يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، واختاره الخرقي (^٣)، وأبو بكر (^٤)، وهو مذهب الحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن (^٥)، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر (^٦).
خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث (^٧).
وخلافًا لمالك في قوله: يجوز بقدر الحاجة فوق الثلاث (^٨).
ومأخذ المسألة: أن الخيار ملائم للعقد ومقتضاه عندنا وعنده؛ فهو مخالف للعقد، وعلى مضادته.
_________________
(١) ليالٍ بأيامها، وإنما ذكر الليالي؛ لأن التاريخ يغلب فيه التأنيث. [ينظر: المغني ٣/ ٤٩٨].
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٣/ ٢٨٤١، الهداية ١/ ١٣٣، الإرشاد ص ١٩٤، ٢٠١، شرح الزركشي ٣/ ٤٠١.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٦٤.
(٤) ينظر: زاد المسافر ٤/ ١٥٨.
(٥) عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر العنبري، قاضي البصرة، خرج له مسلم. وقال النسائي: ثقة فقيه. وقال ابن سعد: كان ثقة محمودًا عاقلًا من الرجال. مات سنة ١٦٨ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٥].
(٦) ينظر: العناية ٦/ ٢٩٨، الاستذكار ٢٠/ ٢٤٩، الإشراف ٦/ ٧٨، المعني ٣/ ٤٩٨.
(٧) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٧٥، فتح القدير ٦/ ٢٩٩. وللشافعيّة: مختصر المزني ص ٧٦، الوجيز ١/ ١٤١.
(٨) ينظر: الإشراف ١/ ٢٥٠، مواهب الجليل ٤/ ٤١٠.
[ ٦١٧ ]
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١).
وما روي عنه ﵇ أنه قال: «المؤمنون على شروطهم» (^٢).
وقوله ﵇: «لكل مؤمن شرطه» (^٣)، فهذا أصل في ثبوت كل شرط إلا ما خصه الدليل.
والفقه في المسألة: أنه مقدر يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كسائر المقدورات الشرطية من الأيمان، والآجال، ومدة الإجازات، ولا يلزم خيار التصرية (^٤) والمجلس؛ لأنها لا تعتمد الشرط،
_________________
(١) المَائدة: ١.
(٢) أخرجه الترمذي، أبواب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس ٣/ ٦٢٦، ح ١٣٥٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الهبة والصدقة، باب العمري ٤/ ٩٠، ح ٥٨٤٩، والحاكم، كتاب الأحكام ٤/ ١١٣، ح ٧٠٥٩، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الشركة، باب الشرط في الشركة وغيرها ٦/ ١٣١، ح ١١٤٣٠ من طريق كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «.. المسلمون عند شروطهم ..»، وأخرجه البخاري معلقًا، كتاب الإجارة، باب أجر السمسرة ٣/ ٩٢ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والحديث له طرق أخرى يتقوى بها.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما رُوي عن عمر وشريحًا، قالا: لكل مسلم شرطه. أخرجه عبد الرزاق، كتاب البيوع، باب البيعان بالخيار مالم يتفرقا ٨/ ٥٢، ح ١٤٢٧٤، وباب الشرط في البيع ٨/ ٥٨، ح ١٤٢٩٨، وابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، باب من قال: المسلمون عند شروطهم ٤/ ٤٥٠، ح ٢٢٠٢٥.
(٤) التَّصرية: تفعيل من الصَّرْيِ وهو الحبس، يقال: صرى الماء إذا حبَسَه، ومنه الْمُصرَّاة، وذلك أن يريد بيع الناقة أو الشاة، فيحقن اللبن في ضرعها أيامًا لا يحتلبه ليرى أنها كثيرة اللَّبن. قالوا: هذا أصل لكل من باع سلعة وزينها بالباطل أن البيع مردود إذا علم المشتري؛ لأنه غش، ويرد معها صاعًا من تمر كأنه جعله قيمة لما نال من اللبن وفسر الطعام بالتمر. [ينظر: الفائق في غريب الحديث ٢/ ٢٩٣].
[ ٦١٨ ]
وإنما ثبت شرعًا، ولا يلزم الصرف، وأبواب الربا؛ لأنها لا تعتمد الشرط/؛ فإن الرسول ﵇ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر، والشعير، ولا التمر، ولا الملح، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد» (^١)، وهذا صحيح؛ فإن هذا الخيار لا يخلو:
إما أن يثبت شرعًا؛ فيجب أن يثبت وإن لم يشترط، ويثبت في كل بيع كخيار المجلس عندنا (^٢) وعند الشافعي (^٣)، وخيار الرؤية عند أبي حنيفة (^٤).
أو نقول: يثبت شرطًا؛ فيجب أن يرجع فيه إلى رضا مشترطه وتقديره، ولا يعترض عليه في ذلك.
طريقة أخرى: أنه ارتفاق في عقد يجوز اشتراطه ثلاثًا، فجاز أكثر من ذلك، دليله: الأجل.
أو نقول: مدة ملحقة بالعقد، فجاز أن يزيد على الثلاث كالأجل، وهذا لأن شرط الخيار ملائم لعقد البيع؛ لأن البيع وضع للمناسبة، وطلب الربح، والخيار وضع لطلب ذلك، ونفي [الغرر] (^٥)، فهو ملائم لذلك، فصح تقديره برضاهما كالأجل.
فإن قيل: لا نسلم؛ بل هو غرر في البيع غير ملائم له، وإنما جوّزنا منه الثلاث؛ لخبر حبان بن منقذ (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا ٣/ ١٢١١، ح ١٥٨٧ من حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد».
(٢) ينظر: الهداية ١/ ١٣٣، الفروع ٤/ ٨١.
(٣) ينظر: حلية العلماء ٤/ ١٥، المجموع ٩/ ١٨٤.
(٤) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ١٩٤، العناية ٦/ ٣٣٥.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (الغير)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) حبّان بن منقذ بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، الأنصاري الخزرجي المازني، له صُحْبة، وشهد أُحدًا وما بعدها، وتزوج زينب الصغرى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت يحيى بن حبان، وواسع بن حبان، وهو جد محمد بن يحيى بن حبان، شيخ مالك، وهو الذي قال له النبي ﷺ: «إذا بعت فقل: لا خلابة». مات في خلافة عثمان ﵁. [ينظر: أسد الغابة ١/ ٤٣٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٥٢].
[ ٦١٩ ]
قلنا: قد بينا ملاءمته، ثم لو كان منافيًا لما صح اشتراطه كسائر الشروط الفاسدة.
ولأن الرسول ﵇ أمر به في البيع، وشرعه مع نهيه عن بيع الغرر، فلو كان غررًا لم يشرعه فيما نهى فيه عن الغرر؛ لأنه يتناقص.
فإن قيل: لو كان ملائمًا لوجب إذا قال له: الخيار متى شئت، أن يصح.
قلنا: لا يُسلّم في رواية (^١)، ونقول: يصح، وإن سلمنا وهو الصحيح؛ فإن هناك هو مجهول؛ فصار كمدة الإجارة، والأجل لا يصح مجهوله؛ لأن هناك يفضي إلى أن لا يستقرّ العقد أبدًا، بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا ينافي موجب العقد، ولهذا لا يمنع التصرف، وهذا ينافي موجبه؛ لأنه يمنع التصرف، وإنما جوز يسيره للحاجة.
قلنا:/ الخيار لا يمنع نفوذ تصرف من له الملك، وهو المشتري على أنه يبطل بخيار المجلس، ويحبس المبيع على قبض الثمن، وبمدة السلم؛ فإن هذه الأشياء تمنع مقصود العقد وهو التصرف ولا يتقدر بثلاث، على أنه كان ينبغي أن يشترط ما تدعو الحاجة إليه، كما قال مالك (^٢)، أو يقدره بيوم؛ فإنه أقل للغرر.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٤/ ٣٧٣، المبدع ٤/ ٦٨.
(٢) المالكيّة قيدوا جواز الخيار أكثر من ثلاث بالحاجة إلى ذلك. [ينظر: التفريع ٢/ ١٧٢، الإشراف ١/ ٢٥٠، مواهب الجليل ٤/ ٤١٠].
[ ٦٢٠ ]
فإن قيل: الحاجة قد تدعو إلى الثلاث.
قلنا: وقد تدعو إلى الأربع وأكثر، وهو في شراء [القَرْم] (^١) (^٢)، والرساتيق (^٣)، فبطل التقدير بالثلاث.
قالوا: وروي عن النبي - صلَّى الله عليه - أنه قال: «الخيار ثلاثة أيام» (^٤)، رواه الدارقطني بإسناده عن نافع، عن ابن عمر.
[و] (^٥) الحق أن في إسناده الراسي، وفيه مقال، وأبو علقمة القروي صاحب نافع، وليس بالقوي، على أنه مطرح الظاهر؛ فإنه يجوز أقل من ثلاث، فيكون الحديث خرج على غالب الحال.
احتجوا:
بأن القياس منع صحة الخيار؛ لأنه يمنع مقصود العقد، وهو الملك، والتصرف في التدليس، والبيع جعل لإيجاب ذلك، إلا أنا جوَّزْنا ذلك في الثلاث؛ لخبر حبان بن منقذ؛ فإنه كان لا يزال يبيع ويغبن، ولا يدع التجارة، فشكا أهله إلى النبي - صلَّى الله عليه - فقال له: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا، ثم أنت في كلِّ سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال، فإنْ رضيتَ فأمسِكْ، وإن سخطتَ فرد» (^٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (القراما)، ولم أقف على من جمعها بهذا الجمع، وما أثبته هو الموافق لما جاء في المعاجم اللغوية.
(٢) القَرْمُ: الفحلُ المُصْعَبُ، وهو المكرَّم ويترك للضراب لا يُحْمل عليه. [ينظر: كتاب العين ٥/ ١٥٨].
(٣) الرُّسْتَاق فارسي معرب، ويقال: (رُسْدَاقٌ) - أيضًا ـ، والجمعُ (الرَّسَاتِيقُ)، وهي المزارع. [ينظر: مختار الصحاح ص ١٢٢].
(٤) أخرجه الدارقطني، كتاب البيوع ٤/ ١١، ح ٣٠١٢ من طريق أبو ميسرة أحمد بن عبد الله بن ميسرة، نا أبو علقمة الفروي، نا نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الخيار ثلاثة أيام»، قال الذهبي والزيلعي: أحمد بن عبد الله بن ميسرة أحد المتروكين. [ينظر: تنقيح التحقيق ٢/ ٧٠، نصب الراية ٤/ ٨].
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٦) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب الحجر على من يفسد ماله ٢/ ٧٨٩، ح ٢٣٥٥ من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلًا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التجارة، وكان لا يزال يغبن، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال له: «إذا أنت بايعت، فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فارددها على صاحبها»، قال الزيلعي: هي مرسلة، وقال ابن الملقن: رواه ابن ماجه من حديث عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان به، وذكره البخاري في تاريخه بتصريح ابن إسحاق بالتحديث، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لتدليس ابن إسحاق، وله شاهد من حديث أنس رواه أصحاب السنن الأربعة. [ينظر: نصب الراية ٤/ ٧، تحفة المحتاج ٢/ ٢٢٨، مصباح الزجاجة ٣/ ٥٢].
[ ٦٢١ ]
وهذا هو الأصل في هذا الباب؛ لأن حبان كان أحوج الناس إلى الخيار، فلم يزده على الثلاث؛ ولأن تقديره إما بمنع الزيادة، أو النقصان، وبالإجماع لا يمنع النقصان، فثبت أنه منع الزيادة، فإذا ثبت هذا فما زاد على الثلاث [باقٍ] (^١) على أصل القياس؛ وأنه لا يجوز.
قالوا: ولأنها مدة قدرها الشرع بالثلاث، فلا تجوز الزيادة عليها، دليله: خيار التصرية، والمسح، وصوم كفارة اليمين، قالوا: وإنما قدرها بذلك؛ لأنها في حدّ القلة، قالوا: ولأنها مدة وضعت للإنشاء، وطلب الحظ، فتقدرت بالثلاث كمهلة المرتد.
الجواب:
أما قولكم: إن القياس يمنع صحة الخيار؛ ممنوع، بل يقتضي صحته؛ ولأنه شرع لنفي الغبن وتحري/ الموافقة، والتجارة شرعت للربح فيما يقرب من ذلك تكون ملائمًا له، ولهذا في خيار المجلس، وحبس المبيع والرهن، ومدة السّلم (^٢) بمبيع يصرفه، ويصح جميع ذلك أكثر من ثلاث.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (باقي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) بيع السلم: هو بيع السلعة الآجلة الموصوفة في الذمة بثمن مقبوض في مجلس العقد. [ينظر: معجم لغة الفقهاء ص ٢٤٩].
[ ٦٢٢ ]
وقولكم: إنه يمنع المقصود؛ ممنوع - أيضًا ـ، فإن الملك ينتقل إلى المتعاوضين كما في الباب، والتصرف ينفذ في حينه في الملك، وإنما يمنع من كمال التصرف لتعلق حق الآخر به، فهو كالمرهون، ثم إسقاط التصرف برضاهما حصل إلى المدة المعينة، فهو كما يؤجِّر عبدَه، وداره، ويزوج أَمَته؛ فإنه يمنع نفسه من التصرف ويصح؛ لأنه برضاه كان ذلك.
فأما تعلقهم بخبر حبان بن منقذ؛ فلا حجة فيه، ولا هو الأصل في الباب؛ لأنه خاص لحبان، ولهذا جعل له الخيار من غير شرط، وكأن العلة أنه نهاه فلم ينتهِ؛ لأنه كان [متنازلًا] (^١) بذلك، فأراد حفظ ماله، فجعل له ثلاثًا؛ لأن في مثلها علم من حاله أنه رأى، ويتدبر ويثوب إليه رأيه.
ويدل على هذا أن حبان عاش ثلاثين ومائة سنة إلى زمان عثمان ﵁، وكان يبتاع ويغبن ويرد السلع على التجار، ويقول: النبي - صلَّى الله عليه - جعل في الخيار ثلاثًا، فيمرّ الرجل من أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه - بالتاجر فيقول: ويحك إنه صدقك؛ إن رسول الله جعل الخيار ثلاثًا، وهذا في غيره لا يجوز بحال.
قولهم: إن هذا الخبر هو للأصل؛ فكلا، وإنما الأصل في الباب قوله ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٢)، وقول الرسول: «المؤمنون عند شروطهم» (^٣).
على أنه لو كان الخبر أصلًا فهو قضية في عين لا يوجب المنع والزيادة؛ لأنه يحتمل أن الرسول أخرجه على غالب الحال في حق/ حبان، والتقدير لا تمنع الزيادة كما في المصراة، وقدر بثلاث، وتجوز الزيادة ما لم يصح التصرية في الثلاث، وكذلك الاستنجاء قدر بثلاث، وتجوز الزيادة، وإذا لم يُنْقِ وجبت الزيادة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (متنالًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) المَائدة: ١.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٦٢٣ ]
فأما قولهم: إنها مدة قدرها الشرع بالثلاث؛ فممنوع، لا نسلم أن الشرع قدرها بثلاث، وخبر حبان قد سبق جوابه، ثمّ لِمَ إذا ذكر الثلاث على غالب الحال لا تجوز الزيادة؟ وقد رأينا أنه يجوز الزيادة في تقديره بالثلاث في الاستنجاء، والمصراة كما ذكرنا.
فأما الأصل، فهو تقدير شرعي، وهذا شرطي، فرجع إلى مشترطه، ولهذا لا يفتقر في الأصل إلى اشتراطه، ويفتقر في مسألتنا.
قولهم: الثلاث في حد القلة لا يجدي نفعًا، ولا يجلب معنى، وفي الشرع مقدرات [لمعان] (^١) كمدّة العنَّة، والإيلاء، والعدّة، وأعداد الصلوات، والشهادات، والعدد في الجمعة كل ذلك في موضعه قليل، فلا نعرف إلا أنه تعبد شرعي، فبطل هذا الاعتبار.
وأما مهلة المرتد، فتلك وضعت للارتياء فيما شواهده ظاهرة، ودلائله قاطعة باهرة، والشبهة العارضة لبيوع إهمال، أو معاندة، وأدواتها في حق الكل حاصلة، وهي العقل الذي يحصل به النظر والاستدلال، بخلاف مسألتنا؛ فإن الحظ فيها أو الضرر خفي.
وهذا جواب مدخول، والصحيح أن يقول: القياس يقتضي أن المرتد لا يمهل؛ لأن الرسول ﵇ قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (^٢)، فاقتضى القتل عقيبه من غير تأخير؛ ولأنه إقرار على الكفر لمن لا يجوز إقراره بحال، وإنما ابتناها على خلاف القياس لقصة عمر، وما لا يقتضيه القياس لا يقاس عليه، ولهذا لا يجوز النقصان منها بخلاف مسألتنا؛ فإنه يجوز النقصان من هذه المدة فجازت الزيادة.
/ فإن أعادوا كلامهم، وقالوا مثله في الخيار.
قلنا: قد سبق جوابه، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (لمعاني)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله ٤/ ٦١، ح ٣٠١٧ من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٦٢٤ ]