إذا نوى المقيم الصوم، ثم سافر في أثناء النهار، جاز له الفطر عندنا في إحدى الروايتين (^١)، وهي قول الشعبي، والحسن البصري، وإسحاق، وابن المنذر (^٢).
والثانية: لا يجوز له الفطر (^٣)، وهي قول أكثرهم (^٤).
الأوّلة:
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٥)، وتقديره: فأفطر فعدّةٌ، وهذا عام فيمن سافر في أول النهار، أو في أثنائه، فهو على عمومه، وشموله إلا ما خصه الدليل.
فإن قيل: المراد به من كان مسافرًا فله أن يفطر لأجل السفر، وهذا حين الخطاب كان مقيمًا على أن هذه الآية/ إنما وردت لبيان السفر سببًا للإفطار (^٦) في محلٍّ يجوز، وفي أي محلٍّ لا يجوز، وليس في الآية.
قلنا: الشرع [أباح] (^٧) الفطرَ بشرط السفر، وقد وُجِد ذلك.
و- أيضًا - ما روى مسلم في «صحيحه» (^٨) بإسناده، عن جابر،
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٦٤، الإرشاد ص ١٤٩.
(٢) ينظر: المغني ٣/ ١١٧، الاستذكار ١٠/ ٨٧.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٦٤، الهداية ١/ ٨٢، الإنصاف ٣/ ٢٨٩.
(٤) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٦٨، الجوهرة النيرة ١/ ١٤٢. وللمالكيّة: الكافي ١/ ٣٣٨، الاستذكار ١٠/ ٨٦. وللشافعيّة: الحاوي الكبير ٣/ ٤٤٨، المجموع ٦/ ٢٦٠.
(٥) البَقَرَة: ١٨٤.
(٦) بهذا المكان في الأصل: (لما)، وبحذفه يستقيم السياق.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (أباحه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٨) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم، ولمن يشق عليه أن يفطر ٢/ ٧٨٥، ح ١١١٤ قال: حدثني محمد بن المُثَنَّى، حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عبد المجيد، حدثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العُصاةُ، أولئك العُصاةُ».
[ ٥٧٦ ]
أن رسول الله - صلَّى الله عليه - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، وصام وصمنا معه حتى بلغ كُراع الغميم (^١)، فقيل: إنّ الناس قد شق عليهم، وإنما ينظرون ما تفعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، وشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر الناس. وهذا نصٌّ، وقد أخرجه أبو عيسى، وأبو عبد الرحمن، وابن خزيمة (^٢)، والسالحيني (^٣).
وروى البخاري، ومسلم بإسنادهما (^٤)، عن ابن عباس، أن النبي - صلَّى الله عليه - خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد (^٥)، أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلَّى الله عليه ـ. وهو نصٌّ - أيضًا ـ.
_________________
(١) موضع بالحجاز بين مكة والمدينة، أمام عسفان بثمانية أميال. [ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٥٣].
(٢) أخرجه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في السفر ٣/ ٨٠، ح ٧١٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب ذكر اسم الرجل ٤/ ١٧٧، ح ٢٢٦٣، وابن خزيمة في الصحيح، كتاب الصيام، باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في تسمية الصوم في السفر عصاة ٣/ ٢٥٥، ح ٢٠١٩، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والحديث عند مسلم.
(٣) يحيى بن إسحاق، أبو زكريا البجلي السيلحيني، من أهل السيلحين - قرية بقرب بغداد ـ، رحل إلى مصر، وسمع بدمشق سعيد بن عبد العزيز، وبمصر ابن لهيعة والليثَ بْنَ سعد ويحيى بن أيوب، وبالعراق حماد بن سلمة، وغيرهم، وكان ثقةً حافظًا لحديثه، عن الدارمي قال: سألت يحيى بن معين، قلت: فالسالحيني ما حاله؟ فقال: صدوق المسكين. مات سنة ٢١٠ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٦/ ٢٣٤، تاريخ دمشق لابن عساكر ٦٤/ ٥٥].
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر ٣/ ٣٤، ح ١٩٤٤، ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم، ولمن يشق عليه أن يفطر ٢/ ٧٨٤، ح ١١٣.
(٥) الكَدِيد: عينٌ بين عُسْفان وقُدَيد، وهي: موضعٌ بالحجاز بين مكة والمدينة على اثنين وأربعين ميلًا من مكة. [ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٥٢].
[ ٥٧٧ ]
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلَّى الله عليه - أمر بالخروج عام الفتح لليلتين من رمضان، فخرجوا صوامًا حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله - صلَّى الله عليه - بالفطر. أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة (^١).
فإن قيل: لا حجة فيما ذكرتم من الأخبار؛ لأن بين المدينة وبين كراع الغميم مسيرة مراحل، وإذا كان كذلك احتمل:
أن يكون ابتدأ الفطر في السفر، عند بلوغه كراع الغميم.
الثاني: أنه ليس فيه أنه خرج صائمًا صوم رمضان، ولا فيه أن بلاغه إلى كراع الغميم كان نهارًا ولا صائمًا، بل يجوز أن يكون خرج صائمًا لا صومَ رمضان، أو صائمًا صوم رمضان؛ لأنه بلغ كراع الغميم فابتدأ الفطر من أول يوم لم يصبح فيه/ صائمًا، فبين الرخصة في أول ذلك اليوم.
الثالث: يحتمل أنه أفطر لمرض، أو عطش خاف به على نفسه، وهي قضية عيْنٍ، وحكايةُ حالٍ، فإذا احتملت وقفت، فلا يؤخذ منها جوازُ الإفطار في يوم شُرِعَ في صومه عن رمضان، فلا وجه له من الخبر.
قلنا: هذا دعوى مَنْ قال إِنَّ بينهما مراحل، وخبر جابر أنه سار إلى كراع الغميم، فشقّ على الناس، فأفطر بعد العصر، وهذا مقدار ما بينه وبين المدينة؛
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل ٢/ ٧٨٩، ح ١١٢٠، وأبو داود، كتاب الصوم، باب الصوم في السفر ٢/ ٣١٦، ح ٢٤٠٦ من طريق معاوية بن صالح، عن ربيعة، قال: حدثني قزعة، قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁، وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، سألته: عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم»، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح، كتاب الصيام، باب الرخصة في الفطر في رمضان في السفر ٣/ ٢٦٤، ح ٢٠٣٨ من حديث أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صوامًا، حتى بلغنا الكديد أمرنا بالفطر.
[ ٥٧٨ ]
وعليه فُسِّرَ قوله ﵇: «لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبتُ» (^١)، ومعناه: لو دُعيت إلى مسافة مرحلةٍ لأجبت.
وكذلك الكديد، روى ابن قتيبة عن جندب الهجيمي، قال: بعث رسول الله - صلَّى الله عليه - غالب بن عبد الله إلى مَنْ بالكديد، فنزلنا عليهم عُشَيْشِية (^٢). قال ابن قتيبة: هو تصغير عشية (^٣).
وهذا موافق لخبرِ جابر، وأن الكديد وكراع الغميم [متقاربان] (^٤)، وبينهما وبين المدينة مسيرة مرحلة، من الفجر إلى العصر، وهي عشيشية، يدل عليه أن الفطر في السفر كانوا يعلمون بإباحته، قبل عام الفتح بسنين؛ لأن نزول البقرة قبل ذلك، فلماذا شكوا إليه مشقة الناس، فانتظروا ما يفعل من الفطر؛ فدلّ على أنّ ذلك كان في يوم خرجوا فيه صيامًا، فأشكل عليهم حتى بيَّنَ لهم ﵇ بفعلِه وأمرِه.
ولهذا قال ابن عباس: كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث (^٥).
وفي رواية ابن جريج: بالآخر فالآخر من أمر رسول الله - صلَّى الله عليه - (^٦)، وهذا يدل على أن المراد بالإخبار في اليوم الواحد؛ لأنهم دخلوا فيه في الحضر، وكان بذلك يحرم عليهم الخروج حتى بيَّن لهم جواز الخروج، فكان ذلك ناسخًا،/ وإلا فلَمْ يرد بأنه أمرهم بالصوم في السفر ابتداءً قط، حتى كون أمره بالإفطار حدثَ بعد ذلك فإن فريضة الصوم إنما هي بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٧)، والمراد به - والله أعلم ـ:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب من أجاب إلى كراع ٧/ ٢٥، ح ٥١٧٨.
(٢) عُشَيْشِيَة: تَصْغِير عَشِيَّة على غير قِيَاس. [ينظر: النهاية ٣/ ٢٤٣].
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الأسير ٣/ ٥٦، ح ٢٦٧٨، وأحمد في المسند، ٢٥/ ١٦٩، ح ١٥٨٤٤، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. [ينظر: المستدرك ٢/ ١٣٥، مجمع الزوائد ٦/ ٢٠٣].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (متقاربين)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) ينظر: حجة الوداع لابن حزم، الباب الثاني: تعارض في طيبه ﷺ ص ٢٤٣، ح ٢٣٤.
(٧) البَقَرَة: ١٨٥.
[ ٥٧٩ ]
ومن شهد الشهر في أهله، وعقّب ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١)، فبان أنّ المراد بالإخبار ما ذكرنا.
وقولهم: ليس فيه أنه خرج صائمًا [من] (^٢) رمضان.
غلط؛ لأن قوله: «خرج صائمًا حتى إذا بلغ كُراع الغميم»، يعطي ظاهره امتداد الصوم إلى حين الفطر هنا حكم الغاية أبدًا، ألا تراهم يقولون: «خرجت راكبًا حتى إذا بلغت الثنية الفلانية تَرَجَّلْتُ»، فلا يُعطي ذلك إلا امتداد الركوب إلى حين ترجل في الغاية التي جعلها غايةً للسير، ولا يجوز إضمار العدد، وأن الإفطار كان لأجل عذر غير السفر؛ لأنه لو كان لأجل عذر يخصه لم يرفع إناءه فيعرفه من لا عذر له، [وإلا] (^٣) كان ذلك [تلبيسًا] (^٤)، وأنها مراءة (^٥) تشريع، لا لسبب غير السفر، وإنما الظاهر أنه رفع إناءه و[فسّر] (^٦) إظهار الرخصة والسفر ليعمّ بها كل من صحبه وشاركه في ذلك العذر العام، ولأنه لما بلغه أن قومًا صاموا سماهم عصاةً، ولو لم يكن لأجل السفر الذي يعم لما سماهم عصاة؛ لأنه لا يستحب أن يفطر معه لعذر يخصه مَنْ ليس له مثل ذلك العذر.
والفقه في المسألة أنا نقول: السفر عذر لو وُجِد قبل الفجر أباح ترك الصوم، فإذا وُجِد في أثناء النهار أباح ترك الصوم؛ دليله المرض، وهذا صحيح؛ فإن الله - تعالى - قرَن بين المرض والسفر في جواز الإفطار إلى عدة من أيام أُخر، فدلّ على استوائهما، يدل عليه أن السّفر إنما جُوِّز/ الفطر فيه لأجل المشقة، وهذا المعنى موجود فيه إذا سافر في أثناء النهار، فينبغي أن يبيح لأجل وجود المشقة.
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٥.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (عن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (تلبيس)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٥) يقال: مرء الطعام مراءة، أي: استمرأته، ويقال: مرأت الأرض مراءة، يعني: حسن هواؤها. [ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٢٠٦، القاموس المحيط ١/ ٦٦].
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (سرف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٥٨٠ ]
يدل عليه: أنه لو سافر فإنه تُباح له الرخص، فلو قَدِمَ مُنع من التّرخص من الأكل والقصر والجمع اعتبارًا بالحالة الثانية، [فـ] (^١) جاز أن يكون إذا كان مقيمًا لا يجوز له الفطر، فإذا سافر أبيح له اعتبارًا بالحالة الطارئة.
يدلّ عليه: أنّ أبا حنيفة قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم يجب الكفارة (^٢)، فدلّ على أنّ صومه غير متحتم كاليوم الذي مرض فيه.
فإن قيل: ليس إذا استويا في الابتداء يجب أن يستويا في الاستدامة، بدليل أنّ السفر والمرض يستويان في الابتداء؛ هذا يبيح قصر الأركان أعني المرض، والآخر يبيح قصر الركعات وهو السفر، لو طرأ على صلاة مقيم لم يقصر الركعات، ولو طرأ المرض على صلاة صحيح فإنه يقصر الأفعال، فقد استويا في الابتداء في باب الصلاة وما استويا في الاستدامة.
والمعنى في المرض أنه وُجد في حقه بغير فعله؛ فهو أبلغ في العذر من السفر الذي يحصل بفعله.
قلنا: يجوز أن يستوي حال الابتداء والدوام في مسألتنا، وإن اختلفا في باب الصلاة؛ لأن الصلاة آكد من غيرها من العبادات، ولذلك إذا نوى المسافر الإتمام تعين عليه الإتمام، ولو نوى في السفر الصيام لم يتعين عليه إتمامُه، ولإتمام الصلاة طريق آخر، وهو: اتباعه لصلاة المقيم، ولأن المرض والسفر سواء عندكم؛ لأنكم تقولون في المرض بقطع التتابع (^٣) كالسفر،
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) من أصبح صائمًا ثمّ سافر في أثناء النهار، لا يجوز له الفطر - عند الجمهور ـ، لكن إن أفطر بجماع ونحوه، فالحنفيّة والمالكية: لا يوجبون عليه الكفارة، أما الشافعيّة: فيوجبون الكفارة عليه فيما إذا أفطر بجماع، أما الحنابلة: فيقولون يجوز له الفطر، وبالتالي فلا كفارة عليه. [ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٦٨، فتح القدير ٢/ ٣٦٥. وللمالكيّة: الإشراف ١/ ٢٠٨، الشرح الكبير ١/ ٥٣٥. وللشافعيّة: حلية العلماء ٣/ ٢٠٣، المجموع ٦/ ٢٦١، الروايتين والوجهين ١/ ٢٦٤، الإنصاف ٣/ ٢٨٩].
(٣) ينظر: المبسوط ٣/ ٨١، العناية ٤/ ٢٦٧، المجموع ٨/ ٣٧١، روضة الطالبين ٨/ ٣٠٢.
[ ٥٨١ ]
وإن افترقا من هذا الوجه، ولأن السفر المبيح للفطر موجود في حقه؛ فوجب أن يبيح كما لو وجد من أول اليوم، ولأن أبا حنيفة/ قد قال: لو وطئ في هذا اليوم لم تجب الكفارة (^١)، فلم يمتنع الفطر كالمعذور.
وأما قولهم: إن المرض وجد من غير فعله.
قلنا: هذا لا يوجب الفرق بينهما في باب الاستدامة، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب الابتداء، وقد أجمعنا على أن السفر والمرض إذا [وجدا] (^٢) من أول النهار أباحا - وإن كان أحدهما من فعله، والآخر عذرًا لا من فعله ـ، كذلك الاستدامة، ثم يلزم إذا أكره على السفر فسافر؛ فإنه وجد بغير فعله، ثم لا يجوز له الإفطار عندكم، فسقط ما قالوه، ثم تبطل عليهم به إذا شرب دواءً فمرض؛ فإنه بفعله حصل المرض، ثم يجوز له الفطر.
ومن مشايخنا من فرض الكلام فيه إذا سافر قبل الزوال، وقت لنية الفرض، فنقول: وقت لنية الصوم، وكان الفطر لأجل السفر، كما لو سافر قبل طلوع الفجر.
احتجوا:
بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣)، وهذا قد شهد الشهر فلزمه الصوم.
وبقوله - تعالى ـ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٤)، وهذا قد يلبس بعمل، لا سيما وهو واجب عليه، فلا يجوز له إبطاله.
والفقه فيه: أنها عبادةٌ تختلف بالسفر والحضر، فإذا تلبَّس بها في الحضر، ثمَّ سافر غلب حكم الحضر، دليله: الصلاة، والمسح على الخفين،
_________________
(١) تقدّم توثيقه قريبًا.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (وجد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) البَقَرَة: ١٨٥.
(٤) محَمَّد: ٣٣.
[ ٥٨٢ ]
وهذا لأنه قد نوى الفرض، وإذا نوى الفرض فالخروج عنه إخلال بمقتضى النية، فلا تجوز، ولهذا لا تجوز لمن شرع في صوم للقضاء، أو صلاته، أو شرع في الصلاة في أول الوقت أن يفطر، وإن كان يجوز ترك الصلاة في أول الوقت، وتأخيرها إلى آخر الوقت، لكن قيل: لا يجوز له لوجود السبب، وهو أنه قد نوى الفرض، والخروج عنه إخلال بمقتضى النية، وذلك لا يجوز، كذلك ها هنا؛ وهذا لأن طلوع الفجر عليه سبب لانحتام/ الصيام عليه، ولهذا لو وطئ قبل أن يسافر وجبت عليه الكفارة، وإذا انحتم عليه لم يجز له الفطر.
والمعتمد لهم: أنّ الأصل أن لا يجوز الإفطار في السفر، إذا لم يكن ثَمَّ مشقة مانعة من الصوم، مثل المرض، إلا أن الصوم جعل عين السفر قائمًا مقام المشقة، فكان الإعراض عن المعنى، وتجويز ترك الصوم الواجب تدَرُّجًا خارجًا عن المعقول، وإذا ثبت ذلك فإنما أثبت الشرع أصل الرخص بالإفطار لمعنى كليّ، وهو كثرة الأسفار، وحاجة الناس إلى الترخص في الجملة، وإن لم يكن في حق الآحاد مثل المرض المتحقق في حق الآحاد، وإذا ثبت ذلك، فهذا الحكم متى ثبت في حق السفر المستوعب لجميع العبادة، لم يمكن إثباته في السفر الذي لا يستوعب، ونفي الأمر على الأصل فيه.
وإذا نوى الصوم، فالسبب موجود، وهو السفر المستغرق لجميع أصل العبادة، وهو يروم (^١) أن يقطع حكم السبب، فلا ينقطع بفعله، وفي الصلاة لا يقول: إنه إذا نوى الإتمام وجب الإتمام فيه، وامتنع القصر، ولكن القصر لا بدّ له من نية، والأصل الإتمام، ولو أطلق كان مصروفًا إلى التام، وإنما الحاجة إلى نية القصر، فإذا لم يبق لم يثبت، وهاهنا الحاجة داعية إلى الفطر إذا استمرّ السفر، وليست الحاجة حقيقة، إنما هي عيب مقدر شرعًا، وليس يَبِين لنا أن الحاجة متى كانت داعيةً في تقدير الشرع عند استيعاب السفر،
_________________
(١) الرَّوْمُ: طلب الشَّيء. والمَرامُ: المَطلب. رام يروم رومًا ومرامًا: طَلَبَ. [ينظر: كتاب العين ٨/ ٢٩١].
[ ٥٨٣ ]
كانت تلك الحاجةُ بعينها مقدرةً في السفر الذي لم يستغرق، وفي المرض الحاجة معلومةٌ، وليست مقدرةً حتى يقال: إن طريق الإلحاق في تخيل [العلّة] (^١)، وموضع التقدير مسدود، إلا في مثل ما ورد به التوقيف.
/ الجواب:
أما الآية؛ فإنها غير متناولةٍ محلَّ النزاع بالإجماع، بدليل ما إذا لم ينوِ الصوم فسافر، فدل أن المراد بها من غير عذر، والسفر عذر فكان مبيحًا.
وأما قوله - تعالى ـ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٢).
قلنا: المراد بالآية إذا كان من غير عذر، بدليل أنه قد أباح مع العذر للإبطال.
أما قولهم: عبادة تختلف بالحضر والسفر.
قلنا: هذا غلط؛ فإن الصوم لا يختلف بالحضر والسفر؛ فإنه في الحالين يفعل على صفة واحدة.
الثاني: أنّا لا نُسلِّم العلّة في الأصل؛ فإنه لا يغلّب حكم الحضر لأجل تلبسه بها فيه، فإنه لو بدأ بالصلاة عندنا في السفر، لم يجز له القصر إذا دخل عليه وقتها في الحضر؛ لأنها تستقر عليه عندنا في ذمته بدخول الوقت (^٣).
وأما المسح فيغلب فيه حكم السفر في إحدى الروايتين (^٤)، فبطل الدليل.
ومن أصحابنا من أجاب عن الصلاة، فقال: الصلاة آكد من الصوم في باب اللزوم، والتغليب للإيجاب والإتمام؛ بدليل: أن من نواها في السفر تامةً لزِمَتْه تامّة، والصوم لو نواه في السفر لم يتعين عليه إتمامه، و
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (العيب)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) محمَّد: ٣٣.
(٣) ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٢٢، المبدع ٢/ ١١٠.
(٤) ينظر: الإنصاف ١/ ١٧٧، المبدع ١/ ١٤٣.
[ ٥٨٤ ]
كان في دوامه مخيَّرًا بين الإتمام و(^١) الخروج، كما لو كان مخيرًا قبل أن ينويه، وشرع فيه، وهذا إنما يجيء على الشافعي.
فأما أبو حنيفة فلا يُسلِّمه؛ لأن الشروع عنده في صوم النفل منع الخروج بصوم رمضان (^٢)، وأجاب عن المسح على الخفين على التسليم، فقال: الفرق بينهما أن السفر يؤثر في مقداره، كما يؤثر في مقدار الصلاة، وهو من شروط الصلاة، وأسبابها، والصوم إنما يؤثر العذر في تأخيره، لا في تقصيره وتعليله، فألحقنا المسح بالصلاة لشبهه بها، وتعلقه عليها، واقتطعنا الصوم عنها (^٣).
فإن قيل:/ بل الصوم آكد؛ لأن العذر لم يؤثر في تنقيصه وتقصيره، وإنما غاية ما أثر في تأخيره وتأجيله.
قلنا: الرخصة إنما وقعت بحسب الحاجة، وحاجة المسافر إلى تقصير الصلاة، لا إلى أصل تركها؛ لأنها لا تطول، وقد قصر فعلها، فسهلت جدًّا، ليس كذلك الصوم؛ فإنه إنما يترخص به إذا أخر؛ لأن زمان السفر ليس فيه الصوم لكونه مُضعِفًا للقوى مُنْهِكًا للأبدان التي هي مورد التعب والشقاء الحاصل بالشد والترحال، فإذا غلب حكم الحضر في الصلاة مع ضعفها، فأولى أن يغلب حكم الحضر في الصوم مع تأكده.
_________________
(١) بهذا المكان في الأصل: (هي)، وبحذفه يستقيم السياق.
(٢) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٧٧.
(٣) ينظر: المبسوط ١/ ١٠٤، الجوهرة النيرة ١/ ٢٨.
[ ٥٨٥ ]
فإن قيل: فالصلاة أضعف؛ لأنها جمعت فيها الرخصتان التقليل والتقصير، ثم التأخير في باب الجمع، ويصليها مقصورة مجموعة جمعًا وقصرًا، والصوم آخذ بإحدى الرخصتين، وهو التأخير فقط دون التقليل والتقصير، فإذا غلب حكم الحضر في الصلاة مع ضعفها، فأولى أن يغلب حكم الحضر في الصوم مع تأكده.
قلنا: لا يجوز دعوى ضعف الصلاة مع تضيق أدائها، في الخوف وشدته، ومع التزام إتمامها بالنية، ومتابعة الإمام المقيم، وإيجاب القتل على تاركها، وإبطالها بمبطلاتها عمدًا، وسهوًا بخلاف الصوم.
وأما قولهم: بأن طلوع الفجر سبب لانحتام الصوم.
قلنا: الانحتام (^١) مراعى، فإن وجد الصوم ولم يوجد السفر تبينا أنه قد انحتم، وإن سافر تبينا أنه ما انحتم.
الثاني: يجوز أن يكون قد انحتم الصيام ويجوز له الفطر، كما لو طرأ المرض؛ فإن الانحتام موجود ويجوز الفطر، وكذلك الصلاة إذا دخل فيها وهو صحيح تعين عليه القيام فيها/ فلو مرض جاز له الصلاة جالسًا.
وأما قولهم: لو وطئ وجبت عليه الكفارة.
قلنا: لا يخلو إما أن يطأ وهو مقيم، فهناك ما وجب ما يزيل الانحتام، وإن وطئ وهو مسافر - وقلنا: يجوز له الفطر - لم تجب الكفارة، على أنه باطل بما إذا وطئ ثم مرض؛ فإن الكفارة تجب عليه عندنا (^٢)، وعند الشافعي (^٣) - وإن كان قد جاز له الإفطار ـ.
_________________
(١) انْحَتَمَ الأمر وتحتم: وجب وجوبًا لا يمكن إسقاطه، وكانت العرب تسمي الغراب حاتمًا؛ لأنه يحتم بالفراق على زعمهم، أي يوجبه بنعاقه، وهو من الطيرة ونُهِيَ عنه. [ينظر: المصباح المنير ١/ ١٢٠].
(٢) ينظر: الإنصاف ٣/ ٣٢٠، الفروع ٣/ ٨٠.
(٣) ينظر: روضة الطالبين ٢/ ٣٧٩، المجموع ٦/ ٣٥٣.
[ ٥٨٦ ]