إذا قصد الفرار من الزكاة بفعلٍ مِثْلُه يُسقط الزكاة؛ لم تسقط الزكاة.
مثال ذلك: أن يقصد ذبح شاةٍ لأهله من الأربعين؛ ليحول الحول ولا نصاب له، أو يهبها لبعض ولده، فإذا حال الحول استردها، أو كانا شريكين في أربعين فلما قارب الحول تفرقا، أو كانا مفردين كل واحدٍ أربعون، فلما مضى بعد الحول اشتركا ليجتمعا أكثر الحول، فتجب شاة.
هذا مذهبنا (^١)، وهو اختيار الخِرَقي (^٢)، وهو مذهب مالك (^٣).
وعند أبي حنيفة، والشافعي: أنه تسقط الزكاة (^٤).
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ *﴾ (^٥)،/ إلى قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ *﴾ (^٦).
فوجه الدلالة: أنهم كانوا قدموا عدوًا على صرام (^٧) النخل من الليل فرارًا من المساكين، وقالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ *﴾ (^٨)، فأصبحوا فوجدوها قد تلفت كلها، فعوقبوا على اعتقادهم وقصدهم منع المساكين، فدلَّ على أن ذلك الفعل محظورٌ، وإذا كان محظورًا لم يسقط الحق.
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٦٤، شرح الزركشي ٢/ ٤٥٩، الإنصاف ٣/ ٣٢.
(٢) ينظر: متن الخرقي ص ٤٤.
(٣) ينظر: المدونة ١/ ٣٣٥، الإشراف ١/ ١٦٦.
(٤) ينظر للحنفيّة: الأصل ٢/ ٤٦، بدائع الصنائع ٢/ ١٥. وللشافعيّة: مختصر المزني ص ٤٦، المجموع ٥/ ٣٦٤.
(٥) القَلَم: ١٧.
(٦) القَلَم: ١٩، ٢٠.
(٧) صِرَام النخل، وصَرَامه: أوان إدراكه، والصَرامُ والصِرامُ: جَدادُ النخل، وهو: قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٩٦٦، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٣٢١، النهاية ٣/ ٢٦].
(٨) القَلَم: ٢٤.
[ ٤٧٤ ]
فإن قيل: أولئك القوم كانت الزكاة قد وجبت عليهم، فعاقبهم على ذلك.
قلنا: أولئك لم يكونوا ممن فرضت عليهم الزكاة، وإنما كان المساكين يحضرون الصّرام، فيعطَون منه، فتواعدوا على صرامها في كل وقتٍ لا يكون فيه المساكين.
الذي يدل على صحة هذا: أنهم اعتمدوا صرامها في وقت لا يحضره الفقراء، وهو الليل، فلولا أن الحق [كان] (^١) معلقًا بالصرام لم يحتالوا في صرامها ليلًا.
والذي يدل على أنهم لم تجب عليهم الزكاة: ما روى أبو بكر في كتاب «التفسير» (^٢) بإسناده عن قتادة: أن شيخًا من بني إسرائيل كانت له جنة وله بنون، فجعل الشيخ ينظر بما يكفيه وأهله فيمسكه، ويتصدَّق بسائره، فجعل بنوه يعيبون عليه ما يصنع، فمات الشيخ فورثها هؤلاء، فمنعوا حقها، قال الله - تعالى ـ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *﴾ (^٣) (^٤).
فإن قيل: فالعقاب إنما كان على ترك الاستثناء في القسم.
قلنا: ترك الاستثناء لا يوجب الوعيد؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد ينصرف إليهما جميعًا إلى الفرار، وترك الاستثناء جميعًا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليست في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) كتاب: (تفسير عبد الرزاق)، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، من أقدم التفاسير المعروفة، رتب المؤلف نصوص الكتاب تحت أسماء سور القرآن، يروي عن شيوخه بالسند إلى النبي ﷺ إذا كان النص مرفوعًا، أو إلى الصحابة والتابعين إذا كان النص موقوفًا أو مقطوعًا.
(٣) القَلَم: ١٩.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣/ ٣٣٢، ح ٣٢٨٤، من طريق معمر، عن قتادة، في قوله - تعالى ـ: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ قال: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، وكان يمسك قوت سنة، ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ *﴾.
[ ٤٧٥ ]
فإن قيل: فلو قدَّر أنه كان لأجل الفرار على ما تقولون، فهذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا.
قلنا: شرع من قبلنا لنا [ما] (^١) لم يثبت نسخه عندنا في أصح الراويتين (^٢).
و- أيضًا - من جهة السنة: قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «لا يُفرَّق/ بين مجتمع، ولا يُجمَع بين متفرق خشية الصدقة» (^٣)، وهذا مأخوذ في الشريكين إذا تحيلا بالتفريق لتسقط الزكاة، أو غير الشريكين إذا تحيلا بالاجتماع ليقل الواجب منها.
فإن قيل: نحمله على ما بعد الحول؛ لأنه وقت الوجوب، فأما قبل ذلك فلا؛ لأنه لا وجوب.
قلنا: قوله: «خشية الصدقة» إنما تنصرف إلى التخوف من مجيء سبب وجوبها؛ ولأن النهي عامٌّ فيما قبل الوجوب خشية الوجوب، أو خشية الأداء بعد الوجوب.
فإن قيل: فنحن نقول: إنه يُنهى عن قصد ذلك، وليس فيه أنه إذا فعله لم تسقط.
قلنا: إذا ثبت كونه منهيًّا عنه دخل تحت قوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٤)، وإذا رددنا الفعل من الهبة والذبح جعلنا الشاة كأنها حية، والموهوبة كأنها على ملكه فوجبت الزكاة لتمام النصاب حكمًا، وإن كان قد نقص حسًّا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ينظر: العدّة ٣/ ٧٥٣، التمهيد ٢/ ٤١١.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع ٢/ ١١٧، ح ١٤٥٠ من طريق ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا ﵁ حدثه: أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة».
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٤٧٦ ]
والفقه في المسألة أنَّا نقول: معلوم أن الله - تعالى - قد طبع النفوس على الشح بالأموال بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (^١)، فلو عمل هذا البخيل عمله لمالَ الناس إلى ذلك شرعًا كما يميلون إليه طبعًا، فكان ذلك ذريعة إلى إسقاط عَلَم من أعلام الدين الظاهرة، ومفسدة عظيمة لحرمان الفقراء والأصناف الثمانية ما جعل له من المرفق، وليس للذرائع حسم ومنع إلا بإبطال ما يفضى إليها، ولهذه العلة منعنا القاتل من الإرث حتى لا يتهافت الناس على قتل موروثهم (^٢)، ولذلك ورَّثنا نحن (^٣)، وأبو حنيفة (^٤) البائن في مرض الموت لتهمة الزوج أنه قصد إسقاط حقها من الإرث، وكان فارًا من حصوله لها، وكذلك قَتل الجماعة بالواحد حسمًا لمادة الاشتراك في القتل (^٥)، وكذلك منعنا من قرض الإماء حتى [لا] (^٦) تكون ذريعة إلى الوطء في غير/ عقدٍ، ولا ملكٍ (^٧)؛ لأنه قد يقرضها فيطأها، وتردها بعينها، ومنع المحرم والمعتدة من دواعي الجماع؛ لئلا يقع في الجماع المفسد للحج، وذلك في الأصول لا يحصى عدًّا، فإذا حرست هذه الأحكام جئنا إلى الزكاة، هي من أركان الدين، تتضمن مصلحتين عظيمتين:
التعبد لله - سبحانه - بمجاهدة النفس، وإخراج المال المحبوب في الطبع.
والثانية: نفع الفقراء، وإسداد خلّتهم، وإشباع جوعتهم، فوجب أن لا نفتح إلى إسقاطها بابًا، فيكون ذريعة إلى الإخلال بهذا الركن العظيم، ولا يسدُّ باب إسقاطها إلا بإلغاء المعنى الذي يكون حيلةً وذريعةً إلى الإسقاط، فيبقى الإيجاب بحاله، وتُجعَل الشاة كأنها على ملكه، وأنها حية لإبقاء حق الفقراء، كما جعلنا المقتول كأنه حيٌّ في حق القاتل، وغير ذلك من المسائل التي ذكرناها.
_________________
(١) النِّساء: ١٢٨.
(٢) ينظر: الإرشاد ص ٣٤٥، الإنصاف ٧/ ٣٦٨.
(٣) ينظر: الإرشاد ص ٣٤٥، الإنصاف ٧/ ٣٥٥.
(٤) ينظر: المبسوط ٤/ ٢١٠، الجوهرة النيرة ١/ ٢٥٧.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٥٥، الإنصاف ٩/ ٤٤٨.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٧) ينظر: المبدع ٤/ ٢٠٥، الإنصاف ٥/ ١٢٤، ١٢٥.
[ ٤٧٧ ]
فإن قيل: إنما يتناول الوعيد والنهي من احتال لإسقاط ما وجب، فأما من يَحْتلْ لئلا تجب عليه فلا ينبغي أن يلحقه الوعيد ولا الحظر، ولو كان ذلك صحيحًا لوجب أن يأثم من لا يجمع مالًا مع إمكان الجمع ليبلغ نصاب الزكاة، ولوجب إذا كان له مالٌ واشترى به عقارًا قبل تمامه نصابًا، فكلما حصل له دون نصاب اشترى به أموالًا لا تجب فيها الزكاة أن تجب عليه الزكاة في تلك الأموال، فلا تسقط الزكاة في قيمة تلك الأموال، ومن لم يتسلح لمداواة نفسه ليبرأ من مرضٍ يمنعه من الصوم لصومٍ واجب، ولوجب أن لا تسقط الزكاة بأكله الشاة، وإن لم يكن على حالٍ تحلقه التهمة فيها، ومن لم يدفع [الذئب] (^١) عن غنمه حتى أكل منها واحدة من الأربعين أن يأثم، وتكون عليه شاة لتقصيره عن الحق، كما قلتم يحرم به الميراث وإن كان بفعل الصبي والمجنون وإن كانا لا/ يقصدان، ولا يتهمان.
الثاني: أن الأصول قد انقسمت، فبعض الحيل أسقط، وذلك كمن كسر ساقه فصلى جالسًا، أو من ضربت بطنها فنفست في شهر رمضان لتفطره، ومن أحب أن يشتري التمر الجيد بالرديء، فباع الرديء بعرضٍ، واشترى به تمرًا، فإنه يجوز بنص الحديث (^٢)، وكذلك - أيضًا - قتل أم الولد لسيدها لا يمنع من عتقها، وهو ذريعة إلى ملك نفسها، جاز أن يكون هاهنا مثله - أيضًا ـ.
قلنا: أما قولكم: إنه ما وجب إلا أن المال مارّ إلى الوجوب؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الدب)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم، فأخطأ خلاف الرسول من غير علم، فحكمه مردود ٩/ ١٠٧، ح ٧٣٥٠، ومسلم، كتاب المساقاة ٣/ ١٢١٥، ح ١٥٩٣ من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، واستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ: «أكل تمر خيبر هكذا؟»، قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ: «لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان».
[ ٤٧٨ ]
بحيث جوَّزنا إخراج زكاته بوجود النصاب، ووجود سبب الوجوب، وقطع مروره إلى الوجوب في باب حسم الذريعة بتحقيق الوجوب، بدليل أن الموروث حال حياته لا يستحق إرثه، لكن وجود السبب، أو السبب المفضي إلى استحقاق الإرث بعد موته منع الإرث بوجود الجراحة، أو إسقاء السم، أو ما شاكله من القواتل.
وكذلك طلاق الزوجة في حال المرض؛ لما كان مارًّا إلى الموت، وهي مارة إلى استحقاق الإرث، كان حسم الذريعة بالحكم لها بالإرث لما وجد منه سببًا يتهم فيه بحرمانها، وفراره من إرثها، فلسنا نعتبر في الذرائع إسقاط واجب يحصل وجوبه، لكن يكتفى بالسبب إلى منع الوجوب.
أما قولهم: لو حرم التسبب للإسقاط لوجب التسبب للإيجاب؛ فغير لازمٍ؛ لأن الإنسان لا يلزمه جمع المال ليرثه ورثته، وإذا حصل المال لم يحل له التسبب لإعدام الإرث وحرمانه، ولا يجب عليه التسبب إلى تحريم الصيد على نفسه بالإحرام، ويحرم عليه [التسبب] (^١) إلى إباحته بعد الإحرام، ولا يجب عليه تمريض موروثه، ولا دفع الأعداء عنه بالسلاح والقتال، وإن قتله قاتل مع إمكان دفعه عنه لم يحرم إرثه، وبمثله لو تسبب إلى/ إزهاق نفسه حرم الإرث.
وكذلك - أيضًا - لا يجب عليه أن يتودَّد إلى الزوجة بزيادة على واجب حقها؛ حتى لا تطالب بالخلع، وتفتدي نفسها، ولا يحل له أن يسومها الخلع، ولا يجرها إليه بإساءة أخلاقه وتخشن أفعاله معها.
وأمّا إذا عللنا بالتهمة، قلنا: يورث الصبي والمجنون، وأصحابنا اختلفوا على طريقين (^٢):
أحدهما: أنه لا يحرم الصبي الذي لا قصد له، ولا المجنون، وإنما يحرم من يتهم، ولذلك لم يحرم أصحابنا كل قتلٍ وجب شرعًا (^٣)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (بالتسبب)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ينظر: الإنصاف ٧/ ٣٦٨، المبدع ٦/ ٢٦١.
(٣) ينظر: الإنصاف ٧/ ٣٦٩، المبدع ٦/ ٢٦٢.
[ ٤٧٩ ]
كقتل الإمام موروثه حدًّا وقصاصًا، ولا علة في ذلك إلا نفي التهمة، ولا فرق في نفيها بين استحقاق القتل، وبين نفي العلم والقصد، إلا أنّ المنصوص عن الإمام أحمد أن قتل الصبي والمجنون يحرم به الإرث (^١)، فعلى هذا لا يؤمن أن يُظهر الجنون ليقتله، ولا يؤمن أن يحرض الصبي من يعقل فيَقتل، فحسمنا المادة في ذلك كما حسمنا بقتل المخطئ فحرمناه.
وأمَّا سؤالهم الثاني، وقولهم: إن الأصول منقسمة في الذرائع، فالأخذ بالأحوط منها أولى؛ لئلا يسقط، أو يمتنع حق الله - تعالى ـ، وحق الآدميين المجتمعين في الزكاة، على أن ما ذكرتموه من كسر الساق، أو ضرب البطن فمع الإنسان رادع طبعي يمنع من إقدامه على [الإضرار] (^٢) بنفسه، وقطع معاشه وتصرفاته لأجل إسقاط هيئةٍ في صلاته، وهي القيام، وكذلك المرأة لا تخاطر بنفسها وجنينها، وتتعجل الألم لأجل تأخير الصوم، أو إسقاط الصلاة، فهذا أمرٌ لا يقع غالبًا، فلا ذريعة فيه، ولا يحتاج إلى الزجر، وفي مسألتنا المال محبوب، قال - سبحانه ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (^٣)، وذكر القناطير المقنطرة، وقال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (^٤)، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ *﴾ (^٥)، فلا يؤمن إذا أسقط الزكاة بالحيل أن يخلد الناس إليه طبعًا، وما ذهبتم إليه/ شرعًا، فيسقط هذا العَلَم الظاهر، ويُستضَر هؤلاء الأصناف على ما مضى تقريره.
وأمَّا أم الولد إذا قتلت سيدها؛ فتلك قد تعجلت العتق بنفس الاستيلاد، ألا ترى أنه لا يملك بيعها، ولا رهنها، ولا هبتها، فلا تورث.
فإن قيل: فما جُعل ذريعة إلى إسقاط حقٍّ ينبغي أن لا يرجع فيها إلى المحتال؛ لأن الرجوع إليه فيها معنى يفضي إلى إسقاطها،
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ٧/ ٣٦١١.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الاضطرار)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) آل عِمرَان: ١٤.
(٤) النِّساء: ١٢٨.
(٥) العَاديَات: ٨.
[ ٤٨٠ ]
وذلك أنكم إذا قلتم: إذا قال: إنني قصدتُّ الفرار؛ لم تسقط الزكاة، وإذا قال: لم أقصد الفرار من الزكاة بذبح هذه الشاة؛ لم تجب، كان ذلك مؤديًّا إلى إسقاطها؛ لأن الإنسان في غالب الحال لا يخبر بما يوجب على نفسه حقًّا.
قلنا: نحن فرضنا الكلام، فمن قال: قصدتُّ بذبح هذه الشاة إسقاط الزكاة عني، وإذا ثبت في ذلك الموضع ثبت في غيره؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
الثاني: أنه لا يمتنع أن تكون الذريعة في الأصل مانعة، وإن أدى ذلك إلى إسقاطها، ألا ترى أن الحدود وضعها الله - تعالى - رادعة، وزاجرة عن المعاصي، ومع هذا فإننا نرجع إلى الفاعل للمعصية في ذلك، ورجوعنا إليه توصل إلى إسقاطها لإيثار بقية الرجوع في الزنا، فنقول: زنيت أم لا؟ قل: لا، ونكرر عليه الإقرار أربعًا، وإذا ثاب سقطت عنه الحدود، وإذا ادعى أنه عقد عليها، أو أنه كان جاهلًا بتحريم وطئها قبلنا ذلك منه، ورجعنا فيه إليه، وإن كان ذلك مسقطًا لمقتضى الردع والزجر، ولذلك اعتبرنا [أربعة] (^١) شهود في الزنا يشاهدون الإيلاج، وإن كان ذلك مما يتعذر، وشهادة أقل من أربعة بالزنا توجب عليهم حدَّ القذف.
طريقة أخرى: نقول: التحيل منهيٌّ عنه في شرعنا (^٢)، قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «لتركبن ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل؛ إن الله/ إذا حرم شيئًا حرّم ثمنه؛ إن اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها» (^٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (أربع)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ينظر: الفتاوى الكبرى ٦/ ١٠٨، كشاف القناع ٤/ ١٣٥.
(٣) لم أقف عليه بهذا التمام، وأخرج ابن بطة في إبطال الحيل ص ٤٦ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، قال ابن القيم، وابن كثير: إسناده جيد. [ينظر: إغاثة اللهفان ١/ ٣٤٨، تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٣]. وأخرج أبو داود، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب في ثمن الخمر والميتة ٣/ ٢٨٠، ح ٣٤٨٨ من حديث ابن عباس، قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: «لعن الله اليهود - ثلاثًا ـ، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه»، قال ابن القيم: إسناده صحيح. وقال ابن مفلح: ثبت. [ينظر: زاد المعاد ٥/ ٦٦١، الآداب الشرعية ١/ ١٨٩].
[ ٤٨١ ]
وروي أنهم نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما سقطت فيها الحيتان يوم الجمعة، ويوم السبت أخذوها من شباكهم يوم الأحد (^١)، فسماهم معتدين، وشرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنه لم يثبت نسخه، فكيف وقد صرح النبي - صلَّى الله عليه - عن سلوك ما سلكوا من التحيل؛ ولأن منع الزكاة محرمٌ، والقصد إلى فعل المحرم محرم، وإن لم يوجد وقته، ألا ترى أن من اعتقد أن لا يصوم شهر رمضان من السنة المقبلة كان آثمًا، وإن لم يكن قد أتى عليه وقت الوجوب، وكذلك لو قصد بسفره قطع الطريق حرم عليه السفر، مثل وجود المعصية، وكذلك لو اعتقد أن لا يقضي دينه المؤجل في وقت الحلول كان آثمًا قبل محله، وإذا ثبت أنه محرَّم حصل وجوده كعدمه.
فإن قيل: لو قدرنا أنه محرَّم، فمن أين فيه أن كونه محرَّمًا يُعطى أنه لا يسقط عنه الزكاة، نحن نعلم أن [جمع] (^٢) الطلاق الثلاث محرّم، وكذلك في الحيض، وفي الطهر المجامع فيه، ومع ذلك فإنه إذا وجد على هذه الصفة لا يمنع من وقوعه، كذلك هاهنا.
قلنا: متى ما ثبت كونه محرَّمًا وجب إعدامه بكلِّ حالٍ، وقد مضى تقرير ذلك في مسائلٍ، فأما الطلاق فهكذا كان يقتضي أن لا يقع، وإنما تركناه لحديث ابن عمر، قال للنبي - صلَّى الله عليه ـ: أرأيتَ يا رسول الله، لو طلَّقتُها ثلاثًا، قال: «كانت تبين منك، وتكون معصية» (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (جميع)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) أخرجه الدارقطني، كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره ٥/ ٥٦، ح ٣٩٧٤، والبيهقي، كتاب الخلع والطلاق، باب الاختيار للزوج أن لا يطلق إلا واحدة ٧/ ٥٤٠، ح ١٤٩٣٩ من طريق عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر، قال البيهقي: هذه الزيادات التي أتي بها عن عطاء الخراساني ليست في رواية غيره، وقد تكلموا فيه. وقال مرة: أتى عطاء في هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما ينفرد به. وقال ابن عبد الهادي: قال بعض من تكلم عليه: هذا إسناد قوي، وفي هذا نظر، بل الحديث فيه نكارة، وبعض رواته متكلم فيه. وقال الذهبي: هذا إسناد قوي. وقال ابن الملقن: إسناده جيد. [ينظر: معرفة السنن ١١/ ٣٦، التنقيح لابن عبد الهادي ٤/ ٤٠٣، التنقيح للذهبي ٢/ ٢٠٥، التوضيح لابن الملقن ٢٥/ ١٨٨].
[ ٤٨٢ ]
الثاني: أن إيقاع الطلاق على تلك الحالة فعلٌ محرمٌ، والحكم بإيقاعه عقوبة له، وفعل المحرم يقتضي العقوبة؛ ولأن الطلاق مما له تغليبٌ وسراية، فجاز لقوته أن ينفذ على وجهٍ محرمٍ؛ ولأن الطلاق إنما وقع على وجهٍ محرمٍ (^١) لأنه صادف ملكًا، وهاهنا التصرف صادف/ ملكًا تعلّق منه حق الفقراء بدليل جواز الإخراج.
طريقة [أخرى] (^٢): نقول: ما قبل الحول وقت لإخراج الزكاة، فجاز أن يكون وقتًا لمنع الفرار من الزكاة، دليله: ما بعد الحول، ولا يلزم عليه إذا قصد الفرار من أول الحول؛ لأن فيه نظرًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون وقتًا لإخراج الزكاة، ولا يكون وقتًا لمنع الفرار، ألا ترى أن قبل الحنث وبعد عقد اليمين وقت لإخراج الكفارة، ومع هذا فلو احتال العبد، فاشترى نفسه من سيده حتى يعتق ولا يصوم، جاز ذلك، وأجزأه العتق، وكذلك الصحيح إذا حلف، ثم وهب جميع ماله حتى يعتق أجزأه الصوم.
قلنا: لا نسلم على أحد الروايتين (^٣)، ونقول: تلزمه الكفارة التي فرّ منها، وهو الصيام في حقّ العبد، والعتق في حقِّ الحرِّ، إلا أن الحرّ بذهاب ماله يثبت العتق في ذمته إلى حين يساره، ولا يجزئه الصيام.
فإن قيل: المعنى في الأصل أن الزكاة قد وجبت عليه، فلهذا قلنا: لا تؤثر فيه حيلته، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الزكاة لم تجب.
_________________
(١) في هذا المكان من الأصل حرف (و)، وحذفه هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ينظر: الإنصاف ٣/ ٤٣، شرح الزركشي ٧/ ١٠٤.
[ ٤٨٣ ]
قلنا: علة الأصل تبطل على أبي حنيفة إذا وجبت عليه الزكاة ثم ارتد، فإنها تسقط بالردة وإن كانت قد وجبت عليه (^١)، وكذلك إذا تلف المال بعد الحول؛ فإن الزكاة تسقط وإن كان بعد الوجوب، وعلة الفرع تبطل بالحائض، والنفساء إذا طهرت في وقت العصر؛ فإنه يجب عليهم قضاء الظهر، وإن لم يجب عليهم بمعنى أنهم لم يكونوا من أهل الخطاب بالعبادة في وقت الظهر، وكذلك عند أبي حنيفة إذا أسلم الكافر في بعض شهر رمضان وَجَبَ عليه قضاء ما فاته من أول الشهر، وإن لم يكن في وقت مضي ذلك الزمان من أهل الخطاب بالصيام (^٢).
طريقة أخرى: أن أبا حنيفة قد قال بأن/ نقصان النصاب في وسط الحول لا يمنع من إيجاب الزكاة (^٣).
وقال الشافعي: لا يمنع نقصان الحول من إيجاب الزكاة في العروض، ويمنع في الذهب والفضة (^٤).
وقال الخِرَقيّ من أصحابنا: وإذا ملك خمسًا من الإبل، فأسامها أكثر السنة، ففيها شاة (^٥)، فاعتبر السوم في أكثر الحول، ولم يعتبر في جميعه.
فنقول: الزكاة تتعلق بحولٍ ونصابٍ ثم ثبت أن اختلال بعض الحول مع كمال النصاب لا يمنع من إيجاب الزكاة، كذلك اختلال بعض النصاب مع كمال الحول لا يخل بالوجوب.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٤، ٥٣، البحر الرائق ٢/ ٢١٨.
(٢) الذي وقفت عليه: أنّ الكافر إذا أسلم لا يجب عليه صوم ما فاته من الشهر، أما المجنون إذا أفاق في بعض الشهر قضى ما مضى. [ينظر: المبسوط ٣/ ٨٠، بدائع الصنائع ٢/ ٨٧، مختصر الطحاوي ص ٥٥، حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٢٣].
(٣) ينظر: تحفة الفقهاء ٢/ ٥٧٠، البحر الرائق ٢/ ٢٢٩.
(٤) ينظر: حلية العلماء ٣/ ١٠١، المجموع ٦/ ١٩، ٥٤، روضة الطالبين ٢/ ٢٥٧، ٢٦٧.
(٥) ينظر: متن الخرقي ص ٤١.
[ ٤٨٤ ]
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحال» (^١)، وهذا لم يحل عليه الحول.
والفقه فيه: أنه مالٌ لم يحل فيه الحول، فلم تجب فيه الزكاة، دليله إذا نقص بتجارةٍ، أو نفقةٍ، أو هبةٍ، ونحو ذلك مما لا يقصد به الفراغ، ولأن ما قبل الحول حالة لو تلف فيها بعض النصاب لم تجب الزكاة، كذلك إذا أتلفها، كأول الحول؛ ولأنه لو كان الفراغ يسقط لكان مَنْ عُرِف بشراء العقار، والإكثار المفرط منه كالحانات (^٢)، والديار، والمُدَارات (^٣)، والأرضين، والبساتين، وما شاكل ذلك، تجب الزكاة عليه في قيمة ذلك العقار.
قالوا: والعجب أنكم لم تجعلوا البيع باطلًا، ولا الهبة للشاة باطلة، كما أبطلتم البيع وقت النداء، إلا أن هذا بيع قبل الوجوب، ولكن قلتم: يصح البيع، وتجب الزكاة، وهذا في غاية البعد، والمريض إذا وهب قبل الموت ثم مات بان بطلان الهبة، ولا شك في أنكم إنما فعلتم ذلك حتى لا تتخذ ذريعة، ومن أين أنه اتُّخِذ ذريعة، والبيع متى شرع ذريعة إلى إسقاط الزكاة،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من استفاد مالًا ١/ ٥٧١، ح ١٧٩٢ من طريق حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، قال العقيلي: لم يتابع حارثة عليه إلا من هو دونه. وقال الدارقطني: يرويه حارثة، واختلف عنه؛ فرواه هريم بن سنان، وأبو بدر شجاع بن الوليد، عن حارثة، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعًا، ووقفه الثوري، ويحيى بن أبي زائدة، وأبو خالد الأحمر، عن حارثة، عن عمرة، عن عائشة، قولها، ويشبه أن يكون هذا من حارثة. وقال ابن عبد الهادي: روى الثوري عن حارثة عن عمرة عن عائشة موقوفًا، وهذا أصح من المرفوع. وقال الذهبي: إسناده واه. وقال ابن الملقن، والعراقي: إسناده ضعيف. [ينظر: الضعفاء الكبير ١/ ٢٨٨، علل الدارقطني ١٤/ ٤٢٦، التنقيح لابن عبد الهادي ٣/ ١٩، التنقيح للذهبي ١/ ٣٢٩، البدر المنير ٥/ ٤٥٥، تخريج أحاديث الإحياء ١/ ١٦٣].
(٢) الحانات: المواضع التي يباع فيها الخمر. [ينظر: الصحاح ٥/ ٢١٠٦].
(٣) المدارات: بالتاء المبسوطة، وهى جمع مدارة، والمراد: جلد يدار ويخرز على هيئة الدلو فيستقى به. [ينظر: تاج العروس ١١/ ٣٣٩، لسان العرب ٤/ ٢٩٥].
[ ٤٨٥ ]
والأوضاع الأصلية كيف تغير، ولا يجوز أن يقال: يجب القصاص على المشتركين حتى لا يكون ذريعة، كذلك هاهنا؛ وهذا خطأٌ، فإن القتل يمكن أن يجعل ذريعة/ إلى إهدار الدماء وسفكها، فأما البيع المشروع في الأصل لمصلحة العباد كيف يكون ذريعة إلى إبطال حقٍّ، وهو في الأصل ذريعة إلى تحقيق الحقوق، ثم لو حال الحول وجبت الزكاة، فلو دفع الزكاة إلى الفقير، وأقبضها، ثم استوهبها منه، أو اشتراها منه بشيءٍ يسيرٍ، فهذا قد يجعل ذريعة، ومع هذا فلا خلاف في أن الزكاة التي أدَّاها وقعت موقعها، ولم ينتفع المسكين بها.
ومنهم من قال: إن الشرع أوجب الزكاة في نصابٍ على شرط الحول، وما كان للرفق فإنما يكمل في حقٍّ كاملٍ يحول على نصابٍ كاملٍ، فإذا أكل شاة قبل الحول، أو شاة في أول الحول، أو في وسطه، فلو أوجبنا الزكاة عليه أجحفنا به، وأوجبنا الزكاة في مالٍ لم يكمل إرفاقه به، فلا محمل له إلا أن يقال: إنه كان قادرًا على أن يرتفق بالنصاب، ويحمل لنفسه ما تجب فيه الزكاة، وهذا لا وجه لاعتباره، فإن الجواد الذي ينفق خزائن أمواله، وينفق نفقة واسعة، فإنه لو جمع لوجب، ولو كان يشتري الدور الكثيرة التي لا حاجة به إليها، ويتخذ الضيافات العظيمة، فقد فوَّت حقوق المساكين، ولا زكاة عليه، فدلَّ أن كل ذلك لا أصل له.
ولأنكم قد قلتم: إذا كان له نصابٌ من الماشية في بلدين لا زكاة، ويمكن أن يجعل ذلك ذريعة، أعني: تفريق الأموال في البلاد.
الجواب:
أما الحديث فهو مطرح الظاهر؛ لأن أبا حنيفة قال: نقصان [النصاب] (^١) لا يمنع من إيجاب الزكاة في جميع الأحوال (^٢)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (النصارى)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ينظر: تحفة الفقهاء ٢/ ٥٧٠، البحر الرائق ٢/ ٢٢٩.
[ ٤٨٦ ]
والشافعي قال: لا يمنع من العروض دون بقيتها (^١)، فنحمله عليه إذا لم يحل الحول، ولم يقصد الفرار من الزكاة بدليل ما ذكرناه.
ومن أصحابنا من أجاب عن الخبر بأنْ قال: إنَّا قائلون بالحديث، وأنه لا زكاة فيه، لكنه مارٌّ إلى (^٢) إيجاب/ الزكاة (^٣)، فالخبر أفاد نفي الإيجاب، وأخبارنا أفادت المنع من التحيل لنفي الإيجاب، والتصدي لإزالة سبب الإيجاب، وقد دللنا على تحريمه، وبيَّنا طريق فساده.
وأمَّا قولهم: إن هذا مالٌ لم يحل عليه الحول، فباطلٌ بالزروع، والمستخرج من المعدن والرِّكاز (^٤)؛ فإنه لم يحل عليه الحول، وتجب الزكاة، وننكر على أبي حنيفة، والشافعي بنقصان النصاب في أثناء الحول؛ فإنه حولٌ لم يجر على نصابٍ كاملٍ، وتجب فيه الزكاة.
والمعنى في الأصل أنه غير متعدٍّ بذلك السبب، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه سبب متعدى به.
الثاني: أن في ذلك الموضع ليس بذريعةٍ إلى إسقاط الزكاة، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه ذريعة إلى إسقاط الزكاة، والذرائع معتبرة في الأصول، بدليل ما بينَّا.
جواب آخر: لا يمتنع أن يكون نقصان النصاب [بحيلة] (^٥) نقصانًا، ونقصانه بغير حيلةٍ نقصانًا، ولا يمنع من الإيجاب، ونقصانه في طرفي الحول نقصانًا ويمنع من الإيجاب، وكذلك عند الشافعي نقصان نصاب العروض لا يمنع، ونقصان نصاب الدراهم والدنانير يمنع (^٦)، وإن كانا مالين،
_________________
(١) ينظر: حلية العلماء ٣/ ١٠١، المجموع ٦/ ١٩، ٥٤، روضة الطالبين ٢/ ٢٥٧، ٢٦٧.
(٢) (مارٌّ) اسم فاعلِ مرَّ يمرّ مرورًا فهو مارٌّ، والمعنى: أن هذا القائل بالحديث لم يَثنِه ذلك ولم يصرفُه عن القول بإيجاب الزكاة، فهو ماضٍ في إيجاب الزكاة مع القول بالحديث.
(٣) ينظر: كشاف القناع ٢/ ١٨٢.
(٤) الرِّكاز: المال المدفون في الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزًا. [ينظر: الصحاح ٥/ ٨٨٠، مقاييس اللغة ٢/ ٤٣٣].
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (يحتلبه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) ينظر: حلية العلماء ٣/ ١٠١، المجموع ٦/ ١٩، ٥٤، روضة الطالبين ٢/ ٢٥٧، ٢٦٧.
[ ٤٨٧ ]
وكذلك سفر المعصية مع السفر المباح سفرين، وتستباح بأحدهما الرخص دون الآخر (^١).
وأمَّا قولهم: إن ما قبل الحول حالة لو تلف فيها بعض النصاب لم تجب الزكاة، كذلك إذا أتلفها، كأول الحول.
قلنا: ظاهر كلام إمامنا لا يقتضي تخصيصًا لآخر الحول، ولا ما يقاربه (^٢)، ولو روي في ذلك لكان خارجًا على أن الغالب أنه لا يكون بذبح شاة في أول الحول فارًّا؛ لأنه لو أرد الفرار من الزكاة لانتفع بالمال أكثر الحول، وتحيل عند أواخره، فأما في أوله فلا يجوز اعتبار الإتلاف بالتلف؛ لأن بعد حؤول الحول وقبل/ إمكان الأداء لو تلف لم يضمن، وبمثله لو أتلفها ضمن.
وكان المعنى فيه أن التلف لا يقصد به الإسقاط، ولا يتهم فيه؛ لأنه فعلُ غيره، فهو كموت الموروث، والذبح، والهبة فعل نفسه عند مقاربة وجوب الزكاة، وذلك فعل يظهر منه القصد إلى الفرار منها، وذلك يؤدي إلى إسقاطها، ولذلك جعل تصرف الإنسان في مرض الموت بالطلاق والمحاباة، بخلاف تصرفه في حال الصحة، سيما عن أبي حنيفة في منع إقراره للوارث (^٣)، والإبانة لزوجته حال المرض (^٤)، وذلك لكون المرض حالة القرب من الموت الذي هو ناقلٌ لماله إلى ورثته.
وأمَّا قولهم: لو كان الفرار [مسقطًا] (^٥) لكان مشتري العقار الكثير لا يسقط عنه.
قلنا: قال بعض الأصحاب: يحتمل أن نقول فيمن صرفت الأثمان إلى صياغتها حليًّا - ولا فرق بين إتلاف بعض النصاب وبين صرفه إلى مالٍ ـ: لا تجب فيه الزكاة؛ لأن الجميع صالح للإسقاط.
_________________
(١) ينظر: الاصطلام ١/ ٣١٣، روضة الطالبين ١/ ٣٨٨.
(٢) ينظر: الإنصاف ٣/ ٣٢، الفروع ٢/ ٣٤٢.
(٣) ينظر: المبسوط ١٨/ ٣١، الجوهرة النيرة ١/ ٢٥٦.
(٤) ينظر: العناية ٤/ ١٤٥، الجوهرة النيرة ٢/ ٤٨.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (مسقط)، والصحيح لغة ما أثبته.
[ ٤٨٨ ]
واحتج بعضهم بأنه لو كانت الزكاة تجب مع انتقال الملك عن المال الزكاتي إلى غيره، مثل إن باع غنمًا بحميرٍ، أو بغالٍ، أن تجب الزكاة في الحول الأول، فمن قولكم كذا نقول، فنقول لكم: فالحول الثاني يلزم أن يكون كذلك؛ لأنه يستديم لملكٍ أقمته مقام الغنم في إيجاب شاةٍ، فأوجبها أحوالًا كثيرة، كما لو كانت باقيةً، فإما أن توجبها [حولًا] (^١)، وتسقطها في الثاني، فلا وجه لذلك؛ لأنه كما قصد الإسقاط بالابتداء، فبالدوام قصد إسقاط الزكاة في الدوام.
الجواب:
أن الحول الأول تحقق فيه التحيُّل، وأمَّا الثاني، والثالث فلا يتحقق فيه الاختيار؛ لأن العاقل لا يسقط تنمية المال رأسًا، ويترك تملك الأعيان حولًا بعد حول لئلا تجب عليه الزكاة، والذريعة/ إنما تحسم فيما يفعل غالبًا.
الثاني: أن إيجاب الشاة حصل في الحول الأول عقوبة على نفس الجريمة، ولم يبق في الحول الثاني إلا حكم الجريمة لا عين الجريمة، فهو كمن زنا أو سرق فحددناه، ولم يتب؛ بل أصرَّ على ذلك، لا نكرر الحد عليه، وإن كان حكم الزنا باقيًا فسقًا وإثمًا.
الثالث: أن الشاة التي وجبت، إن أخرجها فقد حصل النقصان بالتي أخرجها، لا بالتي وهبها، أو أكلها، وإن لم يخرجها فقد نقص النصاب في الحول الثاني بوجوبها في ماله للفقراء، كما لو مضى على عشرين دينارًا حولان وجبت زكاة الحول الأول فقط؛ لنقصان النصاب بزكاة الحول الأول، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (قولًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤٨٩ ]