لا مدخل للدباغ في التطهير بحال، هذا مذهبنا في إحدى الروايتين (^١)، اختارها عامة الأصحاب (^٢)، وهي قول طاوس (^٣)، وسالم بن عبد الله بن عمر (^٤) (^٥)، ومالك (^٦) في إحدى الروايتين عنهما.
والثانية: أن للدباغ [مدخلًا] (^٧) في التطهير (^٨)، وهي قول أبي حنيفة، والشافعي (^٩).
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢١٣، ٣٠٢، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ١٣، زاد المسافر ٢/ ١١٣، الروايتين والوجهين ١/ ٦٦، شرح الزركشي ١/ ١٥١، الإنصاف ١/ ٨٦.
(٢) كأبي يعلى في الجامع الصغير ص ٣٠، وأبي الخطاب في الهداية ١/ ٢٢.
(٣) طاوس بن كيسان، أبو عبد الرحمن اليماني الجَنَدي، أحد الأعلام، كان من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن، من موالي بحير بن ريسان الحميري، وقيل: هو مولى لهمدان، وكان فقيهًا جليل القدر نبيه الذكر، قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا مثل طاووس. وقال ابن عباس: إني لأظنه من أهل الجنة. توفي بمكة سنة ١٠٥ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٥٠٩، تاريخ الإسلام ٣/ ٦٥].
(٤) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، قال ابن المسيب: كان عبد الله بن عمر يشبه أباه، وكان سالم بن عبد الله يشبه أباه. وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه. مات في المدينة سنة ١٠٦ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٤٩، تاريخ الإسلام ٣/ ٤٩].
(٥) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع جلود الميتة ٤/ ٣٠٠، ح ٢٠٣٧٩ من طريق خالد بن دينار، قال: سألت سالمًا وطاوسًا عن بيع جلود الميتة فكرهاها، وقال سالم: هل بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها.
(٦) ينظر: الإشراف ١/ ٤، الذخيرة ١/ ١٦٦.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (مدخل)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٨) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٦٦.
(٩) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ١٧، والبناية ١/ ٣٥٨. وينظر للشافعيّة: الأم ١/ ٩، حلية العلماء ١/ ١١٠.
[ ١٤٩ ]
ومأخذ المسألة: أن نجاسة الجلد عندنا نجاسة عينية (^١)، وعنده نجاسة مجاورة فتزول بالمعالجة، وهذا ينبني على أصل، وهو: أن الموت عندنا منجس لعينه وذاته، وعندهم المنجس هو الرطوبات المنبعثة، والدماء السيالة.
والثاني: أن الجلد ما انقلبت عينه بالدباغ، وعندهما أن الدباغ يقلب العين.
الأوّلة:
قوله - تعالى ـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٢) فحرّم الله - تعالى - علينا الميتات كلها بجميع أجزائها، في جميع أحوالها، والجلد من جملتها، فلو قلنا: إنه يطهر بالدباغ؛ لأبحنا الانتفاع به بعد الدباغ، وهو جزء من الميتة، وذلك خلاف التحريم المطلق، لأن ذلك لا يوجب تحريم جميع أنواع الانتفاع بالجلد وبغيره.
فإن قيل: هذه الآية لا حجة فيها من قِبَل أنها تدل على التحريم، ونحن إنما اختلفنا في الطهارة،/ والآية لم تتعرض له، إنما دلت على الحرمة، وليس كل ما كان حرامًا كان نجسًا.
الثاني: أن المراد به تحريم الأكل، بدليل أنه قرنه بأشياء كان القصد بها تحريم أكلها، لا تحريم الانتفاع بها من وجوه أخر، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٣) فلما كان القصد بهذه الأشياء تحريم أكلها، فكذلك القصد بالميتة تحريم أكلها، - وأيضًا - فإنه لما استثنى التذكية بقوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٤) وكان الاستثناء وقع لإباحة الأكل، لا لإباحة الدباغ إذ الذكية لا تحتاج إلى دباغ جلدها، كان المستثنى منه تحريم الأكل، لا تحريم الدباغ في جلده، ولأنه قال: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (^٥)، والاضطرار إنما يكون إلى اللحم، وهو للأكل.
_________________
(١) ينظر: متن الخرقي ص ١٢، الإرشاد ص ٢٨.
(٢) المَائدة: ٣.
(٣) المَائدة: ٣.
(٤) المَائدة: ٣.
(٥) الأنعَام: ١١٩.
[ ١٥٠ ]
قلنا: أما قوله: دلت على التحريم، لا على النجاسة.
قلنا: الله - سبحانه - حرّم الميتة، والتحريم لا توصف به الأعيان، وإنما الحل والحرمة تتصف بها أفعال المكلفين، فتقدير الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ (^١) أي: انتفاعكم بأمهاتكم، وأفعالكم فيهن، والانتفاع بالجلد بعد الدباغ فعل فيه فكان حرامًا بالآية، وإنما يحرم استعماله لأجل نجاسته؛ لأن أحدًا لا يقول بطهارته وتحريم الانتفاع به، دل أن نجاسته دخلت تحت الآية وإن لم يكن مصرحًا به.
أما قوله: المراد بها تحريم الأكل بدليل القرائن.
قلنا: لا فرق؛ فإن قرائن آي الميتة [ظاهرها] (^٢) تحريم أكلها، وكل وجه من الانتفاع بها غير الأكل لحق الظاهر، ألا ترى أن بيعها، وهبتها، ورهنها، وكل نوع من الانتفاع محرم، فليس التحريم/ بمقصور على الأكل في شيء من هذا، وكان حق الظاهر تحريم الانتفاع بدباغ جلودها كلها في جميع الميتات.
فأما قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٣)؛ هذا استثناء رجع إلى ما بينه من قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٤)، ومعناه: ما افترسه السبع إلا ما أدركتموه حيًّا فذبحتموه، فيحل أكله، وهذا الاستثناء لا يرجع إلى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٥).
وأما قولهم: إنه ذكر الاضطرار وهو لا يكون إلى الجلد، فليس كذلك، إلا أن الاضطرار قد يحصل إلى الجلد كما يحصل إلى اللّحم بأن يؤكل عند الضرورة - أيضًا ـ، فبطل ما قالوه.
و- أيضًا - ما روى عبد الله بن عكيم (^٦) أن النبي - صلَّى الله عليه ـ
_________________
(١) النِّساء: ٢٣.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) المَائدة: ٣.
(٤) المَائدة: ٣.
(٥) المَائدة: ٣.
(٦) عبد الله بن عكيم أبو معبد، الجهني، أسلم بلا ريب في حياة النبي ﷺ، واختلف في سماعه منه، مات سنة ٨٨ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٤٩، أسد الغابة ٣/ ٢٣٥، سير أعلام النبلاء ٣/ ٥١٠].
[ ١٥١ ]
كتب إلى جهينة: «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». وفي لفظ آخر رواه ابن أبي ليلى (^١)، عن عبد الله بن عكيم أن النبي - صلَّى الله عليه - «كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، وفي لفظ آخر رواه شريك (^٢)، عن هلال بن أبي حميد الوزان (^٣)، عن عبد الله بن عكيم: «أتانا كتاب النبي - صلَّى الله عليه - قبل موته بشهرين أن لا تنتفعوا من الميتة»، الخبر، وهذا خبر صحيح، رواه الإمام أحمد في «المسند» (^٤)، وأبو داود (^٥)،
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى الأنصاري الكوفي، ويقال: أبو محمد، الفقيه، المقرئ، ولد في وسط خلافة عمر، وهو يصغر عن السماع منه، بل رآه يمسح على الخفين، وكان من أكابر تابعي الكوفة. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٢٦، تاريخ الإسلام ٢/ ٩٦٦].
(٢) أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي الفقيه، القاضي، أحد الأعلام، ولد سنة ٩٥ هـ، ولم يرحل، بل اكتفى بعلم أهل بلده، وكان عاقلًا صدوقًا محدثًا، شديدًا على أهل الريب والبدع، ولما ولي القضاء اضطرب حفظه، مات سنة ١٧٧ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٦٤٢، الوافي بالوفيات ١٦/ ٨٧].
(٣) هلال بن أبي حميد، أو ابن حميد، أو ابن مقلاص، أو ابن عبد الله، الجهني مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي، الوزان، الكوفي، ثقة. [ينظر: تقريب التهذيب ص ٥٧٥].
(٤) المسند لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قال أبو موسى المديني: هذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله إمامًا ومعتمدًا وعند التنازع ملجأ ومستندًا، أنتقاه من أكثر من سبع مائة وخمسين ألف حديث، وجملته قرابة أربعين ألف حديث. [ينظر: خصائص المسند ص ١٣].
(٥) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، الإمام، أبو داود الأزدي، السجستاني، محدث البصرة، ولد سنة ٢٠٢ هـ، ورحل، وجمع، وصنف، وبرع في هذا الشأن، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، جمع كتاب السنن وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فاستجاده واستحسنه، مات سنة ٢٧٥ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٤، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٣].
[ ١٥٢ ]
وابن أبي حاتم (^١)، والساجي، والدارقطني، وهبة الله الطبري (^٢) في «سننه» (^٣)، وقد خرَّج أبو الحسن الدارقطني طرقه في جزء مفرد (^٤).
فإن قيل: هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به من أوجه:
أحدها: أنه قد/ نُقل اختلاف في إسناده ومتنه يدل على ضعفه،
_________________
(١) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو محمد ابن أبي حاتم التميمي، الحنظلي، الإمام ابن الإمام حافظ الري وابن حافظها، ولد سنة ٢٤٠ هـ، ورحل مع أبيه صغيرًا، وبنفسه كبيرًا، أخذ علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، والحديث الصحيح من السقيم، صنف المسند، وكتاب الزهد، وكتاب الكنى، وغيرها، وكتابه الجرح والتعديل يدل على سعة حفظه وإمامته، وله كتاب في الرد على الجهمية يدل على تبحره في السنة، وله تفسير كبير سائره آثار مسندة قل أن يوجد مثله، مات سنة ٣٢٧ هـ. [ينظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ٢/ ٦٨٣، تاريخ الإسلام ٧/ ٥٣٣].
(٢) هبة الله بن الحسن بن منصور، الحافظ أبو القاسم الرازي الطبري الأصل، المعروف بـ (اللالكائي)، الفقيه الشافعي، قدم بغداد فاستوطنها، ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الإسفراييني، وكان يفهم ويحفظ، وصنف كتابًا في شرح السنة، وكتابًا في معرفة أسماء من في الصحيحين، وكتابًا في السنن. مات سنة ٤١٨ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٦/ ١٠٨، تاريخ الإسلام ٩/ ٣٠٣].
(٣) كتاب: (السنن)، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن، الطبري، اللالكائي، من مشاهير كتب السنن. [ينظر: تاريخ بغداد ١٦/ ١٠٨، الرسالة المستطرفة ص ٣٧].
(٤) خبر عبد الله بن عكيم أخرجه الإمام أحمد في مسند الكوفيين ٣١/ ٧٤، ح ١٨٧٨٠ قال: حدثنا وكيع، وابن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال ابن جعفر: سمعت ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم الجهني قال: أتانا كتاب النبي ﷺ ونحن بأرض جهينة، وأنا غلام شاب: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب». وأبو داود، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة ٤/ ٦٧، ح ٤١٢٧، ٤١٢٨، والترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت ٤/ ٢٢٢، ح ١٧٢٩، قال أحمد: أرجو أن يكون صحيحًا. وقال الترمذي: حديث حسن ويروى عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ له. وقال الخطابي: وهّنه عامة العلماء؛ لأن عبد الله بن عكيم لم يلق النبي ﷺ، وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم. [ينظر: علل الحديث ١/ ٥٩٢، معالم السنن ٤/ ٢٠٣، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢١٣، ٣٠٢]. أما رواية الدارقطني فلم أقف عليها.
[ ١٥٣ ]
فإن ابن أبي ليلى يحدث تارة عن أشياخ مجاهيل، عن عبد الله بن عكيم، وتارة عنه، ورُوي عنه أنه قال: وأنا صبي. وفي لفظ: وأنا شاب. وفي لفظ: قبل موته بشهر. وفي لفظ: بشهرين. ولأنه يرويه عن كتاب، وحامل الكتاب مجهول، فدل على ضعفه، ولو صح لم تكن فيه حجة؛ لأنه قال: فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب، والإهاب اسم للجلد ما دام على الميتة، فإذا دبغ سمي جلدًا وأديمًا. كذا ذكره النضر بن شميل (^١) (^٢)، وكان إمامًا في اللغة.
قلنا: ما ذكرتم لا يقدح في الحديث؛ فإن ابن أبي ليلى يجوز أن يكون سمعه من أشياخ عنه، ثم سمعه منه ثانيًا (^٣).
وقوله: وأنا صبي. لم ينقل في حديثه، ولو نقل فيريد أنه شاب قريب العهد بالصبا، وقد يسمّى الشاب صبيًا ما لم يلتحِ، ثم لو كان صبيًا فلا يقدح؛ لأن ابن عباس، وابن الزبير (^٤)، وغيرهما سمعوا من النبي - صلَّى الله عليه - وهم صبيان، وروايتهم عنه صحيحة، ولأن الشهادة - وهي أكمل من الإخبار - نسمعها من الصبي، ويؤديها بعد بلوغه فتقبل،
_________________
(١) النضر بن شميل بن خرشة، أبو الحسن، المازني، البصري، النحوي، اللغوي، الحافظ، نزيل مرو، كان عالمًا بفنون من العلم صدوقًا ثقة، صاحب غريب، وفقه، وشعر، ومعرفة بأيام العرب، ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد، وكان إمامًا في العربية، والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وقد تولى قضاء مرو، له مصنفات منها: كتاب الصفات، وكتاب غريب الحديث، وكتاب المصادر، وغيرها. مات سنة ٢٠٤ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٣٩٧، تاريخ الإسلام ٥/ ٢٠٧].
(٢) عزى هذا القول له في شرح الزركشي ١/ ١٥١. وفي لسان العرب ١/ ٢١٧ «الإهاب: الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ».
(٣) ينظر: علل الحديث ١/ ٥٩٢.
(٤) أبو بكر، عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، وكان من خطباء قريش المعدودين، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة، مات سنة ٧٣ هـ. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٢٤١، وفيات الأعيان ٣/ ٧١، الإصابة ٤/ ٧٨].
[ ١٥٤ ]
فأولى أن يكون الخبر، واختلافهم في الشهر والشهرين يدل على أن أحد [الراويين] (^١) سها في هذه اللفظة عنه.
وأما كونه من كتاب؛ فكتب النبي ﵇ جارية مجرى مشافهته، ولذلك قال له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٢)، وخرج من عهدة البلاغ بالكتاب إلى كسرى، وقيصر، والعرب، فيلزمهم حكم كتابه كما يلزمهم حكم خطابه.
وأما كون حامل الكتاب/ مجهولًا فلا يقدح؛ لأنه صحابي، وجهالة الصحابي لا تضُرّ، فإنهم العدول الثقات المقطوع بقولهم ﵃، قال ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (^٣).
على أن إمام الحديث قد صححه، فقال الإمام أحمد فيما نقله عنه صالح: ليس عندي في الدباغ حديث صحيح، وحديث ابن عكيم أصحها (^٤). ورواه جميع من ذكرنا، ولم يطعنوا فيه بما يقدح، وإنما ذكر بعضهم شيئًا مما ذكرتم، وقد بينا أنه ليس بطعن.
وأما قولهم: إن الإهاب اسم للجلد ما دام على الميتة.
فنقول: لو صح ما ذكرتم لم يفد الخبر فائدة؛ لأنه ﵇ قال: «كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي فلا تنتفعوا من الميتة
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الروايتين)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ١٦١.
(٢) المَائدة: ٦٧.
(٣) أخرجه الدارقطني في المؤتلف والمختلف ٤/ ١٧٧٨ من حديث جابر ﵁، وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعمر، وأبي هريرة ﵃، وخرّجه كثير من الأئمة، والحديث لا يثبت بأي طريق من طرقه، قال البيهقي: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد. وقال ابن كثير: روي هذا الحديث من غير طريق ولا يصح شيء منها. [ينظر: تحفة الطالب ص ١٤٠، المدخل للسنن الكبرى للبيهقي ص ١٦٢، ح ١٥٢].
(٤) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢١٣، ٣٠٢.
[ ١٥٥ ]
بإهاب» (^١). فيكون معناه: كنت رخصت لكم في الجلد المدبوغ، فإذا جاءكم كتابي فلا تنتفعوا بغير المدبوغ، وغير المدبوغ قد كانوا يعلمون تحريم استعماله، هذا اختلال قد نزه الله - سبحانه - كلام الرسول ﵇ [عنه] (^٢)، بل الجلد يقع على ما قبل الانفصال من الحيوان، وعلى ما بعده، قال ﵇: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (^٣). ويقال: جلد مدبوغ، وجلد غير مدبوغ، وكذلك الإهاب يقع عليهما، بل وقوعه على ما [بعد] (^٤) الدبغ أصح؛ لأن الإهاب عبارة عما يتأهب به لحوائجه وسفره، وذلك إنما يحصل في الجلد بعد الدباغ.
فإن قيل: فننزل على ما ذكرتم، ونحمله على أنه رخص في الجلود قبل الدباغ.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﵇ أنه رخص في جلود الميتة قبل الدباغ، ولم يُرْوَ ذلك عن أحد، بل المشهور أنها كانت/ محرمة بالقرآن، فأما أخبارهم فسيأتي الكلام عليها.
و- أيضًا - خبر آخر روى قتادة (^٥)، عن أبي المليح (^٦)،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ١٦٢.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم ١/ ٩٠، ح ٣٣٢، والترمذي، أبواب الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء ١/ ٢١١، ح ١٢٤ من حديث أبي ذر، وقال: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٨٤].
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ١٦٣.
(٥) أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سدوس، السدوسي البصري الأكمه، من التابعين، حافظ العصر، ومن أوعية العلم وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، ولد سنة ٦٠ هـ، ومات سنة ١١٧ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٨٥، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩].
(٦) أبو المليح بن أسامة بن عمير الهذلي، اسمه عامر، وقيل: زيد، بصري ثقة، أحد الأثبات، روى عن: أبيه، وعائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وجماعة. وعنه: أيوب السختياني، وأبو بشر، وخالد الحذاء، وحجاج بن أرطاة، وقتادة، وأبو بكر الهذلي، توفي سنة ١١٢ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٤٩، سير أعلام النبلاء ٥/ ٩٤].
[ ١٥٦ ]
عن أبيه (^١)، عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه نهى عن افتراش جلود السباع (^٢)، وهذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن أبي حاتم، وذكر عن ابن المنذر (^٣)، ورواه ابن عمر، ومعاوية (^٤) عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه نهى عن جلود السباع (^٥).
_________________
(١) أسامة بن عمير الهذلي، البصري، له صحبة ورواية، وهو والد أبى المليح الهذلي، لم يرو عنه غير ابنه أبي المليح. مات سنة ١١٢ هـ[ينظر: الاستيعاب ١/ ٧٨، أسد الغابة ١/ ٨٢، سير أعلام النبلاء ٩/ ١٠٤].
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في جلود النمور والسباع ٤/ ٦٩، ح ٤١٣٢، والترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في النهي عن جلود السباع ٤/ ٢٤١، ح ١٧٧٠، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة، باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع ٧/ ١٧٦، ح ٤٢٥٣ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه. قال الحاكم: إسناده صحيح. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٤٢].
(٣) محمد بن إبراهيم بن المنذر، الإمام أبو بكر النيسابوري الفقيه، صاحب التصانيف، أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدي بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبًا معتبرة عند أئمة الإسلام كالمبسوط في الفقه، والإشراف، والإجماع، وغيرها. وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، مات سنة ٣١٨ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٧/ ٣٤٤، طبقات الشافعيين ١/ ٢١٦].
(٤) معاوية بن أبي سفيان - صخر - بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بخمس سنين، كان حليمًا وقورًا، صحب النبي ﷺ، وكتب له، ومات سنة ٦٠ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٤١٦، أسد الغابة ٤/ ٤٣٣، الإصابة ٦/ ١٢٠].
(٥) أما حديث ابن عمر: فأخرجه أحمد ١٠/ ٣٨، ح ٥٧٥١ من طريق يزيد بن أبي زياد، عن الحسن بن سهيل، عن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الميثرة، والقسية، وحلقة الذهب، والمفدم. قال يزيد: والميثرة: جلود السباع، والقسية: ثياب مضلعة من إبريسم يجاء بها من مصر، والمفدم: المشبع بالعصفر. وقال الهيثمي: فيه يزيد بن عطاء اليشكري، وهو ضعيف. والحديث عند ابن ماجه، كتاب اللباس، باب كراهية المعصفر للرجال ٢/ ١١٩١، ح ٣٦٠١ مقتصرًا على ذكر المفدم، وفيه: قال يزيد: قلت للحسن: ما المفدم قال: المشبع بالعصفر. وفي كتاب اللباس، باب النهي عن خاتم الذهب ٢/ ١٢٠٢، ح ٣٦٤٣ بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب. وقال البوصيري: إسناده صحيح. قيل: الحسن بن سهيل لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد، ويزيد ضعيف. [ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٩٤، مجمع الزوائد ٥/ ١٤٥، مصباح الزجاجة ٤/ ٨٩، تقريب التهذيب ص ٦٠١]. وأما حديث معاوية: فأخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في جلود النمور والسباع ٤/ ٦٨، ح ٤١٣١ من حديث المقدام بن معدي كرب أنه قال لمعاوية: أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم. قال الذهبي: إسناده قوي. [ينظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ١٥٩].
[ ١٥٧ ]
طريقة أخرى: أنا نقول: جزء من الحيوان خرج بالموت عن المالية، فلا يعود بالاستصلاح إلى المالية كاللحم، وهذا صحيح؛ وهو أن الموت يخلف الحياة في حلوله جميع ما حلته، فجميع ما كان يحكم له بالحياة مع وجوده يحكم له بالموت مع ارتفاع الحياة، والتنجيس حكم الموت، والموت علته، كما أن الطهارة حصلت بالحياة، فالحياة علتها، والدباغ لا يضاد الموت، ولا ينافيه، لجواز اجتماعهما، وإذا لم يضاد علية التنجيس وجب أن لا يرفع النجاسة؛ لأن الحكم لا ينفك مع [بقاء] (^١) علته، يؤكد صحة هذا أن التطهير إنما هو من باب القهر والقوة، فالمطهر قاهر بفعله، فإذن المقهور يجب أن يكون ما أوجب التنجيس وهي العلة، ومتى لم يقهر علة التنجيس فهو قاصر عن تحصيل الحكم.
فإن قيل: نحمل ذلك على ما قبل الدباغ.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أنه تسقط فائدة التخصيص بالسباع، فإنه لا يجوز افتراش جلد كل ميتة قبل الدباغ.
الثاني: أنكم قد قلتم: إن الجلد اسم لما بعد الدباغ.
ـ وأيضًا - ما روى ابن المنذر، عن عمر (^٢)، وابن عمر،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين، الشجاع الحازم، صاحب الفتوحات، يضرب بعدله المثل، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، واتخذ بيت مال المسلمين، وأول من دون الدواوين في الإسلام، لقبه النبي ﷺ بالفاروق، وكنَّاه بأبي حفص، مات سنة ٢٣ هـ. [ينظر: أسد الغابة ٤/ ١٣٧، سير أعلام النبلاء ٣/ ٧١].
[ ١٥٨ ]
وعمران بن حصين (^١)، وعائشة، أنهم قالوا: إن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ (^٢)./ وقال أحمد: روي عن خمسة من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه - منهم عمر ﵁ (^٣).
والفقه في المسألة: أنا نقول: الجلد جزء من الميتة نجس بالموت، فلا يلحقه التطهير، دليله اللحم، وهذا لأن الحكم إذا ثبت بعلة لم يزل مع بقائها، وعلة نجاسة الميتة مفارقة الروح، وذلك لم يزل فلا يزول التنجيس، ويقرب ما بين الأصل والفرع أن حكم الجلد حكم اللحم طردًا وعكسًا، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
فإن قيل: دعواكم أنه نَجُسَ بالموت ممنوع، وإنما النجس معنى آخر غير الموت وسيأتي بيانه.
الثاني: هب أنه نَجُسَ بالموت، وأن الموت علة التنجيس، إلا أنه قد ترد علة تزيل الحكم مع بقاء علته، بدليل الطلاق الثلاث؛ فإن علة التحريم الطلاق، والتحريم يزول بالزوج والإصابة وإن كانت علته باقية وهي الطلاق، وكذلك التيمم رفع المنع من الصلاة مع قيام المانع وهو الحدث، فهلا جاز أن يكون الدباغ يزيل المنع من الانتفاع بالجلد، والحكم بنجاسته وإن كان المعنى الذي أوجب ذلك باق وهو الموت، وأما اللحم فلا يتأتى فيه الدباغ، بخلاف الجلد.
_________________
(١) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، أبو نُجيد، كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان مجاب الدعوة، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، قاله ابن البرقي. وقال الطبراني: أسلم قديمًا هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها سنة ٥٢ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٢٠٨، أسد الغابة ٣/ ٧٧٨، الإصابة ٤/ ٥٨٤].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب اللباس والزينة، ٥/ ١٦٨، ح ٢٤٨٣٨، وابن المنذر، كتاب الدباغ، باب ذكر اختلاف أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة ٢/ ٣٩٣، ح ٨٤٦ من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، قال: كان ممن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذُكّي: عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وأسيد بن جابر.
(٣) عزاه له أبو الخطّاب في الانتصار ١/ ١٦٦.
[ ١٥٩ ]
قلنا: أما الممانعة فباطلة؛ لأنا ندل على أن الموت هو المنجس بعينه شرعًا، وذاك أن الله - سبحانه - قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١)، والنبي ﵇ قال: «فلا تنتفعوا من الميتة بجلد» (^٢)، فعلّق التحريم، ومَنَع الانتفاع باسم الميتة، كما علّق الجَلْد بالزنا، والسجود بالسهو، وتعليله بغير ذلك يرفع تعليق الحكم بما علقه، وكل تعليل عاد على أصله بالإبطال لم يقبل، ولأن هذا/ الحيوان كان طاهرًا ما دام حيًا، [فلما] (^٣) طرأ عليه الموت حكم بنجاسته، ولم يوجد معنى سوى الموت، فمن ادعى شيئًا آخر فعليه بيانُه.
وأما قولهم: إنه قد ترد علة تزيل الحكم بدليل الطلاق.
قلنا: هناك علّق الشرع التحريم على الزوج والإصابة، فقال - تعالى ـ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٤)، ولم يقل الرسول: لا تنتفعوا من الميتة بجلد حتى يدبغ. ثم لو قلنا: الأمر على ما ذكرتم، إلا أنا لا نسلم أن ها هنا علة تزيل الحكم؛ فإن الدباغ ليس بعلة مزيلة، فما الدليل على أنها أزالت التنجيس.
وقولهم: اللحم لا يتأتى دباغه، غلط؛ فإن اللحم إذا مُلِّح وقُدِّد (^٥) في الهواء زالت رطوباته، وذلك دباغه، فإن دباغ كل شيء بحسبه، فكان يحكم بطهارته، ولأن هذا باطل بجلد الكلب؛ فإنه يتأتى دباغه فلا يطهر، وكذلك الخنزير. وهذه الطريقة عليها الاعتماد من جانب المعنى.
طريقة أخرى: أن الدباغ معنى لا يفيد طهارة اللحم، فلا يفيد طهارة الجلد؛ دليله ذكاة المجوسي، والمرتد، وهذا لأن حكم الجلد حكم اللحم طردًا وعكسًا، بدليل المذكَّى في الطهارة، والكلب والخنزير في النجاسة.
_________________
(١) المَائدة: ٣.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ما بين المعكوفين ليست في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) البَقَرَة: ٢٣٠.
(٥) أي: صار قَدِيدًا، وهو: ما قطع من اللحم وشرر، وقيل: هو لحم يقطع طولًا وييبس ويدخر، وقيل: اللحم المملوح المجفف في الشمس. [ينظر: المحكم والمحيط العظم ٦/ ١١٢، مشارق الأنوار ٢/ ١٧٢، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٢].
[ ١٦٠ ]
فإن قيل: هذا القياس إنما يصح لو كان الدباغ يتصور في اللحم حتى يقاس عليه الجلد، فأما والدباغ لا يتصور في اللحم، ويتصور في الجلد، فكيف يقاس ما يتصور على ما لا يتصور.
الثاني: أنا نقول: إنه لا يفيد طهارة؛ لأنه طاهر في حال الحياة، وإنما الدباغ يعيده إلى طهارته الأوّلة.
[أما تخليل الخمر فقد تتوق] (^١) / نفسه إليها فيواقعها، فلهذا منعناه، وصار هذا كما نقول في الخلوة بالأجنبية: منعناه منها خوفا أن تتوق نفسه إليها فيواقعها، ليس كذلك الجلد؛ فإن النفوس تنفر عنه، والطباع تشمئز منه، فالعلة مختلفة، ولأن الخمر هي الحجة عليكم؛ فإنها قابلة للتطهير، وتطهر بحال وهو إذا تخللت بنفسها، فقولوا هاهنا: إن الجلد يطهر بحال، ولا طريق إلى تطهيره إلا الدباغ.
قلنا: وهاهنا قد ورد الخبر فقولوا به، وما ذكروه من المعنى لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقولوا: إذا وكّل وكيلًا [ذميًّا] (^٢) ممن يحل له شربها، أو من لا تتوق نفسه إليها، أو يُرمى فيها من علو خَلّ، أو ملح أن تطهر بهذه الأشياء؛ دل على بطلان ما قلتم، ولأن هذا الذي قلتم يوجب أن يمنع من التخليل خاصة، لا أن تطهر، وقد ذكر.
طريقة أخرى؛ أنا نقول: دبغ بنجس فلا يحصل التطهير؛ كما لو أخذ شَثًّا (^٣) وقَرَظًا (^٤) نجسًا ابتداء، ودبغ به فإنه لا يحصل التطهير، كذلك هاهنا،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد استظهرته ليستقيم الكلام.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ذميٌّ)، وما أثبته هو الصحيح لغة وبه يستقيم المعنى.
(٣) الشَّثُّ: شجر من نبت الجبال، طيب الريح، مر الطعم، يُدبغ به، وينبت في جبال الغَور وتِهامة. [ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ١٨٦، الصحاح ١/ ٢٨٥].
(٤) القَرَظ: شجر يُدبغ به، وقيل: هو ورق السلم، وقيل: القَرَظ: أجود ما تدبغ به الأهب في أرض العرب، وهي تدبغ بورقه وثمره، وقيل: شجر عظام، لها سويق غلاظ أمثال شجر الجوز، وورقه أصغر من ورق التفاح، وله حب يوضع في الموازين، وهو ينبت في القيعان، واحدته: قرظة، يُقَال: أَدِيم مقروظ وقد قرظته أقْرِظه قَرْظًا. [ينظر: تهذيب اللغة ٩/ ٧٠، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٣٤٤].
[ ١٦١ ]
والدليل على أنه دبغ بنجس إما أن يدبغ به إذا لاقى الجلد نَجُس، فإذا نَجُس في نفسه كيف يطهر غيره، وهذا لأن تطهيره للغير فرع طهارته في نفسه، فإذا كان في نفسه نجسًا كيف يطهر غيره، وصار بمثابة ما إذا كان نجسًا ابتداء من غير فرق، إلا أن هناك حصلت النجاسة من غير هذا المحل، وهاهنا حصلت من هذا المحل، والنجاسة في الحالين سواء.
فإن قيل: لا نسلم أنه تنجس بالملاقاة، بل نقدر له بقاء الطهارة ضرورة التطهير، كما في الماء المزال به النجاسة، فإنا نبقي له صفة الطهارة وإن لاقى النجاسة؛ ضرورة للإزالة، كذلك هاهنا.
/ الثاني: سلمنا أنه تنجس بالملاقاة ولكن لم قلت: إنه لا يطهر، وإنه ينجس؛ وهذا لأنه لا يتصور صونه عن النجاسة في حال الملاقاة، بخلاف ما إذا كان نجسًا ابتداء فإنه يمكن الاحتراز عنه، وصار هذا بمثابة جلد المذكَّى إذا كان عليه نجاسة ثم دبغه، فإن ما يدبغ به يتنجس بالملاقاة، ومع ذلك يطهر، وكذلك الحجر في الاستجمار تنجس بالملاقاة، ويحصل به التطهير، كذلك هاهنا.
قلنا: أما المنع فباطل من قِبَل أن علة التنجيس قد وجدت وهي الملاقاة، فيستحيل منع الحكم مع وجود علته، وأما الماء فذاك ثبتت طهوريته على خلاف القياس لضرورة حصول التطهر به بالأمر، أما هاهنا فلا ضرورة فبقينا فيه على موجَب القياس.
أما قوله على التسليم لما بينا من أن الطهارة لا تحصل بالنجاسة؛ فأما دباغ جلد المذكى إذا كان عليه نجاسة فلا يطهره، بل لابد من غسله.
وأما الحجر فذاك ليس بتطهير، وإنما هو تخفيف، ولهذا لو لاقى المحل شيء رطب حكم بنجاسته، وإذا كان تخفيفًا فالحجر وإن تنجس إلا أنه لا يمنعه ذلك من حصول التخفيف به، أما هاهنا تطهير، والتطهير بالنجس لا يتصور بحال، فبطل ما قالوه، والله أعلم.
طريقة أخرى: وهو أنه جلد نجس العين فلم يطهر بالدباغ، دليله جلد الكلب والخنزير.
[ ١٦٢ ]
فإن قيل: هذا ممنوع؛ لا نسلم أن نجاسته عينية وإنما هي طارئة، ولو سلمنا فقد تكون نجاسة الشيء عينية وتطهر، ألا ترى أن البول نجاسته عينية/ وإذا وقع في ماء قدره قلتان لم ينجسه إذا لم يتغير وجاز بيعه، وكذلك الجلاّلة على أصلكم صارت بالجَّل (^١) كالكلب في النجاسة، ونجاسة السحل (^٢)، واللبن، والسؤر، وطهرت بالمعالجة وهو الحبس والعلف بالعلف الطاهر، والمعنى في الكلب والخنزير، أما الكلب فهو ممنوع على قول أبي حنيفة (^٣)، والخنزير ممنوع على قول أبي يوسف (^٤)، وكل قول لأبي يوسف فهو روايته عن أبي حنيفة ويقول: جلد الخنزير يطهر بالدباغ (^٥)، وإن سلمنا فالخنزير لا جلد له فما الذي يدبغ.
جواب آخر: أن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، فالدباغ يردهما إلى حالة الحياة، وفي حالة الحياة هما نجسان فلم يفد الدباغ في حقهما فائدة بخلاف الشاة؛ فإنها كانت طاهرة في حال الحياة، فردها الدباغ إلى حال الحياة.
قلنا: الدليل على أنه نجس العين؛ منع البيع، وعدم طهارته بالغسل، ولو كانت نجاسته مجاورة لصح بيعه كالثوب النجس.
_________________
(١) الجَلّ: مصدر جَلَّ يجُلُّ جلًا، إذا التقط البعر. [ينظر: تهذيب اللغة ١٠/ ٢٦١].
(٢) السحل: الثوب الأبيض. [ينظر: الصحاح ٦/ ٤، المحكم والمحيط الأعظم ١/ ٤٧٨].
(٣) يرى أبو حنيفة أن جلد الكلب يطهر بالدِّباغ، أما جلد الخنزير فلا يطهر بالدِّباغ. [ينظر: مختصر الطحاوي ص ١٧، البناية ١/ ٣٥٨].
(٤) القاضي أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بجير بن معاوية الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، ولد بالكوفة سنة ١١٣ هـ، وتفقه بأبي حنيفة حتى صار المقدم في تلامذته، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، تفقه عليه محمد بن الحسن، وهلال الرأي، وغيرهما. كان والده فقيرًا فكان أبو حنيفة يتعاهده بالمئة درهم بعد المئة، يعينه على طلب العلم، وولي القضاء سنة ١٦٦ هـ، مرض مرّة فعاده أبو حنيفة، فلما خرج قال: إن يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض. مات سنة ١٨٢ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٦/ ٣٧٨، تاريخ الإسلام ٤/ ١٠٢١].
(٥) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٨٦.
[ ١٦٣ ]
وأما البول إذا وقع في الماء؛ فعندنا وقوع البول في الماء ينجسه سواء زاد على القلتين، أو نقص، إلا أن يكون الماء لا يمكن نزحه فإنه يعفى عنه لأجل المشقة على ما ذكره الخِرَقِيّ (^١) (^٢)، ولأن ذلك البول يُستهلك في الماء فيحصل كالمعدوم.
وأما الجلاّلة فهي إنما نجست بالعلف النجس، وطهرت بالعلف الطاهر، فوِزانه زوال الموت عن الجلد.
وأما منع جلد الخنزير على قول أبي يوسف فلا يصح؛ لأن أبا يوسف له مذهب يخالف فيه أبا حنيفة (^٣)، فلا يجوز أن يُدَّعى قولُه على أبي/ حنيفة مع وجود النص من أبي حنيفة أن جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ (^٤)، ثم ندل على ذلك بقوله - تعالى ـ: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^٥) وهذا إشارة إلى ذات الخنزير بأنها نجسة، لأن تحريم أكل لحمه قد تقدم بقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (^٦) فبقي أن يحمل على أنه أراد بقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (^٧) جملة الخنزير، ثم سماه رجسًا، والرجس: النجس، ثم إذا كان لحمه رجسًا فجملته كذلك؛ لأن كل حيوان نجس فجلده كذلك، وإذا ثبت نجاسته عينًا فالدباغ لا يعمل في ذلك.
وأما قولهم: إن الخنزير لا جلد له؛ فهو قول محال لأنه ما من حيوان
_________________
(١) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وفي آخرها القاف، نسبة إلى بيع الثياب والخرق، وهو عمر بن الحسين بن عبد الله الخِرَقِيّ، أبو القاسم، فقيه حنبليّ، من أهل بغداد، رحل عنها لما ظهر فيها سب الصحابة، قرأ العلم على أبي بكر المروذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني أحمد، قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب منهم أبو عبد الله بن بطة وأبو الحسين التميمي وأبو الحسين بن شمعون وغيرهم. له تصانيف احترقت، وبقي منها المختصر في الفقه. مات بدمشق سنة ٣٣٤ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٧٥، الأنساب للسمعاني ٥/ ٩٨، الأعلام للزركلي ٥/ ٤٤].
(٢) ينظر: متن الخرقي ص ١١.
(٣) تقدم قريبًا توثيق قولهما.
(٤) تقدم قريبًا توثيق قوله.
(٥) الأنعَام: ١٤٥.
(٦) الأنعَام: ١٤٥.
(٧) الأنعَام: ١٤٥.
[ ١٦٤ ]
إلا وله جلد، وكيف يُدَّعى ذلك وابن المنذر حكى عن الشعبي (^١) أنه قال: كان يجلب إلى الكوفة شحومًا في جُرُب من جلود الخنازير (^٢). ولهذا اختلف الفقهاء فيه، وأبو يوسف وداود (^٣) يقولان: تطهر جلود الخنازير بالدباغ.
وأما قولهم: إن الدباغ [يردهما] (^٤) إلى حال الحياة، وهذه الحيوانات طاهرة في حال الحياة بخلاف الخنزير.
قلنا: كان ينبغي على [قولكم] (^٥) هذا أن تقولوا: إنه لا تطهر جلود السباع؛ لأنها نجسة في حال الحياة، والخلاف في جميع ذلك واحد.
الثاني: أن الطهارة في حال الحياة استفادها بالحياة، والحياة لا تعود بالدباغ، فكيف يقال: إنه يرده إلى تلك الحال، وعلى أنه لا يجب أن يقال: إن اللحم والعظم يطهر بعد الموت بالدباغ لأنه يرده إلى حال الحياة، فبطل هذا التعليل.
احتجوا:
بحديث شاة أم ميمونة (^٦) / وقد جِيز بها على النبي - صلَّى الله عليه - فقال: «ما على أهل هذه الشاة لو أخذوا إهابها، فدبغوه، فانتفعوا به» قيل: يا رسول الله إنها ميتة. فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها» (^٧).
_________________
(١) عامر بن شراحيل الشعبي، علامة أهل الكوفة في زمانه، تابعي جليل القدر، وافر العلم، ولد في وسط خلافة عمر، روى عن عدد من الصحابة، مات سنة ١٠٤ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٢، تاريخ الإسلام ٣/ ٧٠].
(٢) قال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤١٣: قد روينا عن الشعبي أنه سئل عن جُرُب من جلود الخنازير يحمل فيها مديد من أذربيجان، فقال: لا بأس به.
(٣) تقدّم توثيق قول أبي يوسف، أما قول داود فينظر: الإشراف ١/ ٥، المجموع ١/ ٢١٧.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (تردهما)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (قود)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) هي: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش ويقال ابن جريش، لم أقف على من ترجمها. [ينظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٣٢، الاستيعاب ٤/ ١٩١٥].
(٧) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ ٢/ ١٢٨، ح ١٤٩٢، ومسلم، كتاب الحيض ١/ ٢٧٦، ح ٣٦٣ من حديث ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمرّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة فقال: «إنما حرم أكلها»، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بنحوه.
[ ١٦٥ ]
وروى ابن عباس عن النبي ﵇ أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». أخرجه مالك في «الموطأ» (^١) (^٢)، وأحمد في «المسند» (^٣)، ومسلم في «الصحيح» (^٤)، وأبو داود في «سننه» (^٥) (^٦).
_________________
(١) كتاب: (الموطأ)، للإمام مالك بن أنس، قال ابن مهدي: ليس بعد كتاب الله أنفع للناس منه، وقال: لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح منه. وقال ابن وهب: من كتبه فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا. وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب أكثر صوابًا منه، أو أصح منه، وما كتب الناس بعد القرآن شيئًا أنفع منه. وقال ابن العربي: أول كتاب ألف في شرائع الإسلام وهو آخره؛ لأنه لم يؤلف مثله، وروي أن أبا جعفر المنصور أراد حمل الناس عليه فأبى مالك. [ينظر: القبس لابن العربي ١/ ٦٩، ترتيب المدارك ٢/ ٧٠].
(٢) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الصيد، باب ما جاء في الجلود ٣/ ٧١٢، ح ١٨٣٠ عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، قال ابن عبد البر: حديث مسند صحيح. [ينظر: التمهيد ٤/ ١٥٢].
(٣) أخرج الحديث باللفظ الذي ذكره المؤلف الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٨٢، ح ١٨٩٥، وإسناد الحديث على شرط مسلم، ورجاله ثقات رجال الشيخين عدا ابن وعلة فإنه من رجال مسلم.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الحيض ١/ ٢٧٧، ح ٣٦٦ عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». ولما تكلم الزيلعي في نصب الراية ١/ ١١٥ عن حديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» قال: وأعلم أن كثيرًا من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين عزوا هذا الحديث في كتبهم إلى مسلم، وهو وهمٌ .. وإنما رواه مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».
(٥) كتاب: (السنن)، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ، أحد الأمهات الست، قال الخطابي: كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، وحل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل. قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد. [ينظر: معالم السنن ١/ ٦].
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في أهب الميتة ٤/ ٦٦، ح ٣١٢٣ عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».
[ ١٦٦ ]
وروت عائشة عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «طهور كل أديم دباغه» (^١).
قالوا: وهذه الأخبار نصوص في الباب.
وبما روي أن الصحابة لما فتحت بلاد المجوس انتفعت بجلودها وذبائحهم ميتة (^٢)، ولو كانت نجسة لامتنعوا من ذلك.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يقول في جلد الميتة: دباغها طهورها (^٣).
وعن أنس: لا بأس بجلود الميتة؛ دباغها طهورها (^٤). وعن ابن عباس نحو ذلك (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبري في التهذيب، مسند ابن عباس ٢/ ٨١٣، ح ١١٩٩، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب الدباغ ١/ ٧٢، ح ١٢٤، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، جماع أبواب الأواني، باب اشتراط الدباغ في طهارة جلد ما لا يؤكل لحمه وإن ذكي ١/ ٣٢، ح ٦٨ من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، وقال الدارقطني: إسناد حسن كلهم ثقات. وقال في العلل: خالفه مالك، والدراوردي، وفليح، وغيرهم، رووه عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، وهو المحفوظ. وقال البيهقي: رواته كلهم ثقات. وقال الذهبي: هذا حديث جيد الإسناد على شرط مسلم. وقال مرة: حديث نظيف الإسناد غريب. وأخرج النسائي، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة ٧/ ١٧٤، ح ٤٢٤٤ من طريق الأسود، عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن جلود الميتة فقال: «دباغها طهورها»، وفي رواية: «دباغها ذكاتها». وقال البخاري: الصحيح عن عائشة موقوف. وقال ابن الملقن: هذا الحديث حسن. [ينظر: علل الترمذي ص ٢٨٤، علل الدارقطني ١٤/ ٣٨٦، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٤٠، معجم الشيوخ الكبير ٢/ ٣٤١، البدر المنير ١/ ٦٠٧].
(٢) ينظر: المغني ١/ ٤٩.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب اللباس والزينة، باب في الفراء من جلود الميتة إذا دبغت ٥/ ١٦٣، ح ٢٤٧٨١، والطبري في التهذيب، مسند ابن عباس ٢/ ٨٣٠، ح ١٢٣٢، وابن المنذر، كتاب الدباغ، ذكر اختلاف أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة مما يقع عليه الذكاة من الأنعام والحيوان ٢/ ٣٩٧، ح ٨٥١، والطبراني في الكبير ٩/ ٢٤٨، ح ٩٢٢١ بلفظ: ذكاتها دباغها، وتصحف ابن مسعود عند ابن أبي شيبة إلى أبي مسعود.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير ٤/ ١٤٧٦، ح ٧٤٥، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ٦/ ٢١، ح ١١٠٥٠ من طريق حبيب بن صالح، عن ابن عباس قال: الرشوة في الحكم سحت، ومهر البغي، وثمن الكلب وثمن القرد، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وثمن الدم، وعسب الفحل، وأجر النائحة والمغنية، وأجر الكاهن، وأجر الساحر، وأجر القائف، وثمن جلود السباع، وثمن جلود الميتة، فإذا دبغت فلا بأس بها، وأجر صور التماثيل، وهدية الشفاعة، وجعيلة الغرق.
[ ١٦٧ ]
والفقه فيه: أنه جلد طاهر طرأت عليه نجاسة فلحقه حكم التطهير، دليله جلد المذكَّى إذا أصابته نجاسة، وهذا لأن الموت ليس بمنجس لعينه، بل لمعنى فيه وهو: أن بالموت تزول القوى التي تحجز الرطوبات النجسة كالدم وغيره عن السيلان من مقارِّها، فيسيل الدم والرطوبات النجسة، فتختلط باللحم والجلد، فينجسان بذلك، ولهذا إذا سفح الدم بالذكاة لا يحكم بنجاستهما بخروج الرطوبات المنجسة من الدم وغيره عن الاختلاط، ولهذا قال ﵇: «ما أنهر الدم فكل» (^١). ولهذا نجس من الدم ما كان مسفوحًا، فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^٢) فحكم/ بنجاسته لأنه (^٣) سيّال، وحتى إن دم البق، والبراغيث، والسمك لا يحكم بنجاسته لأنه دم غير سيال، وحتى إن ما لا دم له سائل كالعقرب، والزُّنْبُور (^٤)، والذباب، وغير ذلك إذا مات لم يحكم بنجاسته لأنه [لا] (^٥) دم فيه يختلط بذاته بالموت، ولذلك صوف الحيوان وشعره لا يحكم بنجاسته بموت الحيوان لأنه لا دم فيه، وهذه أصول قد وافقتمونا فيها، ولا علة إلا ما ذكرنا، وإذا ثبت أن التنجيس
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشركة، باب قسمة الغنم ٣/ ١٣٨، ح ٢٤٨٨، ومسلم، كتاب الأضاحي ٣/ ١٥٥٨، ح ١٩٦٨ من حديث رافع بن خديج.
(٢) الأنعَام: ١٤٥، وسقط من الأصل قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.
(٣) كتب بهذا المكان في الأصل كلمة: (غير)، وقد حذفتها ليستقيم المعنى.
(٤) الزُّنْبُور: ضرب من الذباب لسّاع، وقيل: ذكر النحل. [ينظر: غريب ألفاظ المدونة ص ١٠، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ١٢٢].
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ١/ ١٦٨.
[ ١٦٨ ]
لما ذكرنا فالدباغ يزيل تلك الرطوبات والفساد عن الجلد، فيعيده إلى حال الحياة، وخرج على هذا اللحم؛ فإن الدباغ لا يتأتى فيه فبقي على نجاسته.
قالوا: ولأن الدباغ كالحياة في حفظ الصحة، فكان كالحياة في التطهير.
قالوا: ولأن الدباغ يحيل الجلد، والإحالة مطهرة، وهذا لأن الجلد قد تغيرت صفاته التي كان عليها قبل الدباغ، وتبدلت، وصار على وصف آخر، ولذلك استجدّ له اسم آخر، فصار يقال: أديمًا، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسمَّيات، يدل عليه أن الجلد بالدباغ يصير في حيِّز ما لا يتأتى فيه الأكل، فجرى ذلك مجرى الاستحالة التي تحصل في العين فتؤثر في طهارتها.
قالوا: ولأن جلود الميتة بعد الدباغ يجوز الانتفاع بها في اليابسات، كذلك في المائعات كجلود المذكَّى.
قالوا: ولأن الدباغ لو لم يكن مطهرًا للجلد لوجب أن يكون فعله محرمًا، ولمَّا قلتم: إن فعل الدباغ مباح، دلّ على أنه يُطهِّره؛ وهذا لأن الدباغ لا يراد لعينه وذاته، وإنما يراد للتطهير، فلولا أنه يفيده مقصودَه، وإلا لما كان مشروعًا،/ وصار هذا بمثابة تخليل الخمر لما كان لا يراد لعينه، وإنما يراد لغيره وهو حصول التطهير والإباحة، لا جرم لما لم يحصل مقصوده كان التخليل في نفسه حرامًا غير مشروع، فلما أجمعنا على مشروعية الدِّباغ ما كان ذلك إلا لكونه يفيد مقصوده وهو حصول الطهارة.
الجواب:
أما أخبارهم فقد قال الإمام أحمد ﵁: لم يصح عندي في الدباغ حديث، وأصحها حديث عبد الله بن عُكيم (^١). والجرح مقدم على التعديل.
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح ص ٢١٣، ٣٠٢، أما حديث ابن عكيم فقد تقدم تخريجه.
[ ١٦٩ ]
ونقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الطائي النيسابوري (^١)، قال (^٢): سمعت أبا عبد الله (^٣) سئل عن حديث ابن عباس: «إيما إهاب دبغ فهو طهوره» (^٤)، فقال: قد اختلفوا فيه؛ أما ابن وعلة (^٥) فقال: سمعت النبي ﵇، وأما الزهري فروى عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة (^٦)، والشعبي، عن عكرمة (^٧)، عن ابن عباس، عن سَوْدَة (^٨)، فقد اختلفوا فيه، وقد روى عطاء مرة:
_________________
(١) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ أبو يعقوب النيسابوري، ثم البغدادي، ولد أول يوم من شهر رمضان سنة ٢١٨ هـ وخدم الإمام أحمد، وله سؤالات كثيرة عن الإمام أحمد، وكان صالحًا خيرًا فقيهًا، مات ببغداد سنة ٢٧٥ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٠٨، تاريخ الإسلام ٦/ ٥١٢].
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ١/ ٢٢.
(٣) كتب بهذا المكان في الأصل حرف: (و)، وقد حذفته ليستقيم الكلام.
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد تقدّم تخريج «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
(٥) عبد الرحمن بن وعلة - بفتح الواو وسكون المهملة - المصري، السبئي، صدوق، كان أحد الأشراف بمصر. [ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١١٣٤، تقريب التهذيب ص ٣٥٢].
(٦) ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلاليّة، أم المؤمنين، كان اسمها برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، تزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ٧ هـ لما اعتمر عمرة القضاء، توفيت سنة ٥١ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٩١٤، أسد الغابة ٦/ ٢٧٢، الإصابة ٨/ ٣٢٢].
(٧) عكرمة البربري، ثم المدني، أبو عبد الله، مولى ابن عباس، أحد العلماء الربانيين، قال: طلبت العلم أربعين سنة. وأفتى في حياة مولاه، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري، فوهبه لابن عباس ﵄، واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسماه بأسماء العرب، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، وكان ينتقل من بلد إلى بلد، روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس. مات سنة ١٠٥ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٦٥، تاريخ الإسلام ٣/ ١٠٦].
(٨) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية، أم المؤمنين، كانت أول امرأة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة، أسنَّتْ عند رسول الله ﷺ فهمَّ بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت في حل من شأني، فإنما أود أن أحشر في زمرة أزواجك، وإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء، فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من توفي عنهن من أزواجه. ماتت سنة ٥٤ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٨٦٧، أسد الغابة ٦/ ١٥٧، الإصابة ٨/ ١٩٦].
[ ١٧٠ ]
دبغ، ومرة لم يقل: دبغ، فقد اختلفوا فيه، وأما حديث ابن عُكيم [فهو] (^١) الذي أذهب إليه؛ [لأنه] (^٢) آخر أمر النبي - صلَّى الله عليه ـ، أحرى أن يتبع الآخر، فالآخر من أمر النبي - صلَّى الله عليه ـ[يُتّبع] (^٣).
ولأن خبر ابن عباس يرويه عبد الرحمن بن وعلة المصري وهو مجهول، ولأن خبر شاة أم ميمونة مطَّرح الظاهر؛ لأنه قال: «إنما حرم أكلها»، وأجمعنا على أنه يحرم الانتفاع بدهنها ولحمها في غير الأكل، ولأنا نحمل قوله: «ألا أخذوه، فدبغوه، فانتفعوا به» في استعماله في اليابسات؛ من الأشنان (^٤)، ونقل التراب، والافتراش، ولهذا قال: «فانتفعوا به» ولم يقل: [فادبغوه] (^٥) ليطهر، وعندنا/ يجوز الانتفاع به في ذلك في إحدى الروايتين (^٦)، ولأنكم لا تقولون بخبر ابن عباس وعائشة، فإن جلد الكلب والخنزير إهاب ولا يطهر، فلابد من تأويل وإن بَعُد، فنتأول الخبر على جلد المذكَّى ويكون قوله: «قد طهر» معناه: تنظف من الرطوبات المفسدة له، وما يلحقه من النجاسة العارضة من دم وغيره، والطهارة عبارة عن النظافة والوضاءة، ولهذا قال ﵇: «دباغ الأديم ذكاته» (^٧) فجعل الأشياء المزيلة للدم دباغًا.
على أن هذه الأخبار لو صحت، وسلمت على الوجه الذي يقولون
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم المعنى، وصححته من مصدره مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ١/ ٢٢.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (فإن)، وما أثبته هو الذي يستقيم به المعنى، وهو الموافق لمصدر الكلام؛ مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ١/ ٢٢.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وما أثبته هو الذي يستقيم به المعنى، وهو الموافق لمصدر الكلام؛ مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ١/ ٢٢.
(٤) الأشنان: شجر ينبت في الأرض الرملية، يستعمل في غسل الأيدي والثياب. [ينظرالمعجم الوسيط ١/ ١٩].
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (فدبغوه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) سبق توثيق الروايتين في صدر المسألة.
(٧) تقدم تخريجه.
[ ١٧١ ]
فهي منسوخة بحديث ابن عُكيم؛ لأنه قال فيه: «كنتُ رخّصتُ لكم» ولفظة «كنتُ» تستعمل فيما نُسخ، وهذا كقوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها تذكركم الآخرة»، «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها» (^١)، وإذا كانت منسوخة سقط الاحتجاج بها.
ولأن خبرنا يعضده ظاهر القرآن، وفيه احتياط، فكان مقدمًا على أخباركم إن لم تكن منسوخة.
وأما ما ذكروه عن الصحابة؛ فقد روينا فيما تقدم خلاف ذلك، فحصل خلاف فيما بينهم، ولأن بلاد المجوس قد كان يدخلها أهل الكتاب، وذكاتهم مباحة، ولأنه يحمل أنهم استعملوها في اليابسات.
وأما المعنى، وقولهم: إنه جلد طاهر تنجس.
قلنا: إن أردتم أن نَجُس نجاسة عينية، لم يصح في الأصل، ولم يسلم في المذكَّى، وإن أردتم نُجِّس نجاسة مجاورة، لم يسلم في الفرع،/ ولهذا لا يجوز بيع جلد الميتة قبل دباغه، ويجوز بيع المذكَّى قبل دباغه.
ولأنا نقول: فلم يطهر مع بقاء ما كان السبب في تنجيسه، كالمذكَّى لا يطهر مع بقاء عين النجاسة عليه، فيجب أن لا يطهر هذا مع بقاء الموت.
وقولهم: إن المنجِّس هو الرطوبات، والدماء السيالة.
قلنا: هذا الكلام لا يحسن إيراده من شافعي (^٢)؛ لأن عنده أن الموت هو المنجِّس لعينه، ولهذا يُسوِّي في الميتة بين تنجيس ما له دم، وما لا دم له من الذباب، والبق، وغيره، ويحكم بنجاسة دم السمك،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز ٢/ ٦٧٢، ح ٩٧٧ من حديث بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا».
(٢) كلام الشافعية: أنّ جلد الميتة طاهر طرأت عليه نجاسة بالرطوبات والدماء السيّالة. [ينظر: المجموع ١/ ٢١٧، ٢١٨].
[ ١٧٢ ]
والبق، والبراغيث في ظاهر مذهبه في جميع ذلك، ويحكم بنجاسة ما ذبح مما لا يؤكل لحمه، وإن كان دمه قد سفح وزال.
على أن هذا التعليل في الجملة باطل؛ فإن جلد الميتة نجس، ولا دم فيه، ولا رطوبة فيه إلا ما يوجد مثلها في جلد المذكى المحكوم بطهارته، والذي يوضح ذلك أن ما يذبحه المجوسي والمرتد، وما يذكَّى وتترك التسمية عليه، وما يذبح من قفاه، وما يقطع إربا ليسيل دمه وينسفح وهو نجس، وما يقتله الكلب من الصيد، أو يجرح في فخذه، أو خاصرته لا ينسفح الدم وهو طاهر، وكذلك تحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه ولم يسفح دمه، فكيف يصح هذا التعليل عند من له أدنى تحصيل.
وأما المسائل من دم السمك وغيره؛ فليست معللة بما ذكرتم، بل دم السمك مأكول، فإنه أباحه مع كونه ميتة، ولهذا لو ذُبحت السمكة وقُطِّعت خرج منها دم مسفوح، ولا يحكم بنجاسته.
وأما موت ما لا نفس له سائلة؛/ فلا يحكم بنجاسته، لا لما ذكرتم، لكن لأن الشرع قال: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليَمْقُله» (^١) ومعلوم أنه بذلك يموت في الأشياء الحارة والباردة، فلو نجس لم يأمر به.
ولأن النجاسة سبب لتحريم الأكل المتعلق بالموت، بدليل أن لو ذكينا ما مات حل أكله، والله - سبحانه - قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٢)
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الفروع والعترة، باب الذباب يقع في الإناء ١٣/ ١٩٢، ح ٤١٨٩ قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد بن خالد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله». ومَقَلَه في الماء يَمْقُله مَقْلًا: غمسه. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٨٢٠، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٤٤٢]. وأخرج البخاري في الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء ٤/ ١٣٠، ح ٣٣٢٠ من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء».
(٢) المَائدة: ٣.
[ ١٧٣ ]
فحرُم بالموت ما كان يباح أكله بالذكاة، وما ليس له دم سائل لا يكون تحريمه بسبب الموت، بل بسبب خبثه، أو أنه غير مغذٍ، ولهذا يحرم أكل التراب والحجر ولا يموت، وإذا لم يوجب الموت التحريم لم يوجب النجاسة، فإن النجاسة غليظة الحرمة على ما تقدم، فصار كقوله: «أحلّت لنا ميتتان ودمان» (^١).
ولهذا نقول فيما لا يؤكل لحمه: إذا ذبح لا يطهر وإن كان دمه قد انسفح، وإذا بطل ما ذكرتم دل على أن علة التنجيس الموت، وذلك لا يزول بالدباغ، ولا يحصل به التطهير كما لا يحصل في اللحم.
[وقولهم في اللحم] (^٢): لا يتأتى دباغه. قد تقدم جوابه فبطل قولهم.
جواب آخر عن أصل الكلام وهو: أنه لو كان الدباغ مطهرا للجلد لما يحدث به من زوال الخبث، والاستحالة، وحصول التطييب، والاستعمال مع عدم الفساد لكان العظم لا ينجس بالموت، لأن غاية ما ينتهي إليه الجلد بالدبغ موجود في العظم في أصل الخلقة، وهو التماسك، وعدم الرطوبة، وطيبته مع [إمكان] (^٣) الاستعمال، وعدم دخول الفساد إليه فهو مدبوغ بخلق الله له على الصفة الموجودة منه، ولم يحكم بأنه لا ينجس بالموت، فإذا لم يمنع ما فيه من هذه الصفات نجاسةَ الموت،/ فلأن لا يرفع الدباغ نجاسة حصلت واستقرت بالموت أولى.
فإن قيل: قد يحصل بفعل الآدمي من التطهير ما لا يحصل بفعل الله
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال ٢/ ١١٠٢، ح ٣٣١٤ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال». وقال أحمد: حديث منكر. ورجح أبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي وقفه. [ينظر: العلل لأحمد رواية عبد الله ٢/ ١٣٦، علل الحديث ٤/ ٤١١، علل الدارقطني ١١/ ٢٦٦، السنن الكبير ١/ ٣٨٥].
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد استظهرته من الانتصار ١/ ١٧٠.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (إدمان)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١٧٤ ]
وإن كان على صفة فعل الآدمي؛ بدليل أن بهيمة من الحيوان لو دَهْدَهَ (^١) السيل على حلقها حجرًا محددًا، فأفرى (^٢) أوداجها (^٣)، وأراق دمها، وأزهق نفسها لم تبح، وبمثله لو ذبحها مُذكٍّ طهرت، وكذلك الحيوانات التي خلقها الله بغير دم قد فعلها على الوجه الذي يُفعل فيها بالذبح ومع ذلك لا [تباح] (^٤)، كذلك هاهنا.
قلنا: الذبح إنما طهر لأنه أُهل به لله تعالى، وما ذبحه الحجر لم يُهَل به لله، والإهلال معتبر، والدباغ لا يحتاج إلى إهلال، ولذلك حصل الدبغ بفعل المجوسي، والوثني، وطهر الجلد وإن لم يطهر ذبحهما، وكذلك لو أن جلدًا جرى عليه السيل، وسفت الريح عليه شَثًّا، وطلعت عليه الشمس، فاندبغ طهر عندكم بفعل الله بعمل كما يعمل فعل الآدمي، فلما لم تمنع نجاسة الموت في العظم علم أنه لا يعمل بفعل الآدمي [في] (^٥) الميت النجس تطهيره، كما أن تطييب المذبوح بالذبح منع نجاسته.
وأما الحيوانات التي لا دم لها؛ فما لم يخلف عدم الدم فيه خبث صار كالمذكَّى وهو الجراد، فأما الحشرات؛ [فقد] (^٦) زال الدم عنها لكن خلفتها علة هي الخبث، واستخباث العرب بقوله - تعالى ـ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٧)، فأما العظم فلا علة تخلف الرطوبة، فوجب أن يكون مدبوغًا خلقة،
_________________
(١) دَهْدهْت الشيء من علو إلى سفل: دفعته، ودَهْدَهْتُ الحجر فَتَدَهْدَهَ: دحرجته فتدحرج. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ١٩٣، الصحاح ٦/ ٢٢٣١].
(٢) فرى الشيء فَرْيًا وفَرّاه: شقه وأفسده، وأَفْراه: أصلحه، وأفريت الأوداج: قطعتها، وأفريت الشيء: شققته فانفرى وتفرّى، أي: انشق. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢٤٥٤، المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٣٠٥].
(٣) الودج والوداج: عرق في العنق من الرأس إلى السَّحْر، والجمع: أوداج، وقيل: الأوداج: ما أحاط بالحلْق من العروق. [ينظر: الصحاح ١/ ٣٤٧، المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٥٣٥].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (يباح)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٧) الأعرَاف: ١٥٧.
[ ١٧٥ ]
فيكون طاهرًا، فلما لم يكن طاهرًا بطل أن تكون صورة الدبغ في الجلد تعمل عمل ذلك في حقه.
وتلخيص الجواب أنا نقول: غاية كلامهم أن مقصود الدباغ:/ استخراج الفضول، وتماسك البَين، وهذا أمر لا يفيد الطهارة لا بطريق الوضع، ولا بطريق الانفصال مرسلًا، ألا ترى أن الكلب، والخنزير، والعظم، والشعر، واللحم من ذلك ما استصلاحه بطريق الوضع، ومنه ما يحصل بطريق الانفصال لكن لا يحكم بطهارته، فحينئذ يجب أن يكون الدباغ مقصورًا على مقصوده، ومثل ذلك لا يحصّل الطهارة.
وأما قولكم: إن الدباغ كالحياة؛ ممنوع، والتقديد في اللحم يساوي الحياة في [حفظ] (^١) الصحة، ولا يساويها في التطهير، ولأن الحياة تبيح الانتفاع بالكلب، فهلا أباح الدباغ الانتفاع بجلده عند الشافعي (^٢).
وأما الاستحالة فعندنا لا تطهّر (^٣)، ولا تؤثر في طهارة العين، ولهذا نقول: لو استحال العظم النجس فصار رميمًا لم يطهر، والخنزير لو استحال في المَلاَّحَة (^٤) لم يطهر.
وأما جواز الانتفاع بها في اليابسات؛ فممنوع على إحدى الروايتين (^٥)، وإن سلمنا على الرواية الأخرى فليس جواز الانتفاع في حال مما يدل على الطهارة، ولهذا الميتة تطعم للكلاب، والبُزاة (^٦)،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (خالط)، وما أثبته هو الموافق للمعنى الصحيح، وقد تقدم قريبًا قول المصنِّف: «ولأن الدباغ كالحياة في حفظ الصحة، فكان كالحياة في التطهير».
(٢) ينظر: المجموع ١/ ٢١٤.
(٣) ينظر: الإنصاف ١/ ٦٤، ٣١٨.
(٤) المَلاَّحَة: منبت المِلْح. [ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٦٥، الصحاح ١/ ٤٠٨، المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٣٧٧].
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٦٧.
(٦) البَازِي: ضَرْبٌ من الصُّقُورِ، والجمع: بَوَازٍ وبُزاةٌ. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ١١٢].
[ ١٧٦ ]
والصقور فلا ينتفع بها في غير ذلك، وكذلك عند الشافعي الخمر يستعمل للتداوي (^١)، وعند أبي حنيفة يستعمل عند العطش، ولا يستعمل في غير ذلك (^٢).
وهذا لأن استعمالها في اليابسات فلاقى نجاسة يابسة فإنه لا ينجس، ولو أن النجاسة مائعة فكل محل تلاقيه تنجسه، أو كان الثوب رطبًا، والنجاسة يابسة.
وأما جواز فعل الدباغ فليس عن الإمام فيه رواية، ويجب أن يقال إن قلنا: يجوز الانتفاع بها في اليابسات: لم يحرم لأنه يفيد انتفاعًا مباحًا. وإن قلنا: لا/ يجوز الانتفاع به احتمل المنع منه لوجهين؛ أحدهما: قوله - تعالى ـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٣) ومعناه: حرمت عليكم أفعالكم في الميتة، كما قال - تعالى ـ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٤) معناه: حرمت أفعالكم، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ (^٥)، والدباغ إيقاع فعل في الميتة؛ لأن الجلد من جملتها، ولا يجوز حمل ذلك على الأكل لأنه عام، على أن حمله على الأكل حمل على ما قد استفيد بالإجماع، ولأنه لما كان فائدة الدباغ الانتفاع، والانتفاع يحرم بما تقدم من الدليل، وجب أن يحرم في نفسه، كما قلنا في آنية الذهب، والفضة، وآلة اللهو لما كان القصد منها الاستعمال - وذلك محرّم - حرم اتخاذها.
ويحتمل أن يباح فعل الدباغ وإن لم يطهّر، كغسل النجاسة بالمائع وبالماء المستعمل مباح وإن لم يطهّر.
وفارق الدباغ تخليل الخمر؛ لأن تخليلها لا يؤمن معه مواقعتها، وهذا معدوم هاهنا، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: المجموع ٩/ ٥١، أسنى المطالب ١/ ٥٧٠.
(٢) ينظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٣٢٦، المبسوط ٢٤/ ٢٨.
(٣) المَائدة: ٣.
(٤) المَائدة: ٩٦.
(٥) النِّساء: ٢٣.
[ ١٧٧ ]