لا يقبل إقرار العبد بقتل العمد مأذونًا كان أو محجورًا ما دام على رقه، فإذا أعتق قيل لمن أقرّ له بالقتل من أولياء الدم إذا طالبوا بالقتيل في أحد الوجهين (^١)، نص عليه أحمد (^٢)، واختاره القاضي (^٣)، وهو قول داود (^٤)، وزفر (^٥)، والمزني (^٦).
والثاني: يجوز إقراره بقتل العمد دون قتل الخطأ (^٧)، اختاره أبو بكر (^٨)، وهو قول أكثر الفقهاء (^٩).
الأول (^١٠):
أنه إقرار بقتل، فلا يصح من العبد في حق سيده، كالإقرار بقتل الخطأ، ولأن من لا يقبل إقراره بقتل الخطأ، لم يقبل إقراره بقتل العمد كالصبي، والمجنون؛ وهذا لأن إقرار العبد بقتل العمد هو إقرار
_________________
(١) ينظر: الهداية ٢/ ١٥٤، الإنصاف ١٢/ ١٤١، المبدع ١٠/ ٣٠٤.
(٢) ينظر: مسائل الإمام احمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٤/ ٣٤٨٢، الإنصاف ١٢/ ١٤٠، المغني ٥/ ١١٠.
(٣) ينظر: الجامع الصغير ص ١٧٣.
(٤) ينظر: المحلى ٧/ ١٠٢.
(٥) ينظر: المغني ٥/ ١١٠.
(٦) ينظر: روضة الطالبين ٤/ ٣٥١.
(٧) ينظر: الهداية ٢/ ١٥٤، الإنصاف ١٢/ ١٤١.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) ينظر للحنفيّة: المبسوط ١٨/ ١٤٨، ٢٦/ ٢٤، الجوهرة النيرة ١/ ٢٤١. وللمالكيّة: الاستذكار ٢٤/ ٢٣٨، التاج والإكليل ٥/ ٢١٩. وللشافعيّة: روضة الطالبين ٤/ ٣٥٠، المجموع ٢٠/ ٢٩٠.
(١٠) يعني وجه القول الأول.
[ ٦٩٦ ]
يتضمن إزهاق النفس، وإهدام البنية، ورقبة العبد إنما هي ملك للسيد بدليل أنه يملك المعاوضة عليها بأنواع المعاوضات والتمليكات، ولو أتلفها متلف فعفا عنه السيد، سقط القصاص والمال، ولو أذن لغيره في قتله فقتله، لم يجب القصاص، ولو قتله السيد لم يجب القصاص، ولا المال، وإذا كانت الرقبة ملكًا للسيد، فالعبد قد تضمن إقراره حقًّا على غيره، فلا يقبل منه.
فإن قيل: إنما لم يصح بقتل الخطأ؛ لأنه إقرار بمال يتهم به في حق سيده بأن يواطئ من يعطيه بعض ما أقر به، ولا تهمة عليه/ في جوازها من نفسه، ولحوق الآلام التي مبناها على نفور الطباع عنها، ويكلف الإقرار بأسبابها، ولذلك قبلنا إقرار السفيه والمفلس فيما لا يتعلق به مال، ولم يقبل إقرارهما فيما يتضمن إيجاب مال.
قلنا: لا ثقة بالمقر له فيما يواطئه عليه؛ لأن من يدخل على هذه الرذيلة من الإقرار له بما لا يستحقه لا يؤنس إلى صدقه فيما يعدُ به من دفع البعض، والمشاركة في المأخوذ؛ ولأن السيد قد يختار التسليم دون الفداء، فلا يحصل للعبد طائل عرض؛ لأنه يخرج من يدٍ إلى يدٍ، فلم يتبق إلا ما ذكرنا، ولأن التهمة تلحق الوارث بإقراره لوارثه، ويصح عندهم كل ذلك؛ تغليبًا لإبراء الذمة على التهمة، كذلك هاهنا كان ينبغي أن تقبل، ولا يتهم من جهة أن العبد قد يكون صادقًا، لا سيما إذا كان بصفة التحري، والعدالة بحيث يقبل خبره في الديانات، فيكون قصد بذلك الإعلام بالحال لثبوت سيده الحق إلى مستحقه، على أن في قتل العمد إن لم يتهم فيجوز أن لا يصح مع عدم التهمة لتعلق حق الغير به، بدليل إقرار الراهن بعتق العبد المرهون لا غبطة له فيه، ولا حظَّ، بل فيه إتلاف ماليته في العبد وتلف رقِّه، ومع ذلك لا يصح في حق المرتهن لكونه رافعًا لوثيقته، وإلحاق الضرر به.
احتجوا:
بأن من صح إقراره بالسرقة، وقطع بها، صح بقتل العمد كالحر،
[ ٦٩٧ ]
ولأن ما لا يقبل إقرار السيد به على عبده، وجب أن يقبل فيه من إقرار العبد به على نفسه، كالسرقة، وقطع الطرق، ولأن هنا إقرارَ العبدِ بإباحة دمه، والدم لا ملك للسيد فيه، ولهذا لو أباح رجلًا قتله لم يجز له قتله، ولو قتله بنفسه وجبت عليه/ الكفارة، وكان آثمًا، وإذا كان دم العبد لا يملكه السيد كان الإقرار من العبد على نفسه، وذلك جائز، ولأنه قد ثبت لهذا الإقرار حكم، ولهذا يقتل به بعد العتق، وإذا كان قد ثبت موجبه ينبغي أن يستوفى في الحال فلا يجوز تأخيره.
الجواب:
أن القاضي سلّم الإقرار بالسرقة، وبقطع الطرق، وفرَّق بين النفس والطرف بأن قال: السرقة حق الله - تعالى - لا تسقط بالإسقاط؛ فتأكد حكمها، والقصاص حق الآدمي يسقط بإسقاطه؛ فخفّ حكمه.
قال: وعلى أن ما دون النفس آكد في الثبوت من النفس بدليل حقوق الله - تعالى - يستوفى فيها ما دون النفس، وهو قطع الطرق في السرقة، ولا تستوفى النفس في الزنا، فالعبد ساوى الحر في قطع اليد، ولم يساوه في القتل بالإحصان، فقد اختلف الحر والعبد في القتل لحق الله مع وجود الإسلام فيهما، وتساويا فيما دونهما، فدل هذا على ضعف القتل، وإذا دل على ضعفه جاز أن لا يلزم بالإقرار، ويلزم ما دون النفس بالإقرار لتأكيدها.
قال: ولأن قطع الطرف والسرقة أخف، فجاز أن يستوفى، والنفس آكد، ولهذا تتعلق الكفارة بإهدام البنية دون إبانة الطرف، وكذلك القسامة تستعمل في النفس دون الطرف.
قال: ولأن قطع الطرف في السرقة وفي القصاص لا يعدم جميع البنية، وهاهنا يعدم البنية جميعها.
قال: ولأن القياس يمنع من قبول إقرار العبد في الجملة؛ لأنه إقرار على غيره، وهو السيد، وإقرار الغير على غيره غير مقبول (^١).
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١٢/ ١٤٠، ١٤٢.
[ ٦٩٨ ]
وإنما قُبل فيما دون النفس للإجماع، فوجب أن يبقى ما عداه على موجب القياس/ والذي يتجه إلى المنع، ويحمل كلام أحمد ﵁ في الإقرار بالسرقة على المال، وإلا فالفرق لا يصح؛ لأن الطرف والمال في باب إتلاف مالية السيد سواء، وهو قول زفر، ومحمد بن الحسن؛ فإنهما قالا: العبد المحجور إذا أقر بسرقة مال في يده من رجل لا يقطع، ويكون المال للمولى (^١).
وقال أبو حنيفة: يقطع، وتكون الدراهم للمقر له (^٢).
وقال أبو يوسف: يقطع وتكون الدراهم لمولاه (^٣).
ولو كان العبد مأذونًا له قطع في قولهم جميعًا، والمعنى في الحر أنه يصح إقراره بقتل الخطأ، فصح بقتل العمد، وهذا لا يصح إقراره بقتل الخطأ، فهو بالصبي والمجنون أشبه، ولأنه يمتنع أن لا يصح إقرار المولى به ولا العبد، كما أن الولي لا يصح إقراره على الصبي، ولا يصح إقرار الصبي، بل يجوز أن ينسد باب الإقرار في هذا، ولا يصح من المولى لكونه إقرارًا على غيره، وهو العبد، ولا من العبد لكونه إقرارًا على غيره، وهو المولى.
وأما قولهم: إن الدم لا يملكه السيد.
قلنا: بل الجملة جميعها، وجميع أجزائها إنما هي ملك للسيد، ولهذا لا قصاص عليه بقتله، ولا قصاص على من أذن له في قتله، وإنما لم يبح له قتله، ولا يأذن لغيره فيه احترامًا للنفس في الجملة، ولهذا قد نهى النبي ﵇ عن قتل الحيوان لغير مأكلة (^٤)، فأولى أن يحرم قتل الحيوان الناطق، ونهى عن قيل وقال، وإضاعة المال.
_________________
(١) ينظر: المبسوط ٩/ ١٨٣، العناية ٥/ ٤٠٩.
(٢) ينظر: المرجعين السابقين.
(٣) ينظر: المرجعين السابقين.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب النهي عن صبر البهائم ٣/ ١٥٤٩، ح ١٩٥٧ عن ابن عبّاس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا».
[ ٦٩٩ ]
وأما قولهم: إنه قد ثبت لإقراره حكم، ولهذا يقتل بعد العتق.
قلنا: فيجوز أن يثبت موجبه في الثاني، ولا يثبت في الحال، والدليل عليه الحامل إذا قتلت استوفي القصاص بعد وضعها، ولم يستوف في الحال، وكذلك إذا قتل ولجأ إلى الحرم وجب القصاص، وتأخر الاستيفاء/ إلى حين الخروج، وكذلك المحجور عليه إذا أقرض وعامل تعلق ذلك بذمته عندهم، ولم يستوفِ في الحال، كذلك هاهنا يثبت، ويصح به بعد العتق، والله أعلم.
[ ٧٠٠ ]