الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه في إحدى الروايتين (^١)، وهو مذهب طاووس، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن إسماعيل (^٢)، والزهري، وسعد بن إبراهيم، وابن سيرين، وعبد الله بن الحسن، وإسحاق، وأبو عبيد (^٣)، واختارها الخرقي (^٤).
والثانية: يحل (^٥)، اختارها القاضي الشريف (^٦)، وهي قول أبي حنيفة ومالك والشافعي (^٧).
الأوّلة:
أن الموت معنى لا يحل به الدَّين الذي له، فلا يحل به الدين الذي عليه؛ دليله: الموت، والإغماء، والفلس، على أبي حنيفة، والجديد من قول الشافعي (^٨)؛ وهذا لأن الموت لا يمنع من ثبوت حق له وعليه،
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٧٤، الهداية ١/ ١٦٢، الإنصاف ٥/ ٣٠٧.
(٢) هشام بن إسماعيل بن يحيى بن سُليمان بن عبد الرحمن الحنفي، وقيل: الخزاعي، ثقة، عابد، صاحب سُنَّة، لم يكن بدمشق في زمانه أفضل منه. قال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا. روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو جعفر الطحاوي. مات سنة ٢١٧ هـ. [ينظر: التكميل في الجرح والتعديل ١/ ٤٦٢، مغاني الأخيار ٣/ ١٧٦].
(٣) ينظر: المغني ٤/ ٣٢٧.
(٤) ينظر: متن الخرقي ص ٧٢.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٧٤، الهداية ١/ ١٦٢، الإنصاف ٥/ ٣٠٧.
(٦) ينظر: الإرشاد ١/ ٢٦٣.
(٧) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٩٦، الجوهرة النيرة ١/ ٢٤٨. وللمالكيّة: الإشراف ٢/ ١٢، الذخيرة ٨/ ١٧٢. وللشافعيّة: حلية العلماء ٤/ ٥١٩، مغني المحتاج ٢/ ١٤٧.
(٨) الديون المؤجلة لا تحل بالتفليس عند الحنفيّة والمشهور عند الشافعيّة وأحد الروايتين عند الحنابلة، أما المالكيّة فعندهم أنّ الديون المؤجلة تحل بالتفليس. [ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ٩٦، حاشية ابن عابدين ٦/ ١٥٢. وللمالكيّة: الإشراف ٢/ ١٢، الشرح الكبير ٣/ ٢٦٥. وللشافعيّة: الحاوي الكبير ٦/ ٣٢٣، روضة الطالبين ٤/ ١٢٨. وللحنابلة: الهداية ١/ ١٦٢، الإنصاف ٥/ ٣٠٦].
[ ٦٧٢ ]
ولهذا لو نصب شبكة، ثم مات، فوقع فيها صيد كان له حتى يقضى من ثمنه ديونه وتنفذ وصاياه، وكذلك لو حفر بئرًا ثم مات، فتلف فيها إنسان أو مال لزمه، وكانت الغرامة في تركته.
فإن قيل: الدين الذي له ينتقل إلى خليفته وهو الوارث، فينتقل بصفته، بخلاف الدين الذي عليه فإنه لا ينتقل إلى وارثه، فكيف تنتقل صفته إلى الوارث والصفة لا تفارق الموصوف وتقوم بنفسها/ قلنا: الأجل هو حق للميت بذل في مقابلته ماله، وحقوقه تنتقل إلى ورثته، ثم لو كان صفة للدين لثبت لمن يثبت له الدين، والأجل يثبت على من له الدين، فدلّ على أنه ليس بصفة له، وإنما هو حق شرعي للموروث كسائر حقوقه.
ثم يبطل ما ذكرتم بالخيار؛ فإنه صفة للموروث وينتقل عندكم إلى الوارث، وإن كان الموروث لا ينتقل إلى الوارث، وكذلك منافع الدار المؤجرة والموصى بها صفة للدار، ثم تنتقل المنافع إلى الموصى له والمستأجر دون انتقال الدار، وكذلك حد القذف ينتقل عندهم إلى الوارث، وهم أدحض للعار عن الموروث، وقد هلك الموروث.
فإن قيل: الموت يخرب الذمة خرابًا لا يرجى، بخلاف الأصول التي قستم عليها، فإنها لا تخرب الذمة، فافترقا من هذا الوجه.
قلنا: لا نُسلِّم خرابها، ولهذا بيَّنَّا أنه يصح ضمان دين الميت، وهو انضمام ذمة إلى ذمة، وقد وافق أبو حنيفة صحة الضمان عليه إذا خلف وفاء (^١)، وعندنا وعند الشافعي يصح ذلك على الإطلاق (^٢)، وقد بينا تجدد الحق عليه، فسقط هذا.
طريقة أخرى: أن الأجل يأخذ قسطًا من الثمن، بدليل العرف الجاري، أن من باع شيئًا بدرهم نقدًا لا يبيعه بأجل سنة بذلك الدرهم، وكذلك من اشترى شيئًا بدينار فقد يشتري مثله إلى أجل بدينارين،
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٦/ ٦، حاشية ابن عابدين ٥/ ٣١٢.
(٢) ينظر للشافعيّة: الحاوي الكبير ٦/ ٤٥٤، المهذب ١/ ٤٤٧. وللحنابلة: الهداية ١/ ١٥٦، كشاف القناع ٣/ ٣٦٨.
[ ٦٧٣ ]
وإذا ثبت ذلك قلنا: هذا حق للميت عاوض عليه، فانتقل إلى وارثه، كمدة الإجارة، والحدّ (^١)، والفائت بالعيب، وحق الرهن، ولا يلزم الخيار؛ فإنا لا نسلمه ونقول: يورث على هذه الرواية، وإن سلمنا فالخيار شهوة الميت واختياره، ولهذا يفسخ به، وإن كان الحظ في إمضاء العقد، وشهوة الإنسان واختياره لا تنتقل إلى وارثه؛ ولهذا لا تصح المصالحة على الخيار بمال ولو أخذ/ قسطًا من المال لصحت المصالحة عليه بالمال.
فإن قيل: لو أخذ الأجل قسطًا لوجب إذا اشترى شقصًا بمئة إلى سنة، فلم يعلم الشفيع حتى مضت السنة أن لا يأخذ بمئة حالّةٍ.
قلنا: إن علمَ به وقت العقد أخذه بمئة مؤجَّلة، وأما إذا مضت السنة فقد ارتفق الشفيع ببقاء المال في يده طول السنة، فكان ذلك في مقابلة الارتفاق بالأجل، ولأن الشفيع مخير إن شاء أخذ إذا رأى له الحظ، وإن شاء ترك فلا ضرر عليه، فأما الورثة فعليهم ضرر؛ فإنهم إذا تأخرت عنهم المطالبة ارتفقوا بالتركة، واكتسبوا بها، فلم يفت عليهم ذلك، هذا جهة النفع للوارث، وأما الضرر عليه بأن تكون التركة عروضًا متى حل الدَّين احتاج إلى بيعها في غير موسمها، كالجزور في الصيف، والكتان في الشتاء، وما شاكل ذلك، فتفوته الأرباح وهي انتفاع مقصود، ولربما خسر في أصل رأس المال، ومثل هذا يراعى في المواريث، ولذلك جوّزنا للورثة أخذ أعيان التركة وإن كانت بمقدار الدين وقضائه من غيرها؛ ليتوفر نفعها عليهم دون أرباب الديون، ولم تنقل التركة إلى الغرماء.
فإن قيل: فيه ضرر على الميت والورثة، أما الورثة فإنهم لا يمكنون من التصرف في التركة فربما تلفت، والموروث ذمته مرتهنة بدينه قال - صلَّى الله عليه ـ: «ما تنفعُه صلاتي، وذمتُه مُرتَهنة بِدَيْنِه» (^٢).
_________________
(١) إذا قُذف قبل موته ثم مات، فلا يخلو: ١ - إن مات ولم يطالب: سقط الحد، نصّ عليه الإمام أحمد، وخّرج أبو الخطاب وجهًا بالإرث والمطالبة. ٢ - إن كان طالب به قبل موته: - فالصحيح من المذهب - أنه لا يسقط، وللورثة طلبه. [ينظر: الإنصاف ١٠/ ٢٢٠، المبدع ٩/ ٩٧].
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب التشديد في الدين ٢/ ٨٠٦، ح ٢٤١٣، والترمذي، باب ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ٣/ ٣٨٩، ح ١٠٧٩، من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو صدوق يخطئ. [ينظر المستدرك ٢/ ٣٢، نيل الأوطار ٤/ ٣٠].
[ ٦٧٤ ]
قلنا: أما الورثة فلا ضرر عليهم؛ لأنَّهم يضمنون الدَّيْن إلى أجله، ويقتسمون التركة.
الثاني: قد ينتقل إلى الورثة ما فيه ضرر، ولهذا ينتقل إليهم العبد الأعمى الزَّمن (^١)، والعبد الموصى بمنفعته، والكَثُفُ (^٢) [الثَّرْبُ] (^٣) (^٤)؛ الذي يحتاج إلى نقله عن الملك بمال.
وأما الميت فلا يستضر؛ لأنه إنما/ يكون مطالبًا أو مرتهنًا بعد الموت بما كان مطالبًا به مرتهنًا حال الحياة؛ لأن مطالبات الآخرة مرتبة على مطالبات الدنيا؛ لأن المطالبة في الآخرة لا تتجدد، بل لا تقع إلا بما سبق من المطالبة حال الحياة؛ إذ الآخرة دار مجازاة ومكافأة، والجزاء أبدًا متفرع على الأفعال المجازى بها، ولأن مذهبكم أقرب إلى الإضرار؛ لأنكم قلتم: لو مات وتركته كلها ديون على الناس مؤجلة بقيت على آجالها، والديون التي عليه تحل بموته، فيكون تأخر الديون التي له، وبقاء أجلها مع حلول ما عليه وبالًا عليه.
_________________
(١) زمن الرجلُ يزمَن زَمانةً، وهو عُدْمُ بعضِ أعضائه أو تعطيل قواه. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٢٨، المغرب في ترتيب المعرب ص ٢٨٦].
(٢) الكَثُفُ: الغليظ، والجمع (كثيف). [ينظر: لسان العرب ٩/ ٢٩٦، تاج العروس ٢٤/ ٣٠٠].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الثراب)، وما أثبته هو الصحيح نقلًا من معاجم اللغة.
(٤) الثَّرْبُ: جمعه ثُرُوب، وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. [ينظر: المخصص ١/ ١٥٦، الصحاح ٢/ ١٠٦]. تنبيه: يَبعُد أن تقرأ (عبد كشف التراب)؛ لأن المعنى لا ينسجم مع السياق. فكشف التراب، وظيفة يُسمى أصحابها: (كُشّاف التراب)، وهؤلاء يعينون مرة في كل سنة من قبل الأمراء، في زمن الربيع؛ تكون مهمتهم: حفر أماكن معلومة ليجري الماء فيها، وجرف التراب لإقامة الجسور السلطانية. [ينظر: زبدة كشف الممالك ص ١٩٢].
[ ٦٧٥ ]
فإن قيل: بل تتجدد مطالبه لا تستند إلى حال الحياة؛ بدليل أن المتوفى على عهد رسول الله - صلَّى الله عليه - كان معسرًا لم يخلف وفاء، ثم مع ذلك قال النبي ﵇: «ما تغنيه صلاتي عليه، وذمته مرتهنة في قبره بدينه»، وقوله ﵇ لعليّ لما أدى ما ضمن عنه: «الآن فككت رهانه» (^١)، وروي: «الآن برَدَتْ عليه جلدُه» (^٢)، وهذا يدلّ على أن الأجل المشروع في حق المعسر وهو قوله - تعالى ـ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٣) حلّ بالدين، وحصلت المطالبة به من الله - تعالى ـ، والارتهان عليه ولأجله مع قوله في حال الحياة: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٤)، وهو اليوم حكم كلّ معسر بدينه يكون على الإنظار حال حياته، ثم على الحلول والمطالبة بعد موته.
قلنا: ظاهر الخبر لا يمكن القول به؛ لأن مَنْ كان عليه دين بجهة مباحة لا محظورة، ومات عاجزًا لا يكون معذبًا، ولا مسخن الجلد؛ لأنه معذور شرعًا، لكن ذلك إنما يكون في باب أخذ الأموال بغير حق، فيكون الدين الحاصل على وجه يحصل به الإثم؛ لأنه لا أحد من الفقهاء حكم بمأثم لأجل الدين وتأخيره/ القضاء لأجل الإعسار، وهذا صحيح؛ لأن الله - سبحانه - قد أمر أرباب الحقوق مع حاجتهم إلى أموالهم بالنظرة، وكيف نظن بأنه يضيق المطالبة والمعاقبة عليهم مع إعسارهم وعجزهم، وكون الحق ليس له ﷾.
فإن قيل: لا يجوز حمله على وجه مأثم سوى الدين خاصةً؛ لأنه لو كان كذلك ما برد مضجعه، ولا فكَّ رهانه إلا التوبة، فأما مجرد القضاء،
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الدارقطني، كتاب البيوع ٣/ ٤٦، ح ١٩٤ بلفظ: «.. فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه، ثم قال لعلي بن أبي طالب: جزاك الله خيرًا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك»، حديث ضعيف، في إسناده غير واحدٍ ممن تكلِّم فيه؛ فعطاء بن عجلان: قال عنه البخاريُّ: منكر الحديث. [ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٤/ ١٤٣، التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ٤٧٦].
(٢) أخرجه أحمد ٢٢/ ٤٠٥، ح ١٤٥٣٦، والحاكم ٢/ ٦٦، ح ٢٣٤٦، من حديث جابر ﵁، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) البَقَرَة: ٢٨٠.
(٤) البَقَرَة: ٢٨٠.
[ ٦٧٦ ]
والتوبة تتعذر بعد الموت، والقضاء نفس الحق، وأما السبب الذي أثم به من غصب أو تغلب فلا يسقط بنفس القضاء كما لو ردَّ الغصب حالَ الحياة لا عن توبة، فإنه لا يسقط إلا ضمانه للآدمي دون المأثم.
قلنا: يجوز أن تكون الشفاعة من النبي - صلَّى الله عليه - موقوفة على سقوط حق الآدمي، فلما سقط قلنا في حق الله - تعالى - خاصة وهذا هو الظاهر؛ لأن النبي - صلَّى الله عليه - لم يحفظ عنه أنه سأل عن طاعة ميت ولا معصيته كما كان يسأل عن دَيْنه، وإنما خص بترك شفاعته حقوق الآدميين التي لا يغفرها ويسقطها إلا القضاء والقصاص أو الإبراء ممن له الحق، وبقي حق الله - تعالى - وهو العصيان بغصب أو تأخر قضاء ومطالب مع قدرة وغنى، وهذا يدفع قولهم: لو كان بالعصيان لما زال بالضمان والقضاء؛ لأن العصيان ما زال بالضمان، لكن زال الحق للآدمي بالضمان، فلما بقي مجرد حق الله تقدم وشفع؛ لأنه لا يعنى بحق واحد من أمته، ويسقط حق الآخر؛ فشدد لأجل الدين والمظلمة، فلما قضى الدين سأل المظلمة.
فإن قيل: الغرماء لم يرضوا بذمة الورثة فلا يلزمهم الرضا؛ لأن الذمم لا تتكافأ.
قلنا: عندكم الذمم تتكافأ، ولهذا يلزم المدين أن يحتال إذا احتال على مليّ؛ لقوله ﵇: «ومن أحيل/ على مليّ فليحتل» (^١)، ولأنهم إذ أوثقوا بالرهن وغيره لم يكن على الغريم ضرر بحال، ويؤيد هذا أن الوارث قائم مقام الموروث فيما له، وعليه بدليل استيفاء ديونه وتنفيذ وصاياه، وهذا الأجل من حقوقه؛ فيجب أن يرثه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبير، كتاب الحوالة، باب من أحيل على ملي فليتبع ولا يرجع على المحيل ٦/ ١١٧، ح ١١٣٨٩، والحديث عند البخاري، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟ ٣/ ٩٤، ح ٢٢٨٧، ومسلم كتاب الطلاق، باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على مليء ٣/ ١١٩٧، ح ١٥٦٤ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مطلُ الغنيّ ظلمٌ، فإذا أُتبع أحدكم على مليّ فليتبع».
[ ٦٧٧ ]
احتجوا:
بما روى عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا مات الرّجل وعليه دين إلى أجلٍ، وله دين إلى أجل، فالذي عليه حال، والذي له إلى أجله» (^١).
والفقه في المسألة لهم: أن الأجل مدة ملحقة بالعقد فلم تورث كالخيار.
وربما قالوا: الأجل حق ليس له فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كخيار الشرط والشفعة وحد القذف، يبين صحة هذا أن الأجل صرف للرفق لمن عليه الدين؛ لأن تأخير المطالبة من الرفق به وبماله حيث لا تعسف [باللزوم] (^٢) والاقتضاء، ولا يبيع أعيان ماله بيع المحتاج إلى الإيفاء، وهذا قد انعكس بالموت، وصار المقصود على ما ورد شرعًا.
قالوا: ولأنه بالموت خربت ذمته، ولهذا لا تُنْسَأ فيها الحقوق، ولأن الذمة هي العهد، والعهد إنما يكون بالخطاب، والميت ليس من أهل الخطاب، فهو كالجماد، وإذا ثبت خرابها لم يبق فيها دين، وانتقل إلى أعيان التركة، وأعيان التركة لا يدخلها التأجيل، فسقط الأجل، ولأن الأجل وصف للدين، والوصف لا يقوم بنفسه، وإنما ينتقل تبعًا للموصوف، فينبغي إذا لم يكن الدين للورثة أن لا ينتقل الأجل إليهم.
قالوا: ولأنه لا يخلو الدين من ثلاثة أحوال؛ إما أن تؤخر قسمة التركة لأجله إلى حين انقضاء أجله، أو تقسم في الحال ويتحول الدين إلى ذمم الورثة، أو يسقط الأجل ويحل الدين.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري، باب في المرأة تقتل إذا ارتدت ٥/ ٤١٥، ح ٤٥٥٤، وقال ابن الخراط: في إسناده أبو حمزة عن جابر بن يزيد، ضعيف عن متروك، ولكن قال أبو الحسن الفاسي: فإن أبا حمزة الذي في ذلك الإسناد، هو محمد بن ميمون السّكرِي، وهو ثقة، وتضعيفه إياه يدل على أنه اعتقد فيه أنه أبو حمزة مَيْمُون القصاب، وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي أعلها بذكر رجال، وترك من هو مثلهم. [ينظر: الأحكام الوسطى ٣/ ٢٨٨، بيان الوهم والإيهام ٥/ ٥٣١].
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (باللز)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٦٧٨ ]
لا جائز أن يقال: تؤخر القسمة إلى حين انقضاء الأجل؛ لأن التأخير إضرار بالكلّ. أما الغرماء فتأخر حقوقهم، وأما الورثة فتأخر إرثهم، وعلى الميت بارتهان/ ذمته على ما نطق به الشرع، ولأن فيه غررًا بحق الكل لما عساه يتطرق بالتأخير من الآفات، فيتلف المال، إما أن يكون حيوانًا فيموت، أو عروضًا فتحترق، أو يسقط حكم سوقها بعارض يعرض، والأسباب في ذلك كثيرة فيذهب حق الجميع ضياعًا، ويبقى الميت مرتهنًا بدينه في قبره، وإذا كان بقاء الأجل يؤدي إلى هذا فإسقاطه هو الصواب، والتمسك بأصل الحق والاحتياط له.
ولا جائز أن يقال: تقسم في الحال ويكون الحق في ذمة الورثة؛ لإجماعنا على فساده؛ لأنه نقل الحق من ذمة بغير اختيار من له الحق، كما لا يملك ذلك في الحوالة، فلم يبق إلا إبطال الأجل وحلول الدين.
الجواب:
أما الحديث فهو موضوع؛ لا يعرف في مسند، ولا يحل الاحتجاج به، ولو قدر صحته فنحمله عليه إذا لم تتكافأ ذمم الورثة لذمته ولم يوثقوا، أو نحمله أنه يحل الدين الذي عليه في ملك الورثة، أو يحل إذا لم يكن له ورثة.
وأما قولهم: إنها مدة ملحقة بالعقد.
فنقول: لمَ إذًا كانت مدة لا تورث؟
وقولهم: إنه ليس فيه معنى المال.
لا نسلم هذه الدعوى، وكيف لا وهو يأخذ قسطًا من الثمن كما تأخذ صفات السلع جودتها وحسنها وجمالها قسطًا من الثمن، وهل معنى المال إلا زيادة الأعواض الحاصلة فيما يدخل البائع على الثمن وتعجيل المثمن إلا بعد أن توفر في الثمن ما يكون بإزاء صبره وتأخيره، بخلاف الأصول التي قاسوا عليها؛ فإنه ليس فيها معنى المال.
فإن قيل: فالوجه الذي فسرتم به الأجل من معنى المال موجود في شرط الخيار، فإنه لا يبيع البائع بشرط الخيار للمشتري إلا إن توفر الثمن
[ ٦٧٩ ]
بإزاء ما وسع على المشتري بجعل الخيار إليه في فسخ العقد، ولا يجعل المشتري الخيار للبائع/ إلا بعد أن يكون قد استرخص السلعة فيسمح بالتوسعة للبائع.
قلنا: ليس وضع الخيار لهذا، ولذلك يجوز أن يشترطه في بيع على المضرة فيه من كل واحد منهما على حظ نفسه أو حظ صاحبه، ويفسخ بيع الغبطة في المقام على العقد، وإنما هو محض الشهوة، بخلاف الأجل فإنه لا يضرب إلا على وجه يكون في التأخير نوع فائدة وتخفيف عن المشتري بتوسعة زمان القضاء من فائدة المال لا من أصله.
على أن الخيار يورث عند الشافعي (^١)، ونحن نقول يورث على هذه الرواية (^٢)، وعلى التسليم فالخيار وصف العاقد وشهوته، وقد تلف فتلفت صفاته كعلمه وقدرته على ما قد عرف في موضعه، والأجل حقه الذي عاوض عليه فهو كمدة الإجارة، أو نقول: الأجل صفة للدين، فبقي ببقاء الدين.
وأما تعلقهم بالارتفاق فصحيح، وأن الذمة مشغولة، وكذا كان حال الحياة، إلا أن النبي - صلَّى الله عليه - عظّم أمر الدين ليُعجل القضاء خوفًا من إخلاد الورثة إلى تركهِ (^٣) ومجاوزة وقته، وإلا فلا وجه لحصول تضييق من الشرع مع توسعة في حق المستحق ورضا صاحب الدين بالتأخير على ما سبق.
وأما ادعاؤهم خراب الذمة، فممنوع على ما سبق تقريره، وذكرنا قول النبي - صلَّى الله عليه ـ: «وذمتُه مرتهنة بدينه» (^٤)، وهذا صحيح، فإن الدَّين في الذمة حكم شرعي، ولهذا يصح ضمان دين الميت إذا خلف وفاء بالاتفاق،
_________________
(١) ينظر: حلية العلماء ٤/ ٣٣، المجموع ٩/ ٢٠٦.
(٢) ينظر: الهداية ١/ ١٣٤، الإنصاف ٤/ ٣٩٣.
(٣) بهذا المكان في الأصل كلمةٌ رسمت هكذا بتشكيلها: (مَاشَببهِ)، ولم استظهرها، والسياق يستقيم بدونها.
(٤) تقدّم تخريجه.
[ ٦٨٠ ]
والضمان هو انضمام ذمة إلى ذمة، وغير ممتنع أن لا يخاطب وقد حكم الشرع بتعلق الحقوق به كالحمل والطفل، ولهذا تخرج عنه الكفارة، ويحج عنه، ويذبح الهدي عنه إذا وصَّى وغير ذلك بخلاف الجماد.
وأما قولهم: إن الأجل وصف للدين.
فقد بينَّا أن الأجل حق للموروث عاوض عنه، فينبغي أن ينتقل إلى وارثه/ مرفقًا كما كان له مرفقًا كالخيار وكالشفعة تنتقل، وكذلك حد القذف عندهم، وكما تنتقل عين العبد إلى الورثة ومنافعه إلى الموصى له.
وأما التقسيم الذي ذكروه فقد بقي قسم آخر، وهو أن نقول: يتحول الدين إلى ذمة الوارث ويضمنه للغريم ويأخذ التركة، فإن كانت ذمته ملية وإلا وثقه بالرهن والضمين، ويحمل قوله - تعالى ـ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^١) حال لا يتصرف في التركة إلا بعد قضائه، وإنما شرطنا الضمين؛ لئلا يُتلف الوارث التركة، ويحل الدينُ ولا يقدرَ على قضائه، وهذا كما تقول إذا شهد شاهدان بأن فلانًا مات وأن هذا وارثه، ولم يشهدا أنهما لا يعرفان له وارثًا غيره، دفعت التركة إليه بشرط أن يقيم ضمينًا أنه متى ظهر وارث آخر سلم إليه حقه، وليس يمتنع أن ينتقل الحق من ذمة إلى ذمة حكمًا، وإن لم يملك الموروث ذلك حال الحياة؛ كما لو كان ماله كله ديونًا على الناس، فإنه حال الحياة لا يملك على أصلكم نقل الديون التي عليه إلى ذمم الغرماء الذين دينه عليهم، وإذا مات انتقلت حكمًا إلى ذمم غرماء الميت أو إلى ذمم الورثة ليقبضوها من ذمم الناس، [ويؤدوها] (^٢) إلى غرماء الميت.
فإن قيل: الناس قائلان؛ منهم مَنْ قال: التركة لا تنتقل إلى الورثة إلا بعد قضاء الدين، ومنهم من قال: تنتقل مرتهنة.
فقولكم إحداث في ذمته، ويتصرف في التركة كالموروث سواء؛ وهذا لئلا يبطل حقه من الأجل الذي عاوض الموروث عليه على ما بينا.
_________________
(١) النِّساء: ١١.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ويؤدونها)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
[ ٦٨١ ]
فإن قيل: فما قولكم فيه إذا مات وليس له وارث معين هل يحلّ الدين أم يبقى الأجل؟
قلنا: قال القاضي: لا أعرف الرواية في ذلك؛ فيحتمل أن تقول: تنتقل التركة إلى بيت المال ويضمن الغرماء؛ لأن جماعة المسلمين جهة لاستحقاق ماله وجميع/ ما ذكرناه من الارتفاق المرعي في حق الوارث المعين مرعي في حق بيت المال (^١).
قال: ويحتمل أن تقول: يحل الدين؛ لأنه ليس للأجل وارث معين (^٢)، وهاهنا وارث معين وفرق بينهما، ألا ترى أن الإمام يُقطِعُ الأراضي - وإن كانت حقًا لجميع المسلمين ـ، ولو كانت لواحد معين ما جاز له إقطاعها، وكذلك من لا وارث له معين يملك أن يوصي بجميع ماله ويهبه حال مرضه عندنا وعند أبي حنيفة (^٣)، ولو كان له وارث معين لم يملك؛ فبان الفرق بين الموضعين، والله أعلم.
_________________
(١) لم أقف على كلام القاضي أبي يعلى.
(٢) ينظر: الإنصاف ٥/ ٣٠٨.
(٣) ينظر للحنفيّة: بدائع الصنائع ٧/ ٣٧٠، حاشية ابن عابدين ٦/ ٦٥٢. وللحنابلة: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٤، الهداية ١/ ٢١٣.
[ ٦٨٢ ]