إذا منع الزكاة بخلًا، وكسلًا، لا اعتقادًا، طالبه الإمام بها واستتابه ثلاثة أيام، فإن أدّاها، وإلا قُتل، نص عليه الإمام أحمد (^١)، وذكره عبد العزيز (^٢).
ومن أصحابنا من قال: إذا امتنع من أدائها، وقاتل الإمام عليها كفر (^٣)؛ لأن أحمد قال ذلك في مانع الزكاة على سبيل الاعتقاد بمنع الوجوب، يوضح هذا من قوله ما قاله في رواية عبدوس: ليس شيء من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة من تركها فهو كافر (^٤).
وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: إذا اعتقد الوجوب، وامتنع من الأداء لم يقتل، ولكن يطالبه الإمام بأدائها (^٥).
قال أبو حنيفة: ويحبس إلى أن يؤديها، ولا تؤخذ من ماله قهرًا (^٦).
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٧)، فقرن الله - سبحانه - بين الصلاة وبين الزكاة، وتارك الصلاة يقتل عندنا (^٨)، وعند مالك (^٩)،
_________________
(١) ينظر: الأحكام السلطانيّة ص ٥٣، الهداية ١/ ٧٧، الإنصاف ٣/ ١٩٠.
(٢) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٦٤.
(٣) ينظر: الجامع الصغير ص ٨٥، الروايتين والوجهين ١/ ٢٢١.
(٤) ينظر: الأحكام السلطانيّة ص ٥٣.
(٥) ينظر للحنفيّة: البحر الرائق ٢/ ٢١١، مختصر الطحاوي ص ٢٥. وللمالكيّة: الإشراف ١/ ١٦٩، المقدّمات الممهدات ١/ ٢٧٤. وللشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ١١، المجموع ٥/ ٣٣٤.
(٦) عند الحنفيّة: لا يأخذها الإمام قهرًا، وعند المالكية الشافعيّة: بأخذها الإمام قهرًا. [انظر: المراجع السابقة لهم].
(٧) البَقَرَة: ٤٣، الآية في الأصل بغير واو في أولها.
(٨) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥، الجامع الصغير ص ٦٤، الانتصار ٢/ ٦٠٣.
(٩) ينظر: التفريع ١/ ٣٥٤، حاشية الدسوقي ١/ ١٩٠.
[ ٤٩٠ ]
والشافعي (^١)، فكذلك مانع الزكاة، وهذا الاستدلال من الآية صحيحٌ؛ لأن أبا بكر الصديق - كرّم الله وجهه - (^٢) قال: لا أفرق بين ما جمع الله (^٣)، فاستدل على قتلهم بمنع الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة.
فإن قيل:/ هذا استدلالٌ بالقرائن، وليس بحجةٌ؛ لأن القرينة قد يخالف حكمها حكم ما قرنت به، والدليل عليه قوله - تعالى ـ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ (^٤)، فالأكل ليس بواجبٍ، والإيتاء في الزكاة واجب، وكذلك قوله ﵇: «حُتِّيه (^٥) ثم اقْرُصِيه (^٦) ثم اغسليه بالماء» (^٧)، فالغسل بالماء واجب، والحَتّ والقَرْص ليس بواجبٍ.
_________________
(١) ينظر: الأم ١/ ٢٥٥، روضة الطالبين ٢/ ١٤١.
(٢) ذكر المصنّف ﵀ عبارة: (كرّم الله وجهه) في موضعين؛ الأول: عند ذكر علي ﵁، والثاني: عند ذكر أبي بكر ﵁. وإطلاق هذه العبارة على الصحابة ﵃ لا بأس به، لكن المحذور تخصيص بعض الصحابة بذلك حتى يكون شعارًا له، كما تفعل بعض الطوائف مع أمير المؤمنين عليّ ﵁. [ينظر: معجم المناهي اللفظيّة للشيخ بكر أبو زيد ص ٢١٣، ٢٧١].
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الأنعَام: ١٤١.
(٥) الحَتُّ: فرك الشيء اليابس عن الثوب ونحوه، والحك، والحت، والقَشْر سواء. [ينظر: تهذيب اللغة ٣/ ٢٧٢، المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٥١٠، النهاية ١/ ٣٣٧].
(٦) القَرْص: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار، مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره. [ينظر: النهاية ٤/ ٤٠].
(٧) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها ١/ ٩٩، ح ٣٦٢، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب ١/ ٢٥٤، ح ١٣٨، والنسائي، كتاب الطهارة، باب دم الحيض يصيب الثوب ١/ ١٥٥، ح ٢٩٣ من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، أن امرأة استفتت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: «حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه - وعند الترمذي: رشيه - وصلي فيه» وقال الترمذي: حسن صحيح، والحديث عند البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم ١/ ٥٥، ح ٢٢٧، ومسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٤٠، ح ٢٩١ من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء، قالت: جاءت امرأة النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه».
[ ٤٩١ ]
قلنا: الأصل في القرينة أن حكمها حكم ما قرنت به؛ لأن اللفظ ورد بهما على حدٍّ سواء، قال الله - تعالى ـ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١)، وقد استويا في الوجوب إجماعًا، وغير ذلك مما يطول ذكره، وإنما يختلف الحكم في بعض المواضع لقيام دليلٍ يقتضي التخصيص، وإلا فهما في أصل الخطاب على السواء من غير فرقٍ.
وأما ما استشهدوا به؛ فنقول: الأصل يقتضي التساوي، إلا أن هناك قام الدليل على اختلافهما في الحكم، وبقي ما عداه على الأصل، وهو التساوي.
ومن جهة الأخبار: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «أُمرت - ثلاث مرات - أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿» (^٢).
وفي لفظٍ آخر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله ﷿» (^٣).
_________________
(١) النُّور: ٥٦، الآية في الأصل بغير واو في أولها.
(٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٩٠، ٩١، ح ٦، والخلال في السنة ٤/ ٧٧، ح ١١٩٩، والدارقطني، كتاب الزكاة ٢/ ٤٦٥، ح ١٨٨٤ من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة، دون ذكر الثلاث، وعند الدارقطني: أمرت بثلاثة؛ أمرت أن أقاتل .. إلخ والحديث عند ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب في الإيمان ١/ ٢٧، ح ٧١ دون قوله: «فإذا فعلوا ذلك ..» إلخ، قال الذهبي: الحسن لم يصح سماعه من أبي هريرة، وهو صاحب تدليس. [ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٤٩].
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ ٧/ ٣٥، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٩٢، ح ٨، والخلال في السنة ٤/ ٦٣، ح ١١٧٤، والدارقطني، كتاب الزكاة ٢/ ٤٦٦، ح ١٨٨٥، من طريق سعيد بن كثير بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
[ ٤٩٢ ]
فوجه الدلالة: أن النبي - صلَّى الله عليه - أخبر أن حقن الدم يحصل بثلاث: بالشهادتين، وبفعل الصلاة، وأداء الزكاة، فدلَّ ذلك على أنه مباحٌ بعد ذلك، وأنه لا عصمة مع عدم شيء منها.
فإن قيل: إنما يقتضي الإباحة بفعل الجميع، كما/ كان الحقن، والعصمة بالجميع، ألا ترى إلى قوله - تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *﴾ (^١)؛ عاد إلى فعل الجميع، ولم يعد التخليد في العذاب إلى كل واحدٍ من الخلال التي ذكرها.
قلنا: الذي يقتضيه ظاهر اللفظ عود العذاب والتخليد إلى الجميع، وكل واحدٍ منه، لكن قام دليلٌ على أن التخليد لا يكون إلا في مقابلة الكفر متمسكًا بما هو عليه، لا يعزم على العود عنه، وكل مسلمٍ ارتكب كبيرة؛ فإنما يموت مسوفًا بالتوبة، نادمًا على ما فرَّط، عازمًا على استدراك الغلط، ودلائل نفي تخليد الفساق كثيرٌ من السنة، فذلك الذي خصَّ هذه الآية، ولا صارف لظاهر أخبارنا، فكانت على ظاهرها.
وروى الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري في كتاب «[ذيل] (^٢) المذيل» (^٣) بإسناده عن فاطمة بنت خَشَّافٍ السّلمية (^٤)، عن عبد الرحمن بن الربيع (^٥) - وكانت له صحبة - قال: بعث رسول الله - صلَّى الله عليه - إلى رجلٍ من أشجع تؤخذ صدقته، فجاءه الرسول فردَّه، ثم رجع إلى النبي ﵇، فأخبره،
_________________
(١) الفُرقان: ٦٨.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (دليل)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٣.
(٣) كتاب: (ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين)، لابن جرير الطبري، ذكر فيه تاريخ الرجال من الصّحابة والتابعين إلى شيوخه. [ينظر: تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٣].
(٤) لم أقف على من ترجمها.
(٥) عبد الرحمن بن الربيع، الأنصاري، الظفري، ذكره البغوي، والطبري، وابن شاهين، وغيرهم في الصحابة. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٣٤١، الإصابة ٤/ ٢٥٧].
[ ٤٩٣ ]
فقال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «اذهب إليه، فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه» (^١)، وهذا نصٌّ في إيجاب القتل بالمنع المجرد عن اعتقاد، والحكم الظاهر المنطوق به إنما يعلق على السبب الظاهر المنطوق به.
وروى أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي في كتاب «الزكاة» (^٢) بإسناده، عن أنس بن مالك: أن العرب بعد رسول الله - صلَّى الله عليه - قالوا: نصلِّي ولا تغصب أموالنا، يقولون: لا نعطي الزكاة، فقال أبو بكر: لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، فقتل، وسبى، وحرق خلالَ البيوتِ، فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خصلتين؛ بين حرب مجلية، أو خطة مُخزيةٍ، فاختاروا/ الخطةَ المُخزيةَ، وكانتْ أَهونَ عَليهم، على أن قتلاهم في النار، وقتلى المسلمين في الجنة، وما أصابوا من المسلمين فهو إليهم ردّ، وما أصاب المسلمون منهم فهو لهم، فأقروا بذلك صَغَرَة، وعرفوا ما أنكروا، ودخلوا من حيث خرجوا (^٣).
فإن قيل: أولئك كانوا قد نفوا اعتقادها، فلهذا قتلهم.
قلنا: لو كان كذلك كانوا كفارًا، ولو كانوا كفارًا لما رده عمر عن قتالهم، ولا عارضه فيهم؛ إذ لا يجوز لعمر إقرار المرتدين على الردة، وكفّ أبي بكر عن العقوبة الواجبة عليهم.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات، الطبقة الرابعة من الصحابة ص ٥٨٤، ح ٢٦٨، والبغوي في معجم الصحابة ٤/ ٤٨١، ح ١٩٤٠، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ١٨٦٢، ح ٤٦٨٩، ٤٦٩٠، وابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٩٠ من طريق الواقدي، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن فاطمة بنت خشاف، به، قال ابن حزم: هذا حديث موضوع، مملوء آفات من مجهولين، ومتهمين.
(٢) لم أقف على من ذكره.
(٣) أخرجه أبو طاهر المخلص ٢/ ٣٢٨، ح ١٦٥٥ من طريق شيبان النحوي، عن قتادة، عن أنس، وأخرجه الطبري في التفسير ٨/ ٥٢٠، والبيهقي، كتاب قتال أهل البغي، جماع أبواب الرعاة، باب ما جاء في قتال الضرب الثاني من أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ٨/ ٣٠٨، ح ١٦٧٣٦، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ليس فيه أنس، وكذا أخرجه ابن عساكر ٣٠/ ٣١٩ من طريق عيسى بن عبد الله التميمي، عن قتادة.
[ ٤٩٤ ]
ولا أرى في الاستدلال بهذا الحديث كبير حجة على ما اختلفنا فيه؛ لأن القتال جائزٌ عند مخالفينا لمن قاتل الإمام [عليها] (^١)، والتكفير ثابت عندهم في حق من نفى [وجوبها] (^٢).
وفي الحديث ما يدل على الأمرين؛ القتال وتسمية الزكاة غصبًا، ونهي عمر لأبي بكر عن القتال كان على سبيل الإشفاق، لا احترامًا لهم، ولهذا سمُّوا بأهل الردة، وخرجوا بإسقاط الزكاة بعد رسول الله، وسموها غصبًا، وعليّ كان ممن نهاه عن القتال، ثم استولد الحنفية بعد استرقاقها وتملكها، [والمسلم] (^٣) لا يملك ماله بالقهر، وإنما يصلح أن يستدل بهذا الحديث من قال من أصحابنا: إنه إذا قاتل الإمام عليها كفر (^٤).
والفقه في المسألة: أنا نقول: الزكاة من أحد العبادات الخمس، الذي بني الإسلام عليها، فجاز أن يقتل بتركها، دليله الشهادتان، ولا يلزم الصوم؛ لأن أحمد قد نص على وجوب قتله بالامتناع منه كالزكاة (^٥)، ولا يلزم الحج؛ لأن القاضي قال: قياس المذهب يقتضي قتله بالامتناع منه كالزكاة (^٦)، وقد قال أبو بكر صاحب الخلال في كتاب «البغاة» (^٧): الحج، والزكاة، والصيام، والصلاة سواء يستتاب، فإن/ تاب، وإلا قتل (^٨).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (عليه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (وجود بها)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (ومسلم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر: الجامع الصغير ص ٨٥.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٩٥، الإنصاف ١٠/ ٣٢٨.
(٦) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٠٣.
(٧) كتاب: (البغاة)، لأبي بكر غلام الخلال، لم أقف على من ذكره، ويحتمل أنه داخل ضمن كتابه الكبير: (الشافي)، وهو لم يطبع.
(٨) نسب هذا القول له صاحب الإنصاف ١/ ٤٠٣، ١٠/ ٣٢٨، وفي زاد المسافر ٢/ ٣٦٤ أنّ تارك الزكاة يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
[ ٤٩٥ ]
فإن قيل: اعتبار العبادات بالشهادتين فاسد، بدليل أن تلك يكفر بتركها، ولا تدخلها النيابة، وتلك أصلٌ، وهذه فروعها، وتلك لا يمكن تحصيلها إلا منه، وهذه يمكن تحصيلها من غيره، فلا وجه لقتله لأجلها.
قلنا: الاعتبار صحيحٌ؛ لأن كل واحدٍ من هذه أحد الأركان المبني عليها الإسلام، فالكلمة واحدة من الخمس، حاكية عما في القلب من العقد، وشاهدة بما فيه من التصديق، فلا فرق بينهما عندنا؛ لأن فعل كل واحدةٍ على صفتها دالةٌ على الإيمان، فتركها دالٌّ على الكفر، وليس بإيمان في نفسه شيء من ذلك، أعني الكلمة التي لا تصدر عن تصديق، والأفعال التي لا تصدر عن استجابةٍ وتصديقٍ، والكلمة وهذه الأفعال فروع بالإضافة إلى الاعتقاد، فلا تصح دعوى أن الكلمة أصلٌ، وتلك في النيابة أدخل؛ حيث يستتبع الولد ولده بإزاء ما ينوب النائب هاهنا، والكلمة إذا أكره عليها الحربي والمرتد أجزأت، والارتداد عن الإسلام تشرد عن الاستجابة، كما أن الامتناع من الزكاة تمنع من الاستجابة، وهذا نلجئه إلى الإخراج، أو نأخذها، وهناك نحثه عليها لتتحصل منه.
وكونها لا تتأتى من غيره لا يمنع مساواة هذه؛ لأن وجودها منه على سبيل الإكراه بالحبس والضرب، كإخراج هذه وأخذها بالإكراه والضرب، فإن بقي نوعٌ من أنواع التأكيد لم يمنع من تساويهما في القتل، كالصلاة مع كلمة التوحيد، تفارقا في التأكيد والضعف، وتساويا في إيجاب القتل؛ ولأن الصلاة لا يكفر بتركها عندهم، ويقتل بتركها، أعني: أصحاب الشافعي (^١)،/ والزنا من المحصن، والقتل من المحاربة يقتل به، ولا يكفر بفعله (^٢).
ولأن الصيام لا يمكن تحصيله ولا يناب عنه فيه، ولا يقتل بتركه.
فإن قيل: فالقتل عقوبة على البدن، فجاز أن يجب لأجل الإخلال بالشهادتين والصلاة؛ [إذ] (^٣) كانا من أعمال الأبدان، والزكاة مالية،
_________________
(١) ينظر: الأم ١/ ٢٥٥، روضة الطالبين ٢/ ١٤١.
(٢) ينظر: المجموع ٢٠/ ١١٦، إعانة الطالبين ٤/ ١٣٣.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (إذا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٤٩٦ ]
فلم يوجب الامتناع عنها عقوبة في البدن، ولذلك كان في صدر الإسلام العقوبة بأخذها، وشطر ماله، ثم نسخ، فإن كانت عندكم العقوبة بالمال غير منسوخة، فكونوا على ذلك، ولا معنى لعقوبة البدن.
قلنا: ليس هذا وجهًا صحيحًا؛ لأن الحبس عند أبي حنيفة عقوبة على البدن، ووجبت على هذا إلى أن يؤدى المال (^١)، والكفارات بُدئ فيها بالمال عن إفساد عبادات بدنية، ككفارات الإفطار بالوطء في رمضان، وكفارات الإحرام، وإفساد الأموال أوجب التعازير على الأبدان، فإذا ثبت هذا بطل تأصيلك أن العقوبة من جنس المعصية، أو في محلها، ولو كان ما ذهب إليه صحيحًا لكان لا يعاقب مفسد الحج والصوم إلا بأفعالٍ شاقِّة على بدنه دون الأموال، وكان لا يعاقب من أفسد مالًا إلا بغرامة مالٍ مضاعفة دون تغريم على البدن.
طريقة أخرى: نقول: العبادات المأمور بها في الشرع على ضربين؛ أحدهما: متعلقٌ بالبدن، والآخر: متعلق بالمال، ثم ثبت أن ما تعلق بالبدن منه ما يجب قتله بتركه، وليس إلا الزكاة.
فإن قالوا: نقول بموجبه، وهو الجزية.
قلنا: الجزية ليست من العبادات.
احتجوا:
بقول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله،/ فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها» (^٢)، فدلَّ على أنها كلمةٌ عاصمة في حق مَنْ منع الزكاة أو أدَّاها.
وبما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٌ بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس» (^٣)، ولم توجد واحدة من هذه الأشياء.
_________________
(١) ينظر: البحر الرائق ٢/ ٢١١، مختصر الطحاوي ص ٢٥.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ٤/ ١٧٠، ح ٤٥٠٢، والترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ٤/ ٤٦٠، ح ٢١٥٨، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم ٧/ ٩١، ح ٤٠١٩ من حديث عثمان، وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ٤٩٧ ]
والفقه فيه: أن الزكاة حقٌّ من حقوق المال، أو حقٌّ في المال، فلم يقتل بتركه كالكفارات والنذور، وحقوق الآدميين من [الديون] (^١)، والغرامات.
قالوا: ولأنه لا معنى لقتله إذا أمكن أخذ الزكاة من ماله، والمقصود حصول غرض المواساة، وقد حصل، وفي الصلاة لو أمكن تحصيلها لم يقتل تاركها، ولا جائز أن يقال: إن حصل غرض المواساة فقد امتنع معنى العبادة، كما في الصلاة، وجهة العبادة مقصودة؛ لأنا نقول: الأمر كذلك، ولكن جهة المواساة أصل أصيل، وليس في الصلاة جهة أخرى غير جهة العبادة، فليس إذا شرع القتال فيما تمحض عبادة ما دل على أنه يشرع فيما لم يتمحض.
قالوا: ولأن القتل أعلى العقوبات، ولا سبيل إلى تعليقه بكل جريمةٍ، وقد ثبت بالدليل أن تارك الصلاة يقتل، وما عدا الصلاة دون الصلاة؛ فإن الصلاة هي الشعار الأعظم المتكرر في اليوم والليلة مرارًا، والعبادات كلها دونها، فليس إذا شرع القتل في الأعلى يجب أن يشرع في الذي دونه؛ بل يرجع في الذي دونه إلى أصل الحقن.
الجواب:
أن أخبارنا فيها زيادة تقضي على هذا الذي ذكروه، على أننا نقول بهذا في حق الكفار من أهل الحرب، ينتهي قتالهم إلى الأمان بالكلمة، ونكف عن قتالهم/ باعتماد التزام أحكام الكلمة، على أن قوله: «إلا بحقها» يعطي أن من حقوقها ما يزيل العصمة، وهو عندنا من حقوقها، بدليل ما ذكرنا؛ ولهذا قال أبو حنيفة بأنه عبادة حتى قال: إنها لا تجب على الصبي، والمجنون (^٢)، وألحقها بعبادات الأبدان، ولأنه باطلٌ بالجزية في حق أهل الذمة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الديو)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ينظر: العناية ٢/ ١٥٦، الجوهرة النيرة ١/ ١١٤.
[ ٤٩٨ ]
وأما الكفارات فليست أصولًا في الشرع؛ بل جبرانات، ومقابلات، وكذلك النذور، فهي كسجود السهو، لا يقتل بتركه، وكذلك التوبة من المعاصي لا يقتل بتركها؛ لأنها وضعت جبرًا، والمعاصي أنفسها يجب القتل في جنسها؛ إذ كانت أصلًا، والصلاة يجب القتل بتركها.
فإن قيل: فالنفس أصلٌ، فلا تستباح إلا بأصل الدين.
قلنا: لا تقف الاستباحة للنفس على أصلٍ، بدليل أن الزنا مع الإحصان معصية لا في أصل، والردة معصية في أصل الدين، واستويا في القتل، وزاد قتل الزنا على قتل الردة، والله أعلم.
[ ٤٩٩ ]