تجب صدقة الفطر على المكاتب (^١) من المال الذي في يده، ولا يلزم السيد إخراجها عنه (^٢)، نص عليه الإمام (^٣)، واختاره مشايخنا؛ الخِرَقي (^٤)، وعبد العزيز (^٥)، والشريف [أبو] (^٦) علي (^٧)، والقاضي (^٨).
وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: أنه لا يلزم المكاتب أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه (^٩).
ولا خلاف بيننا أن السيد لا يلزمه أن يخرج عنه (^١٠).
لنا:
ما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله زكاة الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير على الحرِّ والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين (^١١).
_________________
(١) المكاتَب: العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا سعى وأداه عتق. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٢٥٦، الصحاح ١/ ٢٠٩].
(٢) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١/ ٧٥، الفروع ٢/ ٥١٧، الإنصاف ٣/ ١٦٥، شرح الزركشي ٢/ ٥٤٥.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٢/ ١١٣٢، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١٣٩.
(٤) ينظر: متن الخرقي ص ٤٨.
(٥) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٤٣٥.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (أبي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٧) ينظر: الإرشاد ١٢٩.
(٨) ينظر: الجامع الصغير ص ٨٣.
(٩) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٢/ ٦٩، المبسوط ٣/ ١٠٣. وللمالكية: المدونة ١/ ٣٥٠، مواهب الجليل ٢/ ٣٧١. وللشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ١٢٠، المجموع ٦/ ١٠٩.
(١٠) إلا عند مالك فهو يوجبها على السيّد. [تنظر المراجع السابقة].
(١١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر ٢/ ١٣٠، ح ١٥٠٣، ومسلم، كتاب الزكاة ٢/ ٦٧٧، ح ٩٨٤ من طريق نافع، عن ابن عمر.
[ ٥٢٥ ]
وفي لفظٍ آخر: فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين؛ حر وعبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير. أخرجه مسلم (^١)، وابن أبي حاتم.
وهذا المكاتب عبد، فوجب أن تفرض عليه صدقة الفطر؛ لأنه لمَّا لم يمكن حمل الخبر في حقه بمعنى لأن السيد لا يلزمه إخراجها عنه ثبت أن المراد به عليه.
و- أيضًا - ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي - صلَّى الله عليه - أمر بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد/ ممن [يمونون] (^٢) (^٣).
وروى الإمام أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن أبي هريرة: أن النبي - صلَّى الله عليه - فرض صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والذكر، والأنثى ممن تمونون (^٤). فعلّق وجوبها بمن هو في مؤنته، والعبد في مؤنة نفسه، فينبغي أن يلزمه أن يخرج عن نفسه.
فإن قيل: ذكر الطحاوي (^٥) أنه لم يروِ: «ممن تمونون» إلا المزني،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة ٢/ ٦٧٨، ح ٩٨٤/ ١٦ من طريق الضحاك بن عثمان الحزامي، عن نافع، عن ابن عمر.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (يونون)، وما أثبته هو الصحيح.
(٣) أخرجه الدارقطني، كتاب زكاة الفطر ٣/ ٦٧، ح ٢٠٧٨، والبيهقي، كتاب الزكاة، جماع أبواب زكاة الفطر، باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره ممن تلزمه مؤنته من أولاده وآبائه وأمهاته ورقيقه الذين اشتراهم للتجارة أو لغيرها وزوجاته ٤/ ٢٧٢، ح ٧٦٨٥ من طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، وقال الدارقطني: الصواب موقوف. وقال البيهقي، وابن الصلاح: إسناده غير قوي. وقال ابن عبد الهادي، والذهبي: إسناده لا يثبت. [ينظر: شرح مشكل الوسيط ٣/ ١٥٧، التنقيح لابن عبد الهادي ٣/ ٩٠، التنقيح للذهبي ١/ ٣٤٨].
(٤) ذكر ابن مفلح أن أبا بكر عبد العزيز رواه في الشافي من حديث أبي هريرة، قال ابن مفلح: وإسناده ضعيف. [ينظر: الفروع ٢/ ٥٢٤].
(٥) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، أبو جعفر، الأزدي، الحجري، المصري، الطحاوي، الفقيه الحنفي، المحدث الحافظ، أحد الأعلام، ابن أخت المزني، كان شافعي المذهب، ثم تحول إلى الحنفية، صنف الآثار، ومعاني الآثار، واختلاف العلماء، والشروط، وأحكام القرآن، وله تاريخ كبير. مات سنة ٣٢١ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٧١، تاريخ الإسلام ٧/ ٤٣٩].
[ ٥٢٦ ]
عن الشافعي، عن ابن أبي يحيى (^١)، عن [جعفر] (^٢) بن محمد (^٣)، عن أبيه، وابن أبي يحيى لا يلتفت إليه (^٤).
قلنا: قد رواه الدارقطني من طرقٍ ليس فيها ابن أبي يحيى، ورواه عن جماعةٍ.
الثاني: (^٥) من قال: إنّ ابن أبي يحيى لا يلتفت إليه، من أصحاب الحديث الذي قوله حجة حتى نقبله؟
والفقه في المسألة: أنَّا نقول: مسلم تلزمه مؤنة نفسه، أو نفقة نفسه، فلزمه فطرتها، دليله: الحرّ؛ وهذا لأن صدقة الفطر قد أجريت مجرى النفقة، بدليل أنها تتحمل كما تتحمل النفقة، ويتقسط وجوبها على الشريكين في العبد كما تقسط النفقة، وتجب في المطعوم كما تجب النفقة، ثم ثبت أن نفقة المكاتب على نفسه، كذلك فطرته على نفسه.
يدل عليه: أن المكاتب قد أجري مجرى الأحرار، بدليل أنه يجري الربا بينه وبين سيده، وأَرْش (^٦) جنايته إلى نفسه، ونفقته على نفسه،
_________________
(١) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، الأسلمي، أبو إسحاق، المدني، متروك. مات سنة ١٨٤ هـ. [ينظر: التقريب ص ٩٣].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (حفص)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر ترجمته.
(٣) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام العلم، أبو عبد الله، الهاشمي، العلوي، الحسيني، المدني، الصادق، سبط القاسم بن محمد، ولد في سنة ٨٠ هـ، وكان من سادات أهل البيت، لقب بالصادق لصدقه في مقالته، قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه منه. وقال الذهبي: مناقبه كثيرة، وكان يصلح للخلافة لسؤدده، وفضله، وعلمه، وشرفه. مات سنة ١٤٨ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٣٢٧، تاريخ الإسلام ٣/ ٨٢٨].
(٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٤٧٣.
(٥) بهذا المكان في الأصل: (أنّ)، وحذفه هو الموافق للسياق.
(٦) الأَرْش: دية الجراحات، وقيل: الأرش من الجراحات: ما ليس له قدر معلوم. [ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ٢٧٩، الصحاح ٣/ ٩٩٥، المحكم والمحيط الأعظم ٨/ ٨٨].
[ ٥٢٧ ]
وعندهم لا يجوز بيعه (^١)، ولا يجزئ عتقه في الكفارة عندنا على روايةٍ (^٢)، وعند الشافعي (^٣)، وإذا كان قد أجري مجرى الأحرار لزمه صدقة الفطر.
فإن قيل: إلا أن الصدقة تفتقر إلى ملكٍ تام يحتمل المواساة.
قلنا: هذه لا يعتبر لها ما يعتبر للزكاة، بدليل أنها تجب عن رقاب الأحرار، بلا ماليَّة، ولا يعتبر لها عندنا (^٤)، وعند/ الشافعي النصاب (^٥)، وتجب على الزوج عن زوجته، فلا وجه لاعتبار تمام الملك مع هذه الحال.
فإن قيل: الحر لا رق فيه، وهذا فيه رقٌّ.
قلنا: باطل، بمن بعضه حر وبعضه رقيق.
ولأنه مع الرق الذي فيه جعل حكمه في باب نفقته، واستحقاق أرش جنايته، وتملك إكسابه حكم الأحرار.
فإن قيل: فقد تلزم النفقة لمن لا تلزمه الفطرة، كأمة المكاتب، وزوجته.
قلنا: لا نُسلِّم؛ إذ لا نعرف رواية في ذلك؛ بل قياس المذهب: أن تلزمه صدقة جميع من يمونه من عبيده، وإمائه، وزوجاته، وقد ذكر ابن المنذر في كتاب «الإشراف»، عن أحمد، وأصحاب الرأي: أنه ليس على المكاتب في رقيقه الزكاة (^٦). فلو سلّمنا؛ فإن الصدقة أوسع؛ لأنها تلزم في حق الناس من الزوجات، والآبق من الرقيق، ولا نفقة لهم.
وقد ذُكر في المسألة أشياء، منها: أنه حق مالٍ ما لم توجبه حياته، فيتحمله الغير عن الغير، فيتحمله المكاتب عن نفسه، دليله: النفقة.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٤/ ١٥١، الاستذكار ٢٣/ ٢٩٨، المجموع ٩/ ٢٣٣.
(٢) ينظر: متن الخرقي ص ١٥٠، المبدع ٨/ ٥٥.
(٣) ينظر: المجموع ٩/ ٣٤٧، أسنى المطالب ٢/ ٣٤.
(٤) ينظر: الهداية ١/ ٧٥، الإنصاف ٣/ ١٦٤.
(٥) ينظر: الوجيز ١/ ٩٩، المجموع ٦/ ١١٠.
(٦) ينظر: الإشراف ٣/ ٦٤.
[ ٥٢٨ ]
و- أيضًا - فإن أبا حنيفة والشافعي قد قالا جميعًا: إن السيد لا يلزمه إخراج صدقة الفطر عن عبده المكاتب، ولا يلزم المكاتب أن يخرج عن نفسه (^١).
وهذا مخالفٌ للأصول؛ لأننا ما رأينا شخصًا من أهل الطهرة له مال لا تجب صدقة الفطر لا عنه ولا عليه، ولا يلزم عليه الفقير؛ لأنه لا مال له، ولا الكافر؛ لأنه ليس من أهل الطهرة، فلا تلزم عليه الزكاة؛ لأننا ما رأينا مالًا لا يزكَّى، لأنا نقول: مال الكافر لا يزكَّى، وكذلك الصبيّ، والمجنون عند أبي حنيفة (^٢).
ولأن أبا حنيفة قد قال بأن العُشر يجب في أرض المكاتب (^٣)، وإن كان زكاة يجب إن تجب صدقة الفطر في ماله/ وإن كانت تسمى زكاة.
ولأن صدقة الفطر حق يجب في الذمة يختص المال، فجاز أن تثبت في ذمة المكاتب، دليله أروش الجنايات، والديون.
ولأن عقد الكتابة عقد يمنع من أخذ أرش الجناية إليه، فلا يمنع من إيجاب صدقة الفطر على من حصل أرش جنايته إليه، دليله إذا أعتقه.
ولأن المكاتب في حكم ملك اليمين، كما أن المطلقة البائن في حكم النكاح ما دامت في العدة، ثم ثبت أن المعتدة من الطلاق البائن فطرتها على نفسها دون زوجها، كذلك المكاتب فطرته على نفسه دون سيده، وهذا صحيح؛ لأن قبل الطلاق كانت نفقة الزوجة على الزوج كما أن قبل الكتابة كانت نفقة العبد على سيده وبعد الكتابة صارت على نفسه، والمكاتبة في حكم الملك، بمعنى أنه لو عجز نفسه عاد عبدًا قِنًّا (^٤)، ولو تزوّج المطلقة في العدة عادت إلى نكاحه، وهذا يختص الشافعي.
_________________
(١) تقدّم توثيق ذلك في صدر المسألة.
(٢) ينظر: الأصل ٢/ ٦٨، حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٥٨.
(٣) ينظر: الأصل ٢/ ١٢٠، المبسوط ٣/ ٤.
(٤) العبد القن: الذي ملك هو وأبواه، وقيل: الذي كان أبوه مملوكًا لمواليه، وقيل: الذي ولد عندك ولا يستطيع أن يخرج عنك. [ينظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٣٥، الصحاح ٦/ ٢١٨٤، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٣٤].
[ ٥٢٩ ]
احتجوا:
بما روي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (^١).
والفقه فيه: أنها زكاة، فلم تلزم المكاتب، دليله زكاة المال، وهذا لأن ملكه ناقص، بدليل أنه لا يملك التصرف فيه بتبرع، ولا تجب عليه صدقة ماله وإن ملك نصابًا تامًا حولًا كاملًا، فلا يحتمل الصدقة والمواساة، وزكاة الفطر من جملة الصدقات والمواساة، ولأن [صدقة] (^٢) فطره سقطت عن مولاه لقصر يده عنه، وضعف ملكه، كما قصرت يد السيد عنه، وضعف ملكه فيه، فلم تثبت للمكاتب على نفسه، [ولأنها] (^٣) كاملة، ولا حق كامل، ولا مالية تامة، فتحقق النقصان في الجانبين، فلم تجب، لأجل ذلك لم تجب عليه/ فطرة [جواريه] (^٤) وعبيده لنقصان ملكه.
قالوا: ولاؤه منقوص بالرق، فلا تجب عليه زكاة الفطر، كالعبد القن.
الجواب:
أن نقصان ملكه ليس بأكثر من نقصان ماله، ومن لا يملك نصابًا كمن يملكه عن مالك التصرف فيه، ثم نقصان المال لا يمنع وجوب هذه،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب الزكاة، باب ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق ٢/ ٥٠٢، ح ١٩٦٠ من طريق عبد الله بن بزيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. قال عبد الحق: إسناده ضعيف. وقال الذهبي: من مناكير عبد الله. وقال ابن كثير: لا يصح. وقال ابن الملقن: معلول من أوجه. وقال ابن حجر: في إسناده ضعيفان ومدلس. وأخرجه عبد الرزاق، كتاب الزكاة، باب صدقة العبد والمكاتب ٤/ ٧١، ح ٧٠٠٤ عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، موقوفًا. [ينظر: الأحكام الوسطى ٢/ ١٧٨، ميزان الاعتدال ٢/ ٣٩٦، إرشاد الفقيه ١/ ٢٤٤، البدر المنير ٥/ ٤٧٢، التلخيص الحبير ٢/ ٣١٠].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصدقة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (ولأنه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (جوازه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٥٣٠ ]
كذلك نقصان الملك، وتخرج عن رقاب الأحرار ولا مالية فيها رأسا، والصبي والمحجور عليه [ناقصا] (^١) التصرف وتجب زكاة الفطر في أموالهما عن أنفسهما، وعبيدهما، وتجب صدقة الزوجة في مال الزوج ولا تصرف لها فيه، وإذا كانت تجب عن غير مالية، وهي رقاب الأحرار، ومع عدم النصاب، انقطعت عن زكاة المال في اعتبار كمال التصرف.
وأما قولهم: منقوص بالرق، فالاستفسار وارد عليه، نقول لهم: إن أردتم به: فيه رق؛ فباطل، ثم بعضه حر وبعضه عبد، فإنه يجب عليه من صدقة الفطر بقدر ما فيه من الحرية، فما منع نقصه بالرق من تعلق إيجاب الفطرة به، والدلالة على نقصه ظاهرة من حيث تنصف أحكامه إذا كان نصفه عبدا نصف حد الأحرار، ونصف حد العبيد، ونصف إرث الحرّ، وسقوط الجمعة، والشهادة، والولاية، وغير ذلك من الأحكام، فما منع نقصان أحكامه بالرق من لزومه صدق الفطر.
وإن أردتم به: منقوصًا كمال الرق؛ لم نسلم؛ لأن فيه أشياء من أحكام الحرية؛ يملك الاكتساب، والاستتباع للأولاد، وإيجاب النفقات للزوجات والأولاد، وهي مواساة.
جواب آخر: إن قصر الشخص عن الإيجاب بكونه ناقصًا/ بالرق، فهذه الزكاة قاصرة عن التعبد بكونها يتحملها الغير عن الغير في الجملة، حتى إن الزوج يتحملها عن الزوجة الحرة الكاملة الملك التي هي من أهل زكاة المال، فلا تجب عليها فطرتها مع كمالها، وتجب على زوجها لنوع ملك، وهو ملك منافع الوطء، وإذا كانت بهذه الصفة من القصور عن التعبد لم يمتنع أن تجب على الشخص الناقص بالرق، ولا يتطلب لإيجابها الشخص الكامل بالحرية.
فإن قالوا: نريد أنه رقيق على الإطلاق، بدليل قول النبي ﷺ (^٢):
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ناقصي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) لم يذكر المصنف الصلاة على النبي ﷺ في كامل هذا الجزء المحقق - بهذه الصيغة ﷺ إلا في هذا الموطن فقط.
[ ٥٣١ ]
«المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (^١) والرق نقص يمنع إيجاب الزكاة كما منع زكاة المال، وهذا صحيحٌ؛ لأن ملكه ناقصٌ بخلاف من نصفه [عبد] (^٢)؛ فإن ملكه بما فيه من الحرية تام كملك الأحرار الكاملي الحرية، ولهذا يتبرع بحرسه، ولا يتبرع المكاتب لشبهيته الأحرار بكتابته، ونقصان الملك في المكاتب أثر لنقصانه بالرق، وذلك يمنع إيجاب زكاة الفطر كما منع إيجاب زكاة المال.
وقولكم: إن زكاة الفطر ناقصة في باب التعبد إلا أنها لا تجوز أن تكون دون التبرع، ونقصان ملكه منع التبرع، يمنع وجوب تعبد في المال، وإن كان قاصرًا في باب التعبد.
قلنا: تفسيركم لا يطابق قولكم؛ لأنكم لم تقولوا: رقيق؛ بل قلتم: منقوص بالرق؛ لأن من فيه رقًّا من نصف، أو ثلث، ففيه نقصٌ في الأحكام من الوجه الذي بينَّا، من قصور الحدود، والإرث، والعبادات، ومع ذلك لم يمنع الإيجاب، فقد انتقضت عليكم.
وأما تعلقكم بنقصان ملك المكاتب، ودفعكم للنقص بوجود تمام ملك المعتق بعضه، وتعلقكم في ذلك بالاستشهاد بزكاة المال.
فهذا من حيث/ الجدل انتقال، واستعانة بما يصلح أن يكون في المسألة دليلًا، فلا يحسن معاضدة دليل المسألة الأولى بدليلٍ آخر، كما لا يحسن الانتقال إليه، وترك الأول الذي دللتم به.
على أن نقصان الملك لا يمنع وجوب هذا النوع من الصدقة،
_________________
(١) أخرجه ابن عدي ٥/ ٢٠١، ح ٧٥٨٢ من طريق المسيب بن شريك، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، قال ابن عدي: لعل البلاء فيه من المسيب بن شريك، فإنه أشر من سليمان. وأخرج عبد الرزاق، كتاب المكاتب، باب عجز المكاتب وغير ذلك ٨/ ٤٠٨، ح ١٥٧٢٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب العتاق، باب المكاتب متى يعتق؟ ٣/ ١١٢، ح ٤٧٢٢ من طريق أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أم سلمة، موقوفًا.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (عنه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٥٣٢ ]
فنقول لكم في قصور الملك الذي لا يملك التبرع ما قلنا لكم في قصور الشخص؛ فإن قصور الشخص لم يمنع وجوبها، وكذلك قصور الملك، وهذا للمعنى، وذلك أنه لم يعتبر لها عندنا كمال المال، وهو النصاب (^١)، ولم يعتبر تعلقها بمالٍ مخصوصٍ كما يعتبر في زكاة المال نصاب من نامٍ، أو مرصد للنماء، كالأنعام من بين المواشي والسوائم من بين المعلوفة منها، والمتجر به من العروض، والمحصود من الزروع دون المقتنى للقوت، وهذا التشديد في الشروط يوجب حقه الإيجاب، وكونه مخصوصًا، بل يعتبر لها ما فضل عن القوت، ويتحملها الغير عن الغير، فهي بالنفقة من هذه الوجوه أشبه منها بزكاة المال، ثم النفقة على نفسه من المال الذي في يده، كذلك الفطرة في ماله، ولأن الزكاة لا تجب على الزوج لأجل مال زوجته، وهذه تجب لأجل الزوجية عن زوجته.
واحتج بأن الكتابة عتق على مال، فلا توجب على العبد صدقة الفطر، دليله إذا قال: [إن] (^٢) أديت لي ألفًا فأنت حر.
الجواب:
أن ذاك نفقته على سيده، وهذا نفقته على نفسه.
الثاني: أن ذاك أخرج السيد عنه، فلم يحتج إلى أن يخرج عن نفسه، وهذا هو الجواب عن قولهم: المكاتب مأذون له في التصرف في المال، فلم تلزمه الفطرة كالعبد المأذون له؛ مع أنه يبطل بالصبي المأذون له في التجارة.
/ واحتج بأن الزكاة حق مال يصرف إلى أهل الطهرة، فلا تجب على المكاتب، دليله الكفارات.
الجواب:
أن الكفارات لا تتحمل بالنسب، فلا تجب على المكاتب، والملك وصدقة الفطر تتحمل بذلك، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٧٥، الإنصاف ٣/ ١٦٤.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبتها ليستقيم السياق.
[ ٥٣٣ ]