غبن المسترسل (^١) الذي يخرج عن العادة، ولا يتغابن الناس بمثله يثبت له خيار الفسخ (^٢)، نص عليها أحمد (^٣)، وهو مذهب مالك (^٤).
وحدَّ أبو بكر - من أصحابنا - الغبنَ بالثلث، قال: وقيل: السدس (^٥).
وقال القاضي أبو علي (^٦) في «الإرشاد»: بالثلث فما زاد (^٧).
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يثبت الخيار بذلك (^٨).
وحكى في «الإرشاد» عن أحمد مثل ذلك، قال: والأول أظهر عنه (^٩).
وقال داود، وأبو ثور: البيع باطل (^١٠).
_________________
(١) الجاهل بقيمة المبيع، ولا يحسن أن يماكس من بائع أو مشترٍ. [ينظر: المغني ٣/ ٤٩٨، الإنصاف ٤/ ٣٩٧].
(٢) ينظر: الهداية ١/ ١٣١، الإنصاف ٤/ ٣٩٦.
(٣) ينظر: الإنصاف ٤/ ٣٩٧.
(٤) ينظر: الإشراف ١/ ٢٥٠، الكافي ١/ ٧٣١، الذخيرة ٥/ ١١٢.
(٥) ينظر: المغني ٣/ ٤٩٨.
(٦) القاضي محمد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي، هو أحد الفقهاء الحنابلة، قال الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقةً، وكان يدرس ويفتي في جامع المدينة، وله تصانيف على مذهب أحمد بن حنبل. وكان عالي القدر سامي الذكر له القدم العالي والحظ الوافي عند الإمامين القادر بالله والقائم بأمر الله. مات سنة ٤٢٨ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢١٥، طبقات الحنابلة ٢/ ١٨٢].
(٧) ينظر: الإرشاد ص ١٩٧.
(٨) ينظر للحنفيّة: مجمع الأنهر ٢/ ٧٩، حاشية ابن عابدين ٥/ ١٤٢. وللشافعيّة: حلية العلماء ٤/ ٤٩، روضة الطالبين ٣/ ٤٧٠، مغني المحتاج ٢/ ٦٥.
(٩) ينظر: الإرشاد ص ١٩٧.
(١٠) ينظر: المحلى ٧/ ٣٥٩.
[ ٦٢٥ ]
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^١)، فمن الآية دليلان:
أحدهما: أن هذا أكل بالباطل؛ لأنه إذا استرسل إليه وهو لا يعرف فباعه ما يساوي درهمًا بحبة، فقد أخذ ماله بالباطل، وغشه وكده.
وقال ﵇: «من غشَّنا فليس منّا» (^٢).
والثاني: أنه ما رضي بهذه التجارة؛ لأنه إنما يتجر ليربح، فأما ليذهب ماله فلا.
فإن قيل: فقد قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٣)، وهذ بيع.
قلنا: نعم، يباح البيع ما كان المتبايعان رضيا به وعلماه، فأما مع الجهل وعدم الرضا إذا علم فليس بحلال، فله إبطاله.
فإن قيل: فيجب أن يقع باطلًا.
قلنا: لا يقع باطلًا لرضاه به، والأموال مما تستباح بالإباحة، فأما إذا سخط وبان أنه غره وخدعه، قلنا: لك إبطاله.
و- أيضًا - قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (^٤)، وهذا ضرر؛
_________________
(١) النِّساء: ٢٩.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ١/ ٩٩، ح ١٠١.
(٣) البَقَرَة: ٢٧٥.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٩٠، ح ٢٦٨ من حديث عائشة ﵂، والدارقطني، كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري، باب في المرأة تقتل إذا ارتدت ٥/ ٤٠٧، ح ٤٥٤٠ من حديث ابن عباس ﵄، وح ٤٥٤١ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال ابن رجب: أن بعض طُرقه تقوى ببعض، وقال - أيضًا ـ: قال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. [ينظر: جامع العلوم والحكم ٢/ ٢١٠].
[ ٦٢٦ ]
لأنه لا إضرار أكثر من الخداع في المال، والغبينة بما يخرج عن [المعتاد] (^١).
و- أيضًا - قوله ﵇: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (^٢)، والمغبون ماله لم تطب نفسه به؛ فيجب أن لا يكون الثمن حلالًا للبائع/ الغابنِ بظاهر الحديث.
فإن قيل: وفي الفسخ - أيضًا - ضرر.
قلنا: ضرر هذا بخروج مال من يده من غير بدله يقابله، فأما الفسخ فيرجع إلى كل منهم رأس ماله بعينه من غير نقصه، فأي ضرر فيه.
و- أيضًا - روى الدارقطني بإسناده عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «ما زاد التَّاجر على المسترسل فهو ربًا» (^٣)، ومعناه: حكمه في التحريم حكم الربا، فيجب رده.
فإن قيل: إذا كان حكمه حكم الربا؛ يجب أن يقع العقد باطلًا.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (المتعاد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه أحمد ٣٤/ ٢٩٩، ح ٢٠٦٩٥، وأبي يعلى ٣/ ١٤٠، ح ١٥٧٠، والدارقطني، كتاب البيوع ٣/ ٤٢٤، ح ٢٨٨٦، والبيهقي في الكبير، كتاب الغصب، باب من غصب لوحًا فأدخله في سفينة أو بنى عليه جدارًا ٦/ ١٦٦، ح ١١٥٤٥ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». قال البيهقي: ورُوِّينا في ذلك - أيضًا ـ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، وعن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، عن النبي ﷺ، وإذا ضم بعضه إلى بعض صار قويًا. قال ابن الملقن: عليٌّ هذا من رجال مسلم، ولقد لُيِّنَ، وأبو حرة الرقاشي اسمه: حنيفة، ضعَّفه أبو حاتم، وعمه لا يحضرني اسمه. وقال الهيثمي: أبو حرة وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين. وقال ابن حجر: فيه عليُّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف. [ينظر: معرفة السنن والآثار ٨/ ٣٠٦، والبدر المنير ٦/ ٦٩٦، ومجمع الزوائد ٤/ ١٧٢، التلخيص الحبير ٣/ ١١٣].
(٣) لم أقف عليه.
[ ٦٢٧ ]
قلنا: جعل الزيادة في حكم الربا على المسترسل، فإذا علم فلم يفسخ خرج عن كونه مسترسلًا فلم يكن في حقه ربا، فصح العقد.
والفقه في المسألة أن يقول: نقصان في أحد العوضين لم يرض العاقد، ولا جرت العادة بمثله، فأثبت له الخيار كالعيب، والتدليس، وهذا لأن العيب فيه، فقد جرى وصفه، وكذلك التدليس؛ لأنه أوهمه صفةً يريد به الثمن ولم تكن، وهذا بعينه في المسترسل؛ فإنه دلس عليه في سعر السوق، وأذهب من ماله أجرًا، فيجب أن يكون بالخيار أولى.
وهذه الطريقة ليست صحيحة؛ لأن للمخالف أن يقول بموجبه في الثمن المعني، فإنه يثبت الفسخ، وإنما يمنع الفسخ إذا كان الثمن في الذمة؛ لأنه متى أحضر ثمنًا ينقص عن الثمن الذي يقتضيه الإطلاق فليس ذلك هو الثمن، ويكون له المطالبة بما ينتظمه أوصاف الثمن، أو يذهب إليه الإطلاق من نقد البلد.
والعبارة السليمة أن يقول: ضرر بنقصان لا يعفى عنه في إطراد العادة غالبًا، فملك به الخيار بنقصان العين بالعيب، وهذا لأن البيع كما يقصد سلامة بعينه من العيوب يقصد سلامة ماليته من العيب، وما ثبت الخيار في المعيب إلا لدفع الإضرار/ بمالية المبتاع، ولذلك ما لا يضرّ بالمال كالرفة والرفتين في الثوب، والغلطة والغلطتين في الكتاب، ويسير العُقَد (^١)، والمُدر (^٢) في الصُّبرة [من] (^٣) الطعام، وإذا كان كذلك فالعيبة نقص في المالية، وإضرار بالمغبون، فصار كنقصان العين بالعيب.
فإن قيل: نقص العيب في المعقود عليه، ونقص العين ليس بنقص في المعقود عليه.
_________________
(١) العُقَد: عيب في الثياب؛ يوجد في القسيّ فيفسدها وتعاب بتلك العُقَد. [ينظر: لسان العرب ١٣/ ٣].
(٢) قال ابن فارس: «الميم، والدال، والراء، أصل صحيح، يدلُّ على طينٍ متحبِّب». [ينظر: مقاييس اللغة ٥/ ٣٠٥].
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٦٢٨ ]
قلنا: ليس كذلك؛ فإن الثمن معقود عليه، والنقص فيه يحمل على المشتري، كما يحصل بفوات الحر في المعيب.
فإن قيل: لو كان كالعيب لوجب أن يفسخ به إذا حدث بعد العقد، وقيل: القبض كالعيب إذا حدث.
قلنا: الغبن لا يقع طارئًا لازمًا، يطرأ من زيادة تسمى ربحًا للمشتري لاغيًا للبائع، وما يطرأ من نقيصة فهو حر أن لا يسمى عيبًا للمشتري، وإنما يكون الغبن بما يوجد حال المساومة التي ينعقد العقد عقيبها، فينسب ذلك إلى الخداع والغبية (^١)، ولا يُسلّم العيب الحادث قبل قبض المبيع، فإنّ تلف المبيع المتعيّن من ضمان المشتري، ثم لو سلمنا على رواية (^٢)؛ فإن العيب الحادث عيب، سواء كان قبل العقد أو بعده، ويفوت به التسليم المستحق بالعقد إذا وجد قبل القبض؛ لأنه وجب عليه تسليم [أجرةٍ] (^٣) معلومة تناولها العقد، فإذا فات بعضها فإن تسليم ذلك أنجز.
فأما الغبن في المبيع فلا يكون إلا حال العقد، فأما نقصان السعر بعد العقد يكون حرامًا، والغبن ما كان فعل الغابن، وانجرار ما وقع من تغير الأسواق برغبات الناس أو عدم رغباتهم فور (^٤) الغبن [و] (^٥) التدليس لا العيب الذي يتحدد بعد العقد، فإذا لم يوجد ذلك حال العقد، وتجدد لم يكن غبنًا، على أن هذا باطل بغير الوكل (^٦)، يثبت به حال العقد، ولا يثبت بما كان منه بعد/ العقد.
_________________
(١) قال ابن فارس: «الغين، والباء، والحرف المعتلّ، أصلٌ صحيح يدل على تستّر شيء حتى لا يُهتدَى له، من ذلك الغبْية». [ينظر: مقاييس اللغة ٤/ ٤١١].
(٢) ينظر: المغني ٤/ ٨٢، الإنصاف ٤/ ٣٨٩.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (أجرًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) بهذا المكان في الأصل حرف: (أن)، وحذفه هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٦) الوكل: الجبان البليد العاجز، الذي إذا نابه أمر لا ينهض فيه، بل يكله إلى غيره. [ينظر: المعجم الوسيط ٢/ ١٠٥٥، لسان العرب ١١/ ٧٣٤].
[ ٦٢٩ ]
فإن قيل: لو كان كالعيب لاستوى قليله وكثيره في إثبات الخيار كالعيب، ولأنه لو كان كالعيب لكان فعله [محرمًا] (^١) كالتدليس بالعيب محرم.
قلنا: لا فرق بينهما، فإنّا لا نُسلِّم أنَّ يسير العيب يفسخ به، ولهذا الصداع والحمى اليسير وفوات آيات في المصحف وأسطر في الكتاب لا يفسخ به، وعلته أن العادة جازمة بذلك فلم يعد عيبًا، كما أن الغبن اليسير جرت العادة به؛ فلم يعد غبنًا، بخلاف الكثير فيهما، ألا ترى في حق الوصي والوكيل والأب لو وجد الغبن اليسير لم يبطل البيع، ولو كان الغبن كثيرًا أبطل البيع، وأما كونه [محرمًا] (^٢) فكذا نقول، نص عليه أحمد (^٣).
طريقة أخرى: أنا نقول: هذا غبن يخرج عن العادة فأثبت الخيار، كغبن الركبان، وقد دل على الأصل خبر أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «لا تلقوا الركبان (^٤)، فمن تلقى فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق، إن شاء ردّ، وإن شاء أجاز» (^٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، وقد استظهرته من السياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (محرم)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) ينظر: الإنصاف ٤/ ٣٩٨، الفروع ٤/ ٩٦.
(٤) تلقِّي الرُّكبان: أهل المصْر كانوا إذا بلغهم ورود الأعراب بالسلع تلقوهم قبل أن يدخلوا المصر، فاشتروا منهم ولا علم للأعراب بسعر المصر، فيغبونهم، ثم أدخلوه المصر فباعوه وأغلوه. [ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٩٩، ١٩٨].
(٥) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب النهي للبائع ألا يحفل الإبل ٣/ ٧١، ح ٢١٥٠، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ٣/ ١١٥٥، ح ١٥١٥ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقَّوا الرُّكبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يجتلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر»، وأخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب تحريم تلقي الجلب ٣/ ١١٥٧، ح ١٥١٩ من حديث أبي هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار».
[ ٦٣٠ ]
فإن قيل: هذه الطريقة غير صحيحة؛ لأنكم جعلتم مسألة الخلاف علَّةً؛ لأن الحكم هو الغبن الخارج عن العادة، هل يثبت الفسخ؟ فإذا جعلت علة فأين الحكم، فإن قلتم: هو العلة والحكم، فالشيء لا يكون علَّةً في نفسه.
قلنا: بل الحكم إثبات للخيار، والعلة الغبن الخارج عن العادة؛ ولهذا لو قال الرسول ﵇: أثبت الخيار في هذه؛ لأنه غبن يخرج عن العادة، صحّ.
ولأن القياس إيضاح للمشابهة بين الأصل والفرع، فإذا كان مثل المسألة في صورتها قد ثبت به الخيار كان من حكمِ المسألة إثباتُ الخيار - أيضًا ـ.
فإن قيل: المعنى في الأصل أن البائع غير مفرِّط؛ لأنه لا يمكنه معرفة القيمة، وهذا مفرط فإنه كان يمكنه تعرف القيمة/ فلما ترك لزمه تفريطه.
قلنا: علة الأصل ممنوعة فإنه قد كان يمكنه أن ينفذ إلى السوق فيتعرف القيمة، أو يؤخر البيع، أو يشترط الخيار فلا فرق بينهما في التفريط، ثم تبطل علة الفرع بظهور العيب، فإنه يرد به وإن كان مفرطًا؛ لأنه كان يمكنه أن يختبر المبيع وينظر إلى جميعه ويستبرئ صحته فلم يفعل، وثبت له الفسخ، كذلك هاهنا.
طريقة أخرى: أن وضع أصول الشرع على حفظ أموال الناس عليهم ونفي الأسباب التي تخرجها عن أيديهم بغير رضاهم، ولهذا قال ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (^١)، ولهذا وضع خيار المجلس في البيع لينظر الإنسان هل غُبن أم لا، وأثبت للركبان الخيار لذلك، وجعل خيار المصراة، وأثبت في مقابله ما يختلب الإنسان الثمر، ووضع الجوائح وقال: «أرأيت إن أذهب الله بالثمرة،
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٦٣١ ]
فعلامَ يأكل أحدكم مال أخيه» (^١)، وقال لحبان: «قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا» (^٢) أي: لا خَديعة، ونهى عن النجش، وهو: أن يزيد من ليس بنيته الشراء؛ ليغر صاحبه.
وجميع هذا إذا تأمل المنصف مقصوده علم أنه وضع لنفي الغبن والخديعة، وأن لا يظلم الإنسان أخاه ليأكل ماله بغير رضاه، وهذا هو الذي أثبتنا لأجله الخيار في مسألتنا، بل في مسألتنا أولى؛ لأن المسترسل أمن صاحبه وألقى إليه مقاليده، ولم يحترز منه، فظلمه وغشه وحاف عليه بما لم تجر العادة به؛ فكان النظر لهذا المظلوم بإبطال عرض ظالمه أولى مما شرع وأمنع.
احتجوا:
بخبر حبان، وقول النبي ﵇ له لما ذكر له أنه كان يخدع في البيع: «قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا».
/ ولو كان الغبن يثبت خيارًا حكمًا لما أخرجه إلى شرط ولا قول، وما تعين قوله: «لا خِلابة»، مع كون الشرع قد أزال حكم الخلابة بما ثبت له من الفسخ بها، ألا ترى أن الخيار الثابت في المجلس عندكم وعند من وافقكم (^٣)، وخيار العيب عند الجماعة (^٤) لمّا ثبت شرعًا وحكمًا لم يحتج إلى قول ولا شرط.
_________________
(١) أخرجه النسائي، كتاب البيوع، باب وضع الجوائح ٧/ ٢٦٥، ح ٤٥٢٨ من طريق ابن جريج يحدث، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «من باع ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يأخذ من أخيه»، وأخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب فضل الغرس والزرع ٣/ ١١٩٠، ح ١٥٥٤ من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: قال رسول الله ﷺ: «لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟».
(٢) سبق تخريجه.
(٣) تقدّم توثيقة.
(٤) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٥/ ٢١٩، الجوهرة النيرة ١/ ١٩٧. وللمالكيّة: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ٥/ ٤٣٠، ٥٢٤. وللشافعيّة: الأم ٣/ ٣، المجموع ٩/ ١٣٩. وللحنابلة: الإنصاف ٤/ ٤٠٥، الفروع ٤/ ١٠٠.
[ ٦٣٢ ]
والفقه في المسألة لهم: أن هذا غبنٌ في عقد، فلم يوجب الفسخ، كالغبن في قدر الصداق إذا لم تعرف المرأة قدر صداقها فنقصت، أو لم يعرف الزوج وزاد في ذلك، والغبن اليسير في سائر العقود، أو نقول بأنه نقص لا يغبن المبيع ولا منافعه، ولا يملك به الخيار، كما لو كان يسيرًا لا يخرج عن العادة.
قالوا: ولأن خيار الغبن لو كان ثابتًا شرعًا لثبت من جنسه شرطًا، فلمَّا لم يثبت من جنسه شرطًا لم يثبت شرعًا، ألا ترى أن خيار الشهوة والمشية لما ثبت شرعًا وهو خيار المجلس، ثبت شرطًا وهو خيار الشرط، وكذلك الأجل لما ثبت شرعًا وهو الإنظار إلى حال اليسار في حق المعسر، ثبت في حق الأثمان والأعواض شرطًا.
وفقه آخر لهم، قالوا: البيع لما وضع للمغابنة لم يفسخ بها كالسبق والرمي، والدليل على ذلك أن الصحابة ﵃ قالوا: كنا نتمنى أن نبايع عبد الرحمن وعثمان حتى ننظر أيهما أشد جدًا في البيع، وساقوا حديث الفرس، وخرج عليه العيب، فإن البيع ما وضع لتغطية العيب وكتمه، ولا لتدليس؛ ولذلك قال: «من غشّنا فليس منا» (^١)، وفرح حيث استرخص له عروة البارقي (^٢) الشاتين بالناد (^٣)، وحيث باع واحدة منهما بالدينار، ودعا له بالبركة في صفقة يمينه، ولم يستفصله/ هل باع على مسترسل أو معروف [بالسوم] (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) عروة بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد البارقي، رُوي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة عشر حديثًا، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على قضاء الكوفة قبل شريح، دعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب لربح فيه، قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة بن الجعد سبعين فرسًا مربوطة للجهاد في سبيل الله. مات سنة ٧٣ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: أخبار القضاة ٢/ ١٨٧، تاريخ بغداد ١/ ٥٥٢، أسد الغابة ٤/ ٢٥].
(٣) الناد: مجمع الناس. [ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٢٩٨].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (السو)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٣٣ ]
ومن وجه آخر، وهو أنه ليس نقصان الثمن كنقصان الغبن بالعيب، ولهذا لو وجد بالمبيع عيبًا، ثم كان في سعره من الزيادة ورغبات أهل السوق في مثله ما يوفي على أضعاف ماليته عيبه، ويغطي على أمثال أرشه، يملك الفسخ ولم يجبر النقص في الغبن بالزيادة في السعر، كذلك لا يُفسخُ لنقصان السعر العقدُ على العين المبيعة مع سلامتها وصحتها.
يدل عليه: أنه لو كان الغبن يثبت الفسخ كما يثبت العيب، وكان نقصًا معتدًا به، لوجب أن يحرم السوم، ويكثر الثمن عند المساومة؛ لأنه توهم نفاسة المبيع وجودة جوهره وكثرة ماليته، كما حرّم تدليس العيب في صفقات الأسواق، فلما جاز أن يوسع القول في ثمنه حتى يستام فيما قيمته عشرون درهمًا؛ مائة درهم، بخلاف دعوى الصحة والسلامة وإيهام مكان العيب بضرب من التدليس، وتخمين الصُّبَر (^١) من الطعام، والتمر بالترويس (^٢)، عُلم أنه ليس بعيب ولا جارٍ مجرى العيب، وإذا كان كذلك لم يثبت الخيار.
يدل عليه: أن هذا يفضي إلى التسعير على الناس، وقد نهي عن التسعير، وقال - صلَّى الله عليه ـ: «إن الله هو المسعِّر» (^٣).
الجواب:
أما حديث حبان، فهو أصل لنا في هذا الباب، فإنه كان يغبن في البيع فقال ﵇: «قل: لا خِلابة»، أي: لا خديعة ولا غبن، وجعل له الخيار؛ فكان يفسخ لأجل ذلك من غير شرط، وقد تقدم ذكر ذلك.
_________________
(١) مفردها: (الصُّبْرةُ)، وهي الكومة من الطعام، يقال: اشترى الطعام صُبْرةً، يعني: جزافًا بلا كيل ولا وزن. [ينظر: المخصص لا سيده ٣/ ٤٣٣، المعجم الوسيط ١/ ٥٠٦].
(٢) الروس: العيب. [ينظر: لسان العرب ٦/ ١٠٣، تاج العروس ١٦/ ١٣٦].
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب من كره أن يسعر ٢/ ٧٤١، ح ٢٢٠٠، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في التسعير ٣/ ٢٧٢، ح ٣٤٥١، والترمذي، أبواب البيوع، باب ما جاء في التسعير ٣/ ٥٩٧، ح ١٣١٤ من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وحميد، وثابت، عن أنس بن مالك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن حجر: إسناده على شرط مسلم. [ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ٣٦].
[ ٦٣٤ ]
ثم لو سلّمنا لكم أنه أمَرَه بالاشتراط، ففي ذلك فوائد منها:
أنه يفيد قطع الخصومة في الغبن؛ هل كان/ موجودًا حالَ العقد أو حدث بعده.
الفائدة الثانية: أنه أراد بذلك أن يمتنع الناس من معاملته، فإن أهله شكوا غبنه، فنهاه النبي - صلَّى الله عليه - عن البيع فلم يصبر عنه، فأمره أن يقول ذلك؛ لعلمه أن التجار لا [يرغبون] (^١) في بيع الخيار؛ لأنه تلاعب بأمتعتهم.
الفائدة الثالثة: أنه يفسخ بشرط الخيار بالغبن اليسير التي جرت به العادة، وبتجدد الرغبة منه في الذي باعه وإن لم يكن قد غبن.
وهذه كلها فوائد لا توجد في الرد بمجرد الغبن.
جواب آخر: أن أكثر ما فيه أنه جعل له طريقًا، وإن كان له طريق آخر، وهذا غير ممتنع كما أثبت الخيار في المصراة، ومعلوم أن للمشتري طريقَ الفسخ بالتدليس، وأثبت خيار المجلس مع خيار الشرط مع خيار العيب.
وأما قولهم بأن هذا غبن في عقد.
قلنا: قد علّقتُم على العلّة ضد مقتضاها؛ فإنَّ من شأن الغبن أن يثبت الاستدراك، فأما الصداق فقد قال القاضي: لا نعرف الرواية، فيحتمل أن يقول فيه كمسألتنا، قال: وإن سلمنا، فإن الصداق غير مقصود في نفسه، وإنما المقصود من النكاح الألفة والوصلة وشرف البنوة وحصول الأهلية والاستمتاع والسكن، ولهذا تحمل المرأة معها من الجهاز أمثال الصداق، فيتبدله الزوج ويتلفه، بخلاف البيع فإنه بُنِيَ على المكايسة (^٢)
_________________
(١) ما بين العكوفين في الأصل: (يرغبوا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) المُكَايَسَةُ: هي المحاكرة والمضايقة في المساومة في البيع. [ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٣٥٠].
[ ٦٣٥ ]
والمشاحة (^١)، ومقصوده الربح بالحمل من بلد إلى بلد، وتقلب الأسواق، ولهذا لا يرد الصداق عندهم - وعلى وجه لنا - بالعيب اليسير، ويرد المبيع بذلك (^٢).
جواب آخر: أن الصداق ليس بركن في العقد، ولهذا لا يفسد العقد بفساده، ويجوز اشتراط نفسه في العقد بخلاف البيع.
وأما الغبن اليسير/ فإن البِيَاعات لا تنفكّ عنه في الغالب، ولهذا لا يفسخ به في حق الأب والوصي والوكيل وفي تلقي الركبان بخلاف الكثير.
وأما عبارتهم الأخرى، وقولهم: بأن هذا نقص لا يغبن المبيع ولا منافعه.
فهو - أيضًا - تعليقٌ على العلة ضد مقتضاها؛ لأن النقص يوجب المنع - على ما سبق ـ.
الثاني: أنه لم يغبن المبيع ذاتًا ووصفًا؛ فقد غيَّر ما هو مقصوده من المالية وحصول الكسب والغبطة والربح، وأبدله بالخسران الذي لأجله يبطل مع الوصي وأمين الحاكم، ويثبت به الرجوع على الوكيل عند قوم، وإبطال العقد رأسًا عند قوم من مخالفينا، ولأنه باطل بتلقي الركبان لا نقصان في المبيع عينًا وذاتًا، ثم أثبت الخيار لنقصانه قيمةً وسعرًا، وأما الأصل فقد سبق جوابه.
وأما قولهم: إن خيار الغبن لو كان ثابتًا شرعًا لثبت من جنسه شرطًا.
قلنا لهم: لمَ كان كذلك وليس هذا علة الأصل؟
الثاني: أنه قد ثبت من جنس هذا شرطًا وهو الغبن اليسير، فإنه لو قال: بعتك هذا بعشرة على أني إن كنت غبنتك فيه بدرهم فلك الخيار، ثبت له الخيار بالشرط، وإن لم يثبت الفسخ بالدرهم في هذه الصورة شرعًا،
_________________
(١) يقال: تشاحّا على الأمر، أي تنازعاه، ولا يريد كل واحد منهما أن يفوّته، وتشاح القوم عليه: شح به بعضهم على بعض، وتبادروا إليه حَذَرَ فوته. [ينظر: تاج العروس ٦/ ٥٠١].
(٢) ينظر: الإنصاف ٤/ ٣٩٨.
[ ٦٣٦ ]
على أن الأصل أن ثبوت الشيء حكمًا يغني عن إثباته شرطًا، والدليل عليه خيار العيب، ثبت شرعًا ولو شرط لم يفد الشرط، وكذلك خيار الرؤية عند أبي حنيفة يثبت شرعًا (^١)، ولا يثبت من جنسه شرطًا، وبعكس ذلك ما يثبت شرطًا، ولا يثبت من جنسه شرعًا، وعند الشافعي الأجل لا يثبت من جنسه شرعًا، فلا يمتنع في مسألتنا ثبوته شرعًا (^٢)، وإن لم يثبت من جنسه شرطًا.
فإن قيل:/ قد ثبت من جنسه شرطًا، وهو خيار فَقْد الصفة التي يشترطها المبتاع من كون العبد قارئًا، والأمة خبازة أو خياطة، فمتى عدمت الصفة ثبت الخيار.
قلنا: ليس ذلك من جنس خيار العيب، بل هو خيار قائم بنفسه ثبت شرطًا ولم يثبت شرعًا، وخيار العيب يثبت شرعًا فقط، والدليل على أنه جنس غير خيار الصفة: أن عدم الكتابة والقراءة وفَقْد الصياغة فَقْدٌ زائد على الخلقة، والعيب نقص يعود إلى أصل الخلقة، ونقصانٌ يرجع إلى ذات المبيع، وأنه يقبل الجبران؛ فخذوا منا مثله، وأن خيار الشرط في الأصل وضع مشروطًا لأجل الخلابة، وأثبت خيار الغبن شرطًا على أن هذا باطل بخيار الركبان وإن لم يثبت شرطًا على ما قررت.
وأما قول من قال منهم: إن البيع وضع للمغابنة.
قلنا له: البيع وضع لمغابنة معتادة معلومة، فأما الخارج عن العادة والمسمى خديعة وخلابة فلا، فقد استحال إلى غير المقصود وهو الإفراط، ولهذا يسمى من غبن هذا الغبن مخدوعًا، ومن غبنه سمي غابنًا وخادعًا وخالبًا، كما أنه يُعفى عن يسير العيب، ولا يثبت به خيار، ولا يمنع ذلك من ثبوت الخيار فيما لا يعفى عن مثله من العيوب، وبول الصغار في الفراش لا يعدّ عيبًا، وفي الكبار يعدّ عيبًا، أولا ترى أن القرض
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ١٩٤، العناية ٦/ ٣٣٥.
(٢) ينظر: المجموع ٩/ ٢٧٥، روضة الطالبين ٣/ ٣٧٥.
[ ٦٣٧ ]
وضع للارتفاق ثم إذا صار الارتفاق فيه خارجًا عن العادة صار ربا؟! وعفي عن الزيادة اليسيرة في الخبز والعجين حتى قال الرسول ﵇ لعائشة وقد سألته عن ردّ الأقل والأكثر: «ذلك من مرافق الناس» (^١)، وقال لحبان: «قل: لا خِلابة»، ونهى عن تلقي الركبان/ وإن كان لأجل الغبن، فعلم أن الغبن الذي وضع له البيع هو الذي يتعافاه الناس، ويتغاضون عنه؛ ولهذا ما خرج عن الغبن في العادة يمنع الرشد، ويوجب السفه، ويوجب الرجوع على النائب وأمين الحاكم.
أما من بلغ من التجارة مبلغها فهو يدخل على بصيرة من المخابأة أو غرض في عين المبيع لا في قيمته، لا يبذل في الفرس أربعين ألفًا وهي عانية، ونحن لا نمنع المخابأة كما إذا علم بالعيب وبذل الثمن الوافي.
وأما تعلقهم بالزيادة بالسعر، فإنها لا تغطي على العيب بمثله في الأجزاء، فإنه لو اشترى معيبًا وفيه من زيادة الأجزاء والأوصاف والحسن والجمال ما يغطي على لمعة برص أو قطع أنملة، كملاحة في العينين والتخاطيط، ودعابة، ورشاقة، وحسن خلق، وثقة، وأمانة، وحسن نعمة،
_________________
(١) أخرجه أبو طاهر السِّلَفي في الطُّيوريات ٣/ ١١٧١، ح ١٠٩٦ من طريق الزبير بن بكار، حدثتنا أم كلثوم ابنة عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، عن صفية بنت الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الخبز والخمير يقترضهن الجيران فيردوا أكثر وأقل، قال: «ليس بها بأس، إنما هي مرافق بين الناس لا يراد فيها الفضل»، وأخرجه ابن الجوزي في التحقيق، كتاب الصلاة، مسألة ويجوز قرض الخبز، وهل يجوز بالعدد أو يكون بالوزن ٢/ ١٩٤، ح ١٥٠٢ من طريق الزبير بن بكار، قال حدثتني أم كلثوم بنت عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير قالت: حدثتني صفية بنت الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الخميرة والخبز نقرضه الجيران، فيردون أكثر أو أقل فقال: «ليس بذلك بأس إنما هو أمر موافق بين الجيران، وليس يراد به الفضل». قال ابن عبد الهادي: هذا الحديث غير مخرّج في شيء من الكتب السِّتَّة، وفي إسناده من تجهل حاله. [ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٤/ ١٠٦].
[ ٦٣٨ ]
وزيادات تساوي في نفسها أضعاف ما تنقصه لمعة برص في مكان خفي من البدن وتُوْفي؛ لكونها محاسن ظاهرة على لمعة برص باطنة، لم يسقط خياره، ولم يدل ذلك على أن نقصان الصفات لا يثبت خيارًا.
وأما تعلقهم بالسوم (^١) وتكثير الثمن عند المساومة (^٢).
قلنا: أما إكثار الأثمان ومدح السلع بما ليس فيها في حق المسترسلين والجهال لا يجوز، كما لا يجوز الغش والتدليس فهما سواء.
على أنا لو سلمنا أنه لا يحرم فله وجه، وهو أنه لم يحرم قوله: لا أبيعه إلا بكذا، ولا آخذ إلا كذا، فله ذلك كما أنه إذا قال: أبيع هذا العبد الأسود الزنجي القوي الحماسي القادر على الكد والخدمة، ويوري عن ذكر [منافيه] (^٣) من برص أو جذام وما شاكل ذلك لا يُعْلِمه، ولا يتعرض للبحث عنه، بل يستام في بيعه على مطاويه، فإنه لا يحرم، وإنما الذي/ يحرم أن يقول: وقيمته كذا وكذا، أو أنه يساوي كذا وكذا، والمشتري مسترسل، فهذا حرام، كما إذا قال: بعتك هذا العبد السليم الصحيح، أو أطلق مع علمه بعيوب فيه لم يكشفها، فهذا هو الكذب والتدليس المحظور، وهو آكد من التدليس بالفعل؛ لأن من قال في الشاة: بعتك هذه وحلابها كل يوم كذا، كان آكد من تصرية لبنها؛ لأنه إيهام أنه حلابها المعتاد، والتصريح بالكذب آكد من إيهام الكذب، وكذلك من سوّد الشعر كأنه يقول: هي شابة، ومن قال: هي شابة، فقد صرح بالكذب، وتصريح الكذب آكد.
وأما قولهم: إن هذا يفضي إلى التسعير، وهو منهي عنه.
_________________
(١) السَّوْمُ: عَرْضُ السِّلعة على البَيْعِ، يقال: سُمْتُ فلانًا سلعتي سومًا: إذا قلت: أتأخذها بكذا من الثمن. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٧٥].
(٢) المساومة: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها. [ينظر: لسان العرب ١٢/ ٣١٠].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (مناقبه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٣٩ ]
قلنا: إن [المنهي] (^١) عنه هو التسعير العام، فأما الخاص فلا؛ بدليل الركبان، ولو كان عامًا خصصناه بما سبق من أدلتنا، ولأن التسعير المنهي عنه هو ما يضعه السلطان، فأما ما وضعه الشرع لدفع الإضرار بالغير فلا، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (النهي)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٤٠ ]