رضا المحتال غير معتبر إذا كان المحال عليه مليًّا بماله وقوله وبدنه (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، واختاره الخرقي (^٣).
خلافا لأكثرهم في قولهم: لا تصح الحوالة إلا برضاه (^٤).
لنا:
ما روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «المطل ظلم الغنيّ، ومن أُتْبِع على ملي فليتْبَع»، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، ورواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (^٥).
وفي لفظ آخر: «ومن أحيل على مليّ فليحتل» (^٦)، وأمْرُهُ على الوجوب، وهو نص في الباب لا يحتمل التأويل.
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ١٥٤، كشاف القناع ٣/ ٣٨٦. وتكون الملاءة بالمال: بأن يقدر على الوفاء، وبالقول: بألا يكون مماطلًا، وبالبدن: بأن يمكن حضوره إلى مجلس الحكم. [ينظر: شرح الزركشي ٤/ ١١٣].
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي الفضل صالح ص ١٩٩، شرح الزركشي ٤/ ١١٣.
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٧٣، شرح الزركشي ٤/ ١١٣.
(٤) ينظر للحنفيّة: مختصر الطحاوي ص ١٠٢، بدائع الصنائع ٦/ ١٦. وللمالكيّة: الإشراف ٢/ ١٩، التاج والإكليل ٥/ ٩٠. وللشافعيّة: الإقناع ص ١٠٧، التنبيه ص ٦٦.
(٥) أخرجه مالك، كتاب البيوع، باب جامع الدين والحول ٢/ ٦٧٤، ح ٨٤، وأحمد ١٤/ ٤٧٥، ح ٨٨٩٦، وقد سبق تخريج البخاري ومسلم.
(٦) سبق تخريجه.
[ ٦٨٣ ]
فإن قيل: نحمله على الاستحباب بدليل قوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (^١)، وفي نقل حقه إلى [ذمة] (^٢) آخر بغير رضاه ضررٌ؛ لأنها ربما لم تكافئ ذمته.
قلنا: الأمر المطلق في عرف الفقهاء بإجماعهم يدل على الوجوب، فإن منع مانع فالمناظرة معهم، وإن أردنا أن ندل على تلك المسألة، فالقول فيه سهل؛ فإنا لا نعني بالواجب إلا ما يعصي تاركه، أو ما يلام تاركه شرعًا، ولا شك في أن الأمر مقتضٍ للفعل، وأن الإقدام على المأمور امتثال، وإن لم يفعل المأمور صحَّ أن يقال: إنه غير ممتثل لأمر الشرع؛ فالآن من لم يمتثل أمر الشرع ثم يعلم أنه ملوم شرعًا/ أو أنه متعرض لخطر عقاب، فهذا نعلم من اعتقاد الأولين، فإنهم كانوا يرون التاركين للأوامر المطلقة ملومين، ومتعرضين للخطر إلا إذا اقترن بالأمر قرينة تدل على جواز الترك، فأما عند الانفكاك عن القرينة فقد أطبق الصحابة على ما ذكرناه، على أن عندكم لا يستحب له أن يحتال، ولا يصح حملكم له على ذلك، فإنا نشترط أن يكون مليًّا على ما ذكرنا، فلا يستضر.
والفقه في المسألة: أن الذي له في ذمة المحال عليه ماله، فلم يعين في التوفية منه رضا الغريم كسائر أمواله؛ وهذا لأن مقصود من له الدين استيفاؤه، ولا فرق بين أن يوفيه بنفسه، أو بوكيله، فالمحال عليه في الحقيقة كالوكيل في التوفية، ولهذا لا نعتبر [رضاه] (^٣) نحن، ومالك، والشافعي (^٤)، كما لا يعتبر رضا الوكيل، والدليل على أن الذي في ذمة المحال عليه ماله أن يلزمه زكاته، ولا يجب على من هو عليه زكاته، ويلزمه به الحج، والكفارة، وصدقة الفطر، ونفقة الأقارب، وتحمل العقل، وغير ذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ذم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (رضا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر للمالكيّة: مواهب الجليل ٥/ ٩١، حاشية الدسوقي ٣/ ٣٢٥. وللشافعيّة: الإقناع للماوردي ص ١٠٧، التنبيه ص ٦٦. وللحنابلة: الهداية ١/ ١٥٤، كشاف القناع ٣/ ٣٨٦.
[ ٦٨٤ ]
فإن قيل: لو كان ذلك ماله لوجب إذا تلف المال الذي في يد المحال عليه قبل قبض الغريم أن يرجع على المحيل، فيطالبه كما لو تلف ماله في يد وكيله.
قلنا: إنما لم يرجع؛ لأنه بالحوالة صار كالقابض، ولهذا يحكم ببراءة ذمة المحيل، ولو قبض المال من وكيله وتركه عنده فتلف لم يرجع على الموكل على أنه ماله إلا أن محله ذمة المحال عليه والمحال [باقٍ] (^١) فلا يرجع على المحيل.
طريقة أخرى: أن الشافعي قد وافقنا على أن رضا المحال عليه غير معتبر، ومعلوم أن بين [مقتضٍ] (^٢) ومقتضى [بونًا وتفاوتًا] (^٣)، ثم لا يملك أن يقول: أنا لا أدفع مالك عندي إلا إليك، كذلك لا يجب أن يملك المحتال أن يتخير ذمة دون ذمة مع التساوي في الملاءة، ويحرره قياسًا؛/ فيقول قائل في الحوالة: فلا يعتبر رضاه كالمحال عليه.
ولأن الشافعي قد وافق - أيضًا - في جواز وكالة الحاضر في الخصومة (^٤)، وقد علمنا تفاوت ما بين الناس في الخصام حتى قال - صلَّى الله عليه ـ: «إنكم لتختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من صاحبه، فمن قطعت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار» (^٥)، فلم يؤثر هذا التفاوت، ولا اعتبرنا جميعًا رضا الخصم في الوكالة،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (باقي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (مقتضي)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (بون وتفاوت)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) ينظر للشافعيّة: التنبيه ص ٦٨، روضة الطالبين ٤/ ٢٩٣. وللحنابلة: الهداية ١/ ١٦٧، كشاف القناع ٣/ ٤٦٣.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم ٩/ ٦٩، ح ٧١٦٨، ومسلم، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ٣/ ١٣٣٧، ح ١٧١٣، من حديث أم سلمة ﵂ بلفظ: «إنما أنا بشر وإنكم تختصون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار».
[ ٦٨٥ ]
وليس بين ذمة وذمة مع اعتبارنا الملاءة بأوفى ما بين خصومة أَلدّ، وخصومةِ قطيعٍ، ولعل الخصم يكون قطعيًا ذا فهاهة، والوكيل ذا خصام وخبرة وفصاحة، فإذا لم يؤثر الاختلاف هناك كذلك هاهنا، يوضح هذا أن الخصومة حق توجه عليه، كما أن قضاء الدين حق يوجبه عليه، فإذا ملك صرف الخصومة إلى غيره ملك صرف القضاء إلى غيره.
طريقة أخرى: أن الحوالة توجب تعلق الحق بذمة من عليه الحق، فلا يعتبر رضا الطالب في صحة ذلك كالضمان؛ فإنه لو ضمن عن غيره حقًّا صحَّ، وإن لم يرضَ بذلك المضمون له كذلك الحوالة.
فإن قيل: الضمان توسعة لصاحب الحق؛ لأنه يتخير في المطالبة بين الضامن والمضمون منه، فيصير محل الحق موسعًا، ولا ينقل الحق من ذمة من هو عليه، وهذا يزيله من ذمة من عليه بتعين المحل من غير توسعة، والذمة الأولى حصل بها الرضا، وهذه لم يحصل بها رضاه، وهي مختلفة جدًّا.
قلنا: فكان يجب إذا كان المحال عليه أخلى ذمة أن يلزم الحوالة لإرضاء المحتال، كما أن إعطاء الأجود في السلم، والقرض يلزمه قبوله، وكما إذا استأجر أرضًا لزراعة الحنطة فزرع الشعير، أو استأجر دابة لحمل دارة حنطة فحمّلها دارة من الشعير، لما كان ذلك أجود للمؤجر في أرضه ودابته لم يعتبر/ رضاه، ولم يتعين على المستأجر زراعة الحنطة ولا حملها لما كان السَّطْر (^١) يقع للمؤجر، فهما كذلك، يلزمك إذا كانت ذمة المحال عليه مليئة مكافئة ذمة المحيل، أو أملأ منها يجب أن يلزم، ولا يعتبر رضا المحتال كما لا يعتبر رضا المؤجر، والمسلم في باب الأجود في السلم، وباب الأقل ضررًا في الإجارة؛ ولأنها إحالة بحقه على مليء، فانقطعت مطالبته، كما لو أحاله على من رضي بذمته.
والمعتمد في المسألة أن يقول: عقد الحوالة جائز بالإجماع، بدليل أنه إذا رضي به المحتال يجوز، وإذا لم يرضَ لا يبطل؛ لأنه بترك الرضا متغيب؛ والتغيب مردود في الشرع.
_________________
(١) السطر: الصف من الشجر. [ينظر: تاج العروس ١٢/ ٢٤، الصحاح ٣/ ٢٤٧].
[ ٦٨٦ ]
وإنما قلنا: إنه متغيب؛ لأن المتغيب طالب ما ليس [له] (^١) طلبه، أو طلب زيادة بعد حصول مقصوده.
وإنما قلنا: إنه متغيب بترك الرضا؛ لأن مقصوده استيفاء حقه لا عين الشخص وذمته، وحقه يصل إليه من المحال عليه، كما يصل من المحيل، فيكون ترك الرضا متغيبًا متخبّيًا فلم يقبل منه، وهذا كالوكيل بقضاء الدين من غير رضا من له الدين يجوز؛ لأن مقصوده وصوله إلى حقه، ويده ويد وكيله في هذا المعنى واحد لا يختلف بحال، فصار بترك الرضا بيد وكيله وطلب يده متغيبًا، فلم يقبل ذلك منه، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لو كان عدم الرضا والقبول جاريًا مجرى القبول والرضا يوجب أن ينتقل الحق إلى ذمة المحال عليه عن ذمة المحيل، بمعنى أنه لو هلك المحال عليه معسرًا سقط الحق بمجرد قوله: أحلتك عليه، من غير رضا المحتال، فلما لم ينقل إلا بالرضا، دل على اعتبار الرضا.
قلنا: في ذلك عن أحمد روايتان (^٢):
أحدهما: ينتقل، فعلى هذا قد قلنا به.
والثانية: لا ينتقل الحق، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة.
ويفيد الحوالة - أيضًا - إجباره على أخذ الحق من المحال عليه؛ لأنه/ قد يلزمه ما لا يحصل به البراءة، بدليل الوكالة في إيفاء المال، فإنه لا يجوز له الإباء والامتناع، ولا يسقط حقه، لكن تسقط مطالبته بذلك.
احتجوا:
بأنه حق ثبت في محل فلم يجر إجباره على استيفائه من غيره، دليله: إذا ثبت له حق في عين من الأعيان؛ فإنه لا يجوز نقله إلى غيره بغير اختاره.
قالوا: وهاهنا قد ثبت الحق في ذمة المحيل، فلا يجبره أن يستوفيه
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) ينظر: الإنصاف ٥/ ٢٢٧.
[ ٦٨٧ ]
من ذمة المحال عليه، وهذا المعنى وهو أن الذمم لا تتكافأ كما لا تتكافأ أعيان الأموال، ثم لو باعه عينًا، أو رهنه عينًا لم يجز أن يجبره على أن يسلّم غيرها، كذلك في الذمم قالوا.
قالوا: ولأن الحوالة تتضمن براءة أو بيعًا، فكلاهما يعتبر له الرضا، والبراءة فيما ظاهره على أصلكم؛ حيث قلتم لا يرجع على المحيل بفلس المحال عليه قبل إيفاء الدين، ألا ترى أن الإفلاس بالثمن أوجب عندكم الرجوع على المشتري بالمبيع لما كان العقد عقد بيع (^١)، والضمان لما لم يتضمن الإبراء لم يسقط بفلس المضمون ولا بموته، والإبراء ممن له الحق لا يصح إلا برضا المبرئ، وهو المحتال، ومما يرد الحوالة إلى جانب البيع - أيضًا - أنه يعاوض بماله في ذمة المحيل بماله في ذمة المحال عليه، وإذا ترددت الحوالة بين أمرين كل واحد منهما يفتقر إلى الرضا كانت مفتقرة إلى الرضا.
الجواب:
أنه لا يجوز اعتبار الذمم بالأعيان؛ لأن الذمم غير مقصودة في نفسها، وإنما المقصود الحق، فلا فرق بين استيفائه من ذمة وذمة، ألا ترى أن المكيال والميزان لو عُيِّنا في توفية حق لم يتعينا، وجاز الإيفاء من غيرهما، فأما الأعيان فهي المقصودة في نفسها، وهي غير حقه، فلا يجوز إجباره على أخذ غير حقه، ألا ترى أنه لو باعه عينًا ثم تراضيا على تسليم غيرها/ بذلك البيع لم يجز، ولو تراضيا على النقل بالحوالة إلى ذمة أخرى جاز، فدل على ما قلنا.
فإن قيل: فإذا رهنه شيئًا فليس هو المقصود، والتوثق يحصل بغيره، ثم لا يجبر على أخذ غيره رهنًا.
قلنا: قد يُقصد الرهن في التوثق لمعرفة المرتهن (^٢)، والحث على القضاء
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ١٦٢، الإنصاف ٥/ ٢٨٦، ٢٩٢.
(٢) بهذا المكان في الأصل عبارة: (أن الأصحاب)، ولا معنى لها هناك، وحذفها هو الموافق للسياق.
[ ٦٨٨ ]
يحصل بجنس هذه العين دون غيرها، ثم بالرهن ينقطع تصرفه عندنا (^١)، وفي إبداله بجنسٍ (^٢) بغيره تصرّف، وذلك ممتنع لامتناع يد الراهن عنه، ولأن في إبدال رهن برهن فسخًا للرهن الأول، وهاهنا لا يتضمن النقل بالحوالة فسخًا، ولا رفعًا للعقد، ولأن الغرض يختلف في باب الأعيان لأجل خوف الاستحقاق، وتفاوت الأعراض والذمم ليس يقصد منها إلا [الملاءة] (^٣) بإيفاء الحق، على أنه قد يفوت الراهن على المرتهن غير الرهن عندنا؛ بأن يعتقه فينفد عتقه، ويجعل قيمته رهنًا مكانه (^٤).
جواب آخر: وهو أن الأصول في الحقوق المتعلقة بالأعيان منقسمة:
فيها ما ينتقل الحق فيه من محل إلى غيره بغير رضا من له الحق، بدليل حق الجناية في رقبة العبد الجاني يتخير السيد بين أن يفديه أو يسلمه، وإذا اختار الفداء لم يعتبر فيه رضا المجني عليه، وكذلك مال التركة يتعلق حقوق الغرماء به تعلقًا لو تلفت التركة قبل الإيفاء لم يضمن الوريث عوضه، كما لو تلف العبد الجاني، ثم إن الورثة مخيرون بين القضاء من (^٥) التركة، وبين إمساكها والقضاء من غيرها.
وكذلك قد ينقل الحق من ذمة إلى ذمة بغير رضا من له الحق، ألا ترى أنه لو مات رحل وفي ذمته دين، وله على رجل دين، انتقل حق الغريم إلى ذمة مدين الميت من غير اختياره، ولأن تعلق الحق بالدين آكد من تعلقه بالذمة، ألا ترى أن العين لا يتجدد/ عليها مثل ذلك الحق، فدلّ على أنها غير مقصودة بالحق؛ فإنها لو قصدت لشغلها الحق الأول عن تجدد مثله عليها كالإعتاق.
وأما قولهم: إن الحوالة تتضمن براءة أو بيعًا كلاهما يعتبر له الرضا.
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٥/ ١٥٤، الفروع ٤/ ٢٢٠.
(٢) في هذا المكان بالأصل: (هذه العين)، ومشطوب عليها.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (الملام)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر: الإنصاف ٥/ ١٥٣، المبدع ٤/ ٢٢٣.
(٥) بهذا المكان في الأصل: (غير)، وبحذفها يستقيم السياق.
[ ٦٨٩ ]
فنقول: إن وضع الشرع لها على غير وضع الراهن والبيع جميعًا، لأنه أمره بالاتباع عند إحالته على مليء، وله - صلَّى الله عليه - أن يجعل هذه عقدًا منفردًا بهذا الحكم، ومعناه: أنه يعتبر ممن عليه الحق محل الإيفاء، وإليه ذلك؛ كما إذا عين بالقضاء كيسًا من بين بعض أكياسه ووكيلًا من بين وكلائه ينوب عنه في القضاء والفداء بدلًا من دفع العبد الجاني، ومالًا من عنده لا من مال التركة، فيكون من هذا القبيل، ولأن القرض بيع في الحقيقة؛ لأنه إبدال دينار بدينار على سبيل الإرفاق بتقديم دفع أحدهما، ومع هذا يترتب عليه حكم يخالف به سائر البيوع، وهو أنه يقضي ما عليه بنفس العين التي اقترضها، فجعل عين الدينار الذي اقترضه قضاء، وليس لنا في البيوع بيع الشيء بنفسه وإبداله بعينه، ولأن الحوالة ليس المغلب فيها إلا ما تضاد الإبراء، وهو الإيفاء؛ لأن الإيفاء إعطاء، والإبراء إسقاط، فأين الحوالة من الإبراء؟ فلذلك اعتبر رضا المبرئ؛ لأنه تبرع بإسقاط الحق، والإنسان لا يجبر على إسقاط حقه، ولا يثبت سقوطه حقه بغير رضاه، وهاهنا توصل إلى إيفاء الحق، فهو كالوكالة لغيره في نقيض الدين، والله أعلم.
وقد تعلق بعضهم بأن المحيل يعتبر رضاه، كذلك المحتال.
فنقول له: نقابلك بمثله، فنقول أليس المحتال عليه لا يعتبر رضاه كذلك المحتال.
الثاني: أن المحيل موجب فاعتبر رضاه كسائر الموجبين، وهذا قائل.
الثالث: إنما اعتبرنا رضاه؛ لئلا يفضي إلى التخيير عليه في جهات القضاء، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يتخير في القضاء من كيس إلى كيس بخلاف المحتال/ فإنه لا يتخير في هذا، فكذلك في الذمة، والله أعلم.
[ ٦٩٠ ]