كفن المرأة، ومؤنة جهازها إلى الآخرة/ في تركتها دون مال الزوج (^١)؛ نصَّ عليه أحمد (^٢)، وهو مذهب الشعبي (^٣)، ومحمد بن الحسن (^٤)، وبه قال ابن أبي هريرة (^٥) من أصحاب الشافعي (^٦).
وعند أبي حنيفة، والشافعي: كفنها على زوجها (^٧).
لنا:
أن الموت معنى يزيل النكاح، ويقطعه، فوجب أنْ يمنع وجوب الكفن على الزوج؛ دليله الطلاق.
أو نقول: الموت يُوجب فرقة تحريم الاستمتاع، ويقطع الانتفاع، ويزيل الملك (^٨) بحيث تباح له أختها، وأربع سواها (^٩)، فأسقط المؤنة،
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٥٩، الجامع الصغير ص ٦٧، الإنصاف ٢/ ٥١٠، المبدع ٢/ ٢٢٢.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية هانئ ١/ ١٨٦.
(٣) أخرجه الدارمي، كتاب الوصايا، باب من قال الكفن من جميع المال ٤/ ٢٠٥٥، ح ٣٢٨٣ من طريق فراس، عن الشعبي، في المرأة تموت، قال: تكفن من مالها، ليس على الزوج شيء.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٠٨، فتح القدير ٢/ ١١٣.
(٥) الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، أبو علي، الفقيه الشافعي، القاضي، بغدادي، إمام مشهور، صاحب وجه في المذهب، كان أحد شيوخ الشافعيين، وله مسائل في الفروع محفوظة، صنف شرح المزني. مات في رجب سنة ٣٤٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٨/ ٢٥٣، وفيات الأعيان ٢/ ٧٥، تاريخ الإسلام ٧/ ٨٢٠].
(٦) ينظر: المجموع ٥/ ١٨٩.
(٧) ينظر للحنفيّة: فتح القدير ٢/ ١١٣، حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٠٦. وللشافعيّة: المجموع ٥/ ١٨٩، روضة الطالبين ٢/ ١١١.
(٨) يعني ملك الزوجيّة؛ لأنه يملك بالعقد الاستمتاع بها، وولاية أمرها.
(٩) يعني أربع سوى الميتة، فتباح أخت زوجته الميتة وثلاث معها، ويدل عليه ما ذكره المصنّف بعده بقوله: (ولأن النكاح ملك ..)، ولأن الإماء تجوز بدون عدد.
[ ٤٢٨ ]
والنفقة، كالطلاق؛ وهذا لأن وجوب الكفن لا بدَّ له من سبب، ولا سبب هاهنا؛ لأن السبب كان هو النكاح، وقد ارتفع، وصار كالعدم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النكاح إنما يبقى في محل النكاح، والميت ليس بمحل؛ لأنه جماد؛ ولأنه أدنى من البهيمة، فيستحيل أن يكون محلًا للنكاح؛ ولأن النكاح ملك فلا يبقى إلا في محل الحياة، كملك اليمين، لا يتصور بقاؤه في الميت، ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها، وأربع سواها، ولولا أن النكاح ارتفع لم يحلّ؛ لأنه يصير جامعًا بين أختين، أو بين خمسة نسوة نكاحًا، وتصور فيما لو ماتت المرأة، وتزوج هو بأختها في الحال؛ فإن عندكم يجب عليه كفنها، ونفقة الحية.
فإن قيل: ليس فرقة الموت فرقة قطع للعصمة، ولا مزيلة للحرمة، وإنما هي كاشفة عن التمسك المكمل المستوعب لجميع العمر، وقد جعل الشرع ذلك كإتمام الوصلة بما أثبت من الحرمة، فأوجب التوارث بغير حجبٍ، وقدمه عندكم على جميع الأقارب في الصلاة عليها (^١)، وبقاء حرمة أوجبت إباحة غسل كل واحدٍ منهما لصاحبه، وقرر الصداق (^٢) كاملًا، وجعل الموت كالدخول؛ لأن الدخول غاية الاستيفاء، والموت على العقد غاية/ التمسك والوفاء بالعقد، بخلاف الطلاق الذي هو قطع له دون غايته.
قلنا: التمسك بالعصمة إلى حين [الموت] (^٣) أوجب النهاية والغاية، والغاية في كل شيء تخالف ما قبلها من الملك وأحكامه، فأما الإرث فإنه في مقابلة أن لو كان هو الميت، وهو من خصائص زوال الملك، لا من دلائل الملك، وإنما أجري مجرى القرابة فورث به تشبيهًا بالقرابة،
_________________
(١) ينظر: الإرشاد ص ١٢٤، الإنصاف ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥.
(٢) الصَداق والصِداق: مهر المرأة، سمي بذلك لقوته وأنه حق يلزم. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٠٦، مقاييس اللغة ٣/ ٣٣٩].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الميت)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤٢٩ ]
والمبتوتة (^١) ترثه ولا يكفنها، والمولى من أسفل (^٢) لا يلزم مولاه كفنه وإن كان يرثه.
وأما تقرير المهر؛ فإن الملك للغير تلف على ملكه، وهو من ضمانه عندنا وإن لم يقبض (^٣)، أو نقول: إن تلف ما لا يعتبر له القبض مضمون، وهذا مما لا يعتبر لو أن ملكه انقبض، ولأنه الغاية، فهو كانقضاء مدة الإجارة.
وأما إباحة الغسل، فلا يعطي ثبوتها وبقاؤها بقاء الزوجية، بدليل تحريم الغسل على الزوج بنفس الموت عند أبي حنفية (^٤)، ومحال أن يكون الموت - وهو معنى واحد - مزيلًا للنكاح في حقه، غير مزيل له في حقها.
وأما الشافعي قال: الغسل من آثار النكاح التي لا يجوز أن تقتضي إيجاب مال، ولا يدل عليه، كما أن التحريم الباقي بعد النكاح - وهو من آثاره - لا يدل على بقاء إيجاب النفقة، على أن جواز الغسل هو ستر لها حيث كان في حال الحياة أخصّ من أهلها بها، وبالوقوف على عورتها، فكان من سترها توليه لها، وهو نوع منّة، فلا يجوز أن يُجعل مثل هذا موجبًا لتغريم في ماله (^٥).
طريقة أخرى: أن الكسوة في مقابلة الاستمتاع، وقد تعذر ذلك من جهتها، فيجب أن تسقط، دليله حالة الحياة إذا تعذر ذلك بنشوزها؛ بل هذا أولى؛ لأن النشوز يرجى زواله، وهذا لا يرجى زواله،
_________________
(١) المبتوتة هي: المطلقة طلاقًا بائنًا، أصله: من بَتَّ الحبل؛ إذا قطعه، كأنه قطع بالطلاق مواصلتها ومعاشرتها. [ينظر: النهاية ١/ ٩٣].
(٢) المولى من أسفل: المنعَم عليه بالعتق. [ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه ص ٢٣٩].
(٣) ينظر: الإنصاف ٨/ ٢٦٥، الفروع ٥/ ٢٨٠، شرح المنتهى ٣/ ١٦.
(٤) لا يجوز للزوج أن يُغسِّل امرأته، ويجوز للمرأة أن تُغسِّل زوجها، عند أبي حنيفة. [ينظر: حاشية ابن عابدين ٢/ ١٩٨، الأصل ١/ ٣٥٥]. ويجوز للرجل أن يتولى غسل امرأته عند الشافعي. [ينظر: الاصطلام ١/ ٣٢٣، روضة الطالبين ٢/ ١٠٣].
(٥) لم أقف عليه.
[ ٤٣٠ ]
يدل عليه أن الناشز باقية على حبسه/ لكن لما أُجل استمتاعه بامتناعها سقطت نفقتها مع ترجّي التمكين، والموت حصل به الإياس من المتعة.
فإن قيل: المعنى في النشوز إنما أسقط النفقة؛ لأنه جاء من جهتها، وليس كذلك الموت؛ فإنه جاء من غير جهتها.
قلنا: يبطل على أصل أبي حنيفة به إذا قتلت نفسها قبل الدخول؛ فإنه لا يُسقِط المهر وإن كانت الفرقة جاءت من جهتها (^١).
وعلى أصلهما جميعًا بقتلها نفسها، فإنه يُوجبُ تكفينها على الزوج وإن كان موتها بسبب من جهتها، وهو القتل، وكذلك العبد والأمة إذا قَتَلا أنفسهما وجب تكفينهما على السيد وإن كان موتهما بسبب من جهتهما.
وعلى أن الإجارة والبيع قبل التسليم إذا جاء التعذر من قِبَل البائع والمؤجر سقط العوض، ولو جاء من قِبَل الله - تعالى - بالموت، وانهدام [للدار] (^٢) المستأجرة سقط العوض.
طريقة أخرى: نقول: أجمعنا، واتفقنا على أن النفقة في حالة المرض لا تجب، كذلك الكفن بعد الموت، ونعني بالنفقة مما يُحتاج إليه من الدواء، وأجرة الطبيب، والرياحين (^٣) الموصوفة لتقوية أنفاسها، بما يزيد على نفقة الصحة، وهذا لأن المرض بريد الموت ورائده، قال ﵇: «الحمّى رائد الموت» (^٤)، فإذا لم تجب النفقة المختصة بالمرض،
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٢٩٤، الجوهرة النيرة ٢/ ١٣.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (اللدات)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) الرَيْحان: كل بقل طيب الريح، واحدته ريحانة، والجمع: رياحين. [نظر: المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٥٠٩].
(٤) روي من حديث عبد الرحمن بن المرقع، وقد أخرجه ابن قانع ٢/ ١٦٤، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ١٨٤٧، ح ٤٦٥٧، والقضاعي في مسند الشهاب ١/ ٦٩، ح ٥٩، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ١٦٠، الخطيب في تلخيص المتشابه ١/ ٣٤ من طريق أبي عاصم العباداني، عن المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المدني، عن عبد الرحمن بن المرقع قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر وهو في ألف وثمان مائة، فقسمها على ثمانية عشر سهمًا، فوقع الناس في الفاكهة، فأخذتهم الحمى، فشكوها إلى رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، إن الحمى رائد الموت، وسجن الله في الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان، ثم صبوه عليكم فيما بين الصلاتين - يعني المغرب والعشاء ـ، يا أيها الناس لم تملوا وعاء شرًا من بطن إذا ملئ، فإن لابد فاجعلوا ثلثًا للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للنفس». وقال في طرح التثريب: إسناده فيه جهالة. وقال الهيثمي: فيه المحبر بن هارون ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. [ينظر: طرح التثريب ٨/ ١٨٨، مجمع الزوائد ٥/ ٩٥].
[ ٤٣١ ]
وهي من علق الحياة، وأسبابها المعتادة، والنكاح قائم، والعصمة باقية، ومحل الاستمتاع باقٍ، فأولى أن لا يلزمه الكفن في حال الموت، مع فوات المحل، وزوال النكاح، كان ذلك بطريق الأولى؛ لأن نفقة المرض لاستصلاح ملكه، ونفقة التجهز إلى القبر أمر أحوج إليه بعد زوال ملكه عنها.
يدل عليه: أن النكاح قد أُجري مجرى الإجارة؛ لأنه عقد على المنافع، فحالة المرض هي كحالة تشعّث (^١) / الدار على المالك، وموت الزوجة كخراب الدار، وذلك على المؤجر - أيضًا ـ، كذلك هاهنا.
فإن قيل: الدواء ليس بواجب، ولهذا ذهب بعضهم إلى أن تركه أفضل من استعماله، فلما لم يجب عليه في حق نفسه، فأولى أن لا يجب في حق زوجته.
قلنا: الدواء قد أُجري مجرى العقد في حال الصحة؛ لأنه يحفظ القوة، وذلك واجب.
الثاني: أنه قد يلزم الإنسان في حق غيره ما لا يلزمه في حق نفسه، بدليل الناعم من الملبوس، والطيب من المأكول، فجاز أن تلزمه نفقة المرض.
فإن قيل: الجواب عن نفقة المرض من وجهين:
أحدهما: أنها مجهولة، ولا يعلم قدر المرض كم يبقى، وهو من زوائد الإنفاق، فلا يجب، بخلاف الكفن.
_________________
(١) التشعث: التفرق، وانتشار الأمر. [ينظر: تهذيب اللغة ١/ ٢٥٩، الصحاح ١/ ٢٨٥، المحكم والمحيط الأعظم ١/ ٣٥٥].
[ ٤٣٢ ]
الثاني: أن نفقة المرض ليست من جنس ما وجب بعقد النكاح، والكفن من جنس ما وجب بعقد النكاح، وهو الكسوة.
قلنا: أما قولكم: إنها غير مقدرة؛ فليس كذلك؛ بل هي مقدرة بقدر الحاجة، فكان ينبغي أن يُعتبر هذا، ولا يجوز أن يكون عدم العلم ببقاء المرض وقَدْرِه علّة مانعة من وجوب الإنفاق، والدليل عليه: نفقة الأقارب، وفقراء المسلمين؛ فإنها واجبة على القرائب، وفي بيت مال المسلمين، ولم يُنظر إلى ما قالوه قبل، فقام الإنفاق عليهم بقدر الحاجة، كذلك هاهنا، على أن نفقة المرض وإن كانت من زوائد الإنفاق، فالكفن بعد الخروج عن حيز أهل الدنيا، وحيز الاستمتاع والألفة من الحي والميت، بل الأدويةُ تلاقي في حالةٍ عقدُ النكاحِ فيها [باقٍ] (^١)، وبعدَ الموت إنما هو ستر غير معقول المعنى؛ لأنه لو كان للستر لكان في التراب كفاية.
وأما قولهم: إن نفقة المرض ليست من جنس ما وجب بعقد النكاح؛ ليس كذلك؛ لأن الأشربة والأدوية من جنس الأغذية، وإن اختلفا في المأكول؛/ لأن الأدوية متولدة مما يتغذى به، وهي من جنسه، ثم هذا المعنى موجود في الكفن؛ لأن الكفن ليس من جنس كسوة النكاح من طريق الصورة، ولا من طريق العدد؛ ولأن جهازها الذي اختلفنا فيه هو عبارة عن الكفن، ومؤونة الغسل، والحَنُوط، وحفر القبر، وليس ذلك من جنس ما أوجبه عقد النكاح.
طريقة أخرى: أن النفقة والكسوة تجب مع بقاء النكاح، فلا تجب مع بقاء سببه، دليله حالة الحياة لا تجب مع بقاء سببه، وهو العدة، وهذه الطريقة تخص الشافعي (^٢)؛ لأن عند أبي حنيفة أن المطلقة تستحق النفقة (^٣)، يبين صحة هذا أن زمان العدة أقرب إلى النكاح؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (باقي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ينظر: المجموع ٦/ ١١٧، روضة الطالبين ٢/ ٢٩٥.
(٣) ينظر: المبسوط ٥/ ٢٠١، الجوهرة النيرة ٢/ ٨٥.
[ ٤٣٣ ]
لأنها محبوسة عن الأزواج لحقه، فلا يجوز أن يزوج بأختها، وأربع سواها، وبعد الموت يجوز ذلك، ثم ثبت أن حال الحياة لا تلزم الكسوة، فأولى أن يكون بعد الموت.
طريقة أخرى: أن هذه ليس بينه وبينها نسب، ولا ملك يمين، فلا يلزمه تكفينها، دليله الأجنبية التي لم تكن زوجة.
فإن قيل: إن لم يكن بينهما نسب، فبينهما سبب، وهو الزوجية.
قلنا: ذلك السبب قد انقطع بالموت.
فإن قيل: فالنسب - أيضًا - (^١) قد انقطع بالموت.
قلنا: بل النسب بعد الموت باقٍ، وكذلك حكمه، فإن أولاد المناسبين يرثون، وأولاد الزوجة لا ميراث لهم.
طريقة أخرى: أن إيجاب الكفن لا يخلو إما أن يقولوا: وجب على الزوج في حال الحياة، أو وجب بعد الموت؛ فإن قالوا: وجب في حال الحياة كوجوب الكسوة؛ فليس جنس هذا، ولا صفته صفة الكسوة في حال الحياة، وإن قلتم: وجب بالموت؛ [فالموت] (^٢) من شأنه أن يُسقط، فأما أن يوجب فلا.
فإن قيل: قد يوجب الموت، بدليل الميراث.
قلنا: استحقاق/ الميراث إنما هو بسبب الزوجية، وذلك في حال الحياة، وإنما استيفاؤه حصل بعد الموت، فهو كالدين المؤجل، استحقاقه سابق واستيفاؤه عند وجود الأجل.
جواب آخر: يجوز أن يحدث الموت حقًّا لم يجب من قبله،
_________________
(١) في هذا المكان من الأصل كلمة: (هم)، وإسقاطها هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٤٣٤ ]
ولا يوجب التكفين، كطلاق المفوضة (^١) قبل الدخول يوجب المتعة، ولو لم يطلقها لم يجب، ولا يجب عليه تكفينها.
طريقة أخرى: أنه أحد الزوجين، فلا يلزمه كفن الآخر، دليله الزوجة، لا يلزمها كفن زوجها، كذلك الزوج.
فإن قيل: الزوجة لا يلزمها كسوته في حال الحياة، فلهذا لم يلزمها بعد الموت، بخلاف الزوج؛ فإنه يلزمه كسوتها في حال حياتها، فلزمه بعد الموت.
قلنا: حال الحياة الزوجية باقية، وبعد الموت قد انقطعت، فلا يجوز اعتبار أحدهما بالآخر في الكفن، كما لم يجز اعتبار أحدهما بالطلاق، وتبطل بالناشز، لا يلزمه كسوتها في حال الحياة، ويلزمه كفنها عندهم، فبطل هذا.
طريقة أخرى: نفرض الكلام في الكفن، فنقول: سترة يختص وجوبها بحق الله - تعالى ـ، فلم تجب على الزوج، دليله ثوبي الإحرام، والدليل على أن الكفن تعبد محض لا يعقل معناه أنه إن كان لأجل ستر العورة فيجب أن تستر إلى حين الدفن، والتراب يستره، أو يجب قدر ستر العورة خاصة، والطيب يراد للشم، وذكاء الريح، وهو يَثْوِي (^٢) في التراب ويتغير، ويعتبر فيه بعداد الكفن، ولأنه لا يسقط بإسقاط الآدمي، فلا يقدم عليه دين، ولا حق لآدمي، ولا يلزم سترها حال الحياة؛ لأنه لا يجب من السترة ما كان حقًّا لله، وإنما يجب ما كان لدفئها، وطلبها، وزينتها.
فإن قيل: يجوز أن يجب عليه لأجلها ما هو حق لله بعد الموت،
_________________
(١) التفويض: أن يزوج الرجل ابنته بغير صداق برضاها أو رضا أبيها، سواء سكتا عن ذكره، أو شرطا نفيه، وهو على ضربين: ١ - تفويض البضع: وهو أن يزوج الأب ابنته البكر أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر. ٢ - تفويض المهر: وهو أن يتزوجها على ما شاء أو شاء أحدهما. [ينظر: المبدع ٧/ ١٦٦].
(٢) ثَوى بالمكان يثوي ثَواء وثُوِيًّا: أطال الإقامة به، وثُوِيَ الرجل: قُبِرَ؛ لأن ذلك ثَواء لا أطول منه. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢٢٩٦، المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٢٢٣].
[ ٤٣٥ ]
كما وجب عليه صدقة الفطر عنها، وأما الإحرام/ فلا يختص بملبوس؛ لأنه (^١) يجوز أن تحرم في ثيابها.
قلنا: صدقة الفطر، وجبت لأجل التزام المؤنة، ولهذا وجبت لأجل القرابة وإن لم يجب الكفن لأجل القرابة.
وأما عذرهم عن الإحرام فلا يصح؛ لأنه ينبغي أن يقولوا: ها هي تكفن في ثيابها، ولما قلت: لا تكفن في ثيابها، وتجعل لورثتها، ويلزم الزوج تكفينها، دل على ما ذكرنا.
طريقة أخرى: أن الأصل براءة ذمة الزوج من الكفن، فمن ادعى شغل ذمته بالكفن فعليه الدليل.
فإن قيل: نقابله بمثله، فنقول: أجمعنا على وجوب كسوة المرأة على الزوج في حال الحياة، فمن ادعى إسقاطها عنه بالموت فعليه الدليل.
قلنا: قد دللنا عليه.
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال في خبر طويل لعائشة: «ما عليك لو متِّ، فغسلتكِ، وكفنتكِ، وصليت عليكِ» (^٢)، فأخبر أنه كان يكفنها، فدلّ على وجوب الكفن على الزوج.
والفقه فيه: أنه نوع ملك يوجب كسوة حال الحياة، فأوجب المواراة بالتكفين بعد الموت، دليله ملك اليمين في حق العبد والأمة، يقرب ما بينهما أن الملك في كل واحد منهما يزيله الموت، بل النكاح آكد دوامًا وبقاء؛
_________________
(١) بهذا المكان في الأصل حرف: (لا)، والموافق للسياق حذفه.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته، وغسل المرأة زوجها ١/ ٤٧٠، ح ١٤٦٥ من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. قال البوصيري: إسناده صحيح. [ينظر: مصباح الزجاجة ٢/ ٢٥].
[ ٤٣٦ ]
لأن أثره يحصل به الإرث، وهو نوع ارتفاق (^١) بمالها، فكان هذا النوع من الملك أحق بإيجاب المواراة، وهذا لأن عقد النكاح أوجب بينهما من الموالاة ما إذا تمت به العصمة إلى حين الوفاة كان من حقها عليه القيام بمؤونة المواراة، ولهذا أوجب هذه الوصلة للإرث، وإباحة الغسل، وأوجبتْ عندكم تقدمه في الصلاة عليها، على الأولياء كلهم من أقاربها/ وعشائرها (^٢).
وفي ترك تجهيزها - لا سيما إذا لم يكن لها مال - هجنة في الألفة، فلا يحسن بمحاسن الشرع اطّراح الحرمة، وإسقاط حكم الألفة المتمسك بها إلى حين الموت، وهذا كلّه لمعنى، وذلك أن الشرع ورد بمكارم الأخلاق، وليس من المكارم استصحاب نكاح إلى حين الموت، ثم نكل الموت إلى مالها.
ومنهم من قال: من كانت نفقته عليه في حال حياته، وجب عليه تكفينه بعد موته، دليله الوالدان و[المولودان] (^٣).
الجواب:
أما الحديث فيحتمل قوله: «كفنتك» على وجه الكرم والتفضل، لا على وجه الإيجاب.
الثاني: أن قوله: «كفنتك» ليس فيه ما يدل على أن الكفن من ماله؛ لأنه يجوز: كفنتك من مالي، ويحتمل: كفنتك من مالك، وإذا كان محتملًا مترددًا، حملناه على تكفينه بمالها، بدليل ما ذكرنا.
وأما قياسهم على المملوك فلا يصح؛ لأن المملوك لا مال له، والسيد أخص بنفقته ومؤنته، ولهذا النفقة المختصة بالمرض لازمة له من ثمن الدواء، وأجرة الطبيب، بخلاف الزوجة، ولأن المملوك لا تسقط نفقته بالإباق إذا كان عبدًا، والأمة إذا منعته من الاستمتاع بها، كما تسقط في حق الزوجة بالنشوز، ولأنه يملك من الرقيق حال الحياة ما لا يملكه من زوجته، وهو البيع،
_________________
(١) الارتفاق: الانتفاع، وارتفقت به: انتفعت به. [ينظر: المصباح المنير ١/ ٢٣٤].
(٢) ينظر: الإرشاد ص ١٢٤، الإنصاف ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (المولودين)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٤٣٧ ]
والإجارة، والإعارة، فجاز أن يتخصص بمؤنته حال حياته، وبعد وفاته، بخلاف الزوجة، ولهذا لو كانت بهيمة كان نقل جيفتها عليه، وكانت نفس جيفتها له، ويكون أخص بها من بين سائر الناس، لإطعام [صقوره] (^١)، وكلابه، و[فهوده] (^٢)، وإذا اندبغ جلدها كان له.
وأما تعرضهم [للعصمة] (^٣)، وحق النكاح، فباطل بنفقة المرض؛ فإنه لا أهجن وأشنع في اطراد عادة الناس، وحقوق العشرة من الإعراض عن نفقة زوجةٍ/ يستمتع بها على مر السنين، ويرزق منها الأولاد من البنات والبنين، يعرض لها ما يوجب إخراج الدم فلا يدفع أجرة طبيب ولا حجام؛ بل يعتمد على دفع ذلك مما يقيمه لها من ثمن الخبز، والإدام، ولا يقضي عنها دينًا - وإن قل - إذا كانت معسرة، ولا يخرجها من حبس الحاكم، فلا يكون ذلك هجنة في الشرع!
ولأن هذه العشرة المتأكدة الموجبة لإرث كل واحد منهما من صاحبه لا توجب تكفينه عليها مع تمسكه بعصمة نكاحها إلى حين وفاتها، كذلك لا يجب لها ذلك مع ما ذكرتم.
وأما قياسهم على الأقارب أن النسب الذي يستحقون به النفقة باق لم يزل، وهو النسب، وليس كذلك الزوجية؛ فإنها قد انقطعت بالموت؛ ولأن فقر الأبوين يوجب أن تكفينهم في أقرب المال إليهم، وأقربه مال ولده؛ ولأن الشرع قد جعل ذلك ماله، فقال: «أنت ومالك لأبيك» (^٤)، ولم يجعل ذلك [لغيره] (^٥)، فدل على الفرق، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (صقوريه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (فهوديه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (للعصمية)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده ٢/ ٧٦٩، ح ٢٢١٩، والإمام أحمد في مسنده ٢/ ٢٠٤، ح ٩٦٠٢، والطبراني في المعجم الصغير ١/ ٢٤، ٢/ ١٥٣ قال ابن رجب في فتح الباري ٨/ ٧١: مجموع طرقه لا تحطّه عن القوة، وجواز الاحتجاج به.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (غيره)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤٣٨ ]
مسألة
الصلاة على الميت تستفاد بالوصية، ويكون الوصي أولى بالصلاة عليه من الولي، والوالي عندنا (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، وهو اختيار الخِرقي (^٣)، وأبي بكر عبد العزيز (^٤)، وهو مذهب أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وسعيد بن زيد (^٥)، وأم سلمة (^٦)، وابن سيرين (^٧) (^٨)، وإسحاق (^٩).
وعند أبي حنفية، ومالك، والشافعي: لا تستفاد الصلاة بالوصية بحال، والولي أولى (^١٠).
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٦٠، الانتصار ٢/ ٦٤٨، الإنصاف ٢/ ٤٧٢.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٣١٥.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٣٧.
(٤) لم أقف عليه في مظانه.
(٥) سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي، أبو الأعور، ابن عم عمر بن الخطاب وصهره، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر وشهد أحدًا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه يوم بدر، لأنه كان غائبًا بالشام، وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته، لأنه كان زوج أخته فاطمة، وشهد اليرموك، وفتح دمشق، مات سنة ٥٠ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٦١٤، أسد الغابة ٢/ ٢٣٥، الإصابة ٣/ ٨٧].
(٦) نسب ذلك للصحابة المذكورين ابن قدامة في المغني ٢/ ٣٥٨.
(٧) محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري، الإمام الرباني، صاحب التعبير، مولى أنس بن مالك، كان أبوه من سبي جرجرايا، فكاتب أنسًا على مال جليل فوفّاه، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وكان فقيهًا، ورعًا، حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب. مات سنة ١١٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٨١، تاريخ الإسلام ٣/ ١٥١].
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب ما قالوا فيمن أوصى أن يصلي عليه الرجل ٢/ ٤٨٣، ح ١١٣٠٣ من طريق ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: ما علمت أن أحدًا أحق بالصلاة على أحد إلا أن يوصي الميت، فإن لم يوص الميت صلى عليه أفضل أهل بيته.
(٩) ينظر: المجموع ٥/ ٢٢٠.
(١٠) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٤١، البناية ٢/ ٩٨٠. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٣٤٥، المجموع ٥/ ٢٢٠. أما المالكيّة فما وقفت عليه أن الوصي أحق بالصلاة من غيره إذا كان الموصى إليه له حال في العلم والخير. [ينظر: الكافي لابن عبد البر ١/ ٢٧٦، مواهب الجليل ٢/ ٢٥١].
[ ٤٣٩ ]
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (^١)، فتهدد مبدل الوصية، وكذلك أثبت حقوق الورثة في ماله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (^٢)، فدل على أنه لا يثبت لهم حق إلا بعد الوصية، وإذا كان هذا فيما ينتقل/ إليهم، ويعود نفعه عليهم، يقطعه عنهم بالوصية، فما هو له ويعود نفعه إليه أولى بأن يكون له قطعه عنهم بالوصية.
والمعتمد في المسألة: [ما] (^٣) احتج به الإمام أحمد ﵁ من إجماع الصحابة ﵃.
فروي أن أبا بكر ﵁ أوصى أن يصلي عليه عمر (^٤).
وعمر وصّى أن يصلي عليه صهيب (^٥)، فلما وضع سرير عمر ابتدره اثنان، فروي أنهما عثمان، وعلي، وروي أنهما علي، والزبير (^٦)،
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨١.
(٢) النِّساء: ١١.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) صهيب بن سنان بن مالك - ويقال: خالد - بن عبد عمرو بن عقيل - ويقال: طفيل - بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة، النمري، أبو يحيى، يعرف بالرومي؛ لأنه أخذ لسان الروم إذ سبوه وهو صغير، ونشأ بالروم، فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه، ويقال: بل هرب من الروم فقدم مكة، فحالف ابن جدعان، أسلم هو وعمار، ورسول الله ﷺ في دار الأرقم، وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله، وهاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السنة فقدما في نصف ربيع الأول وشهد بدرًا والمشاهد بعدها. مات سنة ٣٨ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٧٢٦، أسد الغابة ٢/ ٤١٨، الإصابة ٣/ ٣٦٤].
(٦) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، أبو عبد الله، حواري رسول الله ﷺ، وابن عمته صفية، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وجمع له النبي ﷺ أبويه يوم أحد، أسلم وله: ست عشرة سنة، وقيل: ثمان سنين، كان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه ليرجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدًا. ولم يتخلّف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ، وكان أول من سلّ سيفًا في سبيل الله، قتل سنة ٣٦ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٥١٠، أسد الغابة ٢/ ٩٧، الإصابة ٢/ ٤٥٧].
[ ٤٤٠ ]
فقال لهما صهيب: اُدخلا في الصف، ما أحب إليكما الإمرة، ما رأيت من أمركم أعظم من هذا. فدخلا في الصف (^١)، روى ذلك الإمام أحمد، وابن حامد، وذكره ابن جرير (^٢) في «تاريخه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٣٦٧ عن محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث قال: قال عمر فيما أوصى به: فإن قبضت فليصل لكم صهيب ثلاثًا، ثم أجمعوا أمركم فبايعوا أحدكم، فلما مات عمر ووضع ليصلى عليه أقبل علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن بن عوف: إن هذا لهو الحرص على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما، ولقد أمر به غيركما، تقدم يا صهيب فصل عليه، فتقدم صهيب فصلى عليه. وأخرج نحوه في حديث مطول ابن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ٩٢٤ من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، والطبري في التاريخ ٤/ ١٩٠ من طريق عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة.
(٢) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر، الطبري، الإمام صاحب التصانيف، من أهل آمل طبرستان، ولد سنة ٢٢٤ هـ، وكان أحد الأئمة، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله؛ بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم، له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم، وكتاب التفسير الذي لم يصنف مثله، وكتاب تهذيب الآثار، لكن لم يتمه، وكتاب القراءات، وغيرها. مات سنة ٣١٠ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٥٤٨، وفيات الأعيان ٤/ ١٩١، تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٠].
(٣) كتاب: (تاريخ الرسل والملوك)، لابن جرير الطبري، سجل فيه التاريخ إلى عصره، قال القفطي: أجل كتاب في بابه. قال ابن خلكان: أصح التواريخ وأثبتها. روي أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. فقال: إنا لله، ماتت الهمم. فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة. [ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٥٥٠، إنباه الرواة ٣/ ٨٩، وفيات الأعيان ٤/ ١٩١، تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٢].
[ ٤٤١ ]
وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير (^١).
وأوصى أبو بكرة (^٢) أن يصلي عليه أبو [برزة] (^٣).
وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة (^٤).
وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن [زيد] (^٥).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) نفيع بن الحارث - ويقال: ابن مسروح - بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، أبو بكرة، الثقفي، مشهور بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، سكن البصرة، وأنجب أولادًا لهم شهرة، وكان تدلى إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة، فاشتهر بأبي بكرة، أعتقه رسول الله ﷺ، وهو معدود في مواليه، وكان ممن اعتزل يوم الجمل. مات سنة ٥١ هـ[ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٥٣٠، أسد الغابة ٥/ ٣٨، الإصابة ٦/ ٣٦٩].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (بردة)، وهو ما ذكره أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٦٥١، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من تاريخ دمشق ٦٢/ ٢٢٠، ولم أقف عليه مسندًا.
(٤) لم أقف عليه، لكنّ صلاته عليها صلاته عليها ثابتة كما روى عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الجنائز، باب هل يصلي على الجنازة وسط القبور ٣/ ٥٢٥، ح ٦٥٧٠.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (جبير)، وما أثبته هو الصحيح، فقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب ما قالوا فيمن أوصى أن يصلي عليه الرجل ٢/ ٤٨٣، ح ١١٢٩٩ عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، قال: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد. ومن طريق ابن أبي شيبة؛ أخرجه ابن المنذر، كتاب الجنائز، جماع أبواب الصلاة على الجنائز، ذكر الوصي والولي يجتمعان ٥/ ٤٣٩، ح ٣٠٦٥، وأخرجه الحاكم ٤/ ٢١، ح ٦٧٦٧ من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا خالد، وجرير، عن عطاء بن السائب، قال: كنا قعودًا مع محارب بن دثار، فقال: حدثني ابن لسعيد بن زيد، أن أم سلمة، أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد؛ خشية أن يصلي عليها مروان بن الحكم.
[ ٤٤٢ ]
وأوصى أبو [سريحة] (^١) (^٢) أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فلما وضعت جنازته جاء عمرو بن حريث ليتقدم، وكان أمير الكوفة، فقال له ولده: أصلح الله الأمير، إن أبي وصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فقدم زيد (^٣).
وأوصى أبو ميسرة (^٤) أن يصلي عليه شريح (^٥) (^٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (شريحة)، وما أثبته هو الصحيح كما سيرد آنفًا في تخريج الأثر.
(٢) حذيفة بن أَسيد - بالفتح - بن خالد بن الأغوس، الغفاري، أبو سَرِيْحَة - على وزن عجيبة - مشهور بكنيته، شهد الحديبية، وذكر فيمن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الكوفة، وروى أحاديث. مات بالكوفة سنة ٤٢ هـ وصلى عليه زيد بن أرقم. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٣٣٥، ٤/ ١٦٦٧، أسد الغابة ١/ ٤٦٦، ٥/ ١٣٦، الإصابة ٢/ ٣٨].
(٣) أخرجه ابن المنذر، كتاب الجنائز، جماع أبواب الصلاة على الجنائز، ذكر الوصي والولي يجتمعان ٥/ ٤٣٨، ح ٣٠٦٣ من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن ابن عون، أن أبا سريحة.
(٤) عمرو بن شرحبيل، أبو ميسرة، الهمداني، الكوفي، كان سيدًا صالحًا عابدًا، إذا جاءه عطاء تصدق به، ولما احتضر أوصى أن لا يؤذن بجنازته أحد. مات في ولاية عبيد الله بن زياد بالكوفة. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ٦٩٠].
(٥) أبو أمية، شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، قاضي الكوفة، الفقيه، أسلم في حياة النبي ﷺ وانتقل من اليمن زمن الصديق، استقضاه عمر بن الخطاب ﵁ على الكوفة، فأقام قاضيًا خمسا وسبعين سنة لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنتين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة، وكان شاعرًا محسنًا، وكان مزاحًا. مات سنة ٨٧ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٦٠، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٠٠].
(٦) أخرجه ابن سعد ٦/ ١٠٨، وابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب ما قالوا فيمن أوصى أن يصلي عليه الرجل ٢/ ٤٨٣، ح ١١٣٠١، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٢١٧، وابن أبي خيثمة في التاريخ ٣/ ١٧٣، ح ٤٣٣٤، وأبو زرعة الدمشقي في التاريخ ص ٦٥٣، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٧٧، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤٣ من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة.
[ ٤٤٣ ]
ذكر هذه الأخبار شيخنا (^١) ابن حامد، وغيره (^٢).
فوجه الدلالة: أن أبا بكر وصى أن يصلى عليه عمر، وكان له أولاد، وعمر وصى وكان له أولاد، وبقية الصحابة وصوا بذلك، فمنهم من كانت له مناسب، ومنهم من كان السلطان أحق بالصلاة عليه، ولم ينقل عن أحد منهم أنه خالف ذلك، ولم يتقدم.
الثاني: أنه لو لم تستفاد الصلاة على الميت بالوصية لما وصوا بذلك؛ لأنها تكون وصية بما لا يلزم، فلا تفيد فائدة، كالوصية بأكثر من ثلث المال.
_________________
(١) تكرر ذكر (ابن حامد) في القدر المحقق من الكتاب (٨) مرات، ولم يسمّه المصنِّف إلا مرة واحدة بـ (شيخنا)، ولعل ذلك لا يخرج عن الآتي:
(٢) إما أن هذه العبارة منقولة كما هي من كتاب التعليق الكبير لأبي يعلى؛ فقد استفاد المصنف من كتاب التعليق الكبير، وأبو يعلى دائمًا ما يسمي (ابن حامد) بـ (شيخنا). [ينظر مثلًا: العدة ٣/ ٧٢٥، ٨٠٧].
(٣) وإما أنّ المصنف يعني بهذه العبارة: شيخنا في المذهب أو المنهج أو الطريقة الفقهية.
(٤) وإما أنها عبارة دارجة عند بعض المتقدمين، فيطلقونها على من يستفيدون منه ولو لم يجلسوا إليه ويدرسوا عليه، فقد قال ابن رجب في ترجمة ابن رزين: «صنف تصانيف منها "التهذيب" في اختصار المغني، وسمى فيه الشيخ موفق الدين بـ "شيخنا"، ولعله اشتغل عليه» [ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٦٤]، ولم أقف على من ذكر أن ابن رزين تتلمذ على الموفق ابن قدامة. قلت: وإطلاق عبارة (شيخنا) على من يستفيد منه الإنسان ولو لم يجلس إليه ويتتلمذ عليه جارٍ على أصول اللغة؛ فإن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، كما في قول الله - تعالى ـ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، فقد نسب الأموال للأولياء وهي لليتامى؛ لأن الأولياء هم الناظرون عليها. ويبعد أن مُصنف هذا الكتاب تتلمذ على (ابن حامد)، لأننا إن قلنا بذلك فهذا يعني أنه قد عاصر القاضي أبو يعلى، وقد تكرر ذكر القاضي أبو يعلى في الكتاب (٢٨) مرة، ويبعد أن يذكر قرينه في العلم أكثر من شيخه بأضعاف!
(٥) ينظر: الانتصار ٢/ ٦٥٣.
[ ٤٤٤ ]
فإن قيل: ماله والولاية على أولاده الأصاغر حق ثابت له (^١) / في حال حياته، فجاز أن يوصي به، بخلاف مسألتنا، فإن الصلاة عليه ليست بحق له حال الحياة، وإنما تجب بالموت، وهو في تلك الحالة لا يملك الحقوق، وإنما يحدث الحق بعد موته للأولياء، فلا يملك أن يوصي بما لا يملكه.
قلنا: لو لم يملكه لم ينتقل إلى ورثته؛ لأن الرسول قال: «من ترك حقًّا فلورثته» (^٢)، فإن لم يكن هذا حقه فكيف يكون الورثة أحق به؟ بل يجب - إن لم ينتقل ـ[أن] (^٣) يكون المسلمون فيه سواء، كما قال داود (^٤).
على أنا نقول: بل هو المتسبب إلى ما يعود بنفعه في ثوابه، وتحمله، ومنفعته في الدنيا، وهو أن ينسب إليه بتحصله له بعد موته، ولهذا ينسب إلى تعلم العلم، وإيقاف الوقوف ليجري له ثواب ذلك بعد موته على ما قال ﵇: «كلّ عمل ابن آدم ينقطع بموته، إلا من ثلاث: علم ينتفع به بعد موته، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له» (^٥).
وقولكم: إنه لا يملك الحقوق بعد موته؛ فلا نُسلّم ذلك؛ فإنه لو نصب شبكة، ومات فتعلق فيها صيد، كان له حتى تقضى منه ديونه، وتنفذ وصاياه، وكذلك لو جرحه إنسان خطأ فمات، كانت الدية حادثة على ملكه، وكذلك إذا وصّى كانت الوصية سببًا قاطعًا لحق الورثة،
_________________
(١) بهذا المكان في الأصل: (حق)، وبحذفها يستقيم السياق.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع ٣/ ٩٧، ح ٢٢٩٨)، ومسلم، كتاب الفرائض ٣/ ١٢٣٧، ح ١٦١٩ من حديث أبي هريرة، بلفظ: «من ترك مالًا فلورثته».
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٦٥٦.
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الوصية ٣/ ١٢٥٥، ح ١٦٣١ من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
[ ٤٤٥ ]
فثبت ماله بحق الورثة فيه بعد الموت لولا [حدث] (^١) الوصية، وكان ينقطع بالوصية، وكذلك النظر في حق أطفاله، يحدث بموته للحاكم، ثم يقطعه بوصيته.
على أن علة الأصل قد مضت عليهم بما زاد على الثلث من ماله، وبولاية النكاح في حق بناته، هو حق له في حالة الحياة، ولا يملك نقله بالوصية عندهم في المسألتين، وعندنا في المسألة الأولى.
فإن قيل: يحتمل أن يكون الأولياء رضوا بذلك وأذنوا.
قلنا: لو كان ذلك لنقل،/ على أنه قد روى إسماعيل الصفّار (^٢) في «فضائل الصحابة» (^٣): أن عبد الله بن عمر أراد أن يتقدم، فقال له عبد الرحمن: [إنّ] (^٤) عمر أمر صهيبًا بالصلاة (^٥). وهذا يدل على أنه لم يخبر، وهو الظاهر؛ فإن ولد أبي بكر، وابن عمر كانوا يرثون التقدم على آبائهم، وإنما تأخروا بالوصية.
ولأن الوصية لو لم تكن مؤثرة ما استجاز أبو بكر، وعمر، ومن ذكرنا من الصحابة فعلها؛ لأنه يقع عبثًا عندكم؛ ولأنهم يقطعون حق وليهّم؛ ولأن [صهيبًا] (^٦) علّل بأن عمر وصّى، ولم يعلل بأن القريب رضي،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل على الهامش الأيسر: (بحدث)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن، البغدادي، أبو علي، الصفار، النحوي، المُلحي، صاحب المبرد، ولد سنة ٢٤٧ هـ، وعاش دهرًا، وصار مسند العراق، وكان محبًّا للسنة، نحويًا، إخباريًا، له شعر قليل. مات سنة ٣٤١ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٧/ ٣٠١، تاريخ الإسلام ٧/ ٧٦٦].
(٣) كتاب: (فضائل الصحابة) للصفّار، ذكره أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٦٥٤، ولم أقف على من عرّفه.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (بن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (صهيب)، ما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٤٤٦ ]
فلم لم تكن الوصية حجة أُنكِر عليه، وقيل له: الوصية لا تؤثر في هذا؛ فلما اتفق الصحابة على ذلك دل على إجماعهم أن الوصية مؤثرة.
والفقه في المسألة: أنا نقول: الصلاة على الميت حق له، فجاز له نقله بالوصية إلى من يختاره، دليله: بيت ماله، والنظر في حقوق أولاده الأصاغر، وهذا لأنه إذا نقل عن الورثة ما كان يصل إليهم من المال، وعن الحاكم ماله من النظر في حق الأيتام؛ فلأن ينقل خالص حقه، وما يختص به منفعته أولى.
والدليل على أن منفعته له: أنه دعاء، وشفاعة له، ورحمة، وشكر، قال الله - تعالى ـ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^١)، ولهذا يشرف بشرف من يصلى عليه من أهل الدين، ويَتَّضِع بترك الصلاة من أهل الفضل عليه، حتى قال أصحابنا: لا يصلي الإمام على الغالّ (^٢) من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه (^٣)، حتى إنَّ الكافرَ لا يُصلِّي عليه مسلمٌ إهانة له، وإذا كان كذلك ثبت أنه من حقه، ونفعه عائد إليه، فله أن يوصي به إلى من يراه الأفضل الأكمل ليتوفر مقصوده.
طريقه المعنى: وهو أن الوصايا في الأصل وضعت/ لمنافع الموصي؛ إن كانت بمال فانتفاع به فيما يصير إليه، ويقدم عليه، وإن كان بولد فيما يصير إليه من الأقرب، فاستخلاف على الولد من يتوفر عليه، وعلى منافعه ومصالحه، وأحق ما نفع الإنسان نفسه، فإذا كان حال حياته يدعو لنفسه، ويسأل الله فيها لمنافع دنياه وآخرته، ثم إن الصلاة عليه وصف شفاعة فيه، وجب أن يقدم من اختاره لنفسه، ورضيه شفيعًا له إلى ربه، فيكون مقدمًا على أقاربه؛ بل لو عرف في الأقارب خيرًا يوفي على هذا الوصي
_________________
(١) التّوبَة: ١٠٣.
(٢) الغلول: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غلّ في المغنم يغل غلولا فهو غال، وكل من خان في شيء خفية فقد غلّ. [ينظر: النهاية ٣/ ٣٨٠].
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٤٠، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٨/ ٣٩١٤.
[ ٤٤٧ ]
لما أوصى إليه وتركهم، ومازالت الأئمة يختارون للأمة من يتصوّن عليه، والأمة تختار لنفسها مع عدم نص الإمام من ترتضي به، والآباء يختارون لنكاح بناتهم، والنظر في أموال أولادهم من يرتضون المال عند الجماعة، والنكاح على الخلاف، وكذلك يجب أن يختار لنفسه من رضى دينه وأمانته، واختار شفاعته.
فإن قيل: هذا كما ذكرتم فيما يكون من حقوق النفس، وحظوظها، فأما الصلاة فهي من حقوق الله - تعالى - التي فرضها على عباده، ولم يكن له فيها تصرف بخلاف سائر الولايات في ماله، ومال غيره، ويضعه ويضع غيره؛ فإن له فيها تصرفًا حال الحياة، فكان له نقلها إلى غيره بعد الوفاة، والصلاة عليه فرض يتجه على غيره بعد وفاته، فأين هذا من سائر الولايات والمصالح؟ وما صارت الصلاة إلا حقًّا ينتقل إلى الأقرب، الأشفق حكمًا، فلا ينقطع بالوصية قولًا، وكإقامة الحدود وسائر المصالح لا يصح الإيصاء بها.
قلنا: لو لم يملكه لم ينتقل إلى ورثته؛ لأن الرسول ﵇ قال: «من ترك حقًّا فلورثته» (^١)، فإن لم يكن هذا حقه، فكيف يكون الورثة أحق به؛ بل يجب أن يكون/ المسلمون فيه سواء كما قال داود (^٢)، على أنه ليس الكلام فيما لا ينتقل، ولا يقبل الاستنابة، ولا في ذات الصلاة التي هي العبادة المفروضة على الكفاية، لكن الكلام فيما اتفقنا على قبوله للنقل عندكم حكمًا، وعندي حكمًا وإيصاء، وقد ذكرتم في أثناء الكلام أنه ينتقل إلى الأقارب حكمًا، فقد بان أن الصلاة بمعزل عن التقدم وأنه نوع حق بني على الإشفاق.
فإن قالوا: فأليس التقدم وصف في الصلاة؟ فلا يكون إلا حكمًا من أحكامها وتبعا لها.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ينظر: الانتصار ٢/ ٦٥٦.
[ ٤٤٨ ]
قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن النبي - صلَّى الله عليه - أقام أبا بكر مقامه في التقدم حال الحياة استخلافًا في ذلك (^١)، ولا يصح الاستخلاف منه، ولا الاستنابة في أصل الصلاة، فقد بان أن الحكم في الأصل يخالف حكم الوصف، وكذلك أجمعنا على أن هذا التقدم ينتقل إلى الوليّ حكمًا، ونفس الصلاة لا تنتقل.
ونعود إلى الكلام على أصل الاعتراض، فنقول: أما قولكم: إنه لا يملك الصلاة على نفسه حال الحياة؛ فلعمري، لكن يملك الشفاعة لنفسه، والسؤال فيها إلى ربه، فإذا مات انقطع سؤاله وأعماله، فاحتيج إلى من يشفع له، ولذلك أخرنا الأعمال إليه، وكذلك تولى الصلاة عليه أقاربه، وجيرانه، وإخوانه من المسلمين.
وأما قولكم: ينتقل حكمًا؛ فإنما ينتقل إذا لم يمنعه إيصاؤه عن الانتقال، فأما إذا نقله بالإيصاء امتنع انتقاله، كالوصية بالثلث، لولا إيصاؤه لانتقل إلى الورثة حكمًا، وكذلك الوصية بمال ولده، لولا وصيته لانتقل إلى الجد، أو الحاكم حكمًا، وينقطع الانتقال بإيصائه، وأما الحدود فهي الحجة؛ لأنها تنتقل بنص الإمام (^٢) فتستتبع جميع حروبات الولايات/ من إقامة حدودكم في دين، وبُضع، ودم، وغير ذلك.
فإن قيل: فتعويلكم على الشفاعة يوجب أن يوصي بصلاة مأمومين يختارهم - أيضًا ـ.
قلنا: الإمام مقامه نصبة ينفرد بها، ويمنع غيره من المزاحمة، أو النصبة، فأما الائتمام فلا ينحصر، فإنّ حصر المأمومين إذا كان يمنع بإيصائه نفع غيره من الأجر وهو القيراط، ونفع نفسه من كثرة من يشهد له ويشفع، فتكون وصية بباطل، فلا تنعقد؛ لأنها منع الحق المطلق الذي حثّ عليه الشرع،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ١/ ١٣٧، ح ٦٨٣، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣١٤، ح ٤١٨/ ٩٧ من حديث عائشة، قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلي بهم.
(٢) ينظر: الإنصاف ١٠/ ١٥٠، المبدع ٩/ ٤٣.
[ ٤٤٩ ]
وهذه وصيّة ومنة بتوفر الأجر على شخص اصطفاه للشفاعة له، وعلى أن المأموم تابع في الشفاعة، فلا وجه للحصر والاقتصار على آحاد وأعداد، فإن الكثرة لا تمنع من يريده [للصلاة] (^١) عليه، وهذا المقام إذا تركه ولم يوص بمن اختاره تولاه من لا يؤثره، ففات الغرض في المختار المتبوع في هذا المقام، وكذلك ينتقل التقدم في الصلاة إلى الأقارب حكمًا، ولا ينتقل الائتمام، فدل على الفرق.
فإن قيل: لو كان التعويل على الإشفاق، والنظر لنفسه لوجب إذا اجتمع الولي وهو الأب الذي هو الغاية في الإشفاق، مع الوالي الذي رتبته دون رتبة الأب أن يقدم الولي وهو الأب، ومن شاكله أو قاربه على الوالي، فلمّا قدمتم الوالي على الولي دل على أن صاحب المذهب (^٢) ما لحظ في مذهبه ما لحظتم من الإشفاق؛ لأنه لو قدم الوصي على الأب نظرًا إلى إشفاق الإنسان على نفسه، وهو أن نظره إلى الوصي، واختياره له دلّ على أنه رأى فيه من الخير، والديانة، وصلاحية الشفاعة ما ليس في أبيه لوجب بهذه الطريقة أن يقدم/ الأب على الوالي؛ لأن الوالد أشفق وأحنى، وشفاعته في ابنه أقرب إلى الإجابة من الوالي، سيَّما والنبي - صلَّى الله عليه - يقول: «الآباء أنبياء الأبناء» (^٣)، فلما قدّم صاحب المذهب الوالي على الولي الأشفق بطل أن يكون بنى [مذهبه] (^٤) على ما بنيتم من هذه الدلالة، وهي النظر والإشفاق، وإذا بنيتم على دلالة تخالف ظاهر ما نحا إليه صاحب المذهب لم [تقم] (^٥) بها حجة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصلاة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) تقديم الوالي على الولي في الصلاة على الميت هو قول الحنفيّة والمالكية والحنابلة وأحد قولي الشافعيّة، والقول الثاني لهم: أن الولي يقدّم على الوالي. [ينظر للحنفيّة: المبسوط ٢/ ٦٢، تبيين الحقائق ١/ ٢٣٨. وللمالكيّة: الإشراف ١/ ١٥١، مواهب الجليل ٢/ ٢٥١. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٣٤٤، روضة الطالبين ٢/ ١٢١. وللحنابلة: الإرشاد ص ١٢٤، الإنصاف ٢/ ٤٧٣، شرح الزركشي ١/ ٣٢٠].
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (مذهبن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (تقوم)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٤٥٠ ]
والذي يكشف عن صحة هذا ما استطردت به من ولاية المال والإيصاء به، وبالولاية فيه على الأولاد؛ فإن صاحب مذهبكم، وجماعة الفقهاء (^١) لما نظروا في ولاية المال إلى الإشفاق قطعوا ولاية الوالي عن المال بوجود الأب المساوي للوالي في العدالة، وإن كانت عدالته ظاهرة، لا عدالة الوالي والحاكم الباطنة، وأحبطوا الولاية بالأبوة، نظرًا إلى إشفاق الأبوة، فدفعوا المال إلى الآباء، دون الحكام والولاة، فلما جاء صاحب مذهبكم هاهنا، وقدم الوالي على الولي، علم أنه نظر إلى أن الصلاة فرض من فروض الكفايات، هذا في أصل وضعها، وأنها من الأعلام الظاهرة، وأن التقدم فيها على الوالي تقدم عليه في رتبة دينية ظاهرة، وعَلَم ظاهر يعتري التقدم فيه عليه نوع من الافتيات، فقدم الوالي نظرًا إلى هذا، وأخر الولي، فانطوى النظر في هذا المقام إلى الإشفاق، وصار النظر إلى الرتبة والمقام الذي يليق بذوي الولايات الظاهرة العامة دون الرقة، والإشفاق، والقرابة الخاصة الباطنة، فبطل ما تعلقتم به.
ومما يبطل اعتبار الإشفاق - أيضًا - على أصلكم: أنّ أحمد قدّم الزوج في حق المرأة على الأولياء (^٢)، وأي إشفاق للزوج يزيد على إشفاق الأقارب، فبطل هذا التعلق.
/ طريقة أخرى: أنا نقول الوصية تستفاد به الولاية في مال غيره، فجاز أن تستفاد به الصلاة عليه، دليله النسب، وولاية الحكم، ولا يلزم الكتابة؛ فإنه يستفاد بها التصرف في مال نفسه؛ لأنه مالك إلا أن ملكه غير تام لتعلق الدين به، ونحن قلنا: في مال غيره.
ولأنه إذا جاز للإمام أن يوصي بالإمامة الكبرى، وهي تجمع الصلاة وغيرها، فلأن يجوز أن يوصي بالصلاة عليه، وهي نوع مما تشمله الإمامة الكبرى أولى.
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٨١، الإنصاف ٧/ ١٨٣.
(٢) ينظر: الإرشاد ص ١٢٤، الإنصاف ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥.
[ ٤٥١ ]
ولأنه لما قدم السلطان على الولي، استدللنا بأن الميت كان راضيًا به في حال حياته، فكذا بعد موته فمن صرح بالرضا بوصيته إليه أولى.
ولأن الوصية بالصلاة في حق الميت وصية تقرب، فلزم الوفاء بها، دليله الوصية بسائر الطاعات، من الصدقة، والوقف، والوصية بتفرقة مال، ولا يلزم عليه الوصية بأكثر من الثلث؛ فإنه لا يلزم الوفاء به، لقولنا وصية وقربة، وما زاد على الثلث ليس بقربه؛ لأن الشرع جعل للمريض ثلث ماله، فإذا وصى بأكثر من ذلك فقد وصى بغير حقه.
وإن شئت احترزت عن هذا، فقلت: وصية بقربة فلزمت إذا لم يكن على الورثة في ذلك ضرر، دليله سائر القرب، ولا يلزم عليه الوصية بما زاد على الثلث؛ فإن على الورثة فيه ضررًا.
ولأن الصلاة على الميت عبادة تفعل بعد موته لأجله، فإذا وصى بها إلى شخص لزمه ذلك، دليله الحج؛ فإنه لو وصى أن يحج عنه رجل بعينه لم يجز أن يقام غيره مقامه كذلك هاهنا.
فإن قيل: الحج وجب عليه، فجاز له أن يستنيب عنه من شاء، والصلاة عليه لم تجب عليه، فإنما وجبت على [غيره] (^١) لأجله.
قلنا: يبطل بالعتق؛ فإنه لا يجب/ على الإنسان أن يعتق في غير [كفارة] (^٢)، ولا نذر، ولو وصّى أن يُعتق عنه عبد بعينه لم يجز أن يعدل عنه إلى غيره، وكذلك الوصية بثلث المال.
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (غير)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الكفارة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) الأنفَال: ٧٥.
[ ٤٥٢ ]
والفقه فيه: أنها عبادة يجب على الحي فعلها في حق الميت بعد موته، فكان وليه أولى بها من وصية، دليله غسله، وتكفينه، ودفنه؛ ولأنه لا حق له في الصلاة [نفسها] (^١)، فلم تصح وصيته بها كسائر ما لا حق له فيه، وهذا لأن الصلاة على الميت لا تخلو: إما أن تكون حقًّا على الميت، أو للميت، أو للحي، أو على الحي، لا يجوز أن يستحق على الميت؛ لأن الموت يزيل التكليف، ويقطع الخطاب، ولا يجوز أن تكون للحيّ؛ لأنها فعل على الغير، وشفاعة له، لم يبق إلا أنها على الحيّ، فإذا كانت عليه لم يكن لهذا قطع ما هو على غيره.
ولأن القصد من الصلاة (^٢) الدعاء، والترحم على الميت، ونسيبه أكبر من وصيه في ذلك لموضع محبته، وتحننه عليه، وأهليته، فكان أحق بالتقديم من غيره.
ولأن في تقديم الوصي (^٣) تهمة ووصمة، فيقال: لو لم يعلم من ابنه خلّة توجب تأخره، وعدم رضاه به في هذا المقام لما أخّره، فلا بقي ترجيح أجنبي له رتبة بهذا الكسر للأب في أجر وهلات (^٤) الغمّ، والناس يلقحون بتعليلات التقديم، والتأخير، والإقبال، والإعراض، حتى قال شاعر الأوائل:
يا دار ما طربت إليك النوق … إلا وربعك شائق ومشوق (^٥)
وذهب بعض الفقهاء: إلى أنه تقتل البهيمة مع المواقع لها (^٦)
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (نفسه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) بهذا المكان في الأصل حرف: (و)، والموافق للسياق حذفه.
(٣) بهذا المكان في الأصل كلمة: (ذلك)، والموافق للسياق حذفها.
(٤) وهلات الغم: فزعات الكرب الأخير. [المحيط في اللغة ٤/ ٦٣، لسان العرب ١٣/ ٤٤١].
(٥) ينظر: عبقرية الشريف الرضي ١/ ١٩٧، والبيت للشريف الرضي.
(٦) ذهب الحنفيّة إلى أنه يجوز قتل البهيمة إذا فُعل بها ولا يجب، وذهب المالكيّة إلى أن البهيمة لا تقتل، أما الشافعيّة والحنابلة فلهم قولان في المسألة. [ينظر للحنفيّة: المبسوط ٩/ ١٠٢، العناية ٥/ ٢٦٥. وللمالكيّة: التفريع ٢/ ٢٢٥، الكافي ٢/ ٣٦٤. وللشافعيّة: روضة الطالبين ١٠/ ٩٢، الحاوي الكبير ١٣/ ٢٢٥. وللحنابلة: الإرشاد ص ٤٧٧، شرح الزركشي ٣/ ١٠٧، الإنصاف ١٠/ ١٧٩].
[ ٤٥٣ ]
لئلا يقال: هذه التي، فتتوق نفوس آخرين إلى وقاعها، وهذا من الذرائع التي عوّل على بابها الإمام أحمد (^١)، وأبطل بها أشياء كثيرة، وفتك بها الفتك الموفي على/ العقوبة، وأسقطها كثيرًا من حيل المتحيلين بالعقود، والأسباب الفقهية، وإذا كان في تقديم الوصي على الأب، ومن ينزل منزلته من الأقارب ما يفضي إلى هذا لم يجز؛ لأن [الله] (^٢) - سبحانه - قد أمر بطاعة الوالدين، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (^٣)، وهو أدون الأشياء، وأمر بصلة الرحم، وفي تقديم الوصي ما يوفي على قول: أف؛ وفيه قطع للرحم، وما أفضى إلى ذلك كان ممنوعًا منه.
وقد احتج بعض المتأخرين بأنها صلاة، فلا تصح الوصية بها كسائر الصلوات، وقال بعضهم: ولأنه يتعلق بالنسب، فلا تصح الوصية بها قياسًا على الحضانة، ومنهم من قال: وصية بصلاة فلم تصح، دليله إذا كان الموصى إليه فاسقًا (^٤).
الجواب:
أما الآية؛ فهي واردة في الميراث، لأنهم كانوا يتوارثون بالحِلف، والمعاقدة، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، ولهذا قال: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (^٥).
وأما قياسهم على التكفين، والغسل؛ فلا نسلم، ونقول: يجوز الإيصاء بذلك، وهو قياس المذهب؛ لأن الإنسان قد يختار من يأمنه على كتم ما يشهد من حاله، وحفظ قوانين السنن في غسله، لما يعرفه من دينه ومعرفته، فلا فرق.
_________________
(١) ينظر: شرح مختصر الروضة ٢/ ٢١٤، المدخل لابن بدران ص ٢٩٦.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصلاة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) الإسرَاء: ٢٣.
(٤) ينظر: الإنصاف ٢/ ٤٧٤، الفروع ٢/ ٢٣٢.
(٥) الأحزَاب: ٦.
[ ٤٥٤ ]
ومن سلّم ذلك قال: صناعة كحفر القبر، والحمل، وطرح التراب، وذلك لا يختلف إلا بجودة الصناعة، ولهذا يقدم الصناع الحذاق فيه على غيرهم، بخلاف الصلاة؛ فإنها شفاعة، وأصل مقصوده يختلف باختلاف الأشفق الأعدل، والأقرب إجابة عند الله، ثم يلزم الزوج فإنه يغسِّل ويكفِّن مقدَّمًا على المناسب (^١)، ويقدَّم المناسب في الصلاة عليه عندكم (^٢)، وعلى رواية لنا (^٣).
وأما قولهم: إنه لاحق له في ذلك؛ قد تقدم جوابه بما فيه كفاية.
/ وأما التقسيم؛ فنحن نقول: إنها حق للميت خوطب بها الحي، وله أن يوصي إلى من شاء في استيفاء حقه، ثم هذا التقسيم يلزم عليه استحقاق الصلاة بالملك، وبالحكم، وبالولاء، وبالنسب، فإن هذا التقسيم موجود، وقد استفيدت بكل واحد من هذه الأشياء، فبطل.
وأما قولهم: إن النسيب أشفق.
قلنا: لا نُسلّم ذلك؛ فإنه ربما وصى إلى صديقه، ومن يواده لمعرفته بمحبته، وتحننه، وقد [تدل] (^٤) الأحاديث في ذلك على الأقرباء، فقد سئل بعضهم أيما (^٥) أحب إليك، أخوك، أو صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقًا (^٦)؛ ولأن المناسبات (^٧) والمشاحنات من الأقرباء معلومة،
_________________
(١) هو النسيب، ويعني: ذوي نسبها من محارمها.
(٢) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٤١، البناية ٢/ ٩٨٠. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٣٤٥، المجموع ٥/ ٢٢٠.
(٣) ينظر: الانتصار ٢/ ٦٥٨، الإنصاف ٢/ ٤٧٥.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (تريد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) تكون (ما) نكرة موصوفة، فيكون المعنى: أي شخص هو أحب إليك؛ أخوك أم صديقك؟ وقد ورد في الحديث: «يا فلان: أيما كان أحَبَّ إليك أن تتمتَّعَ به عمرَك، أو لا تأتي غدًا إلى بابٍ من أبوابِ الجنَّةِ إلا وجدتَه قد سبقَك إليه يفتحُه لك؟»، وقد روى هذا الحديث قرة بن إياس المزني، وأخرجه النسائي (٢٠٨٨) بلفظه مطولًا.
(٦) ينظر: بهجة المجلس لابن عبد البر ص ١٤٨، ونسبة هذا القول لعبد الحميد الكاتب.
(٧) المناسبة: المشاكلة وهي الموافقة، تقول: ليس بينهما مناسبة، أي: مشاكلة وموافقة. [ينظر: الصحاح ٢/ ٢٤٥، تاج العروس ٤/ ٢٦٥، ٢٩/ ٢٧٦].
[ ٤٥٥ ]
وتكون - أيضًا - رغبته في دعائه لدينه، وورعه، وزهده، ويكون ذلك [معدومًا] (^١) في القريب، فعدل عنه لأجل ذلك.
على أنه لو صح ما ذكروه لما قدم الوالي على الولي، وقد قدم الحسين بن علي ﵁، فقال: تقدم لولا أنها السنة ما تقدمت (^٢)، وقيل: كان الوالي مروان فدل على أن سنة النبي تقدم الوليّ.
وأما قولهم: إنه يفضي إلى إيحاش الأب والقريب، وهو ذريعة؛ فهو كلام فاسد؛ لأنه يعطي منع الإيصاء بالصلاة، والصحابة أقدموا عليه، وإنما اختلفوا في استحقاق التقدم، فأما في أصل صحته فلا، على أنه باطل بالوصية في المال، وبالوصية بالثلث، وبالإمامة الكبرى، وغير ذلك من الوصايا، وإن كان يفضي إلى ما قالوا.
وأما قولهم بأنها صلاة؛ فعنه أجوبة:
أحدها: أنا نقول بموجبه، وأن الوصية ما أثرت في الصلاة، وإنما أفادت التقدم، وأنه أحق من سائر الناس.
الثاني: لا تأثير لقوله: صلاة؛ فإن ما ليس بصلاة عنده كذلك، وهو الوصية بعقد/ النكاح.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (معدوم)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الجنائز، باب من أحق بالصلاة على الميت ٣/ ٤٧١، ح ٦٣٦٩، والبزار ٤/ ١٨٧، ح ١٣٤٥، وابن المنذر، كتاب الجنائز، جماع أبواب الصلاة على الجنائز، ذكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنازة ٥/ ٤٣٥، ح ٣٠٥٨، والطحاوي في شرح مشكل الآثار، باب ما روي عن رسول الله ﷺ مما يقضي بين المختلفين في الإمامة في الصلوات على الجنائز هل يدخل في قول النبي ﷺ: «ولا يؤم أمير في إمارته» أم لا؟ ١٠/ ١١٧، ح ٣٩٦١ من طريق الثوري، سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم، قال: شهدت حسينًا حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد أمير على المدينة يومئذ قال: فلما صلوا عليه قام أبو هريرة فقال: أتنفسون على ابن نبيكم ﷺ تربة يدفنونه فيها؟ ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني». رواية البزار، وابن المنذر مختصرة.
[ ٤٥٦ ]
الثالث: أنه ينتقض بالحج إذا أوصى أن تقضى فوائت كانت عليه، فلا يصح؛ لأن تلك مما لا تقبل النيابة في حياته، فلا تصح النيابة فيها بعد مماته.
وإن وصى بفعل صلاة منذورة، فذلك مبني على أصل: هل تقضى عنه الصلاة المنذورة بعد الموت؟ وفيها روايتان (^١):
إحداهما: تقضى عنه بعد الموت؛ كما يقضى عنه الاعتكاف المنذور، والصوم المنذور.
وعلى الرواية الأخرى: لا تقضى بعد الموت، فلهذا لم تصح الوصية بها لما قدمناه في الفائتة.
ولأن سائر الصلوات لا تستفاد بالنسب، والملك، والولاية؛ فلذلك لم تستفد بالوصية، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها لما استفيدت بالنسب، والولاية (^٢)، والملك، جاز أن تستفاد بالوصية، كالنظر في المال.
ولأن سائر الصلوات تبطل بالموت، وتسقط، فلا وجه للوصية بها.
[وأما قولهم] (^٣): إنها ولاية تتعلق بالنسب؛ فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أن نقول: قولك: تتعلق؛ لا يخلو إما أن تريد به على وجه الاختصاص، أو على وجه الاشتراك، فإن قلت: على وجه الاختصاص؛ فلا نسلم، ولا يحسن - أيضًا - من المخالف ادعاؤه؛ لأنها لو اختصت بالنسب لما استفيدت بولاية الحكم، وبالملك، وبالولاية، وإن أردت به على وجه الاشتراك، فمسلم، غير أنه ليس كل ما تعلق بالنسب على وجه الاشتراك لم تصح الوصية به، كالولاية في المال.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٣/ ٣٤٠، المبدع ٣/ ٤٩.
(٢) في هذا الموضع من الأصل كررت عبارة المصنف: (فلذلك لم تستفد بالوصية، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها لما استفيدت بالنسب، والولاية).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٤٥٧ ]
الثاني: أنه ينتقض [بالإمامة] (^١) الكبرى؛ فإنها تتعلق بالنسب، وهو من قريش، ومع هذا تصح الوصية بها، وهو أن يعهد إلى غيره.
وأما الحضانة؛ فليست/ ولاية على الحقيقة، ولهذا تثبت للنساء، ولا مدخل لهن في الولايات.
[الثالث] (^٢): أنها تستحق الأجرة عليها، وليس في الولايات ما يستحق الأجرة عليه.
[الرابع] (^٣): أنها تسقط بالتزويج، وليس في الولايات ما يؤثر التزويج فيها.
جواب آخر: وهو أن الحضانة تسقط بالموت، وليس كذلك الصلاة على الميت؛ فإنها تجب بالموت، فافترقا.
وأما قياسهم على ما إذا كان الموصى إليه فاسقًا، فيخرّج على وجهين:
أحدهما: صحة الوصية.
والثاني: بطلانها.
وأصل الوجهين: إمامة الفاسق، وفيها روايتان (^٤):
أحدهما: أنها لا تصح؛ فعلى هذا لا تصح الوصية إلى الفاسق؛ لأنه ينافي فسقه الإمامة، فهو كما لو وصى إلى صبي، أو كافر.
والثاني: تصح؛ لأنه يصح أن يكون مأمومًا في صلاة الجنازة، فجاز أن يكون إمامًا كالعدل.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (بالأمة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثاني)، وما أثبته هو الموافق للتسلسل.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثالث)، وما أثبته هو الموافق للتسلسل.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧٢، الجامع الصغير ص ٥٣.
[ ٤٥٨ ]