حكم المؤلفة قلوبهم باقٍ لم ينسخ، فإذا وجد الإمام من يدفع بتآلفه عن الإسلام ضررًا، أو يجتلب بتآلفه للإسلام نفعًا جاز له دفع الزكاة إليه، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^١)، اختارها الخِرَقِي (^٢)، وهي قول الحسن البصري، والزهري، وأبي ثور (^٣).
والثانية: أن حكمهم منسوخٌ (^٤)، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي (^٥).
الأوّلة:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٦)، وهذا نصٌّ، فلا يجوز دعوى نسخه إلا بنص يتأخر عنه لا يمكن اجتماعهما، وهذا متعذرٌ، لا يجدون إليه سبيلًا.
فإن قيل: لعمري إنّ هذه الآية نصٌّ في المؤلفة، فمن أين لكم أنهم من الكفار، وما تنكرون أن يكون المراد بذلك مسلم يخاف على قلوبهم الزيغ [والارتداد] (^٧) لقرب عهدهم، وعدم تمكين الإيمان من قلوبهم؛ إذ لم يسلموا بأدلةٍ، لكن أسلموا بنوع استمالة لهم، والدلالة على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: هم قومٌ كانوا يأتون رسول الله - صلَّى الله عليه - قد أسلموا، وكان رسول الله يرضخ (^٨) لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٧٩، الروايتين والوجهين ٢/ ٤٣، الإنصاف ٣/ ٢٢٨، الفروع ٢/ ٦١١.
(٢) ينظر: متن الخرقي ص ٩٢.
(٣) ينظر: المغني ٢/ ٤٩٦، الكشف والبيان ٥/ ٦٠.
(٤) ينظر: الهداية ١/ ٧٩، الروايتين والوجهين ٢/ ٤٣، الإنصاف ٣/ ٢٢٨، الفروع ٢/ ٦١١.
(٥) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٥٢، بدائع الصنائع ٢/ ٤٤. وللشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ١٥٤، المجموع ٦/ ١٩٨.
(٦) التّوبَة: ٦٠.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (والأنداد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٨) رضخ فلان لفلان شيئًا من ماله؛ إذا أعطاه قليلًا من كثير، والاسم: الرضيخة. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٥٨٧، الصحاح ١/ ٤٢٢].
[ ٥٠٦ ]
قالوا: هذا دينٌ صالحٌ، وإن كان غير ذلك عابوه (^١). فقد بيَّن ابن عباس أنهم كانوا مسلمين.
وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان المؤلفة على عهد رسول الله - صلَّى الله عليه - أربعة؛ علقمة بن [عُلاثة] (^٢) الجعفري (^٣)، والأقرع/ بن حابس الحنظلي (^٤)، وزيد الخيل الطائي (^٥)، وعيينة بن بدر الفزاري (^٦)،
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير ١١/ ٥١٩ عن محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (عُلاقة)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٣) علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، الكندي، العامري، الكلابي، كان من أشراف بني ربيعة بن عامر، ومن المؤلفة قلوبهم، وكان سيدًا في قومه، حليمًا عاقلًا، قيل: إنه ارتد، ثم أسلم، وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران فمات بها. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٠٨٨، أسد الغابة ٣/ ٥٨٣].
(٤) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان، التميمي، المجاشعي، الدرامي، كان حكمًا في الجاهلية، ووفد على النبي ﷺ، وشهد فتح مكة، وحنينًا، والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وشهد مع خالد بن الوليد اليمامة، وحرب أهل العراق، وفتح الأنبار، وغيرها، ومع شرحبيل بن حسنة دومة الجندل، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان. [ينظر: الاستيعاب ١/ ١٠٣، أسد الغابة ١/ ١٢٨].
(٥) زيد الخيل بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف، الطائي، قدم على النبي ﷺ في وفد طئ سنة تسع، وسماه النبي ﷺ زيد الخير، وأقطع له أرضين في ناحيته، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم المعدودين، خطيبًا، شجاعًا، كريمًا، قيل: إنه توفي في خلافة عمر. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٥٥٩، أسد الغابة ٢/ ١٤٩، الإصابة ٢/ ٥١٣].
(٦) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية، الفزاري، أبو مالك، قيل: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة؛ لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه، أسلم قبل الفتح، وشهدها، وقيل: أسلم بعدها، وشهد حنينًا، والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، وبعثه النبي ﷺ لبني تميم فسبى بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ومال إلى طلحة، فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام، وعاش إلى خلافة عثمان. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٢٤٩، أسد الغابة ٤/ ٣١].
[ ٥٠٧ ]
فقدم علي بن أبي طالب بذَهَبَة من اليمن، فقسمها رسول الله - صلَّى الله عليه - بينهم (^١).
وعن رافع بن خَدِيج قال: أعطى رسول الله - صلَّى الله عليه - أبا سفيان بن حرب (^٢)، وصفوان بن أمية (^٣)، وسهيل بن عمرو (^٤)، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسانٍ منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس (^٥) دون ذلك، فقال العباس:
وما كان زيد ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع
_________________
(١) أخرجه أحمد ١٧/ ٣٦٩، ح ١١٢٦٧ من طريق سعيد بن مسروق، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد، ومن طريق أحمد أخرجه ابن عساكر في التاريخ ١٩/ ٥٢٣.
(٢) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو سفيان، القرشي، الأموي، مشهور باسمه وكنيته، وكان يكنى - أيضًا - أبا حنظلة، أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا، والطائف، وكان من المؤلفة، وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان تاجرًا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانًا بنفسه، تزوج النبي ﷺ ابنته أم حبيبة قبل أن يسلم، وكانت أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فمات هناك، توفي لست خلون من خلافة عثمان، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٦٧٧، أسد الغابة ٥/ ١٤٨، الإصابة ٣/ ٣٣٢].
(٣) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، حضر وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم، وكان أحد المطعمين في الجاهلية، وإليه كانت فيهم الأيسار، وهي الأزلام، وهو أحد المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، وكان من أفصح قريش لسانًا، وأقام بمكة، فقيل له: من لم يهاجر هلك، ولا إسلام لمن لا هجرة له، فقدم المدينة مهاجرًا، فنزل على العباس بالمدينة، ثم أذن له النبي ﷺ في الرجوع إلى مكة، فأقام بها حتى مات بها سنة ٤١ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٧١٨، أسد الغابة ٢/ ٤٠٥].
(٤) سهيل بن عمرو الجمحي، معدود في المؤلفة. [ينظر: الإصابة ٣/ ١٧٩].
(٥) العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وشهد الفتح، وحنينًا، ويقال: إنه ممن حرّم الخمر في الجاهلية، وكان من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، شاعرًا، نزل بالبادية بناحية البصرة. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٨١٧، أسد الغابة ٣/ ٦٤].
[ ٥٠٨ ]
وما كنت دون أمري منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع (^١)
وهذا تعظيم مسلم لرسول الله - صلَّى الله عليه ـ، وكان ذلك يوم حنين.
قلنا: إن النبي - صلَّى الله عليه - كان يتألف المسلم الذي لا يثق بدينه، والكافر الذي يخاف شره، أو يرجو إيمانه، ودخوله في الإسلام.
روى أبو بكر في «تفسيره» عن قتادة؛ المؤلفة قلوبهم: أناسٌ كان نبي الله يعطيهم، يتألفهم لكي يسلموا، جعل لهم رسول الله سهمًا (^٢).
وروى - أيضًا - عن الزهري؛ المؤلفة قلوبهم، قال: هم من أسلم من يهودي، ونصراني، وإن كان غنيًّا (^٣).
وروى أبو حفص في كتاب «الزكاة» (^٤) بإسناده عن الحسن في قوله - تعالى ـ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٥)، قال: الذين يدخلون في الإسلام (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه ٣/ ١٠٧، ح ٢٤٩٠، حدثنا محمد بن أبى عمر المكي، حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس؛ كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيـ … ـد بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
(٢) أخرجه الطبري في التفسير ١١/ ٥٢١ من طريق سعيد، عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا ٢/ ٤٣٥، ح ١٠٧٦٢، والطبري في التفسير ١١/ ٥٢١ من طريق معقل بن عبيد الله، عن الزهري.
(٤) لم أقف على من ذكره، ولعله يعني كتابًا فقهيًا داخل أحد مصنفات أبي حفص.
(٥) التّوبَة: ٦٠.
(٦) أخرجه أبو عبيد في الأموال، كتاب الصدقة، باب سهم العاملين على الصدقة والمؤلفة قلوبهم ص ٧٢١، ح ١٩٦٠، وابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا ٢/ ٤٣٥، ح ١٠٧٦١ من طرق عن الحسن.
[ ٥٠٩ ]
على أنَّ الذي لا يثق النبي - صلَّى الله عليه - بإسلامه فليس بمسلمٍ حقًّا، فقد بان بهذه التفاسير والأخبار أنه قصد به المصلحة، وذلك يحتاج إليه في دوام الإسلام واستدامته، كما يحتاج إليه في ابتدائه.
فإن قيل: هذه الآية منسوخة، بدليل قول النبي ﵇: «لا تحل الصدقة إلا لخمسةٍ؛ لعاملٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تصدق/ فأهدى منها لغنيٍّ» (^١). والمؤلفة قلوبهم ليس هم من هذه الأقسام الخمسة.
قلنا: هذا من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا ينسخ بها القرآن.
الثاني: أنه قد جعل المستحق لأخذ الصدقة هؤلاء الخمسة، ولم يذكر ابن السبيل، ولا الرقاب، وإن لم يكن منسوخًا.
فإن قيل: فقد روي عن جابر (^٢)، [عن] (^٣) عامر قال: كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي - صلَّى الله عليه ـ، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (^٤) (^٥).
وفي كتاب محمد بن الحسن (^٦)، قلت: أرأيت قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٧)،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من تحل له الصدقة ١/ ٥٩٠، ح ١٨٤١، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني ٢/ ١١٩، ح ١٦٣٦ من طريق معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن الجوزي: إسناده ثقات. وقال النووي: حديث حسن أو صحيح، وإسناده جيد. [ينظر: المستدرك ١/ ٥٦٦، التحقيق ٢/ ٦٢].
(٢) جابر بن يزيد بن الحارث، الجعفي، أبو عبد الله، الكوفي، ضعيف، رافضي. مات سنة ١٢٧ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: التقريب ص ١٣٧].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (بن)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٤) الرُّشا: جمع رشوة، بضم الراء، وكسرها. [ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ٢٧٩].
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا ٢/ ٤٣٥، ح ١٠٧٥٩، والطبري في التفسير ١١/ ٥٢٢ من طريق إسرائيل، عن جابر.
(٦) كتاب: (الأصل)، المعروف بـ (المبسوط)، لمحمد بن الحسن الشيباني، أوسع كتب مسائل الأصول، أو ما تسمى ظاهر الرواية عند الأحناف، وأكثرها فروعا وأبسطها عبارة، فلذلك كان هو عمدة المذهب الحنفي.
(٧) التّوبَة: ٦٠.
[ ٥١٠ ]
هل يجب لهم في الزكاة شيء؟ قال: لا، إنما كان ذلك على عهد النبي - صلَّى الله عليه - حين كان يتألف الناس على الإسلام، ويعطيهم من ذلك، فأما اليوم فلا (^١).
وعن مالك قال: سهم المؤلفة قلوبهم يرجع على أهل السهام (^٢).
وكان محمد بن مسلمة (^٣) يقول: إنَّا نرى [أن] (^٤) التأليف قد انقطع (^٥).
وقال الحسن: أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم (^٦).
وقال الشعبي: إنما لم يبق في الناس من المؤلفة قلوبهم، إنما كانوا على عهد رسول الله، فلما ولِي أبو بكر انقطعت الرُّشَا (^٧).
قلنا: بمثل هذا عن هؤلاء لا يثبت النسخ.
الثاني: أنه قد خالف هؤلاء الحسن البصري، فقال: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإسلام (^٨).
_________________
(١) ينظر: الأصل ٢/ ١٤٢.
(٢) ينظر: الاستذكار ٩/ ٢١٨.
(٣) محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة، الأنصاري، الأوسي، الحارثي، حليف بني عبد الأشهل، أسلم قديمًا على يدي مصعب بن عمير، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، وشهد المشاهد؛ بدرًا وما بعدها، إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم بالمدينة، وكان ممن ذهب إلى قتل كعب بن الأشرف، وإلى ابن أبي الحقيق، وكان من فضلاء الصحابة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين. مات سنة ٤٦ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٣٧٧، أسد الغابة ٤/ ٣٣٦، الإصابة ٦/ ٢٨].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (من)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه الطبري في التفسير ١١/ ٥٢٢ من طرق عن الحسن.
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) تقدم تخريجه.
[ ٥١١ ]
وعن جابر [عن] (^١) أبي جعفر (^٢)، قال: اليوم مؤلفة قلوبهم (^٣).
وروى مَعْقِل (^٤)، عن الزهري في قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٥)، قال: من أسلم من يهودي، أو نصراني، قلت: وإن كان غنيًّا؟ قال: وإن كان غنيًّا يعطى منها (^٦).
وعن أبي ثور قال: المؤلفة قلوبهم لهم سهمٌ في الصدقات، يعطيهم الإمام على قدر ما يرى (^٧).
وقال أبو جعفر محمد بن علي: [حكم] (^٨) المؤلفة قلوبهم ثابت (^٩).
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: صنف من أحد الأصناف المذكورين في الآية، فكان حكمهم [باقيًا] (^١٠)، دليله سائر الأصناف.
أو نقول: ما أخذ لمصلحة الإسلام/ كان ثابتًا كسهم الغارمين لإطفاء النوائر (^١١)، وكسهم ذوي القربى؛ ولأنه لما جاز أن يتألف على البقاء على الإسلام جاز أن يتألف على الابتداء لوجود الاسم في الحالين،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (بن)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٢) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، أبو جعفر الباقر، سيد بني هاشم في زمانه، ولد سنة ٥٦ هـ، وكان أحد من جمع العلم، والفقه، والشرف، والديانة، والثقة، والسؤدد. مات سنة ١١٤ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٨].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا ٢/ ٤٣٥، ح ١٠٧٦٠، والطبري في التفسير ١١/ ٥٢٣، وابن أبي حاتم في التفسير ٦/ ١٨٢٣، ح ١٠٣٨٢ من طريق إسرائيل، عن جابر.
(٤) معقل بن عبيد الله، الجزري، أبو عبد الله العبسي، مولاهم، صدوق، يخطئ. مات سنة ١٦٦ هـ. [ينظر: التقريب ص ٥٤٠].
(٥) التّوبَة: ٦٠.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) ينظر: الإشراف ٣/ ٩١.
(٨) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٩) تقدم تخريجه.
(١٠) ما بين المعكوفين في الأصل: (باقي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(١١) جمع نائرة، وهي: الحقد والعداوة والشحناء. [ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ١٧٠، الصحاح ٢/ ٨٣٩].
[ ٥١٢ ]
كما قالوا في ابن السبيل: يُحمل على المختار والمستديم للسفر، وعلى المنشئ المبتدئ لوقوع الاسم عليه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: سائر الأصناف المعنى الذي كانوا يستحقون به موجود، وهو حاجتهم إلينا، أو حاجتنا إليهم، وهذا قد عدم في المؤلفة قلوبهم؛ لأنه إنما كان ذلك في صدر الإسلام لقلة المسلمين، وكثرة الكفار، وقد زال ذلك في وقتنا.
قلنا: خلافنا فيمن دعت الحاجة إلى ذلك بأن يخاف الإمام الفساد من بعض المشركين، أو خوفًا من الخوارج أن يفسدوا عليه، وهذا يجوز وجوده، فأما إن لم يوجد ذلك فلا يجوز دفعها إليهم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵁ فيما حكاه عنه ابن المنذر في كتاب «التفسير» (^١)، فقال: روى الأثرم، عن أبي عبد الله أنه قيل له: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٢)، يكون اليوم مؤلفة؟ قال: نعم، إن احتاج المسلم إلى ذلك (^٣). فاعتبر الحاجة.
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال لمعاذ لمَّا بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم» (^٤)، وهذا راجعٌ إلى فقراء من فرض الأخذ عليهم، ومنهم، وهم المسلمون.
وروي عن عمر: أنه سأله رجلٌ فقال: إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (^٥).
_________________
(١) كتاب: (تفسير القرآن)، لأبي بكر ابن المنذر، قال الذهبي: يقضي له بالإمامة في علم التأويل. وقال ابن حجر - بعد ذكره في أربعة تفاسير ـ: فهذه التفاسير الأربعة قلّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين. وقال الداودي: لم يصنف مثله. [ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٩٢، العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٣، طبقات المفسرين ٢/ ٥٦]. ولم يطبع منه إلا قطعة صغير جدًا، لبعض آيات سورة البقرة وآل عمران والنساء.
(٢) التّوبَة: ٦٠.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٤٣.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/ ٥٠، ح ١٩ من طريق ابن عباس، عن معاذ.
(٥) قال ابن حجر: لا يعرف. [ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ٢٤١].
[ ٥١٣ ]
حديث عمر بن الخطاب - حين جاءه عيينة بن حصن - فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (^١) إن الإسلام أجلُّ من أن يرشى عليه، أي:/ ليس اليوم مؤلفة (^٢).
وروى أبو عوانة (^٣) عن مهاجر [أبي] (^٤) الحسن (^٥)، قال: أتيت أبا وائل (^٦)، وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فوجدت أبا وائل وحده، فقال: ردَّها فضعها مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ فقال: ردَّه على الآخرين (^٧).
والفقه فيه: أن الزكاة جعلت مرفقًا لأهل الحاجة من المسلمين، فلا يجوز صرفها إلى الكفار، كما لو لم يكن بنا حاجة إلى التألف.
ولأن الله - سبحانه - قد أعزَّ الإسلام وأغناه في عصرنا هذا عن التأليف والتودد لاتساع رقعته، وكثرة عَدده، وعُدده، وعساكره، وأذلَّ الكفر وأهله، فإعطاء أموالنا لهم تضييعٌ، فصار بمثابة دفعه إلى الأغنياء، أو دفعه إلى أهل الخُمُس، يدل عليه: أنه لمَّا لم يجز أن يدفع الإمام المال إلى المشركين على سبيل الهدنة، كذلك لا يجوز دفع مال الزكاة، وقالوا:
_________________
(١) الكهف: ٢٩.
(٢) ينظر: تفسير الثعلبي ٥/ ٦٠.
(٣) وضّاح بن عبد الله، اليشكري، الواسطي، البزاز، أبو عوانة، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. مات سنة ١٧٥ هـ. [ينظر: التقريب ص ٥٨٠].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (بن)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا عن مصادر التخريج.
(٥) مهاجر، أبو الحسن، التيمي مولاهم، الكوفي، الصائغ، ثقة، من الرابعة. [ينظر: التقريب ص ٥٤٨].
(٦) شقيق بن سلمة، أبو وائل، الأسدي، أسلم في حياة النبي ﷺ، ولم يلقه، وكان من الأذكياء الحفاظ، والأولياء العباد، تعلم القرآن في شهرين. مات سنة ٨٢ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٣٧٠، تاريخ الإسلام ٢/ ٩٤٢].
(٧) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير ٥/ ٢٥٦، ح ١٠٢٢، وابن سعد في الطبقات ٦/ ٩٧، وابن أبي خيثمة في التاريخ، ٣/ ١٨٤، ح ٤٤٠٠، والبيهقي، كتاب قسم الصدقات، باب سقوط سهم المؤلفة قلوبهم وترك إعطائهم عند ظهور الإسلام، والاستغناء عن التألف عليه ٧/ ٣٢، ح ١٣١٩٠ من طرق عن أبي عوانة، عن مهاجر أبي الحسن.
[ ٥١٤ ]
وقد نص إمامكم أحمد على منع الإمام من الهدنة على مالٍ يصرفه إلى أهل الشرك (^١)، فبطل جواز دفع على وجه التألف.
الجواب:
أما الأخبار فلا تعطي منع إعطائها للكافر على وجه التألف والأصلح، بل تعطي أنها تعطى فقراء المسلمين فقط، ولعلَّ عمر ﵁ أراد أننا لا نعطي مع الغنى عن التألف، ولعل ذلك الكافر كان ممن لا يحصل به الغنى، وأنه لم يكن في إعطائه مصلحة.
وأما الفقه فنقول: إنّ الدفع على وجه التألف يعود إلى مصالح المسلمين، وحاجتهم الكلية، وهي دفع الشر عنهم، فهي كالحاجة الخاصة، وهي دفع الفاقة، وسد الخلة، وفارق الأصل؛ لأن من لا يبال فلا حاجة بنا إلى الدفع إليه، فيكون إعطاؤه تضييعًا للمال.
/ وقولهم: إنّ الله قد أعز الإسلام، فلا حاجة.
قلنا: إلا أنه مع الحال المذكورة قد تتفق حاجة تخص، كما نحتاج في بعض الأوقات إلى الهدنة، والكف عن الجهاد، وإن كان الجهاد من أحد قوانين الإسلام، ولذلك يجوز أن نَرْضَخ للعبد، والكافر، والمرأة إذا قاتلوا معنا، بأن تدعو الحاجة إلى التكثر بهم، ونجعل بعض المال لمن يفتح الحصن من داخل، وإن كان من آحاد المشركين، أو نجعل لمن يدله على القلعة الفلانية، أو يدله على البرج الواهي من الحصن لنحصبه برمي حجر المنجنيق، فيعطى من مال الله في هذه الأمور لأهل الكفر لأجل نفع المسلمين، وإعزاز كلمة الله، وإن كان في الرجال الأحرار المسلمين غناءٌ عن هؤلاء في غالب الأحوال، ولمَّا دعت الحاجة النادرة أعطيناها حقها، وكذلك الغني الكثير ماله وضياعه في بلده إذا دفعته الغربة إلى بلدٍ فاحتاج جاز دفع الزكاة إليه؛ نظرًا إلى حاله العارضة، ولا نمنعه الزكاة لأجل حاله، كذلك الإسلام كالشخص.
_________________
(١) ينظر: المغني ٩/ ٢٩٧.
[ ٥١٥ ]
وأما قولهم: إنه لا يجوز دفع المال إليهم على سبيل الهدنة.
قلنا: لا نسلم؛ بل يجوز إذا لم يندفع الشر عن المسلمين إلا بالمال، ولم ينجلب النفع إلا به، جاز بذله، وكذلك إذا علم أن واحدًا منهم قادرٌ على فتح قلعةٍ أو حصنٍ جاز له أن يضمن له شيئًا من المال.
والأصل في ذلك من السنة: ما روي أن الحارث بن عمرو الغطفاني قال للنبي - صلَّى الله عليه ـ: اجعل لي شطر ثمار المدينة - أو قال: إن جعلت لي شطر ثمار المدينة - وإلا ملأتها عليك خيلًا ورجلًا، فقال: «أشاور السعود» يعني:/ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (^١)، وأسعد بن زرارة (^٢) (^٣).
فالنبي - صلَّى الله عليه - عزم على البذل بحسب الأصلح، وجعل ذلك موقوفًا على مشاورة رؤوس المدينة، وأرباب النخيل، والأعلم بمصالح المدينة، ولهذا قال في أمر اللقاح: «أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم» (^٤).
وما ذكر عن الإمام أحمد، فهو محمولٌ على ما إذا لم تكن إلى ذلك حاجة داعية، والله أعلم.
_________________
(١) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن حزيمة، الأنصاري، الساعدي، الخزرجي، سيد الخزرج، شهد سعد العقبة، واختلف في شهوده بدرًا، وكان مشهورًا بالجود، سيدًا في الأنصار مقدمًا وجيهًا، له رياسة وسيادة، يعترف قومه له بها، وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. مات سنة ١٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٥٩٤، أسد الغابة ٢/ ٢٠٤].
(٢) أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة، أبو أمامة، الأنصاري، الخزرجي، النجاري، غلبت عليه كنيته واشتهر بها، قديم الإسلام، شهد العقبتين، يقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة، وأول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأول ميت صلى عليه النبي ﷺ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٨٠، أسد الغابة ١/ ٨٦].
(٣) ذكره ابن قدامة في المغني ٩/ ٢٩٨.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل ٤/ ١٨٣٦، ح ٢٣٦٣ من حديث عائشة، وأنس، أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصًا، فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».
[ ٥١٦ ]