يجوز التصرف في المبيع المتعين قبل قبضه، كالثوب والعبد والدار، هذا مذهبنا في إحدى الروايات (^١)، وهي مذهب عثمان ﵁، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن والحكم، وحماد، والأوزاعي، وإسحاق (^٢).
والثانية: لا يجوز (^٣)، وهي قول الشافعي (^٤).
والثالثة: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب (^٥)، وبه قال مالك إلا أنه لم يشرط ما يكال ويوزن (^٦).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في العقار وعوض الخلع والصداق (^٧).
الأوّلة/:
قوله - تعالى ـ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٨).
وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٩).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١٠)، ولم يشرط القبض في جواز ذلك.
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٢٦، الإنصاف ٤/ ٤٦١، شرح الزركشي ٣/ ٥٣٣، المبدع ٤/ ١١٩.
(٢) ينظر: المغني ٤/ ٨٢، التمهيد ١٣/ ٣٣٠.
(٣) تنظر المراجع السابقة للحنابلة.
(٤) ينظر: المجموع ٩/ ٢٦٤، حلية العلماء ٤/ ٧٧.
(٥) تنظر المراجع السابقة للحنابلة.
(٦) ينظر: الكافي ٢/ ٦٦٢، الذخيرة ٥/ ١٤٤، التاج والإكليل ٤/ ٤٨٢، الشرح الصغير ٤/ ٢٧٠.
(٧) ينظر: المبسوط ٢٠/ ١٦١، بدائع الصنائع ٥/ ١٨١، فتح القدير ٦/ ٥١٠.
(٨) البَقَرَة: ٢٧٥.
(٩) النِّساء: ٢٩.
(١٠) المَائدة: ١.
[ ٦٤١ ]
و- أيضًا - ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه» (^١)، فدلّ على أنه إذا اشتراه صبرة جاز بيعه قبل قبضه.
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله» (^٢)، فخص الطعام ولو كان غيره مثله لم يكن لتخصيصه معنى.
فإن قيل: هذا من دليل الخطاب، وإن سلمنا أنه حجة فإنما يكون إذا علّق على صفة لا على اسم، وهاهنا علق على اسم.
قلنا: لا فرق بين تعليقه على اسم أو على صفة؛ لأن الاسم وضع لتمييز المسمى عن غيره كالصفة، فجاز تعليق الحكم على كل واحد منهما؛ ولأن اللفظ أمارة المراد، فإذا عم اللفظ عم المراد، وإذا خص اللفظ خص المراد، وقد خصه في مسألتنا بطعام مكيل فلو أراد العموم لقال: من ابتاع شيئًا [فلا يبعه] (^٣) حتى يقبضه.
فإن قيل: فذكر الطعام تنبيه على غيره؛ لأن الحاجة إليه أدعى، فإذا لم يجز فيه التصرف قبل القبض مع الحاجة فأولى أن لا يجوز غيره.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١٠/ ١٣٩، ح ٥٩٠٠ قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ: «من اشترى طعامًا بكيل أو وزن، فلا يبيعه حتى يقبضه». والإسناد فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير إسحاق بن عيسى من رجال مسلم. والحديث عند مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل قبضه ٣/ ١١٦٠، ح ١٥٢٦ عن ابن عمر ﵁، أن رسول ﷺ قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه».
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الطعام قبل أن يستوفي ٣/ ٢٨١، ح ٣٤٩٦، والحديث عند مسلم، كتاب الطلاق، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض ٣/ ١١٦٠، ح ١٥٢٥ من طريق وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من ابتاعَ طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله».
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: «فل ليبعه»، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٤٢ ]
قلنا: إنما يكون تنبيها لو علَّقه على الطعام، فأما وقد قال: «بكيلٍ معلوم، ووزن معلوم»، دلّ على أن مراده غير الطعام، وإنما المراد المكيل والموزون لا يباع حتى يميز بالكيل والوزن، ثم لو صح هذا لما ذكرتم لوجب أن يكون قوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا/ الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثلٍ» (^١)، فيه تنبيه على أن غيره من الموزونات أولى أن لا يجوز إلا مثلا بمثل؛ لأنه إذا كان مما تدعو الحاجة إليه - وهو الثمن - قد حجر فيه عن الزيادة، فغيره أولى ولم تقولوا ذلك.
والفقه في المسألة: أن المطلق للتصرف هو الملك، وكون المتصرف من أهل التصرف، ولهذا دفع عن التصرف في ملك الغير لعدم الملك، وفي حق السفيه والصبي والمجنون لعدم الأهلية، والملك في مسألتنا قد حصل بالعقد، وأهلية التصرف موجودة فلا مانع من التصرف.
فإن قيل: فيجب أن تجيز التصرف فيما ليس [بمعيّن] (^٢) لما ذكرتم.
قلنا: ملك التصرف فيه حاصل إلا أنه لا يمكن إيقاعه لاختلاطه بملك البائع، فإن باعه أو وهبه لم يمكنه تسليمه؛ لأنه غير متميز، وإن أراد تناوله لا يمكنه إلا بتناول ملك البائع معه، فلو كاله البائع عليه أو وزنه جاز له التصرف فيه في الحال، وقد بينا أن التصرف يعتمد الملك حتى يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه، ولا يلزم عليه غير مسألة امتنع التصرف فيها لعلة معقولة، ألا ترى أن المغصوب والآبق والجمل الشارد لا يصح تصرف الملك فيهم مع مِلكه للتَّصرف؛ لكونه لا يمكنه التسليم ولا التناول، ولهذا لو تصرفوا في هذه المواضع بما لا يقتضي التسليم كالعتق والإتلاف والبيع من المتغلب الذي حصل بيده، جاز.
فإن قيل: فما تنكرون أن نقول في مسألتنا بملك التصرف، ولكن لا يصح لعدم القبض.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (بمعني)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٤٣ ]
قلنا: وأي معنى أفاد القبض إلا الإحازة/ من ملك البائع وقطع العلق عنه ولم يمنع المشتري منه.
فإن قيل: فيه معنى أوفى من هذا، وهو أن بالقبض يصير من ضمان المشتري، ويؤمن انفساخ العقد لو هلك المبيع، وهذا لا يجوز في التعيين.
قلنا: لا نسلم فإن بالتعيين ينتقل الضمان إلى المشتري، ولو تلف لم ينفسخ العقد، وكان من ضمان المشتري كالمقبوض سواء.
فإن قيل: فيجب أن يقوم التعيين في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مقام القبض في جواز التصرف وفي التضمين.
قلنا: القياس يقتضي ذلك، لكن تركناه لقول الرسول ﵇: «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء» (^١) في خبر عمر، رواه أبو داود، فلم يصح البيع إلا بقبضه، ولهذا لو تفرقا فيه قبل القبض بطل العقد، وفي البيع لو تفرقا قبل القبض لم يبطل، دل على افتراقهما، وعلى أنه يجوز له التصرف فيما إذا تميزت بأن يشتري بعينها فرسًا أو ثوبًا، ويأمر البائع بقبضها في مجلس التصرف، ولو أتلفها كان متلفًا لماله، ولم يكن لأحد تغريمه، وقد دل على ذلك قول ابن عمر ﵁: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة مجتمعًا فهو من مال المشتري» (^٢)، وأراد سنة الرسول ﵇.
ويدل على ما ذكرنا أنا نقول: إن المعقود عليه إذا كان مميزًا جاز التصرف فيه، وكان من مال متملكه بالعقد وإن لم يقبضه، أصله البضع وسائر الأصول التي سلّموها، وبيان هذا أن المرأة لو ماتت قبل أن يراها الزوج
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في الصرف ٣/ ٢٤٨، ح ٣٣٤٨، والحديث عند مسلم، كتاب الطلاق، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا ٣/ ١٢٠٩، ح ١٥٨٦.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى متاعًا أو دابةً، فوضعه عند البائع أو مات قبل أن يقبض ٣/ ٦٩ بلفظ: «وقال ابن عمر ﵄: ما أدركت الصفقة حيًا مجموعًا فهو من المبتاع».
[ ٦٤٤ ]
ضمن جميعَ مهرها، وكذلك لو أراد طلاقها ومخالعتها قبل أن يراها جاز كما يجوز بعد أن يقبضها وتحصل في بيته/ وتحت يده.
فإن قيل: الموت هناك كالاستيفاء، والتصرف بالطلاق والخلع رفع للعقد وذلك جائز قبل القبض كالإقالة في البيع.
قلنا: لم كان التلف ولم يقبض كالاستيفاء، إلا أن البضع معين في ملكه فتلف على ملكه، وقولك: الخلع رفع للعقد، لا نسلم، ولهذا تقع به طلقة، ويستقر به تحريم أمها وبنتها، ويجوز بزيادة من الصداق ونقصان، ولو كانت كالإقالة لم يجز ذلك.
على أن نقول: ولم جازت الإقالة في البيع قبل القبض إلا بما ذكرنا من أن التصرف قبل القبض جائز في جميع الأشياء إلا ما يمنع منه علة كالذي ذكرنا، والبائع لما كانت المقابلة معه لم يكن فرقًا بين المشاع في ملكه و[المتميز] (^١)؛ لأنه تعلق لغيره به، ولهذا نجيز ذلك، وإن قلنا: الإقالة بيع مبتدأ.
طريقة أخرى: أنه تصرف في المشترى المتعين، فجاز قبل قبضه، دليله تصرفه بالعتق لو كان المُشْتَرى عبدًا، وتصرفه بالوصية فيه، والخلع عليه، والرهن له.
طريقة أخرى تخص أبا حنيفة: بأنه عِوض معين؛ فجاز [التصرف] (^٢) فيه قبل قبضه (^٣)، دليله العقار والصداق وعوض الخلع.
فإن قيل: إنما جاز هناك؛ لأنه فداء من انفساخ العقد بتلفه، فإن النكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، وكذلك الخلع بتلف عوضه، وكذلك الأرض لا يتصور تلفها، وهاهنا لا يؤمن عليه التلف في يد البائع الأول فينفسخ العقد، ويصير المشتري بائعًا ما لا يملك، وأنه غرر يمكن التحرز عنه فيجب تنزيه العقد عنه؛ لنهيه ﵇ عن الغرر.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (التميز)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصرف)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ينظر: المبسوط ١٣/ ٩، ١٠، بدائع الصنائع ٥/ ١٨١.
[ ٦٤٥ ]
قلنا: لا فرق بينهما، فإن عندنا قد أمن انفساخ العقد، ولو تلف كان من مال مشتريه، ويبطل إذا باعه حجارة/ البزر وزبر (^١) الحديد، فإنه قد أمن تلفها في الغالب فلا يصح عندهم.
وقولهم: هاهنا لا يؤمن التلف.
لا اعتبار به، فإنه لا يؤمن التلف - أيضًا - إذا باعه ما ورثه عن أبيه، وإذا باعه العين الغائبة في بيته وبلده، ومع هذا فإنه يصح، والغرر موجود فسقط عذرهم.
احتجوا:
بما روي عنه ﵇ أنه كتب إلى (^٢) عتاب بن أسيد (^٣): «انْهَهُمْ عن بيع ما لم يَقْبِضُوا، وربح ما لم يضمنوا» (^٤)، وهذا على عمومه.
وبما روي عنه ﵇ أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وروى ابن عمر
_________________
(١) الزُّبرة: القِطْعة من الحديد، والجمع زُبَرٌ، قال الله - تعالى ـ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قِطَعَ الحديد. [ينظر: تاج اللغة ٢/ ٦٦٦، الكليات ص ٤٩٢].
(٢) بهذا المكان في الأصل: (ابن)، وحذفها هو الصحيح نقلًا من مصادر التخريج.
(٣) عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنى أبا عبد الرحمن، ولاه رسول الله ﷺ مكَّة حين انصرف عنها يوم الفتح، مات سنة ١٣ هـ وكانت وفاته في نفس اليوم الذي توفي فيه الصديق ﵁. [ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٧/ ٥٤، مشاهير علماء الأمصار ص ٥٦، الاستيعاب ٣/ ١٠٢٣].
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط، باب الميم، من اسمه مقدام ٩/ ٢١، ح ٩٠٠٧، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع مالم يقبض وإن كان غير طعام ٥/ ٥١١، ح ١٠٦٨٢ من طريق المقدام، ثنا يحيى بن بكير، ثنا يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال لعتاب بن أسيد: «إني قد بعثتك على أهل الله أهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبضوا، وعن ربح ما لم يضمنوا، وعن شرطين في شرط، وعن بيع وقرض، وعن بيع وسلف»، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن صالح، ولا عن عطاء إلا إسماعيل، تفرد به يحيى بن بكير، وقال البيهقي: تفرد به يحيى بن صالح الأيلي، وهو منكر بهذا الإسناد.
[ ٦٤٦ ]
أنه قال: «ابتعت زيتًا، فجاءني فيه ربح، فأردت أن أصفق على يدي المشتري فإذا جاذب يجذبني، فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تفعل؛ إن رسول الله - صلَّى الله عليه - نهى عن بيع الأمتعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى [رحالهم] (^١)» (^٢).
والفقه فيه: أنه مبيع، فكان قبضه شرطًا لصحة بيعه، أصله المسلم فيه والدراهم والدنانير والصرف وما ليس بمعين.
قالوا: وهذا لأن اليد [شرطٌ] (^٣) في صحة البيع، ألا ترى أنه لا يجوز بيع الآبق والجمل الشارد لزوال يده عنه حسًا.
الجواب:
أما خبر ابن عمر فمُطّرح؛ لأن بالاتفاق يجوز بيع الأمتعة حيث تبتاع إذا قبضها التجار، فدل أنه أراد النهي عن بيعها مختلطة بمال البائع حتى تحاز بالكيل والوزن.
وخبر عتاب مخصوص بالاتفاق، فإنّ الشافعي قد جوز بيع الدين الحال بالعرض، وكذلك أرش الجناية، وكذلك جوّز بيع العوض [في] (^٤) المردود بالعيب، أو الذي انفسخ العقد فيه بسبب قبل أن يعود إلى اليد، وجوّز التصرف في الصداق، وفي بدل الخلع، والصلح/ عن دم العمد،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (رحاله)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الطعام قبل أن يستوفي ٣/ ٢٨٢، ح ٣٤٩٩ من طريق أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن ابن عمر، قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبْتُه لنفسي، لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت، فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسولَ الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاعُ، حتى يحوزَها التجار إلى رحالهم. قال ابن عبد الهادي: الحديث إسناده جيّد. [ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٥٦].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (شرطًا)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) ما بين المعكوفين ليس موجودًا في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٦٤٧ ]
وبيع المبيع من البائع (^١)، وإبدال الثمن قبل القبض في جميع ذلك (^٢)، فثبت أن المراد بالخبر أنه نهى عن بيع ما لم يقبض ما كان غير متميز عن ملك البائع، ولا متعين بنفسه، وكذلك أجاز أبو حنيفة بيع العقار قبل قبضه، والتصرف في الصداق وعوض الخلع قبل قبضهما (^٣)، فلا تعلق لهما بالعموم.
وأما قولهم بأنه مبيع.
فنقول: وإذا كان مبيعًا لا يجوز بيعه، وليست العلة في الأصل ما ذكرتم.
الثاني: أنه لا تأثير للمبيع فإنه لو كان موهوبًا لم يجز بيعه قبل قبضه، وعلى أن العبرة لإطلاق التصرف هو التملك لا البيع.
وأما السَّلَمُ، فإن المنع من التصرف في المُسَلم فيه عدمه، وهذا لأن السَّلَمَ بيع معدوم، والقياس أن لا يجوز إلا أن الشرع جوزه لعذر الحاجة، وهذا كان رخصة، والعذر في العقد الأول بمنزلة [تجعل] (^٤) المسلم فيه العقد الأول بمنزلة الوجود حتى صلح السلم، ولا عذر في العقد الثاني؛ لأنه لا حاجة إليه؛ فيبقى على العدم في حقه، فلم يجز لهذا، ولأن الشرع قطع التصرف فيه بقوله: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (^٥)، بخلاف مسألتنا.
_________________
(١) يقصد المصنِّف بيع العينة، وهو يجوز عند الشافعيّة.
(٢) ينظر ما سبق من الفروع: الحاوي الكبير ١٢/ ٢٠٨، ٢٠٩، المجموع ٩/ ٢٤٨، ١٣/ ١٥٦، الوسيط ٥/ ٢١٩، نهاية المطلب ٥/ ١٩٣، فتح العزيز ٨/ ٤٢٥، روضة الطالبين ٣/ ٤١٦.
(٣) ينظر: المبسوط ١٣/ ٩، ١٠، بدائع الصنائع ٥/ ١٨١.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (فجعل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) أخرجه الدارقطني، كتاب البيوع ٣/ ٤٦٤، ح ٢٩٧٧ من طريق أبو بدر شجاع بن الوليد، نا زياد بن خيثمة، عن سعد الطائي، عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره»، وأخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ٢/ ٧٦٦، ح ٢٢٨٣، وأبو داود، كتاب البيوع، باب السلف لا يحول ٣/ ٢٧٦، ح ٣٤٦٨ من طريق أبو بدر شجاع بن الوليد، نا زياد بن خيثمة، عن سعد الطائي، عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري، ولفظ ابن ماجه: «إذا أسلمت في شيء، فلا تصرفه إلى غيره»، ولفظ أبي داود: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وقال الترمذي: هذا حديث شجاع بن الوليد لا أعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وهو حديث حسن، وقال ابن عبد الهادي: عطيَّة هو: العوفي، وقد ضعفه أحمد وغيره، والترمذيُّ يحسِّن حديثَه، وقال الذهبي: عطية ضعيف. [ينظر: العلل الكبير ص ١٩٥، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٤/ ١١٤، تنقيح التحقيق للذهبي ٢/ ١٠٥].
[ ٦٤٨ ]
وأما رأس مال الصرف، فقد تقدم جوابه، وكذلك ما ليس بمعين، ثم ما ليس بمعين لا يحل له تناوله، فلو اشترى قفيزًا (^١) من صبرة (^٢) لم يكن له أن يتناول من الصبرة ذلك، ولو اشترى قفيزًا مفردًا جاز له أن يتناول منه ويأكل، وكذلك لو كان المشترى جارية جاز له وطئها قبل القبض، فكذلك يجوز له أن يبيع، ثم لا اعتبار بالقبض فإنه لو اشترى كر (^٣) حنطة وقبضه من غير كيل لم/ يجز له التصرف فيه، وقد وجد القبض فدلّ على أن المقصود هو تعيينه وإفراده لا قبضه.
وأما دعواهم اشتراط اليد في صحة البيع، فتبطل بالأصول التي ذكرناها، فإنه لا يد، ويجوز البيع، والعبد الآبق والجمل الشارد ليس العلة في منع بيعهما امتناع يده الحسية عنه، وإنما تعذر تسليمه، ولهذا لو باعه ممن يقدر على أخذه جاز، ولهذا لو تصرف فيه بالعتق والنذر صح، ولأن النذر يراد ليقدر على التمييز والتسليم، فإذا كان معينًا والشرع قد حرم منعه من التسليم تسلم شرعًا وتصرف ملكًا، فصح، والله أعلم.
والمعتمد لنا في المسألة أن نقول: المطلق مطلق للتصرف حقيقة وحكمًا؛ أما الحكم فبدليل العتق والنكاح فإنهما جائزان قبل القبض، وأما الحقيقة
_________________
(١) القَفيز: مكيال يُكال به. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٢٠].
(٢) الصُّبْرَةُ: الكومة المجموعة من الطعام سُمِّيت صبْرة؛ لإفراغ بعضها على بعضٍ، تقول: اشتريت الشيء صبرة، أي بلا وزنٍ ولا كيل. [ينظر: الصحاح تاج اللغة ٢/ ٧٠٧].
(٣) الكُرُّ: مكيال لأهل العراق، وجمعه أكرار، قال الأزهري (الكر) ستون قَفِيزًا، والقفيز ثَمانية مكاكيك، والمكّوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات، قال: وهو من هذا الحساب اثنا عشر وسقًا، وكل وسق ستون صاعًا. [ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ص ٤٠٥، لسان العرب ٥/ ١٣٧].
[ ٦٤٩ ]
فإن البيع إثبات الملك، وإثبات الملك لا يستدعي غير أهليّة الإثبات من المثبت، ووجود محل الإثبات، وقد وجد في مسألتنا كلاهما.
واعتمادهم في المسألة: على أن اليد [ركن] (^١) في بيع الأعيان، فإذا لم توجد لا حقيقة ولا حكمًا لم يجز.
قالوا: والدليل على أن اليد ركن، أنّ البيع تصرف في محلّ، فلا بدّ من التمكُّن من المحل ليتصرف فيه، والتمكن باليد، مع عدم التمكن لا يتصور تصرفًا، فإذا فاتت اليد في مسألتنا فات التمكن، وإذا فات التمكن بطل التصرف، وحرفهم أن التصرف في المحل من غير مكنة له في المحل محالٌ غير معقول.
ونحن نقول: المطلق للتصرف هو الملك على ما سبق، والدليل على أن اليد غير مشروطة في التصرف مسائل منها التصرف في الدين؛ فإنه جائز ولا يد فيه، وهذه المسألة معتمدة، ومنها التصرفات/ في الأثمان والمهور جائز قبل القبض، وكذلك الموروث والموصى به والمغصوب والمقبوض على وجه السوم وأمثال هذا.
وأما تعلقهم بالتمكن.
قلنا: قد تمكن شرعًا بالملك من المحل، ولا يطلب تمكن سواه؛ ولأن التمكن باليد إنما يعتبر ليمكنه التسليم إلى المشتري، وفي مسألتنا قد تمكن من التسليم إلى المشتري؛ لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع، وهو أن يكون المشتري متمكنًا من قبضه من البائع وتسليمه إلى المشتري.
ومنهم من ادعى النقصان في الملك، وهو ليس بصحيح؛ لأن اليد ثمرة، وبفوات الثمرة لا ينقص الأصل كفوات الثمار من الأشجار لا يوجب نقصان الأشجار.
يُبيّنه أن العقد بالإيجاب والقبول، وقد تم هذا بين المتعاقدين ولزم، ولا يعرف التمام إلا بوجود موجبه ولزومه، فمن ادعى أن العقد مع هذا لا يتم فعليه الدليل، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (يكن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٥٠ ]