لا يجب تبليغ التراب إلى المرفقين (^١) في التيمم، ويقتصر على المسح على الكوعين (^٢)، نص عليه أحمد (^٣)، وهو مذهب ابن مسعود (^٤)، وابن عباس (^٥)، وعكرمة (^٦)، ومكحول (^٧) (^٨)، وسعيد بن المسيب (^٩) (^١٠)،
_________________
(١) المِرْفَق وَالمَرْفِق: مَوْصِل الذراع في العضُد. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٨٢].
(٢) الكوع: طرف الرسغ مما يلي الإبهام. [ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٣٠٥].
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص ٢٥، زاد المسافر ٢/ ٦٢، الهداية ١/ ٢٠، الجامع الصغير ص ٢٧، شرح الزركشي ١/ ٣٦٤، الإنصاف ١/ ٣٠١.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ينظر: المغني ١/ ١٧٩.
(٦) أخرجه الطبري في التفسير ٧/ ٨٥ من طريق سلام مولى حفص قال: سمعت عكرمة يقول: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين.
(٧) أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم، فقيه الشام، وشيخ أهل دمشق، كان أبوه مولى امرأة من هذيل، قال: أُعتقت بمصر فلم أدع بها علمًا إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق فلم أدع بها علمًا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت المدينة فكذلك، ثم أتيت الشام فغربلتها. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان في لسانه عجمة ظاهرة، ويبدل بعض الحروف بغيرها. مات سنة ١١٣ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٢٨٠، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٢٠].
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في التيمم كيف هو ١/ ١٤٦، ح ١٦٧٩ من طريق برد، عن مكحول، في التيمم يضرب بيديه الأرض ويمسح بهما وجهه وكفيه. وقد ذكر ابن قدامة في المغني ١/ ١٧٩ أنّ هذا الرأي هو مذهب محكول.
(٩) أبو محمد، سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيّد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سُمِّي: راوية عمر. مات في المدينة سنة ٩٤ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٧٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧].
(١٠) أخرجه حرب في المسائل، كتاب الطهارة ص ٤٠٩، ح ٦١٩ من طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
[ ١٨٦ ]
والأوزاعي (^١)، ومالك (^٢)، وإسحاق (^٣)، وداود (^٤).
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجزئه إلا أن يمسح إلى المرفقين (^٥).
وحاصل الكلام يرجع/ إلى ثلاثة أحرف:
أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة عندنا، وعندهم (^٦) لا يجوز (^٧).
_________________
(١) أخرجه حرب في المسائل، كتاب الطهارة ص ٤٠٥، ح ٦٠٦ من طريق الوليد بن مسلم قال: قيل لأبي عمرو الأوزاعي: صف التيمم، فوضع كفيه على الأرض وضعًا رفيقًا، ثم رفعهما، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحًا رفيقًا، ثم أمر بهما على وجهه، ثم على كفيه. وقد ذكر ابن قدامة في المغني ١/ ١٧٩ أنّ هذا الرأي هو مذهب الأوزاعي.
(٢) ينظر: الاستذكار ٣/ ١٦٢، الإشراف ١/ ٢٩.
(٣) ينظر: المغني ١/ ١٧٩.
(٤) ينظر: المحلى ١/ ٣٩٥.
(٥) ينظر للحنفيّة: البحر الرائق ١/ ١٤٤، المبسوط ١/ ١٠٧. وللشافعيّة: الأم ١/ ٤٩، المجموع ٢/ ٢١٠.
(٦) يعني أبي حنيفة والشافعي.
(٧) لم أقف على قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي فيما يتعلق بعدم جواز تخصيص عموم القرآن بالسنة، وقد ذكر الكاساني في بدائع الصنائع ٥/ ١٨١ أنه «لا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عندنا». وهذه مسألة أصوليّة شهيرة مكونة من شقين، الشقّ الأول: تخصيص الكتاب بالمتواتر، وقد حكى الزركشي الإجماع على جوازه، وقال الآمدي: لا أعرف فيه خلافًا. الشق الثاني: تخصيص الكتاب بخبر الآحاد، وهذا فيه أربعة أقوال: القول الأول: الجواز، وهو قول الجمهور، ونسبه الآمدي في الإحكام للأئمة الأربعة. القول الثاني: المنع مطلقًا، وهو قول بعض المتكلمين. القول الثالث: أن ما كان من الكتاب أو المتواتر من السنة ظاهر المعنى بيّن المراد غير مفتقر إلى البيان فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، أما ما ثبت تخصيصه قبل، أو كان فيه احتمال للمعاني، أو اختلف فيه السلف وسوّغوا ذلك الاختلاف، أو كان اللفظ مجملًا مفتقرًا للبيان، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد، وذهب إلى ذلك عيسى بن أبان والجصاص وأكثر الحنفيّة على تنويع بينهم في تقييدات هذا المذهب. القول الرابع: التوقف في المسألة للتعارض، وهو قول الباقلاني. [ينظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٤٩، كشف الأسرار ١/ ٢٩٤، أصول السرخسي ١/ ١٤٢، شرح تنقيح الفصول ص ٢٠٦، الإحكام ٢/ ٣٢٢، جمع الجوامع ٢/ ٢٧، المستصفى ٢/ ١١٤، المحصول ١/ ٣/ ١٢١، نهاية السول ٢/ ١٤٤، البرهان ١/ ٤٢٦، البحر المحيط ٤/ ٤٧٩، العدّة ٢/ ٥٥١، التمهيد ٢/ ١٠٦، شرح الكوكب المنير ٣/ ٣٦٣، المسودة ص ١١٩].
[ ١٨٧ ]
الثاني: المطلق هل يحمل على المقيد، وفيه روايتان (^١)؛ أحدهما: لا يحمل، والثانية: يحمل.
الثالث: أنّا علّقنا الحكم على أوائل الأسماء، كما قلنا في الشَفَق (^٢)، وعندهم يعلّق على الحقيقة، وما يزد على المرافق سقط لقيام الدليل. أو نقول: إطلاق اليد في العرف ينصرف إلى الكف (^٣)، وعندهم ينصرف إلى الجميع (^٤).
لنا:
قوله - تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٥) واليد عبارة عن الكف عرفًا وحكمًا.
أما العرف فقوله - تعالى ـ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ (^٦)، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ (^٧)، ولا يراد إلا الكف.
_________________
(١) ينظر: العدّة ٢/ ٦٢٨، ٦٣٦، ٦٣٨، ٦٤٠، روضة الناظر ٢/ ٧٦٥.
(٢) الشَفَق: بقيّة ضوء الشمس وحُمْرتِها في أول الليل إلى قريبٍ من العَتَمة. وقال الخليل: الشَفَق: الحمرةُ من غُروب الشمس إلى وقت العِشاء الآخِرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٠١، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٧١].
(٣) ينظر: المبدع ٨/ ٣٧٣، شرح الزركشي ٦/ ١٦٤.
(٤) لم أقف على تعليل الحنفيّة أو الشافعيّة الذي ذكره المصنِّف، وإنما وجدت أن الحنفيّة يقولون: أن التيمم بدل الوضوء، والوضوء في اليدين إلى المرفقين، فيكون التيمم كذلك. [ينظر للحنفيّة: المبسوط ١/ ١٠٧، بدائع الصنائع ١/ ٤٥]. كما وجدتُ أن تعليل الشافعيّة متطابق مع تعليل الحنفيّة، وصرح الشافعيّ في الأم ١/ ٤٨، ٤٩ بقوله: «ومعقول إذا كان التيمم بدلًا من الوضوء على الوجه واليدين أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه فيهما»، وفي الأم ٨/ ٦٠٨ (ط. دار الفكر - عام ١٤١٠ هـ) ما نصه: «واسم اليدين يقع على الكفين، والذراعين، وعلى الذراع والمرفقين، فلم يكن معنى أولى أن يؤخذ به مما فرض الله في الوضوء؛ من غسل الذراعين والمرفقين؛ لأن التيمم بدل من الوضوء، والبدل إنما يؤتى به في المبدل عنه».
(٥) المَائدة: ٦.
(٦) المَائدة: ٣٨.
(٧) المَائدة: ٣٣.
[ ١٨٨ ]
فإن قيل: بل اليد تقع على هذا العضو من طرف الأصابع إلى الكتف، ولهذا روي عن عمار أنه قال: تيمَّمنا مع النبي - صلَّى الله عليه - إلى المناكب والآباط (^١). ولهذا لو قطع يده من الكتف لم تجب إلا نصف دية الإنسان.
قلنا: قد بينا أن اليد عبارة عن الكف، فأما خبر عمار فإن صح فإنه فعل ذلك برأيه كما تمعّك في التراب، فلما سأل النبي ﵇ أراه أنه يكفيه مسح الوجه والكفين (^٢)، ثم لو تناول ما ذكرتم فلم قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٣).
فأما قولهم: إنه تجب نصف دية؛ فلا نسلم، بل تجب نصف دية الإنسان
_________________
(١) أخرجه البزار ٤/ ٢٣٩، ح ١٤٠٣، والحديث عند ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، أبواب التيمم، باب ما جاء في السبب ١/ ١٨٧، ح ٥٦٦، ولم يذكر الآباط. وأخرجه النسائي، كتاب الطهارة، باب الاختلاف في كيفية التيمم ١/ ١٦٨، ٣١٥ بلفظ: تيممنا مع رسول الله ﷺ بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب. وأخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٨٦، ح ٣١٨ ولفظه: عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم. قال الحازمي: هذا حديث حسن. وقال ابن رجب: هذا حديث منكر جدًا، لم يزل العلماء ينكرونه. وقال العيني: سنده صحيح. [ينظر: الاعتبار للحازمي ص ٥٩، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٥٢، عمدة القاري ٤/ ١٨].
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما ١/ ٧٥، ح ٣٣٨، ومسلم، كتاب الحيض ١/ ٢٨٠، ح ٣٦٨/ ١١٢ من طريق عبد الرحمن بن أبزى، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. هذا لفظ البخاري، وعند مسلم: فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك، وكفيك».
(٣) المَائدة: ٦.
[ ١٨٩ ]
في الكف، وما زاد تجب فيه حكومة، على أنه لو وقع اسم اليد على ما ذكرتم وما ذكرنا فالواجب من الأمر أقل ما يتناوله الاسم كما لو قال: صلوا أو صوموا.
و- أيضًا - من جهة السنة؛ الحديث المذكور في جميع الصحاح، رواه أحمد، والبخاري، ومسلم/ عن عمّار: «أن رجلًا جاء إلى عمر ﵁ فقال: أني أجنبت ولم أجد الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنّا كنّا أنا وأنتَ في سفر فأجنبنا، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعّكتُ في التراب وصليت فذكرت ذلك للنبي - صلَّى الله عليه ـ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي ﵇ بكفيه على الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه» (^١)، وهذا يقطع كل إشكال.
وروى الشيخ أبو عبد الله ابن بَطة (^٢) في «السنن» (^٣) بإسناده عن عمّار أن النبي - صلَّى الله عليه ـ، قال: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين من مفصل قطع السارق» (^٤). وهذا - أيضًا - نص لا يحتمل التأويل بوجه ما.
والفقه في المسألة، أنا نقول: حكْمٌ علِّق باليد مطلقًا فاختص [بالكوع] (^٥)، دليله القطع في السرقة، والمحاربة، وهذا قياس الحبر
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، الإمام الصالح القدوة، أبو عبد الله ابن بَطة العُكْبَرِيّ الفقيه الحنبلي، ولد في شوال سنة ٣٠٤ هـ، اشتهر بالعبادة والصلاح، ورُوي أنه لا يفطر إلا في الأيام التي يحرم صومها، له من المصنفات: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، والسنن، والمناسك، وصلاة الجماعة، والرد على من قال الطلاق الثلاث لا يقع، وذم البخل، وذم الغناء والاستماع إليه، وقيل إن مصنّفاته تزيد على مئة مصنف. مات سنة ٣٨٧ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٤٤، تاريخ الإسلام ٨/ ٦١٢].
(٣) كتاب: (السنن)، لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، العكبري، المعروف بابن بَطة. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٥٢].
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (الركوع)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ١٩٠ ]
عبد الله بن عباس، [فإن] (^١) الترمذي روى عنه أنه سئل عن التيمم فقال: إن الله تعالى قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٢)، وقال في التيمم: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^٣)، وقال في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ (^٤)، فكانت السنة في القطع؛ الكفين، فالتيمم إنما هو الوجه والكفان (^٥). ولا تلزم طهارة الماء فإنها لم تعلق باليد مطلقًا، وهذه العبارة يرد عليها مسألة اليمين، وهو إذا حلف: لا لمست يد فلان. فإنه لا يختص الكوع، وكذلك مسألة الدية.
والأولى أن نقول: تطهُّر عُلّق باليد مطلقًا كالأصل، والحدود لا شك أنها مطهرة من الذنوب، فيطلق عليها هذا الاسم إطلاقًا، وهذا كله لفقه وهو: أن التيمم شرع مخففًا، فأسقط منه ما تيسر عادة وهو مسح الرأس والرجلين، وذلك لاحتمال معنيين:
أحدهما: أن المقصود به إظهار التعبد وإحياء مراسم/ العبادة، وذلك فيما يظهر، والذي يظهر عادة الوجه والكفان، [حتى] (^٦) في حق المرأة التي أُمرت بالستر أبيح لها كشف الوجه والكفين في الصلاة والإحرام.
أو يكون لأن الشرع علم أنه يشق على الناس إيصال الماء إلى المستور من أبدانهم، ولا يشق إيصال ذلك إلى ما يظهر عادة وهو ما ذكرنا.
فإن قيل: القطع في السرقة والمحاربة عقوبة، والعقوبات يحتاط في تقليلها، وهي مما يسقط بالشبهة، فإذا عُلِّق باليد اقتنع فيه بأول ما يُسمى [يدًا] (^٧)، وليس كذلك الطهارات فإنها يُبالغ فيها ويكرر، ومبناها على الزيادة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (قال)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) المَائدة: ٦.
(٣) النِّساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٤) المَائدة: ٣٨.
(٥) أخرجه الترمذي، باب ما جاء في التيمم ١/ ٢٧٢، ح ١٤٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وأثبته من الانتصار ١/ ٣٩١.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (أبدًا)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ٣٩٢.
[ ١٩١ ]
قلنا: لا فرق بينهما؛ فإن هذا التيمم مبناه - أيضًا - على التخفيف، فاقتنع فيه بأول الاسم، وهذا سقط منه عضوان، فمبناه على الإسقاط كالحد سواء.
وقد قيل: إنه عضو محدود في التيمم، فكان يحل فرضه في بدله المؤقت ناقصًا عن محل فرضه في الأصل، دليلنا الرِّجلان؛ فإنه يُمسح بعض القدم منه بخلاف ما إذا غسل، وقد قيل: بأن الوضوء إحدى الطهارتين، فكان محل فرض اليدين فيهما إلى الآباط، وقد نقص عن ذلك في التيمم، كذلك في الوضوء فرض اليدين فيه إلى المرفقين، فيجب أن ينقص عن ذلك في التيمم، والاعتماد على الخبر.
طريقة أخرى: أنا نقول: اليد المطلقة في العرف عبارة عن الكفِّ، ولذلك قطعت يد السارق من الكف، ودية اليد تجب من الكف إذا قطعت، وذلك أن أكثر أعمال اليد من القبض والبطش بالكف، لا بالذراع، والعضد، والساعد، فصار الاسم مقصورًا عليه (^١)، ولذلك لما شرع الغسل ممدودًا قُرن بقوله - تعالى ـ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٢)، وإلى أن كلمة المدّ إلى الغاية، ولو كانت اليد متناولة/ جميع الأقسام إلى الإبط لم يستقم الإمداد بالمرافق بل كان إسقاطًا، وروي أنه ﵇ قال لعمار: «يكفيك ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة للكفين» (^٣).
وقد يدل عليه ضرب من المعنى، وهو أن الغبار اللاصق بالكف مع استحباب التقليل لا يعمّ الساعد، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه - ينفخ في التراب ليقل ما على اليد منه (^٤).
_________________
(١) يعني الكف.
(٢) المَائدة: ٦.
(٣) رواه الطبراني في الأوسط ٧/ ١٤٨، ح ٧١٢١ من طريق محمد بن نوح، ثنا يحيى بن غيلان، نا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، أنه أصابته جنابة وليس معه ماء فقال له النبي ﷺ «إنما يكفيك أن تمسح وجهك وكفيك بالتراب؛ ضربة للوجه، وضربة للكفين». وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف، وإن كان حجة عند الشافعي. [ينظر: نيل الأوطار ١/ ٣٣٢].
(٤) تقدم تخريجه في حديث عمار.
[ ١٩٢ ]
ولأن التيمم بُني على التخفيف، فلم يشرع في العضو الذي يستر عادة تخفيفًا، ألا ترى أنه لا يشرع في الرأس المستور بالعمامة، والرجل المستور بالمكاعب، فيشرع في الوجه البادي، وكذلك الكفان يبدوان عادة، وكذلك حرم من المرأة إلا ما ظهر منها في نص الكتاب، وكان عبارة عن الوجه والكفين.
قالوا: اليد مطلقة إلا أنها في الوضوء مقيدة فحملت عليه.
قلنا لهم: حمل المطلق على المقيد دون قياس ممتنع.
قالوا: الدليل على الحمل أنه - تعالى - لما شرع التيمم في اليدين عُلم أنه جعل هذا العضو محلًا، وأنه في كونه محلًا لا يتجزأ، فاستدعى بعضُه ما بقي، وصار تبعًا له.
قلنا لهم: عدم التجزؤ في الوضوء دون التيمم، ألا ترى كيف تجزأ في حق سائر الأعضاء، وإن كان لا يتجزأُ في حق الوضوء.
قالوا: الصعيد جُعِل بدلًا عن الماء في أنه طهور، فأما الطهارة المؤداة فهو ذلك بعينه، وكان ينبغي أن لا يتجزأ في حق كل الأعضاء؛ لأنها تلك الطهارة، إلا أنا لم نقل بالعموم للنص، فأما اليد فما فيها نصّ ما نع من القول بعدم التجزؤ.
قيل لهم: كيف [يستقيم] (^١) ذلك منكم مع تجويزكم إغفال لمعة، فلم يجدوا عليه كلامًا ظاهرًا، ومما قيل فيه: إن التراب لا يصل مع/ التقليل وآثاره، وهذا - أيضًا - لازم جدًا لمن تأمل.
واحتج بعضهم بأن اليد مطلقة، والمطلق إما أن يقتضي كل اليد كما قاله الزهري؛ فإنه أوجب مسح اليد إلى الإبط (^٢)، وإذا تعدى ذلك لدليل
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (نسيتم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ينظر: حلية العلماء ١/ ١٨١، نيل الأوطار ١/ ٣٣٤.
[ ١٩٣ ]
فأقْصَدُ الطرق الاكتفاء بالمستيقن منه، سيما وقد اقترن به ما يدل على التبعيض، وهذا ليس بشيء لما ذكرنا.
احتجوا:
بقوله - تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^١)، وإطلاق اليد يقتضي التعميم إلى المَنْكِبين (^٢)، وإنما أخرجنا ما جاوز المرفقين بتقييد القرآن في طهارة الماء، وبقي ما دونها داخلًا في فرض طهارات الأحداث بماء كانت أو تراب.
والدليل على أن الكلّ يد، وأن الإطلاق يتناولها وجوب الدية في جميعها فهي كالكمرة (^٣) مع الذكر، والمَارِن (^٤) مع الأنف تجب الدية في جميعه، وتجب في طرفه جميعها إذا أفرد بالقطع.
ومنهم من قال: إن الله - سبحانه - علّق [التيمم] (^٥) بالوجه واليدين مطلقًا، وقيّدهما في الوضوء إلى المرفقين، وعندكم أن المطلق يحمل على المقيد، ولذلك حملتم كفارة الظهار على كفارة القتل في اعتبار أثمان الرقبة مع اختلاف السبب هناك، فأولى أن تحملوا هذه.
قالوا: وقد روى ابن عمر، وجابر (^٦)، وأسلع بن شريك (^٧)،
_________________
(١) المَائدة: ٦.
(٢) المَنْكِبُ: مجمعُ عظم العَضُدِ والكَتِفِ. [ينظر: الصحاح ١/ ٢٢٨، المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٦٧].
(٣) الكَمَرَة: طرف قضيب الإنسان خاصة. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٧٩٨].
(٤) مَارِن الأنف: ما لان منه، وفَضَل عن القصَبة. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٠٢، تهذيب اللغة ١٥/ ١٥٦، الصحاح ٦/ ٢٢٠٢].
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (اليد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٦) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري، السلمي، أحد المكثرين عن النبي ﷺ، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، وقال: كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر، وشهد تسعة عشر غزوة مع النبي ﷺ، قال: لم أشهد بدرًا ولا أُحُدًا، منعني أبي، فلما قتل لم أتخلف. وكان له حلقة في المسجد النبوي، وكف بصره في آخر عمره. مات سنة ٧٨ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٢١٩، أسد الغابة ١/ ٣٠٧، الإصابة ١/ ٥٤٦].
(٧) أسلع بن شريك الأعرجي - وقيل: الأعوجي - التيمي، خادم رسول ﷺ وصاحب راحلته، وكان مؤاخيًا لأبي موسى، نزل البصرة، روى عنه زريق المالكي. [ينظر: الاستيعاب ١/ ١٣٩، أسد الغابة ١/ ٩١، الإصابة ١/ ٢١٢].
[ ١٩٤ ]
عن النبي ﵇ أنه قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (^١).
_________________
(١) أما حديث ابن عمر فأخرجه البزار ١٢/ ٢٨١، ح ٦٠٨٨، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٣٣٤، ح ٦٩٠، والحاكم ١/ ٢٨٧، ح ٦٣٦ من طريق سليمان بن أبي داود الجزري، عن سالم ونافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، وأخرجه البزار ١٢/ ٢٨١، ح ٦٠٨٩ من طريق محمد بن ثابت العصري، والطبراني في الكبير ١٢/ ٣٦٧، ح ١٣٣٦٦، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٣٣٢، ح ٦٨٥، والحاكم ١/ ٢٨٧، ح ٦٣٤ من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال أبو زرعة في رواية محمد بن ثابت: هذا خطأ؛ إنما هو موقوف. وقال في رواية سليمان: هذا حديث باطل، وسليمان ضعيف الحديث. وقال البزار: هذا الحديث رواه سليمان، عن نافع وسالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ والحفاظ يوقفونه على قول ابن عمر. وقال الدارقطني: كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما وهو الصواب. وقال البيهقي: الصواب عن ابن عمر موقوف. [ينظر: علل الحديث ١/ ٦٠٣، السنن الكبير ١/ ٣١٩]. وأما حديث جابر فأخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٣٣٥، ح ٦٩١، والحاكم ١/ ٢٨٨، ح ٦٣٨ من طريق حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف. وأما حديث أسلع فأخرجه الطبراني في الكبير ١/ ٢٩٨، ح ٨٧٥، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٣٣٠، ح ٦٨٣ من طريق الربيع بن بدر، حدثني أبي، عن أبيه، عن رجل منا، يقال له: الأسلع، قال: كنت أخدم النبي ﷺ وأرحل له، فقال لي ذات ليلة: «يا أسلع، قم فارحل» فقلت: يا رسول الله، أصابتني جنابة، قال: فسكت رسول الله ﷺ، فأتاه جبريل ﵇ بآية الصعيد، فقال رسول الله ﷺ: «قم يا أسلع فتيمم» قال: فقمت، فتيممت، ثم رحلت له، فسار حتى مر بماء، فقال لي: «يا أسلع مس - أو أمس - هذا جلدك»، قال: وأراني أبي التيمم كما أراه أبوه: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. وقال النسائي والدارقطني الربيع بن بدر متروك الحديث. [ينظر: علل الحديث ١/ ٦٠٦].
[ ١٩٥ ]
وروى أبو جهم بن حذيفة (^١) أنّ النبي ﵇ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (^٢). قالوا: وهذا نص.
والفقه في ذلك: أنه ممسوح في التيمم، فكان على حدّه في الوضوء كالوجه، أو نقول: طهارة عن حدث فدخل فيها الذراع كالوضوء.
قالوا: ولأن/ الطهارة في أربعة أعضاء كالصلاة أربع ركعات، ثم إذا رجعت الصلاة إلى ركعتين أُتِي بها على الكمال كذلك الطهارة.
الجواب:
عن الأول: أنا قد جعلنا هذا الإطلاق حجة لنا، وأن اليد المطلقة
_________________
(١) أبو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، قيل: اسمه عامر، وقيل: عبيد، من مسلمة الفتح، وكان من مشيخة قريش معظمًا مقدمًا فيهم، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، وأحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان، قال: لقد تركت الخمر في الجاهلية وما تركتها إلا خشية على عقلي وما فيها من الفساد. وكان من المعمرين، شهد بنيان الكعبة مرتين، مرة في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرة حين بناها ابن الزبير، قيل: إنه توفي زمن معاوية ﵁. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٦٢٣، أسد الغابة ٥/ ٥٧، الإصابة ٧/ ٦٠].
(٢) كذا قال المصنف، والصواب: أبو جهيم بن الحارث، أخرجه ابن المنذر، كتاب التيمم، باب ذكر صفة التيمم ٢/ ١٦٨، ح ٥٣٨، البيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب كيف التيمم ١/ ٣١٦، ح ٩٩٢، قال البيهقي: هذا منقطع. وأخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٣٢٤، ح ٦٧١ من طريق أبي صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇. ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب كيف التيمم ١/ ٣١٦، ح ٩٩١، والصواب في الحديث ما أخرجه البخاري، كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة ١/ ٧٥، ح ٣٣٧ عن يحيى بن بكير، عن الليث، بنحو حديث أبي صالح، إلا أنه قال: فمسح بوجهه ويديه.
[ ١٩٦ ]
في الشرع والعرف محمولة على الكف فقط، ولكل عضو بعدهما اسم يخصه، وإنما ذكر الله - سبحانه - ما وراء الكوعين للإدخال لا للإخراج.
والدليل عليه: أن الله - تعالى - أطلق في القطع، فقطع النبي ﵇، فكان فعله تفسيرًا لإطلاق القرآن، وقد عقل هذا أكثر الصحابة والتابعين، فروي عن علي (^١)، وعمار (^٢)، وابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، ومكحول (^٣)، والشعبي (^٤) أنهم قالوا كذلك (^٥)، فكان حجة لنا لا لهم.
وأما الدية فلا نسلم، وقد تقدم بيان الكف، ولو سلمنا فوجوب الدية في الجميع إلى المنكب لا يدل على أن [الكف بعض اليد] (^٦)، بدليل أنها لو كانت بعضًا لأثر فقدها في القصاص، أو الدية، ومعلوم أنا نقتل الصحيح بالمجذم (^٧)، ونوجب في الأقطع دية الصحيح.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، جماع أبواب التيمم، باب ذكر الروايات في كيفية التيمم عن عمار بن ياسر ﵁ ١/ ٣٢٥، ح ١٠١٥ من طريق عن يزيد بن أبي حبيب، أن عليًّا، وابن عباس، كانا يقولان: في التيمم الوجه والكفين.
(٢) أخرجه الطبري في التفسير ٧/ ٨٥ من طريق أبي مالك، قال: وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعهما فنفخهما، فمسح وجهه وكفيه، ثم قال: هكذا التيمم.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير ٧/ ٨٥ من طريق الأوزاعي، عن سعيد، وابن جابر، أن مكحولًا، كان يقول: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، ويتأول مكحول القرآن في ذلك: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وقوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق قال مكحول: قال الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع.
(٤) أخرجه الطبري في التفسير ٧/ ٨٦ من طريق داود، عن الشعبي قال: التيمم: ضربة للوجه والكفين.
(٥) قالوا: يقتصر المسح على الكوعين، وقد سبق أن خرّجتُ آثارهم في صدر المسألة.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (ما بيع النفس)، وهي عبارة غير متّفقة مع السياق، وما استظهرته هو الموافق للسياق.
(٧) يقال: رجل أجْذَم ومَجْذوم ومُجَذَّم: إذا تهافتت أطرافه من داء الجذام. [ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ١٥، المحكم والمحيط الأعظم ٧/ ٣٦٦.
[ ١٩٧ ]
على أنه لو كان على ما ذكر من العموم فما رويناه من الأخبار صالحة لتخصيص عموم القرآن، وصرفه عن ظاهره بتصريح تقديره - صلَّى الله عليه - بالكفين، أو اقتصاره عليهما، بل يُقضى بخبر الواحد على براءة الذمم الذي طريقه القطع بأدلة العقل.
وأما قولهم: إنه قد قيد في الوضوء، ومن مذهبكم حمل المطلق على المقيد.
قلنا: لا يُحمل عندنا في إحدى الروايتين (^١)، وهذا لأن تعيين الخطاب بشيء في موضع لا يوجب تقييد مثله في موضع آخر، كما أن تخصيص العموم [في موضع] (^٢) لا يوجب تخصيص العموم في موضع آخر.
/ ولأنه لو وجب حمل المطلق على المقيد بظاهر الخطاب لم يكن ذلك أولى من حمل المقيد على المطلق بظاهر الورود، وهذا لأن التقييد له حكم، والإطلاق له حكم، وحمل أحدهما على صاحبه مثل حمل صاحبه عليه.
وإن سلمنا على الرواية الأخرى فإنا نحمل [ذلك] (^٣) إذا كان جنسًا واحدًا، ولم يرد فيه تقدير شرعي، وقد ورد في مسألتنا ما منع الحمل، فأما التيمم فليس من جنس الوضوء، ولهذا لا يعمّ ما يعمه الوضوء في الوجه من الفم، والأنف، وتخليل الشعور، وذلك مسح عن غسل، وتراب عن ماء، فصارا كالجنسين لتباعد معناهما.
فأما الأخبار فغير ثابتة في صحيح ولا سنن، ثم قد طعن أصحاب الحديث فيمن رواها، فقال أبو زرعة الرازي (^٤) في حديث ابن عمر:
_________________
(١) ينظر: تقدّم توثيق الروايتين قريبًا.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٤) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، الحافظ أبو زرعة القرشي المخزومي مولاهم، الرازي، أحد الأعلام، قيل إنه ولد سنة ١٩٠ هـ، وكان من أفراد العالم ذكاء، وحفظًا، ودينًا، وفضلًا، وكان يحط على أهل الرأي بالري ويتكلم فيهم، قال ابن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل. وقال أبو حاتم: ما خلف بعده مثله علمًا وفهمًا، ولا أعلم من المشرق إلى المغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله. روى عن أحمد مسائل كثيرة قال: وقعت إلينا متفرقة كلها غرائب، وكان عالمًا بأحمد بن حنبل يحفظ حديثه كلّه. مات آخر يوم من سنة ٢٦٤ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٩٩، تاريخ الإسلام ٦/ ٣٦٠].
[ ١٩٨ ]
يرويه سليمان بن أبي داود (^١)، وهو ضعيف، وحديث أسلع يرويه الربيع بن بدر (^٢)، وهو متروك الحديث (^٣).
وقال غيره (^٤): هي موقوفة على ابن عمر، وجابر (^٥).
ولو قدر صحتها فإنا نحملها على الاستحباب، وأخبارنا نحملها على الجواز وقدر الكفاية، فنجمع بين الأخبار، وأنتم لا يمكنكم ذلك، فنكون أسعد.
وأما قولهم: ممسوح في الفم والوجه.
قلنا: لم كان كذلك، ولا نسلم أن الوجه على حده في الوضوء، فإنه يسقط منه في التيمم الفم، والأنف، ودواخل الشعور، على أن الوجه يبدو جميعه، وهو غير محدود في الوضوء بخلاف اليدين، ولأن الوجه هو الحجة من حيث إنه لم يقع المسح على ما يزيد على اسم الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، يجب أن لا يزيد هاهنا على ما يقع عليه اسم اليد.
ولأن الوجه آكد من اليدين،/ ألا تراهما في المبدل وهو الغسل
_________________
(١) سليمان بن أبي داود، الجزري، الحراني، قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: كان لين الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدًا. [ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ١١، الجرح والتعديل ٤/ ١١٦].
(٢) الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التميمي السعدي أبو العلاء البصري يلقب عُليلة، متروك. مات سنة ١٧٨ هـ. [ينظر: التقريب ص ٢٠٦].
(٣) ينظر: علل الحديث ١/ ٦٠٣.
(٤) كالدارقطني.
(٥) ينظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٣٢، ٣٣٥.
[ ١٩٩ ]
يجب الاستيعاب فيه، وفي اليدين لا يجب استيعابهما، لأن الآباط من جملتها على قولكم، ومع هذا لم يجب دخولها في الغسل، فجاز أن يختلفا في باب المبدل.
وأما قياسهم الثاني على الوضوء فلا يصح؛ لأنه قياس المنصوص على المنصوص، ثم التيمم لا يعتبر بالوضوء؛ لأن مبناه على الإسقاط، والتخفيف، ويستوي فيه الجنابة، والحدث، بخلاف طهارة الماء.
ولأن التيمم بدل، والأبدال مبناها على التخفيف، بخلاف الوضوء فإنه أصل، ومبنى الأصول على التكميل.
وأما الكلام الأخير فلا يصح؛ لأن البدل في الطهارة أخف من البدل في الصلاة، وهو المسح على الخفين.
الثاني: أن بدل الصلاة من جنسها أفعال من مثلها، وبدل الطهارة من غير جنسها وهو المسح، فهو أخف من بدل الصلاة، والله أعلم.
[ ٢٠٠ ]