٦/ ١٧١، ح ٣٠٤٣٨، وفي الإيمان ص ٤٧، ح ١٢٩ من طريق عبيد الله بن عبيد الكلاعي قال: أخذ بيدي مكحول فقال: يا أبا وهب، كيف تقول في رجل ترك صلاة مكتوبة متعمدا؟ فقلت: مؤمن عاص، فشدّ بقبضته على يدي، ثم قال: يا أبا وهب ليعظم شأن الإيمان في نفسك من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله، ومن برئت منه ذمة الله؛ فقد كفر.
(٦) لم أقف عليه، وأخرج المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب من حقوق الصلاة وآدابها ٢/ ١٠٠٠، ح ١٠٧٨ من طريق أشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدًا فإنه لا يقضيها. قال المروزي: وقول الحسن هذا يحتمل معنيين، أحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدًا فذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره. والمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفره بتركها فإنه ذهب إلى أن الله ﷿ إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به.
(٧) حماد بن زيد بن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري الأزرق الضرير الحافظ، أحد الأعلام، مولى آل جرير بن حازم، كان جده درهم من سبي سجستان، ولد سنة ٩٨ هـ، قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال أحمد: من أئمة الدنيا من أهل الدين. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة منه. وقال: ما رأيت بالبصرة أفقه منه. ما في رمضان سنة ١٧٩ هـ. [ينظر: الإرشاد للخليلي ٢/ ٤٩٨، تاريخ الإسلام ٤/ ٦٠٨].
(٨) حكي عن حماد بن زيد: إذا ترك الصلاة ما احتججت عليه. وقال: إذا ترك صلاة قتل. [ينظر: أحكام أهل الملل والردة من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٤٧٩].
[ ٤٠١ ]
وابن المبارك (^١)، ووكيع (^٢)، وخارجة بن مصعب (^٣) (^٤)، والنَّخَعي (^٥)، وأيوب السّخْتِيَاني (^٦) (^٧)،
_________________
(١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر النهي عن قتل المصلين، وإباحة قتل من لم يصل ٢/ ٩٢٥، ح ٩٧٩ من طريق يعمر بن بشر قال: سمعت عبد الله بن المبارك ﵁ قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدًا من غير عذر كفر.
(٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر النهي عن قتل المصلين، وإباحة قتل من لم يصل ٢/ ٩٢٧، ح ٩٨٤ من طريق عبد الله بن عمران الرازي، قال: قال وكيع: لو خرجت إلى صلاة الظهر ورأيت رجلًا بباب المسجد فقلت له: أصليت الظهر؟ فقال: لا، ولكن أصلي فصليت الظهر ثم خرجت فقلت: أصليت الظهر؟ فقال: لا ولكن أصلي، ثم أذنوا للعصر فخرجت إلى العصر فرأيته في موضعه جالسًا فقلت له أصليت الظهر؟ فقال: لا، ولكن أصلي فدخلت المسجد فصليت العصر، فخرجت فقلت: أصليت الظهر فقال: لا، ولكن أصلي، قال: استتبه فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال المروزي: وحكى سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه، في الرجل يحضره وقت صلاة فيقال له: صل فلا يصلي، قال: يؤمر بالصلاة ويستتاب ثلاث صلوات فإن صلى وإلا قتل.
(٣) خارجة بن مصعب بن خارجة أبو الحجاج الضبعي السرخسي، عالم أهل خراسان على لين فيه، رحل في طلب العلم وهو كبير فسمع الكثير، مات في ذي القعدة سنة ١٦٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٣٤٨].
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه، وقال ابن عبد البر: وقال إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: من ترك صلاة واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها لغير عذر وأبى من قضائها وأدائها، وقال: لا أصلي، فهو كافر ودمه وماله حلال ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وحكم ماله ما وصفنا كحكم مال المرتد. [ينظر: التمهيد ٤/ ٢٢٥].
(٦) أيوب بن أبي تميمة - كيسان - السختياني أبو بكر البصري، أحد الأعلام، من نجباء الموالي، قال شعبة: كان سيد الفقهاء. حج أيوب أربعين حجة، وكان يقول: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة، فكأنما أفقد بعض أعضائي. وكان زاهدًا يخفي زهده، مات في طاعون البصرة الذي كان في سنة ١٣١ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٦١٨].
(٧) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر النهي عن قتل المصلين، وإباحة قتل من لم يصل ٢/ ٩٢٥، ح ٩٧٨ من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه.
[ ٤٠٢ ]
والشعبي (^١)، والأوزاعي (^٢)، ومحمد الحسن (^٣)، وإسحاق بن راهويه (^٤)، وأحمد بن سيَّار (^٥) (^٦)، وقتيبة بن سعيد (^٧) (^٨)، وسليمان بن داود (^٩) (^١٠)، وأبي خيثمة (^١١) (^١٢)،
_________________
(١) نسب ذلك له ابن قدامة في المغني ٢/ ٣٣٠.
(٢) أخرجه حرب في المسائل، باب من يقول: أنا لا أصلي ص ٤٩٤، ح ١٠٦١ من طريق أبي مسلم الفزاري، قال: سمعت الأوزاعي - وسئل عن رجل قال: أنا أعلم أن الصلاة حق، ولا أصلي - قال: «يعرض على السيف، فإن صلى؛ وإلا قتل».
(٣) نسب هذا القول له أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٦٠٤، وقال: «فيما رواه عنه موسى بن سليمان الجوزجاني: أنه إذا قيل له: صلِّ، فقال: لا أصلي؛ فهو كافر».
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٣٣٠، التمهيد ٤/ ٢٢٥.
(٥) أحمد بن سيار بن أيوب، أبو الحسن المروزي الحافظ الفقيه، أحد الأعلام، كان أبو حاتم يطنب في مدحه ويذكره بالعلم والفقه، وهو أحد أصحاب الوجوه من الشافعية، وكان بعض العلماء يشبهه في زمانه بابن المبارك علمًا وفضلًا، له تاريخ مرو، مات في ربيع الآخر سنة ٢٦٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٦/ ٢٦٥].
(٦) لم أقف عليه.
(٧) قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء الثقفي، مولاهم، البلخي، واسمه يحيى، وقتيبة لقب له، ولد سنة ١٤٩ هـ، كان جده مولى للحجاج، وكان قتيبة ربعة، أصلع، حلو الوجه، حسن الخلق، غنيًا من ألوان الأموال من الإبل والبقر والغنم، وكان ثبتًا صاحب سنة. مات في شعبان سنة ٢٤٠ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٩٠٢].
(٨) لم أقف عليه.
(٩) سليمان بن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس، أبو أيوب، وأبو داود الهاشمي العباسي الأمير، كان شريفًا جليلًا، عالمًا ثقة. مات سنة ٢١٩ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٣٢٧].
(١٠) ينظر: الترغيب والترهيب ١/ ٢٢١، التمهيد ٢٢٥.
(١١) أبو خيثمة زهير بن حرب بن شداد الحرشي، النسائي، ثم البغدادي، الحافظ، الحجة، أحد أعلام الحديث، ولد سنة ١٦٠ هـ، كان من كبار أئمة الأثر ببغداد، وهو والد الحافظ أبي بكر صاحب التاريخ، نزل بغداد بعد أن أكثر التطواف في العلم، وجمع، وصنف، وبرع في هذا الشأن هو وابنه وحفيده محمد بن أحمد، قال ابن معين: أبو خيثمة يكفي قبيلة. مات سنة ٢٣٤ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٨٢٣، سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٨٩].
(١٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر النهي عن قتل المصلين، وإباحة قتل من لم يصل ٢/ ٩٢٧، ح ٩٨٣ من طريق إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: وقال أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي: يستتاب إذا تركها متعمدًا حتى يذهب وقتها، فإن تاب، وإلا قتل. وبه قال أبو خيثمة.
[ ٤٠٣ ]
وأبي بكر ابن أبي شيبة (^١).
والرواية الثانية: أنه لا يحكم بكفره؛ بل يقتل (^٢)، اختارها ابن بَطة (^٣).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وداود: لا يكفر بترك الصلاة (^٤).
ثم اختلفوا في حكمه، فقال أبو حنيفة: يستتاب، ويحبس، ولا يقتل (^٥).
وقال مالك، والشافعي: يقتل (^٦).
الأوّلة:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٧)، وهذه الدلالة ذكرها النقاش (^٨) في كتاب «الرسالة» (^٩).
_________________
(١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر النهي عن قتل المصلين، وإباحة قتل من لم يصل ٢/ ٩٢٨، ح ٩٨٨ من طريق إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ: «من ترك الصلاة فقد كفر»، فيقال له: ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥، الجامع الصغير ص ٦٤، الانتصار ٢/ ٦٠٣.
(٣) نسب القول له ابن قدامة في المغني ٢/ ٣٣١، وأبي يعلى في الجامع الصغير ص ٦٤.
(٤) ينظر مذهب داود: المحلّى ٢/ ١٦، ١٢/ ٣٨٣. أما مذهب الحنفية والمالكية والشافعية فسيرد توثيق مذاهبهم قريبًا.
(٥) ينظر: فتح القدير ١/ ٤٩٧، الفتاوى الهندية ١/ ٥٠.
(٦) ينظر للمالكيّة: التفريع ١/ ٣٥٤، حاشية الدسوقي ١/ ١٩٠. وللشافعيّة: الأم ١/ ٢٥٥، روضة الطالبين ٢/ ١٤١.
(٧) الرُّوم: ٣١.
(٨) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي ثم البغدادي، أبو بكر النقاش المقرئ المفسر، ولد سنة ٢٦٦ هـ، وكان إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، صنف التفسير وسماه شفاء الصدور وصنف في القراءات، وأكثر التطواف من مصر إلى ما وراء النهر، وله كتاب الإشارة في غريب القرآن، والموضح في القرآن ومعانيه، والمعجم الأوسط، والمعجم الأصغر، وكتاب المعجم الأكبر في أسماء القراء وقراءاتها، وكتاب القراءات بعللها، وغير ذلك. مات سنة ٣٥١ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٨، تاريخ الإسلام ٨/ ٣٦].
(٩) لم أقف على من ذكرها.
[ ٤٠٤ ]
ومن السنة ما روى الإمام أحمد بإسناده عن جابرٍ، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة»، أخرجه مسلم، وابن أبي حاتم (^١).
وفي لفظٍ آخر: «ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (^٢).
وفي لفظٍ آخر: «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة، وبينه وبين الكفر أن يترك الصلاة» (^٣).
وروى الإمام - أيضًا - بإسناده، وأخرجه ابن أبي حاتم، عن بريدة الأسلمي (^٤) قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه - «بيننا وبينهم ترك الصلاة،
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/ ٨٨، ح ٨٢ بلفظ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٣/ ٢٢٨ من حديث جابر بن عبد الله قال: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - ترك الصلاة». قال الأرناؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم. قال ابن أبي حاتم في العلل ٢/ ١٧٩: وسألتُ أبي وأبي زرعة عن حديث رواه أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عم عمرو بن دينار، عن جابر عن النبي ﷺ: «بين العبد والكفر ترك الصلاة»، فقال أبو زرعة هذا خطأ؛ رواه بعض الثقات من أصحاب حماد، فقال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عمرو بن دينار - أو حدثت عنه - عن جابر موقوف. قلت لأبي زرعة الوهم ممن هو؟ قال: ما أدري، يحتمل أن يكون حدث حماد مرّة كذا ومرّة كذا. قلت فبلغك أنه توبع أبو الربيع في هذا الحديث؟ فقال: ما بلغني أن أحدًا تابعه. وقال أبيّ: رواه بعضهم مرفوع بلا شك، وهو أبو الربيع، وبعضهم بالشك غير مرفوع، وكأن بالشك غير مرفوع أشبه.
(٢) أخرجه النسائي، كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة ١/ ٢٣٢، ح ٤٦٤ من طريق أبي الزبير، عن جابر.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ١/ ٣٥٨، ح ٧٧٠ من طريق عطاء، عن جابر.
(٤) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى الأسلمي، قيل: اسمه عامر، وبريدة لقب، أسلم حين مرّ به النبي ﷺ مهاجرًا بالغميم، وأقام في موضعه حتى مضت بدر وأحد، ثم قدم بعد ذلك، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، فكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وقيل: أسلم بعد منصرف النبيصلى الله عليه وسلم من بدر، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة، ثم تحول إلى مرو فسكنها إلى أن مات في خلافة يزيد بن معاوية سنة ٦٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ١٨٥، أسد الغابة ١/ ٢٠٩، الإصابة ١/ ٤١٨].
[ ٤٠٥ ]
فمن تركها فقد كفر» (^١).
/ وروى ثوبان قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه - يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك»، رواه هبة الطبري، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه (^٢).
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن عبادة بن الصامت (^٣)، قال:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣٨/ ١١٥، ح ٢٣٠٠٧ من حديث بريدة الأسلمي قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر». كما أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة ١/ ٣٤٢، ح ١٠٧٩، والترمذي، أبواب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة ٥/ ١٣، ح ٢٦٢١، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. وقال اللالكائي: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن العربي: حديث صحيح. [ينظر: المستدرك ١/ ٤٨، شرح أصول الاعتقاد ٤/ ٩٠٢، العواصم من القواصم ص ٢٦٢].
(٢) أخرجه هبة الله الطبري (اللالكائي) في شرح أصول الاعتقاد، جماع الكلام في الإيمان، سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الصلاة من الإيمان ٤/ ٩٠٢، ح ١٥٢١ من طريق معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، وقال: إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال المنذري: إسناد صحيح. [ينظر: الترغيب والترهيب ١/ ٢١٤].
(٣) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، أبو الوليد الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الأولى والثانية، وكان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مرثد الغنويّ، وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وشهد فتح مصر، وكان أمير ربع المدد، ووجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولى قضاء فلسطين. مات بالرملة سنة ٣٤ هـ، وقيل إنه عاش إلى سنة ٤٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٨٠٧، أسد الغابة ٣/ ٥٦، الإصابة ٣/ ٥٠٥].
[ ٤٠٦ ]
أوصانا رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، فقال: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة، فمن تركها متعمدًا فقد خرج من الملة» (^١).
وبإسناده عن أبي الدرداء (^٢)، قال: أوصاني أبو القاسم ﵇: «أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت أو أحرقت، ولا أترك الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا برئت منه الذمة» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ص ٣٠٠، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٨٨٩، ح ٩٢٠، والشاشي ٣/ ٢١١، ح ١٣٠٩، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، جماع الكلام في الإيمان، سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الصلاة من الإيمان ٤/ ٩٠٣، ح ١٥٢٢ من طريق سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خلال فقال: «لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم وصلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين فمن تركها متعمدًا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها سخط الله، ولا تقربوا الخمر فإنها رأس الخطايا، ولا تفروا من الموت والقتل وإن كنتم في فيه، ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج، ولا تضع عصاك عن أهلك وأنصفهم من نفسك». وقال المنذري: إسناده لا بأس به. [ينظر: الترغيب والترهيب ١/ ٢١٤].
(٢) عويمر أبو الدرداء، مشهور بكنيته وباسمه جميعًا، اختلف في اسمه، فقيل هو عامر، وعويمر لقب، واختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر، أو مالك، أو ثعلبة، أو عبد الله، أو زيد، وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أسلم يوم بدر، وكان آخر أهل داره إسلامًا، وكان فقيهًا عاقلًا حكيمًا، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي، وشهد أحدًا وأبلى فيها، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. مات سنة ٣٢ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٦٤٦، أسد الغابة ٥/ ٩٧، الإصابة ٤/ ٦٢١].
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ٢/ ١٣٣٩، ح ٤٠٣٤ من طريق شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي ﷺ أن: «لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا، فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر». وقال البوصيري: إسناده حسن. وقال ابن حجر: في إسناده ضعف. [ينظر: مصباح الزجاجة ٤/ ١٩٠، التلخيص الحبير ٢/ ٢٩٣].
[ ٤٠٧ ]
ويدل عليه إجماع الصحابة:
فذكر ابن المنذر في «الإشراف» (^١)، فقال: ثبت أن عمر بن الخطاب قال: لا حظ في الإسلام لأحدٍ ترك الصلاة (^٢).
وقال ابن مسعود: من لم يصلِّ، فلا دين له (^٣).
وعن جابر أنه سئل ما بين العبد والكفر؟ قال: ترك الصلاة (^٤).
قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، قال: من لم يصلِّ فهو كافر (^٥).
_________________
(١) ينظر: الإشراف ٨/ ٢٤٤.
(٢) أخرجه مالك، كتاب الطهارة، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف ١/ ٣٩، ح ٥١، وعبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب الجرح لا يرقأ ١/ ١٥٠، ح ٥٧٩، وابن أبي شيبة، كتاب المغازي، باب ما جاء في خلافة عمر بن الخطاب ٧/ ٤٣٨، ح ٣٧٠٦٧، والمروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٣/ ٨٩٢، ح ٩٢٣، والدارقطني، كتاب العيدين، باب التشديد في ترك الصلاة وكفر من تركها والنهي عن قتل فاعلها ٢/ ٣٩٥، ح ١٧٥٠، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الحيض، باب ما يفعل من غلبه الدم من رعاف أو جرح ١/ ٥٢٥، ح ١٦٧٣ من طريق المسور بن مخرمة، عن عمر.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الإيمان والرؤيا، بعد باب ما ذكر فيما يطوي عليه المؤمن من الخلال ٦/ ١٦٧، ح ٣٠٣٩٧، وعبد الله بن أحمد في السنة ١/ ٣٥٩، ح ٧٧٢، والمروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٨٩٩، ح ٩٣٦، والطبراني ٩/ ١٩١، ح ٨٩٤١ من طريق زر بن حبيش، عن ابن مسعود.
(٤) أخرجه المروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٩٠٤، ح ٩٤٧، والبغوي في الجعديات ص ٣٨٥، ح ٢٦٣٤، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، باب جماع الكلام في الإيمان قول جابر بن عبد الله ٤/ ٩٠٩، ح ١٥٣٧ من طريق أبي الزبير، عن جابر.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الإيمان والرؤيا، بعد باب ما ذكر فيما يطوي عليه المؤمن من الخلال ٦/ ١٧١، ح ٣٠٤٣٦، والمروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٨٩٨، ح ٩٣٣، والخلال في السنة ٤/ ١٤٩، ح ١٣٩٣، والآجري في الشريعة، باب كفر من ترك الصلاة ٢/ ٦٥٣، ح ٢٧٧ من طريق معقل الخثعمي، عن علي.
[ ٤٠٨ ]
وعن أبي الدرداء أنه قال: لا إيمان لمن لا صلاة له (^١).
وروينا عن ابن عباس أنه قال: من ترك الصلاة فقد كفر (^٢).
وقال حذيفة لرجلٍ لا يتم الركوع والسجود: ما صليتَ منذ كَيْتَ؛ لأن الرجل ذكر أن ذلك صلاته منذ أربعين سنة، فقال: لو مِتَّ وأنت على هذا لمِتَّ على غير فطرة النبي - صلَّى الله عليه - التي فُطر عليها (^٣).
وروينا عن بلال أنه قال لرجلٍ لا يتم الركوع والسجود: لو مِتَّ الآن لمِتَّ على ملة عيسى بن مريم هذه (^٤).
وقال عبد الله بن شقيق (^٥): لم يكن أصحاب النبي - صلَّى الله عليه - يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (^٦).
وروي عن الحسن أنه قال: بلغني أن أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه - كانوا يقولون:/ بين العبد وبين أن يشرك، فيكفر أن يدع الصلاة (^٧).
_________________
(١) أخرجه المروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٩٠٣، ح ٩٤٥، والخلال في السنة ٤/ ١٤٦، ح ١٣٨٤، وابن بطة في الإبانة، باب كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك ٢/ ٦٧٩، ح ٨٨٧، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، باب جماع الكلام في الإيمان قول أبي الدرداء ٤/ ٩٠٩، ح ١٥٣٦ من طريق أم الدرداء، عن أبي الدرداء.
(٢) أخرجه المروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٩٠٠، ح ٩٣٩ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع ١/ ١٥٨، ح ٧٩١ من طريق زيد بن وهب، عن حذيفة.
(٤) أخرجه المروزي في تعظيم قد الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ٢/ ٩٠٢، ح ٩٤٣ من طريق قيس بن أبي حازم، عن بلال.
(٥) عبد الله بن شقيق العُقيلي، بصري ثقة، فيه نصب. مات سنة ١٠٨ هـ. [ينظر: التقريب ص ٣٠٧].
(٦) أخرجه الترمذي، أبواب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة ٥/ ١٤، ح ٢٦٢٢ من طريق سعيد بن إياس الجريري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي.
(٧) أخرجه الخلال في السنة ٤/ ١٤٢، ح ١٣٧٢، وابن بطة في الإبانة، باب كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك ٢/ ٦٧٣، ح ٨٧٧، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، باب جماع الكلام في الإيمان قول جابر بن عبد الله ٤/ ٩١٠، ح ١٥٣٩ من طريق عوف الأعرابي، عن الحسن.
[ ٤٠٩ ]
وهذه نصوص قاطعة من الرسول، وقول الصحابة لا يقدمون على مثله إلا أن يكونوا سمعوه من النبي - صلَّى الله عليه ـ.
فإن قيل: المراد بهذه الأخبار من تركها معتقدًا أنها لا تجب، ونحن نقول: إنه يكفر.
الثاني: أن المراد بقوله: «فقد كفر» تهديدًا وتغليظًا، كما قال ﵇: «شارب الخمر كعابد وثن» (^١).
الثالث: أنَّ الكفرَ كلمة مشتركة تطلق على التغطية، يحمل قوله: «فقد كفر» معناه: قد غطّى دينه بهذه المعصية، والكفر في اللغة من قولهم: أكفرت العجين، إذا غطّيته، وسُمِّي الزّارع كافرًا؛ لأجل تغطية البذر.
وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . … في ليلةٍ كفَر [النُّجومَ غمامُها] (^٢)
أي: غطَّاها، ويطلق على كفران النعمة، وعلى الكفر بالإيمان، فلا يتخصص بأحدهما إلا بدلالة.
الرابع: يحتمل ليس بيننا وبينهم أمارة دالة إلا الصلاة، فإن القوم كانوا ينافقون، فلا يكون بين الكفر والإيمان علامة إلا الصلاة.
الخامس: إنّا نحمل قوله: «فقد كفر» بمعنى قارب، وأشرف على الكفر، كقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (^٣)، وذلك أن تعويد النفس،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الغمام نجومها)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من ديوان لبيد بن ربيعة ص ١١١، وهذا عجزُ بيتٍ للبيد في معلّقته، وصدرُه: يعلو طريقةَ متنِها مُتواترٌ.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب قول الله - تعالى ـ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٧/ ١٠٤، ح ٥٥٧٨، ومسلم، كتاب الإيمان ١/ ٧٦، ح ٥٧ من حديث أبي هريرة.
[ ٤١٠ ]
وتمرينها على المخالفة بترك الأوامر، وارتكاب النواهي، [فيرقّ في] (^١) نفسه تعظيم الله - سبحانه ـ، والاستجابة لأوامره، فيصير ذلك مع طول الزمان إهمالًا، وترك الأوامر من طريق الإهمال كفر، فلما كان ذلك داعية للكفر سمي كفرًا، كما سمى الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢)، يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، وسماها إيمانًا؛ لأنها تحقق التصديق.
قلنا: أما الأول فليس بشيء؛ لأنه لا فائدة في تخصيص الصلاة بذلك؛ فإن العبادات كلها في ذلك سواء.
الثاني: أن الخبر يقتضي تعليق الحكم بترك فعل الصلاة، لا بترك اعتقاد/ وجوبها، فوجب حمله على الحقيقة.
الثالث: أنه لا يجوز حمله على ترك الاعتقاد؛ لأن الترك إنما يكون بالفعل لا بالجحود، ألا ترى إلى قوله - تعالى ـ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^٣)، إنما كان تركهم بالفعل، وقوله - تعالى ـ: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٤)، فأمرهم بإقامتها وكانوا مقرين بها، ذكر هذا الجواب النقّاش في «الرسالة».
وأما الثاني فلا يصح؛ لأن إطلاق الكفر [على] (^٥) ما يضاد الإيمان حقيقة، لا سيما وقد تكرر قوله ﵇ بألفاظٍ مختلفةٍ: «فرقٌ بين الكفر والإيمان الصلاة»، وقوله: «فقد خرج من الملة» وغير ذلك.
وما رووه - إن صح - فمعناه: أنه شبهه به [في] (^٦) نقص العقل،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فيرقي)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) البَقَرَة: ١٤٣.
(٣) الجُمُعَة: ١١.
(٤) إبراهيم: ٣١.
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٤١١ ]
والغفلة عن الصواب، أو أنه يأثم إثمه، ولم يقل: شارب الخمر قد عبد الوثن، كما قال هاهنا: «فقد كفر»، على أنّا لو خُلِّينا وظاهره لقلنا: إن شارب الخمر كعابد الوثن في شركه، لكن الإجماع انعقد على أنه ليس كعابد الوثن في الدين، فتركناه، وتبقى أخبارنا على ظاهرها، فإنه لم يرُدّها ما هو أقوى منها، ولا مثلها، وهذا هو الجواب عن السؤال الثالث؛ فإنه في الشريعة هو الخروج من الإسلام، والدخول في الشرك، فأما حدُّه في اللغة [فليست الأسماء] (^١) باقية على حكم اللغة، وإنما هي منقولة؛ ولأن الكفر هو التغطية والستر كما قالوا، وعندهم أن دينه لم يستتر، و- أيضًا - قوله ﵇: «بني الإسلام على خمسٍ» (^٢)، فبيَّن أنه يقوم بخمس، وما قام بخمسٍ لا يقوم بأربع.
فإن قيل: فما بال العبد والصبي لا عمل له من هذه الأركان وهو مسلم؟
قلنا: سقوط بعضها بالعذر يسقط حكمها في حق ذلك الشخص حتى إنه يبقى مؤمنًا على ما بقي، وهذا بمثابة قول النبي - صلَّى الله عليه ـ، أن لو قال: بنيت الصلاة على خمسة، أو ستة أركان، فسقط بعضها بعذرٍ من مرضٍ، أو كسرٍ، أو رقٍّ، أو ما شاكل ذلك/ من سفر كان ما بقي صلاة في حق ذلك المعذور، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون المراد به: بني على ذلك اعتقادًا، أو فعلًا.
فإن كان اعتقادًا فنحن نقول به. وإن كان فعلًا فلا يجوز؛ لأن الأصول تمنع ذلك، وأن كل واجب من حقوق الآدميين، والواجبات لله - تعالى - إذا تركها فعلًا مع اعتقادها لم يكفر، فكذلك هذا الواجب مثله.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فليس للأسماء)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس» ١/ ١١، ح ٨، ومسلم، كتاب الإيمان ١/ ٤٥، ح ١٦ من حديث ابن عمر.
[ ٤١٢ ]
قلنا: هذا التقسيم مخيّل غير مسنون، وقد بقي القسم الذي نقول به أغفلتموه، وهو أنه بني عليها اعتقادًا وفعلًا، يوضحه أن الإيمان عندنا قول وعمل (^١)، ولا يثبت الإيمان إلا لمن جمع الأمرين، وإذا حملتوه عليهما - وهو الظاهر - احتجتم في حمله على أحدهما - وهو الاعتقاد - إلى دلالة.
والسؤال الصحيح الذي لا يلزمهم فيه دلالة أن يقولوا: يحتمل أن يكون البناء على الاعتقاد، ويحتمل البناء على الفعل، فلا يحمل على أحدهما إلا بدليلٍ، فيُردّ - أيضًا - هذا بما رددنا به التقسيم الأول، فنقول نحن: لا نقول بالفعل، فنحتاج إلى دلالةٍ على صرفه إلى ما ذكرت من أحد محتمليه، بل هو مبني عليهما، هذا كما لو قال ﵇: بني أمر الصلاة على خمسة أركان؛ التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد؛ فإن ذلك لا يمنعنا من الأخذ بعموم ذلك في النية، والأفعال، ولا نقول: إن بناءها على النية والاعتقاد، سيما والمنطق به الأفعال، وما ذكرتم من حقوق الآدميين، وأما باقي الواجبات الشرعية فلا يلزم؛ لأن حقوق الآدميين خارجة عما نحن فيه من حقوق الله إجماعًا، فإنا لو علمنا أن على زيد حقًّا لعمرو، فطالبه به، فجحد وقال: لا حق له عليَّ، لم يكفر، ولو قال في جواب اقتضائنا له بالصلاة، أو الزكاة: ليست واجبة عليَّ، ولا حقًّا، كفر.
فإن قالوا: لا فرق بينهما في الاعتقاد؛ لأنه متى اعتقد أن ليس الدِّين واجبًا/ كفر، كما إذا اعتقد أن ليست الصلاة واجبة كفر، أو الزكاة.
قلنا: قد بان الفرق بالمسألة التي ذكرناها، وهي إذا جحد لفظًا مع علمنا بأنه يقرّ باطنًا بقلبه، أو عدم علمنا، وهاهنا لو جحد بلفظه ولا نعلم حال باطنه كفرناه.
وأما قولكم: إذا اعتقد نفي وجوب الدَين كفر؛ فذاك اعتقاد يعود إلى الشرع، وحقوق الله، فلا تجعلوه من هذا القسم الذي وقع الفرق بينه وبين حق الله، والذي يكشف عن هذا الفرق أن دَين الآدمي إذا جحده، وقال:
_________________
(١) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ١/ ٣٠٧.
[ ٤١٣ ]
ما له عليَّ، فقد صرح بأنه لا واجب عليه للآدمي، ولا يكفر بصريح الجحد، وبمثله لو صرح في حق الله، فقال: لا يجب له عليَّ زكاة، كفر.
فإن قيل: قوله: «بني الإسلام على خمسٍ» (^١) يريد به: بني الإسلام على الإسلام، أم بني إسلام هو وراء هذه الأفعال على هذه الأفعال؟ وقد بان من قولكم أن الأفعال إيمانٌ، فتكون هذه حقيقة الكلام، ولو صرح به لما حسن، وما لا يحسن التصريح به لا يحسن إضماره في كلامه - صلَّى الله عليه ـ.
قلنا: النبي - صلَّى الله عليه - أشار إلى الاعتقاد، وسمّاه إسلامًا؛ لأنه الأخص، وبناه على هذه الخمسة المقتطعة من كثير أفعال وواجبات، أقول: تخصيصًا - أيضًا - لها؛ ومثل هذا لا يمتنع أن يقع على الجملة؛ المبني، والمبني عليه منها، هذا كما قال: بنيت الصلاة على خمسة أركان؛ تكبيرة الإحرام، والقراءة، والقيام، والركوع، والسجود، وإن كانت الصلاة ليست إلا هذه الأفعال بنية تتقدمها، وكما لو قال القائل: اعتماد بني العباس على بني المقتدر، أو أولاد المقتدر، فإنه يعطي ذلك اعتماد الأكثرين على هؤلاء المذكورين، فلا يعطي أن يكون الإسلام غير الصلاة والزكاة، ولا الصلاة والزكاة غير له، وأن يبنى عليه، لكن يعطي تخصيصًا في بعض الجملة على بعض.
والفقه في المسألة: أنها/ عبادة يحكم بإسلامه بفعلها، فحكم بكفره بتركها، دليله الشهادتين، وهذا وصفٌ صحيحٌ، فإن عند أبي حنيفة إذا فعلها في جماعةٍ حكم بإسلامه (^٢)، وعند الشافعي إذا فعلها في دار الحرب حكم بإسلامه (^٣).
فإن قيل: إذا قال: أنا أعتقد الإسلام، ولا أنطق بالشهادتين، لم يكفر.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ينظر: الفتاوى الهندية ٢/ ١٩٥، بدائع الصنائع ٧/ ١٠٣.
(٣) ينظر: المجموع ١٩/ ٢٣١، المهذب ٢/ ٢٢٣.
[ ٤١٤ ]
قلنا: ليس هذا بمذهب للفقهاء؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه إذا كان كافرًا، فقال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة، أنه لا يُقبل منه، ولا يحكم بإسلامه، على أن هذا يخالف النص، وهو قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (^١)، فبطل من هذا الوجه.
فإن قيل: إنما لم يقبل لأنّا نستدل على كذبه فيما أخبرنا به؛ لأنه لا مشقة عليه في القول، فإذا امتنع منه اتهمناه في خبره بالكذب، بخلاف الصلاة؛ فإنه يشق عليه فعلها مع اعتقاده لوجوبها، فإذا أخبر بذلك لم يتهم بالكذب.
قلنا: وقد يترك قول الشهادتين تكبرًا، وأنفةً، وخوف العار، كما رُوي أنَّ أبا طالب كان يقول للنبي - صلَّى الله عليه - إذا دعاه: أنا أعلم بأنك صادق، ولولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينيك (^٢).
وقال - تعالى ـ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (^٣)، قال قتادة: جحدوا الإيمان بها، واستيقنتها أنفسهم، أي: علموا أنها من عند الله، والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة (^٤).
وكذا قوله - تعالى ـ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٥)، قال الحسن: المعرفة في قلوبهم، والتكذيب بألسنتهم (^٦).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرج مسلم، كتاب الإيمان ١/ ٥٥، ح ٢٥ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: «قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة»، قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
(٣) النَّمل: ١٤.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم في التفسير ٩/ ٢٨٥٢ - ٢٨٥٣، ح ١٦١٦٩، ١٦١٧١ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾: والجحود لا يكون إلا من بعد معرفة. ومن طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ قال: جحدوا بها بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق.
(٥) الأنعَام: ٣٣.
(٦) نسب هذا القول له أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٦١٣.
[ ٤١٥ ]
فإن قيل: إنما حكم بإسلامهم بفعلها؛ لأن الإسلام أسرع حصولًا، وأعجل نفوذًا، بدليل حصوله تبعًا بإسلام أحد أبويه، وبالإكراه، والخروج منه إلى الكفر إبطاءً، والأفعال قد يتركها كسلًا، كما يقدم على المنهيات شهوة لا استحلالًا.
/ قلنا: إلا أنهما قد استويا في الكلمة؛ ولأن مثله في الكفر بالكفر بالدار، والأبوين في الأصل، وأما إذا طرأ الإسلام غلّبنا، وإذا طرأت الرِّدة لا نُغلّب فلعمري، ولكن العدالة يحكم بها بالظاهر، والفسق لا يحكم به إلا بفعلٍ من جهته، ويحصل بترك الصلاة، وكذلك القتل عند الشافعي لا يحصل إلا مع عدم الشبهة، ولا يثبت معها، ومع ذلك يحصل بترك الصلاة (^١).
وأما المنهيات ففي النفوس شهوات غالبة تحمل على ذلك، وتغلب التدين، وليس في الطبع تكاسل يحمل على الترك، لا سيما مع المراجعة، والقول، والتهديد بالقتل؛ ولأنه يجب على هذا أن يحكم بكفره إذا أكل الخنزير، والدم، والميتة المنتنة، وزنى بالبهائم، والعجائز المشوهات؛ لأنه لا دواعي تحمله على ذلك، بل دواعي الطباع تنفر عن ذلك وأمثاله، ومع ذلك لم نكفره بارتكاب محظورات تتطلبها النفوس، وتميل إليها الطباع، وتتوثب عليها الدواعي، على أن الصلاة قليلة المؤنة فلا تثقل، وإن ثقلت في بعض الأحايين فلا تثقل في كل وقتٍ.
ثم المكروه اللاحق به من العقوبة بالضرب، والحبس، والوعيد بالقتل يوضَّح من حاله أن تركه لها [اعتقادًا] (^٢)، لا تكاسلًا.
فإن قيل: [فالشهادتان] (^٣) هي الحجة؛ فإنه لو تركها مَنْ حُكم بإسلامه على طريق التبعية لأبويه، أو الحكم بالدار تكاسلًا لم نحكم بكفره،
_________________
(١) سبق توثيق ذلك في صدر المسألة.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (اعتقاا)، فقد سقط حرف الدال، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (فالشهادتين)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٤١٦ ]
بل كان على إسلامه، فلتكن الصلاة كذلك، ولأن الشهادتين أصل في الإسلام، فجاز أن يحكم بكفره بتركها، فأما الصلاة فإنها من فروعه، فغاية إيجاب تركها ما تخرج منه من فرع - وهو عدالة الإسلام - فيصير فاسقًا.
قلنا: أما الشهادة فلا تلزم على التكرار، وإذا لم يأتِ بها في العمر دفعة، وكان قد بلغ أوان التكليف، أو أوان النطق/ عن عقلٍ صحيحٍ كان كافرًا، وإن أتى بها دفعة، أو أتى بالصلاة، فقد حكمنا بإسلامه، فهذا دفع للحجة عنا من الشهادتين.
وأما تصوير المكان الملزم عليهم؛ أن يقع فيه شك، أو يُشهد عليه بمعنى ينافي الدين الذي يستدعي منه الإمام بكلمة التوحيد فلما يأتي بها.
وقولهم: إنّ الشهادتين أصل؛ فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن قال: ليست أصلًا؛ بل هي دلالة، وفرع للتصديق الحاصل في القلب بدليل أن النبي - صلَّى الله عليه - سوَّى بينها، وبين العبادات في قوله: «بني الإسلام على خمسٍ» (^١)، وذكر من جملتها الشهادتين، وجعل الإيمان هو المبني على الخمس.
قال: ومما يكشف عن كون الشهادتين فرعًا لا أصلًا: أنه لو تركها مع الإكراه، وثنَّى، وثلَّث لم يحكم بكفره، ولو أتى بالشهادتين صورة وكان مكذبًّا بقلبه كان كافرًا، ولو كانت هي الإيمان كان [الإتيان] (^٢) بصورتها إيمانًا [كالتصديق بالقلب] (^٣) لما كان أصلًا حكم بإيمانه به.
قال: فإن قيل: على هذا الجواب الاعتقاد للكلمة كالنية للعبادات، ولا يقال: إن النية هي العبادة؛ بل شرطها.
قيل: هذا غلطٌ كبيرٌ؛ بل الكلمة مع الاعتقاد، كاستقبال الكعبة،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الإثبات)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (بالتصديق كالقلب)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤١٧ ]
والختان، وجميع شعائر الإسلام في حق من وجدناه من الأموات والقتلى؛ فإن ذلك دالٌّ على الإيمان الذي كان في القلب.
وقد ذكر بعض الأصحاب طريقة أخرى، فقال: الصلاة عبادة مقصودة، سميت في الشرع إيمانًا، وكفر بتركها كالشهادتين، وقد دلَّ على هذا الوصف الشرع، والمعنى.
أما الشرع قوله - تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١)، قيل: الصلاة إلى بيت المقدس؛ ولأن النبي - صلَّى الله عليه - سمَّاها عماد الإيمان (^٢)، وعماد الشيء/ ما يكون بقاؤه به.
وقال - أيضًا ﵇: «نهيت عن قتل المصلين، كما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (^٣).
وأما المعنى: فإنها وظيفة دائرة على دور الليل والنهار، وقرارهما؛ ولأنه لا تدخلها النيابة بنفسٍ، ولا مالٍ، مثل الإيمان سواء، و- أيضًا - لا تسقط بعذر عجزٍ، ومشقة بعد أن أمكن الإتيان بها بوجهٍ ما كالإيمان، فثبت ما قلناه.
فإن قيل: التسمية قد يدخلها المجاز، فلا توجد حقائق الأحكام من مجازات الألفاظ، ولهذا رفع الأذى عن الطريق تعبد ورد الشرع بأنه من شعب الإيمان، فقال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^٤).
يوضح صحة دعوانا أنها مجاز: أن الإيمان هو التصديق، والحركات
_________________
(١) البَقَرَة: ١٤٣.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب ٤/ ٣٠٠، ح ٢٥٥٠ من طريق عكرمة، عن عمر، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله أي شيء أحب عند الله في الإسلام؟ قال: «الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين»، وقال الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر وأظنه أراد، عن ابن عمر. وقال ابن الصلاح: غير معروف ولا صحيح. وقال النووي: منكر باطل. [ينظر: شرح مشكل الوسيط ٢/ ٥، التلخيص الحبير ١/ ٣٠٨].
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/ ٦٣، ح ٣٥/ ٥٨ من حديث أبي هريرة.
[ ٤١٨ ]
والهيئات لا تكون تصديقًا، وإنما تُجوّز بتسميتها إيمانًا؛ لأنها دلالةٌ على الإيمان، وشعار عليه.
ومن الدلالة على صحة ذلك: أن النبي ﵇ قال: «بني الإسلام على خمسٍ» (^١)، وذكر إقام الصلاة منها، والشيء لا يبنى على نفسه، وإنما يبنى على غيره.
قلنا: لا فرق بين الأفعال، والأقوال، والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد المجرد ليس بإيمانٍ بدليل تصديق أبي طالب، ولا القول المجرد بدليل شهادة المنافقين، ولا العمل المجرد إيمان بدليل أعمال المنافقين والزنادقة، واستويا في الاسم في الأصل حقيقة، والتصديق المجرد كان إيمانًا لغة، فوصل به الأعمال، فصار الكل إيمانًا، كما كانت الصلاة في اللغة مجرد الدعاء، ووصل بها غيرها من الأعمال، فصار الكل صلاةً.
ولقد سميت الصلاة قرآنًا، فقال - سبحانه ـ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٢)، كما سمى الصلاة إيمانًا، ولم يكن القرآن نفسه صلاة، ولا الصلاة قرآنًا، لكن سميت به؛ لأنه من جملة أركانها، وكذلك/ الحج هو القصد، وجعل الشرع مناسكه، وأركانه المخصوصة مضمومة إلى القصد، فجعل الكل حجًّا، كذلك الصلاة في الإيمان الذي هو مجموع أركان، وبقية الأركان من رفع الأذى عن الطريق هي من جملة الإيمان إذا وجدت من جهة مؤمن، فأما إذا وجدت من جهة كافرٍ لم يدل؛ لأن الكافر قد يفعل الخير، ويتقرب برفع الأذى، لكن الصلاة المخصوصة لا يفعلها إلا من تدين الدين الذي وضعت له.
وقولهم: إن الصلاة دالة من حيث كانت ركنًا، وخصيصة دلت، وكما يُستدل على صلاة الإنسان باستقبال القبلة، وقراءته، يستدل على إيمانه بصلاته، وكما يستدل على إحرامه بتجرده وقصده، كذلك هاهنا،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الإسرَاء: ٧٨.
[ ٤١٩ ]
وسوق الهدى، أو التلبية أيهما كان دلّ، وإن كانت التلبية شعار العبادة، وسوق الهدى شعارًا أبعد منه، وجميعًا دلالتان.
طريقة أخرى: أن الشريعة بعد صحة الإيمان تشتمل على أوامر ونواهٍ، ثم في النواهي ما إذا فعله كفر، وهي الردة، يجب أن يكون في الأوامر ما إذا تركه كفر، وليس إلا الصلاة.
طريقة تخص مالك، والشافعي، فنقول: تعبد يقتل بتركه، فكفر بتركه كالشهادتين.
فإن قيل: القتل مشروعٌ في ارتكاب مناهٍ لا تحصل بها الردة، كالربا، والقتل، فإذا لم يدل (^١) وجوب القتل في المناهي على الكفر بفعلها، لم يدل وجوب القتل على ترك الأوامر على الكفر بتركها.
قلنا: إن الشرع فرَّق بين الترك والأفعال، فبنى الإسلام على الأعمال، وجعلها أركانًا، ولم يجعل الترك أركانًا، وصلى على المحدودين، وجعل الحدود تطهيرًا، وعظم شأن الأركان، وسمى تاركها كافرًا، ولم يحكم بالإسلام بتروك الشرع/ المختصة به، وجعل الصلاة دلالة على الإسلام على ما بيَّنا.
احتجوا:
بما روى عبادة بن الصامت أن النبي - صلَّى الله عليه - قال: «خمس صلواتٍ كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم ينقص منهن شيئًا جاء وله عند الله عهدٌ أن لا يعذبه بالنار، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئًا فأمره إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (^٢). وهذا يدل على أنه لا يكفر.
_________________
(١) زاد بعده في الأصل: «على»، وإسقاطها هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها ١/ ٤٤٩، ح ١٤٠١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر ٢/ ٦٢، ح ١٤٢٠، والنسائي، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات الخمس ١/ ٢٣٠، ح ٤٦١ من طريق محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد، يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة». قال ابن كثير: إسناده صحيح. وقال ابن الملقن: حديث صحيح. [ينظر: إرشاد الفقيه ١/ ٩١، البدر المنير ٥/ ٣٨٩].
[ ٤٢٠ ]
والفقه فيه: أنها عبادة من شرطها أن يقدم الإيمان، فلم يكفر بتركها، دليله: سائر العبادات من الزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك، وهذا لأن الصلاة من أعمال الأركان، والاعتقاد، والتصديق من أعمال القلب، فلا يزول الإيمان إلا بما ينافيه، وليس ينافيه ترك الأعمال.
قالوا: ولأن الصلاة ثقيلة بكسل المكلف عن فعلها، ويثقل عليه أداؤها، فيصدق في أنه لم يتركها جحدًا، ولا كفرًا، بل استثقالًا لها، وكسلًا عنها، فصارت كفعل المحظورات التي تميل النفس إليها، يصدق لما يعرف من شدة الدواعي إليها دون معاندة الشرع بمواقعتها.
قالوا: ولأنه لا يخلو إما أن [تحكموا] (^١) بكفره بعد فوات وقت الصلاة، أو قبل فواته، أو قبل مجيء الوقت، لا يجوز أن يكون بعد الفوات؛ لأنه قد ثبت في ذمته، ووقته متسع، ولا يجوز أن يكون مع بقاء الوقت؛ لأنه لم يفت، ولا يجوز أن يكون قبل مجيء الوقت؛ لأنه ما وجب عليه شيء يحكم بكفره بتركه، وإذا بطلت هذه الوجوه بطل الحكم بكفره.
واحتج أبو زيد على أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يقتل، فقال: ترك الصلاة جناية على حق الله - تعالى ـ، فلا يكون موجبًا للقتل (^٢).
أما قولنا: إن ترك الصلاة جناية على حق الله - تعالى - فلا/ إشكال فيه من قِبَل أن الصلاة ما وجبت إلا لحقِّ الله - تعالى ـ، وما لم يجب إلا لحق الله تعالى يكون خالصًا له، فيكون تركها جناية على حق الله - تعالى ـ.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تحكمون)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) لم أقف عليه فيما هو مطبوع من كتبه.
[ ٤٢١ ]
إذا ثبت هذا فما كان جناية على حق الله - تعالى - تؤخر عقوبته إلى دار الآخرة؛ فإنها دار الجزاء، فأما دار الدنيا؛ فإنها دار تكليف وعمل، فلا يجوز أن تكون دار الجزاء، ألا ترى أن دار الآخرة لمَّا كانت دار جزاء لم تكن دار عملٍ وتكليفٍ، كذلك دار الدنيا لمَّا كانت دار عملٍ وتكليفٍ وجب أن لا يخلص فيها الجزاء حتى تخلص الأعمال والتكاليف، وترك الصلاة لا يستضر به أحد، إنما يستضر به تارك الصلاة، فهو جناية على محض حق الله - تعالى ـ، فتكون عقوبته مؤخرة إلى دار الآخرة. وهذا الكلام قد مضى تقريره في عدة مواضع.
وقرر أبو زيد هذا الكلام على وجهٍ آخر، فقال: القتل عقوبة، فلا يستحق إلا بجريمةٍ متناهيةٍ؛ لأن القتل عقوبة متناهية، وأن هذه الجريمة ليست متناهية (^١).
وبيان ذلك: أن الترك ليس حرامًا لعينه؛ فإن ترك الأكل، وترك الشرب مباح، وإنما صار الترك حرامًا؛ لأنه تضمن ترك الصلاة، فإذن هو [حلال] (^٢) في نفسه [حرام] (^٣) لغيره، فلا يصلح لإيجاب العقوبة؛ فإن الشبهة قد تمكنت منه، وإذا كانت الشبهة متمكنة من الفعل فلا يكون صالحًا لإيجاب القتل، وصار كآخذ مال الغير؛ فإن الأموال في الأصل حيث خلقت إنما خلقت للأكل والتناول، وإنما إذا تعلق بها حق بعض الناس حرم أخذها؛ لكيلا يفضي إلى الإضرار به، فهو حرام [من وجه] (^٤) دون وجه، وإذا كان كذلك لم يصلح لإيجاب العقوبة، ولا يلزم على هذا شرب الخمر؛ فإن ذلك [حرام] (^٥) لعينه، قال ﵇: «حرمت/ الخمر لعينها» (^٦)،
_________________
(١) لم أقف عليه فيما هو مطبوع من كتبه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (حلالًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (حرامًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (ووجه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (حرامًا)»، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٦) لم أقف عليه، وأخرج وكيع القاضي في أخبار القضاة ٣/ ٤٤ من طريق عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب.
[ ٤٢٢ ]
ولهذا يحرم شرب الخمر وإن كانت ملكه، ولا يلزم الزنا؛ لأنه جناية على محض حق الله، ولهذا يحرم وإن رضيت المرأة، وخرج على هذا الكفر؛ فإنه جناية على حق الله ويوجب القتل؛ لأنا نقول: جوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّا لا نقول: إن الكافر قتل لكفره، وإنما قتل لحرابه.
الثاني: سلمنا أنه مقتول بكفره، إلا أنا نقول: الكفر إنما كان حرامًا؛ لأنه تضمن ترك الإيمان، وإنما كان الكفر حرامًا؛ لأنه جناية على حق الله - تعالى ـ، فأوجب القتل بخلاف الترك؛ فإنه ما كان حرامًا إلا لأنه تضمن ترك الصلاة، فهو حرام من هذه الجهة، حلال في نفسه، فافترقا.
الجواب:
أما الخبر؛ فقد روينا عن عبادة عن النبي ﵇ أنه قال: «من تركها متعمدًا فقد خرج من الملة» (^١).
وروى الشيخ أبو بكر النجاد عين هذا الخبر عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه ذكر الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا، وبرهانًا، ونجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأُبيّ بن خلف» (^٢)، وهذا زيادة، فالأخذ بها أولى، على أنَّا نحمل:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد ١١/ ١٤١، ح ٦٥٧٦، وعبد بن حميد ص ١٣٩، ح ٣٥٣، والدرامي، كتاب الرقاق، باب في المحافظة على الصلاة ٣/ ١٧٨٩، ح ٢٧٦٣، وابن حبان، كتاب الصلاة، باب الوعيد على ترك الصلاة ٤/ ٣٢٩، ح ١٤٦٧ من طريق عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، وقال أبو القاسم الأصبهاني: حديث غريب. وقال المنذري، وابن عبد الهادي، والذهبي: إسناده جيد. وقال الدمياطي: إسناده صحيح. [ينظر: الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني ٢/ ٤٣١، الترغيب والترهيب للمنذري ١/ ٢١٧، المتجر الرابح ص ٨٤، التنقيح لابن عبد الهادي ٢/ ٦١٤، التنقيح للذهبي ١/ ٣٠٠].
[ ٤٢٣ ]
«من انتقص منها شيئًا» أي: ترك سنة (^١) من واجباتها، مثل: التكبير، والتسبيح، والتشهد الأول، وغير ذلك؛ فإنه يكون عندنا عاصيًا، وأمره إلى الله - تعالى ـ.
وفي هذا التأويل [جمع] (^٢) بين الأخبار، وترك التناقض في الروايات، فدلَّ على صحته.
وأجاب بعض أصحابنا، فقال: يحتمل أنه أراد بالمغفرة تأخير عذاب الدنيا عنهم، كما قال - سبحانه ـ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣)، يؤخر العذاب في الدنيا، أو يقيضهم لتوبةٍ، فيتوب عليهم بقبولها، كذلك قوله: «وإن شاء غفر له» بأن يقيض/ له توبة يغفر بها ذلك الانتقاص.
وأما قياسهم على سائر العبادات؛ قلنا: في الصوم، والزكاة، والحج روايتان (^٤):
أحدهما: أنه يكفر بتركه، فلا فرق؛ لأنه كله فرض كالتوحيد.
والثانية - وهي ظاهر المذهب ـ: أنه لا يكفر.
فعلى هذا الفرق واضح، وذلك أن [مالكًا] (^٥)، والشافعي: لا يقتلون بترك شيء من العبادات، ويقتلون بترك الصلاة (^٦)، كذلك الكفر.
الثاني: أن الصلاة سميت إيمانًا، ولهذا لما نسخت القبلة، قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزل:
_________________
(١) يعني: ما نقل عن النبي ﷺ من الأحاديث التي تقرر هذه الواجبات، وليس المراد بالسنة هنا المندوب أو المستحب.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (جمعًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) الأحزَاب: ٢٤.
(٤) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٠٣، الفروع ١/ ٢٩٦.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (مالك)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٦) تقدم توثيق ذلك في صدر المسألة.
[ ٤٢٤ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١)، رواه البراء (^٢)، وهو مجمع على صحته، ولأنه يحكم بإيمانه بفعلها، بخلاف بقية العبادات، ولأن الزكاة يمكن أخذها قهرًا، والحج والصوم تدخله النيابة في الجملة بعد الموت، فأما الصلاة فلا يتطرق إليها ذلك، فهي كالتوحيد سواء، ولهذا روي أن «الصلاة عماد الدين» (^٣)، وهي واجبة على كل مكلفٍ، فلا تسقط بعذرٍ ما دام عقله ثابتًا عليه على ما سبق تقريره، بخلاف بقية العبادات، فافترقا.
وأما قولهم: إن الإيمان هو التصديق، والصلاة من أعمال الأركان.
قلنا: هذا ليس بمذهبٍ للفقهاء، وإنما مذهب الفقهاء، وأهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل (^٤).
وأما قولهم: إنه يتركها تكاسلًا كما تقدم على المنهيات لغلبة الشهوة؛ فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية.
وأما التقسيم الذي ذكروه فيلزم عليه الحبس، والتعزير، والتضييق، والقتل، على أن الرواية قد اختلفت عن الإمام أحمد، فروي عنه: إذا ترك ثلاث صلوات (^٥)؛ فظاهر هذا أنه إذا تضايق وقت الرابعة عن فعلها وجب كفره، وإنما أمهلناه؛ لأنه قد يجوز أنّ تركها لشبهةٍ عارضةٍ كشبهة الردة.
_________________
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله - تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٦/ ٢١، ح ٤٤٨٦ أبي إسحاق، عن البراء ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ١/ ٣٠٧.
(٥) ينظر: الإرشاد ص ٤٦٧، الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥.
[ ٤٢٥ ]
وروي (^١): إذا تضايق وقت/ الظهر على من ترك الفجر؛ فعلى هذا يعتبر ترك صلاة واحدة، وتضايق وقت الثانية، ويعضد هذه الرواية [ظواهر] (^٢) الأخبار في تارك صلاة الفجر، والعصر.
وأما دعواكم أن وقت القضاء موسّع؛ ممنوع؛ بل وقت القضاء موسّع مع عدم الأعذار، وهو على الفور، فلا يسلم أن الوقت في قضائها موسّع، ويشهد لهذا المذهب قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها، لا وقت لها غيره» (^٣)، فبطل ما قالوه.
وأما قول أبي زيد: هذا جناية على محض حق الله - تعالى - (^٤).
قلنا: لم إذا كان جناية على حق الله - تعالى - لا يوجب العقوبة في الدنيا، وقد بيَّنا فساد هذا في مسألة قتل المسلم بالذمي.
أما الكلام الثاني؛ فقوله: ترك ليس بحرام لعينه، وإنما هو حرام لا يتضمن ترك الصلاة.
قلنا: ليس كذلك؛ بل هو حرام لعينه، فإنه لمَّا كان متضمنًا ترك الصلاة كان حرامًا من أوَّله إلى آخره، كما أن أفعال الصلاة لمَّا كانت مأمورًا بها كانت طاعة من أولها إلى آخرها، وكذلك سائر الأفعال، وهذا لأن الأفعال لا تكون حرامًا لعينها، فإنها لو كانت حرامًا لعينها لما أبيح مثلها، فالزنا حرامٌ، والنكاح حلالٌ، والوطء مثل الوطء، وكذلك القتل حرام، وأنه مثله حلال، فدلّ على أنه لا يحرم شيء لعينه، وإنما يحرم لتعلق النهي به، ويصير طاعة لتعلق الأمر به، وكذلك الكفر ما كان كفرًا من حيث جرّ اللسان؛ بل كان كفرًا؛ لأنه تعلق به نهي الشرع.
_________________
(١) ينظر المرجعين السابقين.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ظهواهر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) لم أقف عليه فيما هو مطبوع من كتبه.
[ ٤٢٦ ]
قوله: الكفر ما أوجب القتل، وإنما الموجب المحاربة.
قلنا: قد بيَّنا فساد ذلك في مسألة [قتل] (^١) المسلم بالذمي، وغيرها من المسائل، وكذلك باقي كلامهم على ما عرف في موضعه، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٤٢٧ ]