الفطر في السفر أفضل من الصوم عندنا، اختاره عامة الأصحاب (^١).
وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبي نضرة الغفاري (^٢)، ومن التابعين: عطاء، والزهري، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وإسحاق (^٣).
وعند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: الصوم أفضل (^٤).
لنا:
قولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٥) والفطر أيسر من الصيام، فكان أفضل.
وقوله - تعالى ـ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ (^٦)، والإفطار ألطف بالمسافر من الصيام، فكان أولى.
وقوله - تعالى ـ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (^٧).
ومن جهة الأخبار: ما روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» بإسنادهما،
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ١٢٩، الإنصاف ٣/ ٢٨٧ وقال: «هذا المذهب، وعليه الأصحاب»، شرح الزركشي ٢/ ١٤٨.
(٢) المنذر بن مالك بن قطعة من العوقة، وكان ثقةً، كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به. يروي عن ابن عمر وأبي سعيد، وكان من فصحاء الناس، روى عنه قتادة وسليمان التيمي، فلج في آخر عمره فتغير عليه حفظه. مات سنة ١٠٨ هـ وأوصى أن يصلي عليه الحسن؛ فصلى عليه، وذلك في إمارة عمر بن هبيرة على العراق. [ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٥٥، الثقات لابن حبان ٥/ ٤٢٠، مشاهير علماء الأمصار ص ١٥٥].
(٣) ينظر: المجموع ٦/ ٢٦٥، المغني ٣/ ١٥٧، التمهيد ٢/ ١٧١.
(٤) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٢/ ٩٦، المبسوط ٣/ ٩٢. وللمالكيّة: الكافي ١/ ٣٣٧، الاستذكار ١٠/ ٧٩. وللشافعيّة: المجموع ٦/ ٢٦٥، أسنى المطالب ١/ ٤٢٣.
(٥) البَقَرَة: ١٨٥.
(٦) الشّورى: ١٩.
(٧) النِّساء: ٢٩.
[ ٥٨٧ ]
عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس من البرّ الصّومُ في السّفر» (^١)، وهذا نص، ورواه الأثرم بإسناده عن ابن عمر عن النبي - صلَّى الله عليه - بلفظ خبر جابر سواء (^٢).
فإن قيل: هذا ورد على سبب، وهو أن النبي - صلَّى الله عليه - كان في سفر، فرأى رجلًا عليه زحام، وقد ظلل عليه، فقال: «مَا هَذَا»؟ قالوا: صائم، فقال: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» (^٣)، وأراد به: مَنْ شقَّ عليه.
قلنا: اللفظ أعم من سببه، فلا يقصر عليه، على أنه لو كان للمشقة، لقال: ليس من البر صوم من شق عليه، أو صوم مثل هذا، ثم هذا هو الحجة، فكأن النبي - صلَّى الله عليه - يقول: إنما رخص الله في الفطر في السفر لأجل ما يلحق من المشقة، فليس من آلة الصوم في السفر، فربما أدى إلى هذا، وقد يكون معناه: هذا أمر لا بِرَّ فيه، يعني الصوم، ولا يجوز أن يعترض لما ليس فيه بِرٌّ، فيفضي إلى هذا.
/ وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «خِيارُكُم من قَصَرَ الصّلاة في السّفر، وأفطر» (^٤)، ومراسيل سعيد بن المسيب حجة عند الجميع.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر «ليس من البرد الصوم في السفر» ٣/ ٣٤، ح ١٩٤٦، ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم، ولمن يشق عليه أن يفطر ٢/ ٧٨٦، ح ١١١٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الإفطار في السفر ١/ ٥٣٢، ح ١٦٦٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصيام، باب الصيام في السفر ٢/ ٦٣، ح ٣٢١١، وابن حبان، كتاب الصوم، باب صوم المسافر ٨/ ٣١٧، ح ٣٥٤٨. قال البوصيري: إسناد صحيح؛ رجاله ثقات. [ينظر: مصباح الزجاجة ٢/ ٦٤].
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الصلاة، باب الصيام في السفر ٢/ ٥٦٦، ح ٤٤٨٠، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة، باب من كان يقصر الصلاة ٢/ ٢٠٤، ح ٨١٧٠.
[ ٥٨٨ ]
فإن قيل: معناه خياركم من اعتقد جواز الفطر، والقصر دون من لا يعتقد جواز ذلك.
قلنا: هذا خطأ؛ لأن القصر والفطر فعل، فلا يجوز أن يعبر به عن الاعتقاد، ثم الحديث عامٌّ في الجميع.
وروى عروة بن الزبير، عن أبي مرواح (^١) عن حمزة بن عمرو الأسلمي (^٢) أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «[هِيَ] (^٣) رُخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبّ فلا جناح عليه» (^٤)، وهذا نص في أن الفضيلة في الفطر، وأن الصوم لا مأثم فيه، فهو جائز.
وروى أبو حفص العكبري بإسناده، عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي - صلَّى الله عليه - عن الصيام في السفر، فنهاه، فقال: إن ذلك عليَّ يسير، فقال: «أنتم أعلم باليسير أم الله؟!»، يقول الله - تعالى ـ:
_________________
(١) أبو مُرَاوح الغِفاريُّ، ويقال: الليثي المدني، قال مسلم: اسمه سعد، وذكره في موضع آخر ولم يُسَمِّه. روى عن: حمزة بن عمرو الأسلمي، وأبي ذر، وأبي واقد الليثي. روى عنه: زيد بن أَسلم، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعمران بن أبي أنس والصحيح: عن عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار عنه. قال العِجْليُّ: مدني، تابعي، ثقة. قال الحاكم: يُعدُّ في النَّفَرِ الذين وُلِدوا في حياة النبي ﷺ وأسماهم المصطفى ﷺ. [ينظر: أسد الغابة ٦/ ٢٧٦، الرفع والتكميل ٣/ ٤٢٦].
(٢) حمزة بن عمرو الأسلمي، أبو صالح، وقيل: أبو محمد، روى عن أبي بكر وعمر ﵄. قال محمد بن عمر: قال حمزة بن عمرو: لما كنَّا بتبوك وانفر المنافقون بناقة رسول الله ﷺ في العقبة حتى سقط بعض متاع رحله، قال حمزة: فنور لي في أصابعي الخمس، فأضيء حتى جعلت ألقط ما شذ من المتاع السوط والحباء وأشباه ذلك. قال: وكان حمزة بن عمرو وهو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته وما نزل فيه من القرآن، فنزع كعب ثوبين كانا عليه فكساهما إياه. قال كعب: والله ما كان لي غيرهما. قال فاستعرت ثوبين من أبي قتادة. مات سنة ٦١ هـ. [ينظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٢٣٦، الثقات لابن حبان ٣/ ٧٠].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (هل)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر ٢/ ٧٩٠، ح ١١٢١.
[ ٥٨٩ ]
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^١) إِنْ الله تصدّقَ برمضان على مرضى أُمّتي، ومسافريهم؛ فأيّكم يُحبّ أن يتصدّق بصدقة فتردّ عليه» (^٢)، وأقلُّ أحوال هذا الكراهيةُ.
وروى أبو حفص بإسناده عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، قالا: قال رسول الله: «صيام رمضان في السَّفر، كمفطره في الحضر» (^٣).
و- أيضًا - ما تقدم في المسألة التي قبلها من خبر جابر أن النبي - صلَّى الله عليه - خرج حتى بلغ كُراع الغميم أفطر، وبلغه أن قومًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة» (^٤). أخرجه مسلم، وأبو عيسى، وابن خزيمة وأبو عبد الرحمن.
فإن قيل: فقد أجمعنا وإياكم على/ أن الصوم في السفر ليس بمعصية.
قلنا: نقول: إن الصوم في السفر مخالفة السنة، ومخالفة السنة معصية، والمعاصي تختلف، فتوصف بالمعصية بترك المكروه، كما يوصف بالمعصية بترك الواجب، على أنه قد قام الدليل على أنه غير محرم، فلا بد من حمل الخبر على فائدة، فكان حمله على الكراهة لا بد منه.
وروى السالحيني بإسناده عن ابن عمر، قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه - إذا خرج من المدينة قصر ولم يصم حتى يرجع (^٥)،
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٥.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه ابن الأعرابي في المعجم ١/ ١٨٥، ح ٣١٣ من طريق تمتام، نا عبد الصمد، نا يزيد بن عياض، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: «صيام رمضان في السفر مثل إفطاره في الحضر».
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه أحمد ١٠/ ٣٧، ح ٥٧٥٠ من طريق بشر بن حرب قال: سألت عبد الله بن عمر قال: قلت ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من هذه المدينة قصر الصلاة، ولم يصم حتى يرجع إليها»، وأخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر ١/ ٣٣٩، ح ١٠٦٧ من طريق بشر بن حرب، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من هذه المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع إليها. وأصل الحديث عند البخاري، كتاب الجمعة، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها ٢/ ٤٥، ح ١١٠٢، من طريق عيسى بن حفص بن عاصم، قال: حدثني أبي: أنه سمع ابن عمر، يقول: صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك ﵃.
[ ٥٩٠ ]
وهذا إخبار عن دوام الفعل، والنبي ﵇ لا يداوم إلا على الفضيلة؛ إذَنْ يجوز أن يحصل بفعل مرة واحدة.
ومن جهة الإجماع: ما روي عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعيد.
فأما عمر: فسأله رجل من بني تميم أنه صام رمضان في السفر، فأمره أن يقضيه (^١).
وأما ابن عمر: فسأله رجل عن الصوم في السفر، قال: لا تصم، قال: إني أقوى على ذلك، قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه - يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفات» (^٢).
وأما ابن عباس، وأبو هريرة: فإنهما أمرا من صام في السفر أن يقضي (^٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب الصيام في السفر ٢/ ٥٦٦، ح ٤٤٨٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصيام، باب الصيام في السفر ٢/ ٦٣، ح ٣٢١٥ من طريق ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عمر بن الخطاب أمر رجلًا صام شهر رمضان في السفر أن يقضيه. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصيام، باب من قال: إذا صام في السفر لم يجزه ٢/ ٢٨٢، ح ٨٩٩٨ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن أبيه، أن رجلًا صام رمضان في السفر، فأمره عمر ﵀ أن يعيد.
(٢) أخرجه أحمد ٩/ ٢٩٠، ح ٥٣٩٢ من طريق حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، أنه قال: كنت عند ابن عمر إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أقوى على الصيام في السفر، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة»، قال الهيثمي، والمناوي: إسناده حسن. [ينظر: مجمع الزوائد ٣/ ١٦٢، ح ٤٩٣٦، والتيسير ٢/ ٤٤٤].
(٣) لم أقف عليه.
[ ٥٩١ ]
وروى أبوعبد الله العكبري (^١) المعروف بابن بطة بإسناده، عن زيد بن حبيب، أن كليب بن ذهل أخبره عن عبيد بن جبير، قال: كنت مع أبي نضرة الغفاري صاحب رسول الله - صلَّى الله عليه - في سفينة في الفسطاط في رمضان فدفع، ثم قرب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال أبو نضرة: أرغِبتَ عن سنة محمد - صلَّى الله عليه - (^٢)؟
فإن قيل: فقد خالف على ذلك علي، وعائشة، وأنس.
فأما علي فإنه أمر بعض من كان معه في السفر بالصيام وصام (^٣)، وعائشة كانت تصوم في السفر، وتصلي أربعًا (^٤)، وأنس قال: من/ أفطر فهو رخصة، ومن صام فهو أفضل (^٥).
قلنا: لسنا نمنع جواز الصوم، وما روي عن هؤلاء الأئمة، فنحمله على الجواز، لا أنهم قصدوا الأفضل، ومعناه صريح لفظ بالأفضل، وذم الصوم، ومبالغة، فما احتججنا به مقدم على فعل محتمل للجواز.
والفقه في المسألة أنا نقول: الصوم عبادة يؤثر السفر في حكمها، فكان الترخيص فيها أفضل، دليله: الصلاة، ونريد بالوصف أن السفر يجعله مخيرًا في الصوم بعد أن كان متحتّمًا عليه، فإن قال أصحاب أبي حنيفة: لا نسلم أن القصر رخصة، وإنما هو عزيمة (^٦)، فيدل عليه النص من الكتاب والسنة، والمعنى - أيضًا ـ.
_________________
(١) أبو عبد الله، عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري، المعروف بـ (ابن بَطَّة)، إمام، عابد، فقيه، محدث، شيخ العراق، كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل، وحدث عن عبد الله بن محمد البغوي، وكان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة، من مصنفاته: كتاب الإبانة الكبرى، قال الذَّهبي: لابن بطة مع فضله أوهام وغلط. مات سنة ٣٨٧ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ١٠٠، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٣٠].
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ينظر: مصنف عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب من أتم في السفر ٢/ ٥٦٠، ح ٤٤٦١.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ينظر: المبسوط ١/ ٢٣٩، العناية ٢/ ٣١.
[ ٥٩٢ ]
أما الكتاب: فقوله - تعالى ـ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (^١)، ودفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما يتخير فيه الإنسان بين فعله وتركه.
وأما السنة: فحديث يعلى بن أمية أنه قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أمِنّا؟ فقال: تعجّبتُ مما تعجّبتَ منه، فسألت النبي - صلَّى الله عليه ـ، فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته» (^٢)، فسمي القصر صدقةً، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما.
وأما المعنى: فظاهر جدًّا، وذلك أن القصر ثابت بنص الكتاب، وطلب المعنى، وأحب ما أمكن، ولا يمكن تعرف معنى في إلحاق النظر سوى التخفيف؛ فإن السفر حال مشقة، والمشقة سبب للتخفيف بقوله - تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٣) والتخفيف بإطلاق القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته أو بالندب إليه، فلا معنى للإيجاب والتحتم، وهو مثل إباحة الفطر سواء، ونحرر من هذا قياسًا، فنقول: تخفيفٌ نِيطَ (^٤) بالسفر/ فلا يكون حتمًا، دليله: الفطرُ، يدل عليه من حيث الحكم أنهم قالوا: لو اقتدى المسافر بمقيم يلزمه الإتمام، وإن كان الفرض ركعتين يلزمه الإتمام، وهذا في نهاية الإشكال عليهم؛ لأن الاقتداء لم يوضع لتعيين الفرائض، يدل عليه: أنه لو كان المقتدي مؤتمًا بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين، فكذلك إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم، وجب أن لا يصير فرضه إلى الأربع؛ فإن الزيادة على الفرض المحدود، مثل النقصان منه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر،
_________________
(١) النِّساء: ١٠١.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٧٨، ح ٦٨٦.
(٣) البَقَرَة: ١٨٥.
(٤) نِيطَ: أي عُلِّق، يقال: نُطْتُ هذا الأمر به أنوطه، وقد نيط به فهو مَنُوطٌ. [ينظر: النهاية ٥/ ١٢٩].
[ ٥٩٣ ]
على أنَّا نقول: كونُ القصر عزيمةً، حجةٌ عليكم في مسألتنا؛ فإنه إذا كان السفر قد أثر في إسقاطها أصلًا، ورأيًا، وعدم الوجوب، فلأن يؤثر في الفضيلة في مسألتنا كان ذلك بطريق الأَوْلى.
وإن قالت الشافعية: لنا في الصلاة قولان (^١):
أحدهما: أن الإتمام أفضل، وعلى هذا لا نُسلِّم، فسقط الدليل، ولو سلمنا فالصلاة تختلف في صحتها تامَّةً، مجمع على أن صحتها مقصورة، فلذلك كان فعلها على الإجماع أفضل من التغرير بها، على أن الدليل يلزم عليه المسح على الخفين؛ فإن الغسل أفضل منه، وإن كان المسح رخصةً لأجل السفر.
قلنا: أما المنع فليس بمذهب؛ لأنه القول القديم والجديد: أن القصر أفضل (^٢)، فكان رجوعًا عن الأول. والعذر ليس بصحيح؛ لأنه لا فرق بينهما؛ فإن مذهب عمر: من صام في السفر يعيد، وكذلك مذهب أبي هريرة، وأحد الروايتين عن ابن عباس، وابن عمر، وهو مذهب داود، ويحتجون بخبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلَّى الله عليه - قال: «صائم رمضان في السّفر كمفطره في الحضر» (^٣)، فثبت أنه كالصلاة من غير فرق.
وأما المسح/ على الخفين فلا نسلمه في إحدى الروايتين (^٤)، ونقول: هو أفضل من غسل الرجلين، فعلى هذا لا كلام، وقد ذكره بعض مشايخنا.
طريقةٌ أخرى، يقال: السفر عذر يؤثر في فعل الصلاة، فكان الأفضل الإفطار معه، دليله: المرض، ونريد بتأثير الصلاة في المرض
_________________
(١) ينظر: روضة الطالبين ١/ ٤٠٣، الحاوي الكبير ٢/ ٣٦٦.
(٢) تقدّم توثيقه قريبًا.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٩٨، الإنصاف ١/ ١٦٩.
[ ٥٩٤ ]
كونه يصلي جالسًا وقائمًا، وتأثيرها في السفر القصر بنى صحة هذا الجمع بين السفر والمرض قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١)، فجمع بين السفر والمرض، وأباح الإفطار في رمضان بوجودهما، فكان حكمهما سواء.
يدل عليه: أن الغالب من حال المسافر التعب، والنصب، والمشقة، ولهذا قال ﵇: «إن المسافر ومتاعه لعلى قَلَتٍ إلا ما وَقَى الله» (^٢) يعني: مَهْلَكَةٍ، هكذا قاله أبو عبيد في «الغريب» (^٣).
ويقال: السفر طائفة من العذاب، ولأجل هذه العلّة أبيح له الإفطار والقصر؛ فإنه معلول بالمشقة، وإذا كان الغالب منه المشقة فإذا تحمل وصام ربما أدى إلى الضرر أو إلى التلف، فالله - تعالى - يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (^٤)، وبهذا الطريق كان الأفضل للمريض الإفطار، وهو خوف الضرر، وتزايد المرض، وهو هاهنا موجود، فكانا سواء في الفضيلة.
يدل عليه: أن الصوم في السفر يحتويه المشقة الفادحة، فيفضي إلى كراهية العبادة، والتضجر بها، والملل لفضلها، فكان عليه فعلها على وجه لا يحصل به ذلك أولى، ولهذا [كرهنا] (^٥) صلاة المدافع البول والغائط؛ لأن عجلته تزيل خشوع العبادة، وكذلك إذا حضرت الصلاة، وهو محتاج إلى العشاء/ فإنا نقدم حاجته إلى العشاء.
ومن مشايخنا من قال: أجمعنا على أن من كان بعرفة فالأفضل له الفطر (^٦)، كذلك هاهنا.
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٥.
(٢) ينظر: تفسير القرطبي ٥/ ١٥١، قال الألباني: ضعيف جدًا. [ينظر: إرواء الغليل ٥/ ٣٨٣، ح ١٥٤٥].
(٣) ينظر: الغريبين في القرآن والحديث ٥/ ١٥٧٥.
(٤) النِّساء: ٢٩.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (كرنا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) ينظر: الإنصاف ٣/ ٣٤٥، الفروع ٣/ ١١٠.
[ ٥٩٥ ]
فإن قالوا: إنما كان الفطر أولى حتى تتقوى على الدعاء لعرفات؛ لأن الصوم يستدرك، والدعاء لا يستدرك به إزالة المشقة اللاحقة بالسفر في ذلك الموضع.
قلنا: وهاهنا يستدرك به إزالة المشقة اللاحقة بالسفر التي لا يدركها إلا بالفطر.
الثاني: أن مثله في الصوم لا يستدرك صيام عرفة بصوم غيره، ولا حرمة غير يوم عرفة لحرمة عرفة؛ لأن صومه كفارة سنتين، ثم هذا باطل بالفطر في المرض؛ فإنه أفضل وإن كان لا يستدرك به التوفر على عبادة (^١).
ومن مشايخنا من قال: الصوم في السفر مختلف في صحته (^٢)، وقد روينا ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وداود، وإذا كان مختلفًا في ذلك كان فعل الصوم في الحضر على وجه يكون [مجمعًا] (^٣) على صحته أولى مما يأتي به على وجه مختلف في صحته، وهو على غير يقين من سقوط الفرض، وهذا لأن العبادات المعتبر فيها القطع، واليقين، وإلغاء الشك والتخمين.
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٤)، وهذا نص.
وروى أبو الدرداء قال: كنا مع رسول الله - صلَّى الله عليه - في السفر، وإن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر،
_________________
(١) في هذا المكان بالمخطوط تكرار لعبارة: (ثم هذا باطل بالفطر في المرض؛ فإنه أفضل وإن كان لا يستدرك به التوفر على عبادة).
(٢) ينظر: الإنصاف ٣/ ٢٨٧.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (مجمع)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) البَقَرَة: ١٨٤.
[ ٥٩٦ ]
فما منا صائم إلا ما كان من رسول الله - صلَّى الله عليه ـ، وعبد الله بن رواحة (^١).
وهذا يدل على أن النبي - صلَّى الله عليه - حمل على نفسه على الفضل، [ولم يفطر] (^٢) للرخصة، ولا سيما مع شدة الحر؛ فإن الرسول لا يظن به أنه يترك الفضل، ويتكلف الأشق طبعًا، ويأتي بالأقل والأدون شرعًا وفضلًا،/ وهذا حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (^٣).
وروى أبو داود بإسناده عن عائشة خرجت مع رسول الله - صلَّى الله عليه - في عمرة رمضان، فأفطرَ رسول الله - صلَّى الله عليه - وصمتُ، وقصرَ وأتممتُ، فقلت: يا رسول الله، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، قال: «أحسنتِ» (^٤). وهذا يدل على أن الفضيلة في الصوم.
_________________
(١) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، كان يكتب في الجاهلية، وكانت الكتابةُ في العرب قليلةً. شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضية. وكان أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ، وحين توجه إلى مؤتة دعا الناس له وهم يقولون: ردك الله سالمًا، فجعل يقول: لكنني أسأل الرحمن مغفرة. استشهد يوم مؤتة في حياة رسول الله ﷺ سنة ٧ هـ، وكان أميرًا لرسول الله ﷺ على الجيش بعد جعفر وزيد ﵄. [ينظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٣٩٨، الاستيعاب ٣/ ٨٩٨، إكمال تهذيب الكمال ٦/ ٢٤].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل بياض، وقد استظهرته من السياق.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر ٣/ ٣٤، ح ١٩٤٥، ومسلم، كتاب الصيام ٢/ ٧٩٠، ح ١١٢٢.
(٤) أخرجه النسائي، كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة ٣/ ١٢٢، ح ١٤٥٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار، باب بيان مشكل ما اختلف فيه أهل العلم من إباحة إتمام الصلاة في السفر للمسافر ومن منعه من ذلك بما روي عن النبي ﷺ فيه ١١/ ٢٥، ح ٤٢٥٨، والدارقطني، كتاب الصيام، باب القبلة للصائم ٣/ ١٦٢، ح ٢٢٩٣، والبيهقي في الكبير، كتاب الصلاة، باب من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السنة ٣/ ٢٠٣، ح ٥٤٢٧، قال الدارقطني: إسناد حسن، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٤/ ٢٥٩: إسناد صحيح موصول.
[ ٥٩٧ ]
وروى سلمة بن المحبق (^١) عن النبي - صلَّى الله عليه ـ، قال: «من كانت له حمولة تأوي به إلى شِبع، فليصم رمضان حيث أدركه» (^٢)، وهذا عام.
والفقه فيه: أنه أدى عبادة في وقتها، فكان أفضل من تأخيرها، دليله: الصلاة، وهذا لأن العبادة أفضل من العادة، وقهر الهوى بالعبادة أفضل من اتباع الهوى خصوصًا إذا كان القضاء واجبًا، ولا ثقة بالإتمام، وربما عاقه عائق، فالأحوط قضاء الدين، وعلى هذا نقول: إن الإتمام أفضل من [القصر] (^٣)، ولو سلمنا؛ فإن الذي قصر من الصلاة لا يصير دينًا في الذمة، وهذا يصير دينًا في الذمة، وهو القضاء على غرر.
يدل عليه: أن الصوم عزيمة، وهو الأصل، والإفطار رخصة، وهو عارض، وفي الصوم فعل العبادة في وقتها، وهو الأشق على الأنفس، وأفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، قال النبي - صلَّى الله عليه - لعائشة: «ثوابكِ على قدر نَصَبِكِ» (^٤).
_________________
(١) سلمة بن صخر بن عتبة بن صخر بن حضير بن الحارث بن عبد العزى بن دابغة بن لحيان بن هذيل الهذلي، شهد حُنَيْنًا مع النبي ﷺ وشهد - أيضًا - فتح المدائن مع سعد بن أبي وقاص، ولما بشر وهو بحنين بابنه سنان، قال: سهم أرمي به عن رسول الله ﷺ أحب إليّ مما بشرتموني به. [ينظر: أُسْد الغابة ٢/ ٥٢٦، الإصابة في تمييز الصحابة ٣/ ١٢٩].
(٢) أخرجه أحمد ٢٥/ ٢٥٢، ح ١٥٩١٢، وأبو داود، كتاب الصوم، باب من اختار الصيام ٢/ ٣١٨، ح ٢٤١٠، والعقيلي ٣/ ٨٣، والبيهقي في السنن الكبير، كتب الصيام، باب من اختار الصوم في السفر إذا قوي على الصيام ولم يكن به رغبة عن قبول الرخصة ٤/ ٤١٢ من طرق عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي، حدثني حبيب بن عبد الله قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق يحدث عن أبيه به. قال البيهقي: قال البخاري: عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث، ذاهب، ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئًا. وقال صدر الدين المناوي: في سنده عبد الصمد بن حبيب العوذي البصري، ضعفه أحمد. [ينظر: كشف المناهج ٢/ ١٨١].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (القطر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) أخرجه البخاري - واللفظ له ـ، كتاب الحج، باب أجر العمرة على قدر النصب ٣/ ٥، ح ١٧٨٧، ومسلم، كتاب الحج ٢/ ٨٦٧، ح ١٢١١ من طريق ابن عون، عن القاسم بن محمد وإبراهيم، عن الأسود، قالا: قالت عائشة ﵂: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك؟ فقيل لها: انتظري، فإذا طهرت، فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك.
[ ٥٩٨ ]
فإن قلتم: إن الله - تعالى - يحب أن يؤخذ برخصه.
فنقول: هذا يلزم عليه المسح على الخفين، أن يقولوا: هو أفضل من غسل الرجلين، وكان الناس قد رخص لهم في ترك الصوم مع القدرة عليه إلى بدل وهو الفدية، فقيل لهم: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^١)، مع الترخيص في الإفطار، ويلزمكم - أيضًا - أن تقولوا: إنّ الأولى بالمريض أن يصلي قاعدًا، والأولى بالمرء أن يصلي النافلة/ على الراحلة مستدبر القبلة، وقد قال - تعالى ـ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (^٢) في باب مصابرة واحد بعشرة، فلو أنه صابر لم يكن آثمًا، وكان ذلك أولى، وقال - عزَّ من قائل ـ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (^٣)، أرخص - سبحانه - في التحيز إلى فئة، فلو صبر وجاهد، ولم ينهزم كان أولى عند الله، وهذا كله بمعنى؛ وذلك أن الله - تعالى - إذا رخّص فقد غلّب حقّنا تعظيمًا لنا، فالأليق بالعبودية أنه إذا عظّم أمورنا أن نقابله بتعظيم أمره، وتقديم حقه على حقوقنا؛ لنكون داخلين في جملة من قال - تعالى - في حقهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٤).
الجواب:
أما الآية: فلا حجة فيها على موضع الخلاف؛ لأنها كانت في صدر الإسلام، ونُسخت، فروى أبو داود في «سننه» بإسناده، عن عبد الله بن العباس، أنه لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (^٥) كان من شاء منهم أن يصوم، ومن شاء أن يفتدي بطعام مسكين افتداء بمنزلة صومه، فقال:
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٤.
(٢) الأنفَال: ٦٦.
(٣) الأنفَال: ١٦.
(٤) الحَشر: ٩.
(٥) البَقَرَة: ١٨٤.
[ ٥٩٩ ]
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، ومعناه - والله أعلم - أي: من الافتداء، ثم نزل قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٢)، فالحتم.
ثم الآية محمولة على الحاضر بدليل ما قدمناه.
وأما خبر أبي الدرداء، وعائشة، فذلك كان في صدر الإسلام، وأول الأمر بصوم رمضان، ثم نسخ ذلك.
يدل عليه: ما روى ابن عباس أن النبي - صلَّى الله عليه - خرج عام الفتح، فصام حتى بلغ الكديد فأفطر، وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله (^٣)، وفي لفظ آخر: بالآخر فالآخر (^٤)، وخبر آخر: أنه أفطر فبلغه أن قومًا صاموا، فقال: «أولئك العُصاة» (^٥)، وعام الفتح من آخر أمر رسول/ الله - صلَّى الله عليه ـ، ثم يحمل ذلك على أنه بيَّن به الجوازَ؛ بدليل أن القصر عندنا وعند مالك والشافعي أفضل (^٦)، وعائشة قد أتمت، وعند أبي حنيفة القصر عزيمة (^٧).
ومن أصحابنا من أجاب عن الحديث الأول فقال: يحتمل أن النبي ﵇ كان سافر في أثناء النهار، فلم يحب أن يُغلِّب الرخصة [معه] (^٨)،
_________________
(١) البَقَرَة: ١٨٤.
(٢) البَقَرَة: ١٨٥، أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب نسخ قوله - تعالى ـ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ٢/ ٢٦٥، ح ٢٣١٨ قال: حدثنا أحمد بن محمد، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه، فقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) ينظر: الاستذكار ٦/ ٧٤، الحاوي الكبير ٢/ ٣٦٦، المجموع ٤/ ٢٨١، الإرشاد ص ٩٥، الإنصاف ٢/ ٣٢١.
(٧) تقدّم توثيقه.
(٨) ما بين المعكوفين في الأصل: (معها)، والضمير يرجع للسفر، فما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٠٠ ]
[مع ما] (^١) تقدّم من الشروع على وجه العزيمة، وعندنا - وإن كان ذلك جائزًا - إلا أن الإتمام أفضل، مع كون الابتداء عزيمة.
قال علي: إنه كان يواصل لما أخبر به، وأنه كان يظلّ عند ربه، يطعمه ويسقيه (^٢). يعني يغنيه عنهما، وإن كان في حق غيره [مكروهًا] (^٣).
وأما حديث سلمة، فلو صحّ لاقتضى وجوب صوم رمضان في السفر، وهذا خلاف القرآن؛ فإنه - تعالى - قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٤)، ومعناه: فله أن يؤخر إلى أيام أُخر، أو الأفضل أن يؤخر الصوم ويفطر، ثم هو خلاف للإجماع - أيضًا ـ؛ فإنه لا خلاف أن المسافر يجوز له الفطر، فدل على أنه ورد في حق الحاضر، ثم نحمله عليه إذا كان سفره قصيرًا مسيرة يوم، ولهذا قال: «يأوي به إلى شبع»، يعني عند الإفطار، فدلّ على أنه مسيرة يوم، أو نحمله على أنه يصوم إن شاء، ونحن نقول: إن صام صح صومه.
أما قولهم: بأنه أدى العبادة في وقتها.
قلنا: هذا باطل بتقديم العصر يوم عرفة، وتأخير المغرب بمزدلفة (^٥)؛
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/ ١٠٩، ح ٧٠٠ قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي: أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر. وأخرجه بتمامه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الوصال ومن قال ليس في الليل صيام ٢/ ٦٩٣، ح ١٨٦٢ من حديث أبي سعيد ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر»، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ لي مطعم يطعمني، وساقٍ يسقينِ».
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (مكروه)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) البَقَرَة: ١٨٥.
(٥) بالضَّم ثم السكون، ودال مفتوحة مهملة، ولام مكسورة، وفاء، اختلف فيها لِمَ سُمِّيتْ بذلك، فقيل: مزدلفة منقولة من الازدلاف، وهو الاجتماع، وقيل غير ذلك، وهو مبيت للحاجّ ومجمع الصلاة إذا صدروا من عرفات، وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين، والمزدلفة: المشعر الحرام ومصلّى الإمام يصلي فيه العشاء والمغرب والصبح. [ينظر: معجم البلدان ٥/ ١٢٠].
[ ٦٠١ ]
فإنه تأخيرٌ عن وقتها - ولو فضل عن الصلاة ـ[وهو] (^١) حجة لنا، فإن الترخص فيها أفضل، وهو [القصد] (^٢) من العزيمة، وهو التمام على ما سبق بيانه.
قوله: إن العبادة أولى من العادة.
قلنا: إذا كان على وجه قبول الرخصة من الله، كان أولى كما قلنا في/ الصلاة.
قوله: يجب عليه القضاء، ولا ثقة بالإتمام، فكان إبراء الذمة أولى.
قلنا: كان ينبغي أن نوجب عليه انحتام الصوم في السفر؛ لأن فيه براءة للذمة، وتأخيره يحصل شغل الذمة.
الثاني: أنه يلزم عليه الاستدانة للتضحية؛ فإنّ فيه فضيلة، ولهذا قال ﵇ لعائشة: «استديني وضحّي؛ فإنه دين مقضيّ» (^٣)، وإن كان في ذلك شغل للذمة، وكذلك - أيضًا - تأخير الظهر في شدة الحر، وتأخير عشاء الآخرة، وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء، وتأخير الصلاة الأولة من صلاتي الجمع إلى وقت الثانية، وكذلك المريض الأفضل له الصوم وإن كان في صومه براءة ذمته، بل أولى؛ وذلك أن المرض بريد الموت، ومقدمته، فربما مات والصوم في ذمته، فبطل ما قالوا.
أما قولهم: إن الصوم عزيمة، والفطر رخصة إلى آخر كلامهم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (القصر)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) أخرجه الدَّارقطني، كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك ٥/ ٥١٠، ح ٤٧٥٥، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الضحايا ٩/ ٤٤٠، ح ١٩٠٢١ من طريق ابن مبشر، نا أحمد بن سنان، نا يعقوب بن محمد الزهري، نا رفاعة بن هرير، نا أبي، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أستدين وأضحي؟ قال: نعم؛ فإنه دين مقضي. وقال الدارقطني: هذا إسناد ضعيف، وهرير هو ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، ولم يسمع من عائشة ولم يدركها.
[ ٦٠٢ ]
فنقول: إن قبول الرخصة وإن كان أسهل يجوز أن يكون أفضل؛ وذلك لأن الثواب بالاستجابة، والأفضل ما كان موافقًا للأمر، والنفوس لله - سبحانه ـ، وقد يكون قصده - سبحانه - في بعض الأوقات الرفق بها، وفي بعض الأوقات العسف على ما تراه من الأصلح لمن يرى له الصلاح في ذلك، ألا ترى أنه حرّم علينا أذية نفوسنا، كما حرم علينا أذية أغيارنا، وعاقبنا على فعل ما يؤذيها به بحسب واقعنا، كالقيام في الشمس، والامتناع عن الأكل والشرب على الوجه الذي أمر، وإن كان يشابه الصوم الذي به أمر، وسمى ذلك الإفراط في التعبد رهبانية مبتدعة، وذمها بقوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (^١)، وقال ﵇: «لا رهبانيّة في الإسلام» (^٢)، ولهذا قلنا نحن، وأبو حنيفة: إن الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي للعبادة (^٣)، ومعلوم ما في العبادة/ من المشقة، وفي النكاح من اللذة، والشهوة؛ ولذلك جعل الشارع الصوم في أيام مخصوصة معصية، وقال: «إنها أيام أكل وشرب وبِعَالٍ» (^٤)، حتى قال الشافعي: لا يصح نذرها (^٥)، وخرجت هذه الأيام عن محلّة الصوم، ولهذا جعل السحور سنّة وقربة، وهو أكل وتلذذ (^٦)، وشرع البداءة بالعشاء، والخلاء قبل الصلاة تقديمًا [لحقوقنا] (^٧) على حقوقه.
_________________
(١) الحَديد: ٢٧.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٤/ ١٩٣، بدائع الصنائع ٢/ ٢٢٩. وللحنابلة: المبدع ٧/ ٤، الإنصاف ٨/ ١٥.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الحج، باب من قال أيام التشريق أيام أكل وشرب ٣/ ٣٩٤، ح ١٥٢٦٥، وإسحاق بن راهويه في مسنده ٥/ ٢٦٦، ح ٢٤١٩، والبيهقي في شرح معاني الآثار، كتاب مناسك الحج، باب المتمتع الذي لا يجد هديًا ولا يصوم في العشر ٢/ ٢٤٥، ح ٤١١١ من حديث عمر بن خلدة الأنصاري، عن أمه.
(٥) ينظر: المجموع ٦/ ٤٥٣.
(٦) بهذا المكان في الأصل عبارة: (سنة متبعة)، وحذفها هو الموافق للسياق.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (لحطونا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٠٣ ]
وكذلك - أيضًا - ما قدّر لنا من الصلوات، والصيام، والعبادات لا نقول: إن هذا التقدّر إنما كان رفقًا بنا؛ لأن ما زاد عليه يشقّ ويوقعنا في الحرج، فيريدُ أن نتكلف ونحمل المشقة، وتزيد على ما قدّر لنا ورسم، طلبًا للثواب، وحملًا للنفس على أشق الأحوال.
بل قيل: الزيادة في الحد نقصان في المحدود، ومتى فعل الإنسان شيئًا من ذلك بأن زاد في ذلك إلى غير ذلك فإنه يكون مخطئًا، ويخرج المقدر بالزيادة فيه عن القربة، والطاعة؛ وهذا لأن الواجب الاتباع لا الابتداع، وذلك هنا سرّ، وهو أنَّ النفوسَ معنا ودائعُ له، ولسنا بها أخص حتى نعتمدَ بها الأشق، فثبت ما ذكرنا، والله أعلم.
[ ٦٠٤ ]