إذا كان على بدنه نجاسة، ولا حدث عليه، ولم يجد ما يزيلها به تيمم عنها كما يتيمم للحدث، هذا مذهبنا في إحدى الوجهين (^١)، نص عليه (^٢)، [و] (^٣) اختاره أبو بكر الخلال (^٤) (^٥).
والوجه الثاني: أن التيمم لا يعمل في رفع حكمها (^٦)، اختاره ابن حامد (^٧) (^٨)، وهو قول أكثر الفقهاء (^٩).
ومأخذ المسألة: أن الطهارة الحكمية بُنيت على وفاق الحسيّة عندنا، وعندهم لا.
_________________
(١) ينظر: الهداية ١/ ٢١، الكافي ١/ ٦٤، الإنصاف ١/ ٢٧٩، المبدع ١/ ٢١٧.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٣٥٢.
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم الكلام.
(٤) أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلال الفقيه، كان أحد من صرف عنايته إلى جمع علوم الإمام أحمد بن حنبل، وسافر إلى البلاد لأجلها، وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم، صنف الجامع، والسنة، والعلل، والطبقات، وتفسير الغريب، والأدب، وأخلاق أحمد، وغير ذلك. مات سنة ٣١١ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٢، تاريخ الإسلام ٧/ ٢٣٢].
(٥) لم أقف على رأي الخلال في هذه المسألة.
(٦) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٧٩، المبدع ١/ ٢١٧.
(٧) الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله، البغدادي، الوراق، إمام الحنابلة في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم، له مصنفات في عدّة فنون، منها: الجامع في المذهب، وشرح الخرقي، وشرح أصول الدين، وأصول الفقه، وكان مُعظَّمًا في النفوس، مقدمًا عند الدولة والعامة، تفقه عليه القاضي أبو يعلى، وأبو طالب العشاري، وأبو بكر الخياط المقرئ، وكان قانعًا متعففًا، يأكل من نسخ يده ويتقوت، وكان يكثر الحج. مات سنة ٣٠٤ هـ. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٧١، تاريخ الإسلام ٩/ ٥٦].
(٨) ينظر: المبدع ١/ ٢١٧.
(٩) ينظر للحنفيّة: المبسوط ١/ ١١٦، بدائع الصنائع ١/ ٥٤. وللمالكيّة: الكافي ١/ ١٨١، الإشراف ١/ ١٨. وللشافعيّة: المجموع ٢/ ٢٠٩، مغني المحتاج ١/ ٨٧.
[ ٢٠١ ]
وهذا يبتني على أن على أعضاء المحدث نجاسة مقدرة حكمية، حتى إنّا نقول بنجاسة الماء المنفصل عن أعضائه في رواية (^١).
وهل يفتقر التيمم عنها إلى النية؛ فيه وجهان (^٢)، فإن كان محدثًا فنواهما بالتيمم فهل يجزئه تيمم واحد، فيه وجهان (^٣).
وجه الأول:
قول النبي ﵇: «التراب كافيك ما لم تجد الماء ولو عشر حجج» (^٤). فجعل التراب طهورًا/ لمن لم يجد الماء، وهذا عام في الطهارة عن الحدث، وعن النجس.
والفقه في المسألة أنا نقول: إحدى الطهارتين (^٥) فجاز أن يكون للتيمم فيها مدخل، دليله الطهارة عن الحدث.
أو نقول: طهارة تراد للصلاة، أو طهارة واجبة أشبه الأصل، وهذا لأن الحدث وإن لم يكن فيه نجاسة عينية فإن فيه نجاسة مقدرة حكمية، وهذا لأن استعمال الماء في الحدث لمّا وجب باسم الطهارة فلا بدّ من نجاسة لتكون ملائمة للتطهير، فثبت في المحل نجاسة حكمية، إذ الطهارات لا تكون إلا عن نجاسة، ولهذا المعنى تأثَّر الماء بالاستعمال حتى صار عندكم مستعملًا (^٦)، وعندنا نجسًا (^٧).
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١/ ٤٦، شرح الزركشي ١/ ١٢١.
(٢) ينظر: الفروع مع تصحيحه ١/ ٢٢٣.
(٣) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٨٩.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) عن الحدث أو النّجس.
(٦) الماء المستخدم في الطهارة من الحدث يكون (مستعملًا)، بمعنى: أن يكون طاهرًا غير مطّهر. ذكر ذلك الموصلي الحنفي في الاختيار ١/ ١٨.
(٧) في المسألة خلاف داخل المذاهب. [ينظر: الاختيار لتعليل المختار ١/ ١٨، بدائع الصنائع ١/ ٦٦، التمهيد ٤/ ٤٢، الذخيرة ١/ ١٧٤، المجموع ١/ ١٥٠، شرح الزركشي ١/ ١٢١].
[ ٢٠٢ ]
يدل عليه: أن الطهارة لا تجب إلا عن خارج نجس على ما عرف في موضعه، فدل بذلك أن الحدث في حكم النجاسة، ثم ثبت وتقرر أن التيمم له مدخل في طهارة الحدث، كذلك في طهارة النجس.
يدل عليه أنه لا معنى للنجاسة إلا المنع من الصلاة، والحدث بهذه المثابة، فلا فرق بينهما بوجه.
يدل عليه أن الميت ينجس بالموت عند أبي حنيفة (^١)، وعندنا في رواية (^٢)، ثم إذا عدم الماء في حقه فإنه يُيمَّم وتستباح بهذا التيمم الصلاة عليه، ويقوم مقام الغسل، وهذا تَيمُّم عن نجاسة، وقد أثر في رفع حكمها، كذلك هاهنا.
فإن قيل: التيمم إنما كان له مدخل في طهارة الحدث؛ لأنه رافع له على ما ذكره القاضي أبو زيد، فإنه خرَّج على مسائل من مذهب أبي حنيفة أنه يرفع الحدث (^٣)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي حنيفة (^٤)، بخلاف النجاسة فإن التيمم ما أزال عينها، ولا حقيقتها.
والدليل على أنه يرفع الحدث/ أن التيمم بدل عن الوضوء، والبدل يسدُّ مسدَّ المبدل، فإذا كان المبدل يرفع المانع، كذلك البدل، يوضح هذا أن المنع قد ارتفع به، والمنع حكم المانع، ومحال أن يكون المانع باقيًا وحكمه مرتفعًا.
والدليل على أن حكم البدل حكم المبدل ما ذكرناه من الأبدال في الكفارات تبرئ الذمة، ويرتفع ما شغلها حسبما رفع صحتها وأبرأها المبدل، وكذلك العِدد فعل البدل فيها وهو الشهور ما فعل الحيض والولد من إبراء الرحم، وترتب عليه إباحة العقد على المرأة.
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ١٠٢، العناية ٢/ ١٠٥.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٠١، الإنصاف ١/ ٣٣٧.
(٣) ينظر: تقويم الأدلة ١/ ٣٠٦.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٥٥، ٥٦.
[ ٢٠٣ ]
قلنا: أولًا: الصحيح والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وما ذكروه في كتبهم أن التيمم لا يرفع الحدث (^١)، فلا يلتفت إلى غيره.
ثم ندل عليه بقول النبي - صلَّى الله عليه - لعمرو بن العاص (^٢) في الحديث المشهور: «صليت بأصحابك وأنت جنب» لما كان قد تيمم لأجل خوف البرد (^٣)، فسماه جنبًا، وهذا يدل على أن الجنابة حاصلة بعد التيمم.
ثم التيمم لو رَفع الحدث لوجب إذا تيمم الجنب والمحدث ثم وجدا الماء أن لا يختلفا في [ما] (^٤) يلزمهما؛ لأن وجود الماء في حقهما على حال واحد، فلما اختلفا فلزم الجنب الغسل، والمحدث الطهارة، دل على أن حدثهما لم يرتفع، فاختلف ما يلزمهما لاختلاف حال حدثهما.
فأما قولكم: إن البدل يعمل عمل المبدل؛ ليس بصحيح؛ لأن المبدل يرفع بنفسه بغير نية عندكم، والتراب يحتاج إلى نية، والماء لا يتوقف، ولا يعود الحدث إلا بسببه، وفي التيمم يعود الحدث بغير سببه وهو وجود الماء.
_________________
(١) ينظر: المبسوط ١/ ١١٠، الجوهرة النيّرة ٢/ ٥١.
(٢) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد، بن سهم، القرشي السهمي، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ٨ هـ وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولمَّا أسلم كان النبي ﷺ يقرِّبه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، وولاه على غزوة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عمان، فمات النبي ﷺ وهو أميرها، وولاه عمر بن الخطاب على فلسطين، ثم مصر - وهو الذي افتتحها ـ، وأبقاه عثمان قليلًا ثم عزله، ثم لم يزل بغير إمرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية، فلحق بمعاوية، فكان معه يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين، ثم سار في جيش جهزه معاوية إلى مصر، فوليها لمعاوية من صفر سنة ٣٨ هـ إلى أن مات يوم الفطر سنة ٤٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٨٤، أسد الغابة ٣/ ٧٤١، الإصابة ٤/ ٥٣٧].
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ١/ ٩٢، ح ٣٣٤، ٣٣٥ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن حجر: إسناده قوي. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٨٥، فتح الباري ١/ ٤٥٤].
(٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٠٤ ]
وقولكم: إنه لا يزول الحكم مع بقاء سببه، فإذا كان الحدث باقيًا فكيف يزول المنع، والمنع حكم/ الحدث، ولهذا الماء لم يزل المنع به إلا بتوسط رفع المانع؛ فهذا ليس بصحيح - أيضًا ـ؛ لأن الحكم قد يرتفع مع بقاء سببه، بدليل أن السبب لتحريم أكل الميتة كونها نجسة العين ميتة [مستحيلًا] (^١) فيها الدماء والنتن والخبث الحاصل فيها، ثم إن الضرورة لما جاءت أزالت المنع من الأكل، وأباحت الأكل، وإن كان المعنى الذي تعلق عليه حكم [المنع] (^٢) باقيًا، ولم يحكم الشرع بزوال المانع، وزوال المنع، بل اللحم نجس وميتة، والإباحة حاصلة لأجل الضرورة، كذلك جسدُ المحدثِ؛ مُحدِثٌ جُنبٌ وغيره من الأحداث (^٣)، وأتيح له لأجل الضرورة الصلاة، فالبدن المحدث كالشاة الميتة، والأكل للضرورة كالصلاة مع الحدث للضرورة، وكذلك وضوء المستحاضة لا يرفع الحدث، بل الحدث مستدام في حقِّها، ومع ذلك تستباح الصلاة، فالمنع زال بطهارتها، والمانع مستدام، وإذا ثبت أن التيمم لا يرفع الحدث، لم يكن بينه وبين النجاسة فرق في أن التيمم رفع حكمه مع بقاء عينه، وسيظهر - بمشيئة الله - هذا الكلام فيما بعد.
وقد سلك بعض الأصحاب في المسألة طريقة أخرى، فقال: إن محل النجاسة يجب تطهيره تعبدًا حكميًّا، ولهذا نخصه بالماء والخل أبلغ منه في الإزالة، ونوجب غسل النجاسة سبعًا وهي تزول بدون ذلك، ويزول بلل البول بالشمس والهواء ولا يطهر المحل، وإذا ثبت أنه تطهير حكمي صار كالحدث في الأعضاء فدخله التيمم عند عدم الماء.
ولا يقال: النجاسة معقولة بخلاف الحدث؛ فإنا قد بينا أن محلها بعد الإزالة تطهيره بحكم، ولهذا ورد الشرع بأن فَركَ المنيّ من الثوب تطهيره، ورش بول/ الغلام تطهيره، وكذلك أسفل الخف بالتراب تطهيره،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (مستحيل)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) كجسد الحائض فهو كجسد المحدث الجُنب.
[ ٢٠٥ ]
وولوغ الكلب لا يطهر إلا بسبع إحداهنَّ بالتراب، والخمر المستلذة نجسة، ومخاط المزكوم وريق الأبخر طاهر، وأثر الاستنجاء يعفى عنه، ولا يعفى عن بقية البدن.
ولا يقال: فاشترطوا في ذلك النية، والتسمية كالطهارة الحكمية، قال: لأنا نقول: يحتمل أن نقول ذلك.
طريقة أخرى قد ذكرها بعض الأصحاب، وذلك أنه قال: نجاسة على بدنه فجاز أن يكون للجامد مدخل في إزالة حكمها، دليله نجاسة السبيلين، للجامد فيها مدخل وهو الأحجار.
فإن قيل: المعنى في السبيلين أنه تتكرر ملاقاة النجاسة لهما، وقد لا نجد ما يزيلها، فلهذا عدل إلى غيره.
قلنا: الحدث لغير الماء مدخل في طهارته، ويستوي فيه المعتاد وهو البول والغائط، والنادر وهو الدود والدم ونحوه، كذلك النجاسة يجب أن يكون لغير الماء مدخل في المعتاد والنادر.
وذكروا طريقة أخرى وهي: أن ما جاز التطهير به عن الحدث جاز التطهير به عن النجس، دليله الماء، يبيّن صحة هذا أن الحدث آكد بدليل أنه لا يعفى عن يسيره، وهو مجمع على وجوب إزالته، ويتعدى محله، ومع هذا للتراب مدخل فيه فأولى أن يكون له مدخل هاهنا.
وقد قيل: بأنها عين يجب إزالتها لحرمة عبادة، فجاز إزالة حكمها بالتراب، دليله الطيب من ثوب المحرم، وسنُبيِّن وجه كلامهم على هذا.
احتجوا في مسألة منع التيمم عن النجاسة، فقالوا: أجمعنا على أن من توضأ قبل أن يستنجي صحّ وضوؤه، [ولو] (^١) تيمم قبل أن يستنجي لم يصح التيمم، وما كان ذلك إلا لأن الوضوء/ عمله، فأما التيمم فإنه وضع لاستباحة الصلاة، وما دامت عليه نجاسة المحل فلا استباحة صلاة.
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (ولم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢٠٦ ]
واحتجوا بأن النجاسة عين، والتيمم ما أزال العين ولا خففها، فكيف يحكم بزوال حكمها به، وهذا لأن كل سارٍ متعدٍ إن لم يعمل في المحل الذي يحل فيه لم يسر ولم يتعد إلى غيره، وإنما ينفذ في المحل ويؤثر، ثم يسري ويتعدى كالعتق الذي يصادف ملكًا فينفذ، ثم يسري إلى غير ملك المعتِق، والجناية تصادف محلًا فيه حياة وحس وألم، فتتعدى إلى غير محل الإصابة، فتجدد ألمًا وضربًا وإزالة الحياة عنه، والتيمم في الوجه واليدين لم يصادف حدثًا ولا نجسًا عينيًا، ولا حكميًّا، فمُحال أن يرفع المنع، أو المانع من محل فيه غير المانع، وإذا لم يوجد في المحل النجس ملاقاة الطهور، ولا تعدى إليه حكمه لم يكن لزوال المنع معنى، وصار كما لو أصابت يده نجاسة فغسل وجهه فإن حكم النجاسة لا يرتفع، كذلك هاهنا.
وخُرِّج على هذا الحدث؛ لأنه حكم، وطهارته حكمية، ولهذا يقع الوضوء في الأعضاء الأربعة فيرفع حدث ما عداها، ويرفع المنع الذي كان يمنع من مس المصحف بالبطن والصدر، ويقع على الخف فيرفع المنع عن القدمين، وعلى العمامة عندكم فيرفع حدث الرأس، وعلى الجبيرة فيرفع حدث ما تحتها من محل الجبر في الحقيقة، كأفعال الله - سبحانه - المتعدية مثل الضرر الحاصل من العين والسحر، فالمعايِن ينظر فيعجب، والساحر يدخن ويعقد، والله - سبحانه - يحدث عن ذلك ما يحدث من المضار، كتعدي ما كان في جُفّ (^١) طَلْعَة (^٢) إلى النبي ﵇ حين كان/ يخيل إليه سبب الاغتسال (^٣)، ونظر العائن وإعجابه بعددهم يوم حنين والمضرة الواقعة
_________________
(١) الجُفّ: وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه. [ينظر: النهاية ١/ ٢٧٨].
(٢) الطَّلْع: نَوْر النَّخْلَة، مَا دَامَ فِي الكافور، وهو: ما يطلع من النخلة ثم يصير ثمرًا إن كانت أنثى، وإن كانت النخلة ذكرًا لم يصر ثمرًا، بل يؤكل طريًا، ويترك على النخلة أيامًا معلومة حتى يصير فيه شيء أبيض مثل الدقيق وله رائحة ذكية، فيلقح به الأنثى. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١/ ٥٤٦، المصباح المنير ٢/ ٣٧٥].
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب السحر ٧/ ١٣٦، ح ٥٧٦٣، ومسلم، كتاب السلام ٤/ ١٧١٩، ح ٢١٨٩ من حديث عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: «يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان» فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين» قلت: يا رسول الله: أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًا» فأمر بها فدفنت.
[ ٢٠٧ ]
بهزيمة جيش النبي - صلَّى الله عليه - فقال - سبحانه ـ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (^١).
وإزالة النجاسة كأكساب الآدميين التي لا تقع إلا محل قدرهم، فلو أثر التراب في رفع حكم النجاسة مع كونه واقعًا في غير محلها لأثر الماء في رفع حكمها مع وقوعه في غير محلها كطهارة الحدث.
ولأن هذا لا يليق بمذهبكم؛ لأن أحمد يشدد في باب النجاسة حتى إنه منع من الصلاة إلى حش (^٢) وراء قبلة المسجد، ومن الصلاة على بساط في ظاهره نجاسة مع طهارة الجهة التي صلى عليها منه، ومن الصلاة في المقابر، ومدافن النجاسات، ومن الصلاة في الحش مع طهارة البقعة، ومن الصلاة مع حمل قارورة مضمومة في باطنها نجاسة (^٣)، مع خلاف غيره له في هذه المسائل، فإذا كان حكم النجاسة في المنع على التعدية كيف يجوز أن يحكم بارتفاع حكم النجاسة بوقوع طهارة في غير محلها، لا مخففة لها، ولا مزيلة.
يدل عليه أنه إذا جاز أن يرفع حكم النجاسة وإن لم يكن مخففًا
_________________
(١) التّوبَة: ٢٥.
(٢) الحَشُّ والحُشُّ: البستانُ، والجمع الحشان مثل ضيف وضيفان، والحَشُّ والحُشُّ - أيضًا ـ: المخرج، لأنَّهم كانوا يَقضون حوائجَهم في البساتين. والجمع حُشوشٌ. [ينظر: الصحاح ٣/ ١٠٠١، المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٤٨٧].
(٣) ينظر: شرح الزركشي ٢/ ٣١، الفروع ١/ ٣٧١، الإنصاف ٢/ ٤٨٩ وبعدها.
[ ٢٠٨ ]
لها، ولا مزيلًا، ولا مصادفًا محلها، فهلا رفع الحكم عن نجاسة سترة المصلي، وما الفرق بين العضو والسترة إذا لم تعتبر مصادفة المحل بتخفيف ولا إزالة.
قالوا: وأما ما ذكره بعض أصحابكم من طيب المحرم، فإنما كان للتراب مدخل في الطيب لأنه يخفف عين الطيب ويزيله، وكذلك الأحجار لها مدخل في السبيلين؛ لأنها تخفف عين النجاسة، وكذلك الماء، وليس كذلك التيمم لأنه في أعضاء الطهارة فلا يخفف عين النجاسة.
/ الجواب:
أن التيمم لا يرفع الحدث على ما بيّنا، لكن يرفع حكمه، ومع كونه لم يرفع عين الحدث رفع منع الحدث، فكذلك أكثر ما يتعلقون به هاهنا أنه لا يرفع عين النجاسة، ويجوز أن لا يرفع العين ويرفع الحكم وهو المنع، وكثرة الماء لا ترفع عين النجاسة وتمنع الحكم، فإن الكثير إذا كانت فيه عين نجاسة لم تغيره لا تنجسه، فالعين حاصلة فيه ولا حكم، وكذلك النجاسات الحاصلة على مخرجي الحدث لا ترتفع عينها بالحجر ويرتفع الحكم مع بقاء العين، فإن الأثر اللاصق عين باقية لا حكم لها، فقد بان أن الحكم قد يرتفع عن النجاسة والحدث جميعًا مع بقاء العين، وهذا التيمم [لمّا] (^١) جعل رافعًا لحكم الحدث وهو منعه مع بقاء عينه جاز أن يرفع المنع عن النجاسة مع بقاء عينها، وكذلك - أيضًا - طهارة المستحاضة، ومن به سلس البول لا يخفف ومع هذا يلزم، وكذلك التيمم في حق الميت إذا لم يجد ماء فإنه يجب وإن لم يخفف على ما بيّنا.
وأما تعلقهم بالنجاسة على السترة، قلنا: طهارة البدن أدخل في الحصول، وأسرع إلى الصحة من غيره، بدليل أن المسح على غير البدن وهي الحوائل رخصة وضرورة، فيزول المانع أو المنع عن البدن، فيتعدى مسح غير البدن إلى تطهير البدن، وليس لنا طهارة في البدن ترفع مانعًا
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢٠٩ ]
على غير البدن، ولأن الثوب وكل ملبوس إذا كان نجسًا أمكننا تركه، وليس من ضرورتنا حمله في الصلاة، فإذا لم يجد ما يزيله صار تنجيسه كعدمه فيصلي عريانًا، فأما أعضاؤه فلا قدرة له على تركها، والتيمم طهارةُ ضرورةٍ وُضِعَ ليرفَعَ المنعَ فيُرفع (^١).
فإن قيل:/ فاجعلوا هذه النجاسة غير المقدور على إزالتها لعدم ما يزيلها بمثابة القليلة التي سقطت إزالتها لأجل المشقة، فاعفُ عنها لمكان عدم ما يزيلها، ولا يستعمل التراب كما لا يستعمل الماء في غير محلها لرفع حكمها في محلها.
قلنا: لا وجه لاطِّراحها مع وجود طهور وُضع لإزالة المنع مع وجود المانع وهو الحدث، وله من القوة في رفع المنع بالتعدية ما ليس للماء.
والدليل عليه: أنه إذا عدم الماء لجميع أعضائه عندنا (^٢)، وعند الشافعي (^٣) غسل وجهه ويديه، ثم أوقع التيمم في وجهه ويديه ولا حدث عليها، ولا مانع، فعمل في رفع حدث بقية الأعضاء وجميع [البدن] (^٤) في الصغرى والكبرى جميعًا، والماء لا يعمل هذا العمل، بل إذا صادف محلًا فيه حدث رفع حدثه ثم تعدى، وهذا يصادف محلًا لا حدث فيه وهو الوجه واليدان فلا يعمل فيهما، ويتعدى مع ذلك، فيعمل في رفع المنع من الأعضاء، فتخصص بأنه يعتبر استعماله في محل لا يرفع عنه منعًا ولا مانعًا، ويكون ذلك الاستعمال له لرفع المنع من غير محل استعماله، فقد بان بهذا قوة محله في رفع المنع.
وأما الطهارة بالماء فإنما لم تؤثر؛ لأنه قادر على إزالة العين بالماء، فإذا عدل عن غسلها مع القدرة لم يجز، وإذا عدم الماء فهو غير قادر، فجاز العدول إلى التيمم كما قلنا في الطهارة عن الحدث: إذا كان واجدًا
_________________
(١) يعني: العبادة التي يلزم لها الطهارة يرتفع المنع عن أدائها بالتيمم.
(٢) ينظر: الجامع الصغير ص ٢٩، الإنصاف ١/ ٢٧٣.
(٣) ينظر: الأم ٢/ ١٥٤، حلية العلماء ١/ ١٩٥.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (اليدين)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢١٠ ]
لما يزيل الحدث لم يجز له التيمم، وإذا لم يجد جاز له لأنه غير واجد، كذلك طهارة النجاسة مثله، وكذلك إذا غسل غير أعضاء الوضوء لم يجزئه لأنه قادر على غسل أعضاء الوضوء، وكذلك إذا كان حيث يغسل أعضاء الوضوء/ دون جميع البدن لم يجزئه؛ لأنه قادر على غسل بدنه، ليس كذلك هاهنا فإنه غير قادر، والله أعلم.
[ ٢١١ ]