لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرًا، وإذا باع على ذلك لم يصح البيع (^١)، نص عليه أحمد (^٢).
خلافًا لأكثرهم يصح البيع (^٣).
لنا:
أن الرسول ﵇ لعن في الخمر عشرة، وذكر عاصرها (^٤)، ومعلوم أن العاصر إنما تصرَّفَ في العنب بالعصر، والعنب مال مباح التصرف فيه، والعصير مال مباح شربه وجميع التصرفات فيه، لكن لما كان تصرفًا على وجه السياقة إلى الخمر المحرّم استعماله نها عنه، وشدد فيه باللعن، والنهي فيه عندنا يدل على التحريم والفساد (^٥).
و- أيضًا - ما روى [الشيخ] (^٦) أبو عبد الله العكبري من أصحابنا
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ١٣١، متن الخرقي ص ٦٨، شرح الزركشي ٣/ ٦٥٤، الإنصاف ٤/ ٣٢٧، الفروع ٤/ ٤٢.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي الفضل ص ١٥٧.
(٣) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٢٤/ ٢٦، الجوهرة النيرة ٢/ ٢٨٧. وللمالكيّة: الكافي ٢/ ٦٧٧، مواهب الجليل ٤/ ٢٥٣. وللشافعيّة: المجموع ٩/ ٣٥٣، روضة الطالبين ٣/ ٤١٦.
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه ٢/ ١١٢٢، ح ٣٣٨١، والترمذي، أبواب البيوع، باب النهي أن يتخذ الخمر خلًا ٣/ ٥٨١، ح ١٢٩٥ من طريق أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، عن النبي ﷺ، قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه. [ينظر: مسند البزار ١٤/ ٦٣].
(٥) ينظر: العدّة ٢/ ٤٣٢، روضة الناظر ٢/ ٦٥٢.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (الخ)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٦١ ]
بإسناده عن عبد الله بن بريدة (^١)، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه ـ: «من حَبَسَ العنب أيام القِطاف حتى يبيعَه من يهودي أو نصراني أو ممن يتَخذُه خمرًا فقد تقحّم النار بصيرة» (^٢)، وهذا وعيد يقتضي التحريم؛ فاقتضى الفساد.
والفقه فيه: أنه عقد على عين تستعمل في معصية، فأشبه إذا عقد على العبد اللواط والجارية للزنا.
أو نقول: عقد على معصية فلم يصح، كما لو أجّر الجارية للغناء، أو باع السلاح في الفتنة.
فإن قيل: العصر والعنب ليسا بصالحين للمعصية، وإنما نوى أن يجعلهما آلة لذلك، بخلاف الزنا في الأمة، واللواط في الغلام؛ لأنهما مهيئان لذلك.
قلنا: هو [مهيأ] (^٣) لجعله آلة للمعصية، ولأن السفر يقطع الطريق
_________________
(١) عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي الحافظ، الإمام، شيخ مروٍ وقاضيها، أبو سهل الأسلمي، المروزي، كان من أوعية العلم، حدَّث عنه: ابناه؛ صخر وسهل، ومطر الوراق، ومحارب بن دثار، والشعبي، وقتادة، وغيرهم. مات سنة ١١٥ هـ. [ينظر: الثقات لابن حبان ٥/ ١٦، سير أعلام النبلاء ٥/ ٥٠].
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٥/ ٢٩٤، ح ٥٣٥٦ من طريق أحمد بن منصور المروزي قال: نا عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرًا فقد تقحّم النار على بصيرة»، قال ابن حبان: هذا حديث لا أصل له عن حسين بن واقد، وما رواه ثقة والحسن بن مسلم هذا راويه يجب أن يعدل به عن سنن العدول إلى المجروحين برواية هذا الخبر المنكر، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بريدة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أحمد بن منصور المروزي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الكريم بن عبد الكريم؛ قال أبو حاتم: حديثه يدل على الكذب. [ينظر: المجروحين لابن حبان ١/ ٢٣٦، مجمع الزوائد ٤/ ٩٠].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (منهي)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٦٢ ]
ليس فيه أكثر من النية ومع ذلك/ منع من الترخص، وانتحى السفر حتى صار الشخص كأنه مقيم غير مسافر عندنا (^١) وعند الشافعي (^٢).
فإن قيل: عقد الإجارة على الزنا واللواط عقد على نفس المعصية، فوِزَانه الاستئجار على عمل في الخمر مثل الإسقاء والتصفية والترويق وغير ذلك، فأما العقد على العنب فوزانه العقد على رقبة العبد اللواط، فيكون البيع على الرقبة صحيحًا؛ لكونها مالًا، وذِكْرُ اللواط ساقطٌ.
قلنا: فالعصر يقع فيها، وهو عمل في مال، والذي يجري فيه مال، وقد لعنه النبي - صلَّى الله عليه - وسوى بينه وبين شاربها في الذمّ، وإن كان العاصر يلابسها وهي مال، والشارب يشربها وليست مالًا.
فإن قيل: أما إجارة الجارية للغناء وبيع السلاح في الفتنة لا نسلمه وهو كمسألتنا.
قلنا: هذا المنع غير معروف، ثم يدل عليه بما روى أبو أمامة أن النبي ﵇ نهى عن بيع المغنيات، وقال: «لا يحلّ بيع المُغنِّيات، ولا شراؤهنّ، ولا أثمانهنّ، ولا كسبهنّ» (^٣).
وكذلك نهى - صلَّى الله عليه - عن بيع السلاح في الفتنة (^٤)،
_________________
(١) ينظر: المستوعب ٢/ ٣٨٦، الإنصاف ٢/ ٣١٦.
(٢) ينظر: الاصطلام ١/ ٣١٣، روضة الطالبين ١/ ٣٨٨.
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب ما لا يحل بيعه ٢/ ٧٣٣، ح ٢١٦٨ من طريق أبو جعفر الرازي، عن عاصم، عن أبي المهلب، عن عبيد الله الإفريقي، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات، وعن شرائهن، وعن كسبهن، وعن أكل أثمانهن. وفيه أبو المهلب: واسمه مطرح بن يزيد الكوفي، وهو ضعيف، والأفريقي هو عبيد الله بن زحر، قال الدارقطني: عبيد الله بن زحر لم يسمعه من القاسم؛ بينهما: علي بن يزيد، وهو إسناد ضعيف. [ينظر: علل الدارقطني ١٢/ ٢٦٧].
(٤) أخرجه البزار ٩/ ٦٣، ح ٣٥٨٩، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٣٦، ح ٢٨٦، والبيهقي في الكبير، كتاب البيوع، باب كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر والسيف ممن يعصي الله به ٥/ ٥٣٥، ح ١٠٧٨١ من طريق بحر بن كنيز، عن عبد الله اللقيطي، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع السلاح في الفتنة. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي ﷺ إلا عمران بن حصين، وعبد الله اللقيطي ليس بالمعروف، وبحر بن كنيز لم يكن بالقوي، ولكن ما نحفظه عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، فلم نجد بُدًا من إخراجه، وقد رواه سلم بن زرير، عن أبي رجاء، عن عمران موقوفًا، وقال البيهقي: بحر السقاء ضعيف لا يحتج به، وقال الهيثمي: فيه بحر بن كنيز السقاء، وهو متروك، وقال ابن حجر: رواه ابن عدي والبزار والبيهقي مرفوعًا وهو ضعيف، والصواب وقفه. [ينظر: مجمع الزوائد ٤/ ٨٧، التلخيص الحبير ٣/ ٤٦].
[ ٦٦٣ ]
والنهي عن بيع السلاح في الفتنة منعٌ عمَّا جُعِلَ سبيلًا إلى التقاطع، ومثل ذلك يبطل كالجمع بين الأختين.
احتجوا:
بأن العصير مال، والتخمير فعل لم يظهر إلى الوجود، وإنما أضمر المشتري إيجاده في ثاني الحال، فهو كبيع أخشاب ومصارين لم تعمل آلات اللهو، وذلك عزم، والعزم لا يؤثر في العقود فسادًا، كما لا يؤثر في الفاسد صلاحًا بأن يشتري عينًا نجسة تقبل التطهير كالماء المتغير بالنجاسة يستصلح بالمكاثرة أو الترك، أو يشتري خمرًا ليخللها عند أبي حنيفة (^١)، وعندكم في إحدى الروايتين (^٢)، وكذلك جلد المدبّغة عندنا (^٣) وعلى إحدى/ الروايتين لكم (^٤) أو مرتدة ليدعوها إلى الإسلام بإزالة شبهتها، فإن نية الإصلاح لا تصحح هاهنا، كذلك نية الإفساد لا تفسد هاهنا، والعلة في ذلك: أن العين على صفة في الحال تصلح للعقد، والنية قد تتغير وتعدم، فلا يمنع العقد على ما لم يتحققه لنية متوهمة.
الجواب:
أنا نقول: هو وإن كان مالًا في الحال إلا أنه مباع لتحصيل غير مال،
_________________
(١) ينظر: المبسوط ٢٤/ ٢٢، العناية ١٠/ ١٠٦.
(٢) ينظر: المجموع ٢/ ٥٣٢، روضة الطالبين ٤/ ٧٢.
(٣) سبق توثيقه في صدر مسألة: (لا مدخل للدباغ في التطهير).
(٤) ينظر: المجموع ١/ ٢٨٦.
[ ٦٦٤ ]
ومثل ذلك يؤثر في الإبطال، كما لو باع عند أبي حنيفة سلعة بنسيئة؛ لم يجز أن يبتاعها بأقل من ذلك قبل قبض الثمن (^١)، ويحمل أمره على أنه قصد بالعقد الأول العقد الثاني، فيفضي إلى الزيادة، ولأن نية المعصية والعزم عليها يجعل الفعل المباح معصية كركوب الدابة، وأخذ السلاح مباح؛ فإذا استند إلى عزيمة على قطع الطريق كان معصية، وكذلك من أخذ اللقطة بنية الإنفاق كان عاصيًا ضامنًا، ولو أخذها بنية الحفظ كان أمينًا حافظًا غير ضامن ولا آثم، وعند قوم يكون مثابًا مأجورًا، كذلك لا يمنع أن يكون هاهنا مثله، ولا فرق، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: المبسوط ١٢/ ١٤٩، العناية ٦/ ٤٣٣.
[ ٦٦٥ ]