يجب العدد في سائر النجاسات سبعًا (^١)، هذا مذهبنا في أحد الروايات (^٢)، وهي اختيار شيوخنا (^٣) ﵏.
والثانية: أنه يشترط الثلاث (^٤)، وهي قول أبي حنيفة (^٥)، وفي المذهب تفاصيل، وكذلك في مذهب الخصم [تفصيل] (^٦) مذكور في «شرح المذهب» (^٧).
للأوّلة:
أن الرسول ﵇ لما نص على غسل الوُلوغ (^٨) سبعًا كان تنبيهًا على البول؛ لأنه أغلظ نجاسة منه، وآكد حكمًا، فإنْ مَنَعَ أصحاب أبي حنيفة اعتبار العدد في الوُلوغ (^٩) دللنا عليهم بالحديث الصحيح، وهو حديث
_________________
(١) ينظر: الإرشاد ص ٢٥، شرح الزركشي ١/ ١٥٥، الإنصاف ١/ ٣١٣.
(٢) ينظر: الهداية ١/ ٢١، الروايتين والوجهين ١/ ٦٤.
(٣) كأبي يعلى في الجامع الصغير ص ٣٢، قال في الفروع ١/ ٢٣٧: «نقله واختاره الأكثر».
(٤) ينظر: الهداية ١/ ٢١.
(٥) مذهب الحنفية يشترط غسلها ثلاث مرات، والقول الآخر: لا يشترط لإزالتها عدد بل تكاثر بالماء حتى يغلب على الظن زوالها. [ينظر: المبسوط ١/ ٩٣، فتح القدير ١/ ١٩٣، حاشية ابن عابدين ١/ ٣٣١]. ومذهب الشافعيّة: الواجب مكاثرتها بالماء حتى تستهلك به، وتزول صفاتها، ولا يتغيّر الماء بها، ولو بغسلة واحدة، ويستحب ثلاثًا. [ينظر: حلية العلماء ١/ ٣٢٢، روضة الطالبين ١/ ٢٨].
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته لتستقيم العبارة.
(٧) كتاب: (شرح المذهب)، للقاضي أبي يعلى ابن الفراء. [ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٦، تاريخ الإسلام ١٠/ ١٠٥، معجم مصنفات الحنابلة ٢/ ٨٥].
(٨) وَلَغَ الكلب في الإناء يَلِغُ وُلوغًا، أي: شرب ما فيه بأطراف لسانه، ويولَغُ، أي: أوْلَغَهُ صاحبه. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٣٢٩].
(٩) تقدّم توثيق القول قريبًا، وقد استدلوا بأن الحديث ورد بلفظ: «ثلاثًا»، وبلفظ: «خمسًا»، وبلفظ: «سبعًا»، والأمر بالغسل ليس تعبديًّا؛ لأنه لا قربة تحصل بغسل الأواني.
[ ٢١٢ ]
أبي هريرة أن النبي - صلَّى الله عليه - قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا أولاهنَّ بالتراب»، فعلق التطهير بالسبع، فلا تطهر بدونها، وهذا الحديث متفق عليه؛ أخرجه مسلم في «صحيحه» (^١)، وأبو داود (^٢)، والساجي، وابن خزيمة (^٣) (^٤).
فإن قيل: نجاسة الوُلوغ أغلظ؛ لأن الكلب نجس في أصل الخلقة، ولا أصل له في الطهارة، [وسائر النجاسات لها أصل في الطهارة] (^٥) فكانت أضعف.
قلنا: البول مجمع على نجاسته، والوُلوغ مختلف فيه؛ فعند جماعة من الصحابة (^٦)، والتابعين (^٧)، ومالك (^٨)، وداود: أنه ليس بنجس (^٩)،
_________________
(١) ينظر: صحيح مسلم، كتاب الطهارة، ١/ ٢٣٤، ح ٢٧٩، وأخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ١/ ٤٥، ح ١٧٢ بلفظ: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا».
(٢) ينظر: سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب ١/ ٢٧، ح ٧١.
(٣) محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، أبو بكر الحافظ، ولد في صفر سنة ٢٢٣ هـ، طاف البلاد في طلب الحديث، وكان إمامًا ثبتًا معدوم النظير، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، واتفق - في وقته - أهل الشرق أنه إمام الأئمة. مات في ذي القعدة سنة ٣١١ هـ. [ينظر: الإرشاد للخليلي ٣/ ٨٣١، المنتظم لابن الجوزي ١٣/ ٢٣٣، تاريخ الإسلام ٧/ ٢٤٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٢٠٧].
(٤) ينظر: صحيح ابن خزيمة، كتاب الوضوء، باب الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب ١/ ٥٠، ح ٩٥.
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد نقلته من الانتصار ١/ ٤٨٥ حتى تستقيم العبارة.
(٦) لم أقف على من قال بهذا القول من الصحابة ﵃.
(٧) كالزهري والحسن البصري وعروة ابن الزبير. [ينظر: المجموع ٢/ ٥٦٧].
(٨) المالكية يقولون: سؤر الكلب طاهر، لكن يغسل الإناء منه سبعًا - إذا ولغ فيه الكلب - استحبابًا. [ينظر: التمهيد ١٨/ ٢٦٩، الاستذكار ٢/ ٢١٢].
(٩) الظاهرية يقولون: سؤر الكلب طاهر، لكن يغسل الإناء منه سبعًا - إذا ولغ فيه الكلب - فرضًا. [ينظر: المحلى ١/ ١٢٠].
[ ٢١٣ ]
ثم أصل البول تولده عن رطوبات بالمعدة النجسة، فلا أصل له في الطهارة كالكلب سواء، فإن أردتم أن أصل الرطوبات الماء، فأصل الكلب التراب وهو طاهر فلا فرق.
ثم يلزم بول الكلب فإن قلتم: إنه يجب غسله سبعًا. فقد قلتم بالتنبيه فإن الرسول نص على الوُلوغ فنبّه على البول، وإن قلتم: لا يجب غسله سبعًا. فقد خالفتم/ الأصول والمعقول؛ فإن بول كل حيوان في العالم أغلظ من ريقه.
فإن قيل: إنما نص على الوُلوغ تغليظًا؛ فإن نجاسة وُلوغه كانت مألوفة عندهم، فغلظ كما غلظ في كسر الدِّنان (^١)، وتخريق الزِّقاق (^٢) في الخمر.
قلنا: وجرّ أذيالهم على النجاسات، وترك تنزههم من البول كان مألوفًا، فلحق به التغليظ - أيضًا ـ، على أنه لو كان ذلك هو العلة لوجب أن لا يجب غسل الوُلوغ سبعًا، كما لا يجب شق الزقاق وكسر الدنان عندكم، فإنه قد زال الإلف، على [أن] (^٣) بوله غير مألوف فَلِم يوجبون عليه سبعًا؟ ثم لو كان هذا هو [العلة] (^٤) لكان ينبغي أن يوجبوا غسل ما يصيبه الخمر سبعًا؛ لأن العلة التي عللوا بها موجودة وأكثر.
فإن قيل: فالخبر حجتنا؛ لأنه لما خص الوُلوغ بالسبع دلّ على أن بقية النجاسات بخلافه.
قلنا: دليل الخطاب عندكم لا يوجد من العدد، ثم نصه على السبع في الوُلوغ لينبِّه على بقية النجاسات، ودليل الخطاب لا حكم له مع التنبيه.
_________________
(١) الدَّنُّ: وعَاء ضخم للخمر وَنَحْوهَا. [ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٩٩].
(٢) الزِّقُّ: السِقاءُ، وهو: كل وعاء اتخذ لشراب ونحوه. وقيل: لا يُسمَّى زِقًّا حتى يسلخ من قبل عنقه. وقيل: الزِّق: الوعاء الذي تنقل فيه الخمر، والجمع: أَزْقَاق، وأزُقّ، والكثير: زِقاق، وزُقَّان. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٩١، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٠٨].
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم المعنى.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (علة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
[ ٢١٤ ]
و- أيضًا - ما روى القاضي ﵀ أن أبا ثعلبة الخُشَنيّ (^١) سأل النبي - صلَّى الله عليه - عن بُرَم (^٢) المشركين كيف يصنع بها، فقال: «اغسلوها سبعًا واستعملوها» (^٣)، فعلق جواز الاستعمال على السبع.
وروى موسى بن عقبة (^٤) صاحب «المغازي» (^٥) عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (^٦). والصحابة إنما يأمرهم النبي ﵇، إذ لا أحد يمتثلون أمره سواه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك في بُدوّ الأمر؛ بدليل ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر أنه قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة والبول سبعًا، فلم يزل رسول الله - صلَّى الله عليه - يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من/ الجنابة والبول مرة (^٧).
_________________
(١) أبو ثعلبة الخُشَنِيّ، صحابي مشهور، معروف بكنيته، واسمه جرثوم بن ناشب وقيل غير ذلك، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، سكن الشام، وقيل: حمص، قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى خيبر، فأسلم، وخرج معه فشهدها، وكان ممن بايع تحت الشجرة، وأرسله النبي ﷺ إلى قومه فأسلموا، توفي ساجدًا سنة ٧٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٦١٨، أسد الغابة ٥/ ٤٤، الإصابة ٧/ ٥٠].
(٢) البُرَمُ: قدور من حِجارة، الواحدة: بُرْمَة، وربما جمعت: بِرَامًا، وبُرْمًا. [ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ١٥٩، المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٢٧٢].
(٣) لم أقف عليه.
(٤) موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، مولى آل الزبير بن العوام، كان فقيهًا مفتيًا من العلماء الثقات، صنّف (المغازي). قال الإمام مالك: عليك بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة. مات سنة ١٤١ هـ[ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٩٨٦، تذكرة الحفاظ ١/ ١١١، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٤٠].
(٥) كتابُ: (المغازي) مفقود، وقد وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٤٢ فقال: «وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى مزيد بيان وتتمة».
(٦) لم أقف على من أسنده، وقد ذكره ابن قدامة في المغني ١/ ٤٠، كما ذكره الزركشي في شرحه ١/ ١٤٦.
(٧) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الغسل من الجنابة ١/ ٦٤، ح ٢٤٧ من طريق أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عصم، عن عبد الله بن عمر، وقال ابن عبد البر: إسناده فيه ضعف ولين. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. [ينظر: التمهيد ٢٢/ ٩٥، العلل المتناهية ١/ ٣٣٣].
[ ٢١٥ ]
قلنا: لم يُذكر هذا الحديث في الصحاح، ثم هو متروك؛ فإنه لو غسل البول مرة فلم يغلب على ظنه أنه طهر وجب الزيادة، ونحمل ذلك إذا كان على الأرض فإنه تجزئ مرة، أو تحتمل المرة أنها ترجع إلى غسل الجنابة، وأدرج الراوي البول ظنًّا منه، بدليل أن ابن عمر إنما قال: «أُمرنا» بعد رسول الله ﵇.
والفقه في المسألة: أنها نوع نجاسة يجب غسلها، فوجب العدد فيها، دليله الوُلوغ، وهذا لأنا قد بيّنا أن الوُلوغ أضعف، فإذا وجب فيه العدد فأولى أن يجب في الأغلظ، ولا يلزم بول الغلام إذا لم يطعم الطعام فإنه لا يجب غسله، ولا يلزم إذا كانت على الأرض؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
وقد قيل: بأن الماء أحد نوعي ما يسقط حكم نجاسة البول، فاعتبر فيه العدد، دليله الأحجار.
فإن قيل: الأحجار لمَّا لم تُزِل الأثر جاز أن يعتبر فيها العدد ليزداد في تخفيف النجاسة، وليس كذلك الماء؛ لأنه يزيل العين والأثر، فلم يحتج معه إلى تَكرار.
قلنا: فيجب أن تقولوا مثل هذا في نجاسة الكلب، والخنزير لما كان الماء يزيل العين والأثر لم يعتبر العدد، وقد أوجبنا العدد هناك، كذلك في غيره من النجاسات، ثم يلزم عليه التيمم فإنه لا يرفع الحدث، ولم يعتبر فيه تَكرار يقويه على تخفيف رفع الحدث.
ومن أصحابنا (^١) من قال: بأنها نجاسة، فاعتبر فيها العدد، كما لو [لم] (^٢) يغلب على الظن طهارتها إلا بالسبع، وهذا لأن الاعتبار
_________________
(١) كأبي الخطّاب في الانتصار ١/ ٤٨٨.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
[ ٢١٦ ]
إما أن يكون بالعدد، أو بالظن، لا يجوز تعلقه بالظن، فإنه لو تيقن أن/ الماء قد أتى على جميع أعضائه في الحدث، ولم يغلب على ظنه أن ذلك مطهرًا له حصلت الطهارة، وفي مسألتنا لو تيقن أن الماء أتى على جميع محل النجاسة، ولم يغلب على ظنه أنه طهر فإنه يأتي بالعدد، فدل على أن الاعتبار بالعدد.
ومنهم من قال: إن المنفصل عن الغسلة الثالثة نجس، وكلما انفصل عن المحل محكوم بنجاسته لم يحكم بطهارة المحل كالمرة الأولى، وهذا لأن المنفصل كبعض الباقي في المحل فكان حكمُه حكمَه، وعكسه السابعة فإنها تنفصل عندنا طاهرة (^١).
وقد قيل: بأن ما ورد الشرع فيه بعدد محصور كان آخر العدد كأوله في الحكم، أصله الطواف، ورمي الجمار، وعدد الركعات، والنُّصُب (^٢)، والحدود، [وعدد] (^٣) الجمعة، والمسح على الخف، والاستجمار، ثم قد اتفقنا أن أول الغسلات واجبة، كذلك آخرها.
احتجوا:
بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٤)، وقوله ﵇: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء» (^٥)، وقوله ﵇: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» (^٦)، ولم يذكر العدد.
_________________
(١) ينظر: المبدع ١/ ٤٨.
(٢) النِصابُ من المال: القدر الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغه. [ينظر: الصحاح ١/ ٢٢٥].
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (وعد)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) المدَّثِّر: ٤.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد ١/ ٥٤، ح ٢٢٠ من حديث أبي هريرة، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: «دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين».
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم ١/ ٥٥، ح ٢٢٧، ومسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٤٠، ح ٢٩١ من حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به، قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه».
[ ٢١٧ ]
والفقه فيه: أنها نجاسة لا يشترط في إزالتها التراب، فلم يشترط فيها العدد كما لو كانت على الأرض، وفيه احتراز من الوُلوغ.
ولأنه بول فلم يجب في إزالته العدد، دليله بول الغلام.
ولأن ما لا يجب في طهارة الحدث من عدد الغسلات لا يجب في طهارة النجس، كالثمان، والتسع.
الجواب:
أما الآية فقد قيل فيها أشياء؛ أحدها: أن قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^١) أي: عملك فأصلح (^٢). وقال أبو سهل (^٣): معناها خلقك فحسنه (^٤). وقال ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٥) يعني من الإثم (^٦)./ وهم يقولون: فلان طاهر الثياب، إذا لبسها على اجتناب المحارم والمكاره، فإذا لبسها على فجره أو غدره قالوا: إنه لدنس الثياب. وقيل: نفسك (^٧). وهم يكنون بالثياب عن النفس. وقال ابن عباس (^٨)،
_________________
(١) المدَّثِّر: ٤.
(٢) قاله مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في التفسير ٨/ ١٩٣، ح ٢٣٢٢، والطبري في التفسير ٢٣/ ٤٠٨ من طريق منصور، عن مجاهد.
(٣) كثير بن زياد، أبو سهل الأزدي العتكي البصري، نزيل بلخ، وثّقه أبو حاتم. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٤٨٤].
(٤) أخرجه أبو عوانة في الزيادات على علل أحمد، رواية المروذي وغيره ص ٢٧٤، ح ٥٥٤، والدينوري في المجالسة ١/ ٣٥١، ح ١٥٢٧ من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح، عن أبي غانم، عن أبي سهل.
(٥) المدَّثِّر: ٤.
(٦) أخرجه أبو داود في الزهد ص ٢٩٩، ح ٣٤٥، والطبري في التفسير ٢٣/ ٤٠٦، وابن المنذر، كتاب طهارات الأبدان والثياب، جماع أبواب إزالة النجاسة عن الأبدان والثياب وإيجاب تطهيرها ٢/ ٢٦٠، ح ٦٨١، والحاكم ٢/ ٥٥٠، ح ٣٨٦٩ من طريق عطاء، عن ابن عباس، وقال الحاكم: على شرط الشيخين.
(٧) قاله قتادة، ومجاهد، وهو - أيضًا - قول النخعي، والضحاك، والشعبي، والزهري. [ينظر: التفسير البسيط ٢٢/ ٣٩٦، تفسير البغوي ٨/ ٢٦٤].
(٨) أخرجه الطبري في التفسير ٢٣/ ٤٠٥، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات ٢/ ٢٧، ح ٩٤١ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.
[ ٢١٨ ]
وعكرمة (^١): قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٢) قال: لا يلبسها على غدره، ولا فجره. ثم تمثل بشعر غيلان بن سلمة (^٣):
إني بحمد الله لا ثوبَ فاجِرٍ … لبست ولا من غدرة أتقنع (^٤)
وقال عطاء: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٥) قال: من الإثم (^٦). وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٧) أي: قلبك فطهر (^٨). وقد يعبر بالثياب عن القلب، قال امرؤ القيس (^٩):
فإن تك قد ساءتكِ مني خليقة … فسُلي ثيابي من ثيابك تنسل (^١٠)
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير ٨/ ١٩٣، ح ٢٣٢٣، والطبري في التفسير ٢٣/ ٤٠٦، والدينوري في المجالسة ٤/ ٣٥٢، ح ١٥٢٨ من طريق الأجلح، عن عكرمة.
(٢) المدَّثِّر: ٤.
(٣) غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف، وكان عنده عشر نسوة، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخير منهن أربعًا، وكان أحد وجوه ثقيف ومقدميهم، وكان شاعرًا محسنًا. توفي آخر خلافة عمر بن الخطاب. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٢٥٦، أسد الغابة ٤/ ٤٣، الإصابة ٥/ ٢٥٣].
(٤) ينظر: تاريخ دمشق ٤٨/ ١٤١، الإصابة ٥/ ٢٥٧، والبيت منسوب لغيره - أيضًا - نسبه المرزباني لأوفى بن مقرن بن مطر، ونسبه المستعصمي لبرذع بن عيسى الأوسي. [ينظر: معجم الشعراء ص ٤٦٨، الدر الفريد وبيت القصيد ١٠/ ١٠١].
(٥) المدَّثِّر: ٤.
(٦) أخرجه الدينوري في المجالسة ٤/ ٣٥٣، ح ١٥٢٩ من طريق ابن جريج، عن عطاء.
(٧) المدَّثِّر: ٤.
(٨) أخرجه البيهقي في الخلافيات ١/ ١٣١، ح ٥ من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: قلبك فنقه.
(٩) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، اشتهر بلقبه (امرؤ القيس)، أما اسمه فقد اختلف فيه، فقيل: حندج، وقيل: ملكية، وقيل: عدي. أشهر شعراء العرب على الإطلاق. يماني الأصل، وكان أبوه ملك أسد وغطفان، لقنه خاله المهلهل الشعر، فقاله وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته. فأبعده إلى دمّون بحضرموت، موطن آبائه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه وقتلوه، فبلغ ذلك امرؤ القيس وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لاصحو اليوم ولا سكر غدًا! اليوم خمر وغدًا أمر!، ونهض من غدِه فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعرًا كثيرًا. [ينظر: الأعلام للزركلي ٢/ ١١].
(١٠) ينظر: جمهرة أشعار العرب ص ١٢٢، شرح المعلقات التسع ص ١٣٦، والبيت من معلقة امرئ القيس.
[ ٢١٩ ]
أي: قلبي من قلبك، وقال عنترة (^١):
فطعنت بالرمح الأصم ثيابه … ليس الكريم على القَنَا (^٢) بمحرم (^٣)
أي: قلبه، وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ (^٤) أي: قصِّر (^٥). لأنه كان من عادة العرب جر ثيابها على النجاسات فنهى الله نبيه عن عاداتهم تنزيهًا له.
على أن الآية والأخبار تدل على إيجاب أصل التطهير والغسل، وكلامنا في الكيفية والعدد، على أنه إذا غسل سبعًا قد امتثل الأمر بالإجماع، فمن ادعى [أنه] (^٦) بدون ذلك يكون ممتثلًا فعليه الدليل، ثم [نحمل] (^٧): طهر: واغسل سبعًا؛ كما قالوا: طهر: واغسل حتى يغلب على ظنك الطهارة.
وأما قولهم: إنها نجاسة لا يشترط في إزالتها التراب.
قلنا: هذا ممنوع في أحد الوجهين على ما ذكره أبو بكر (^٨)،
_________________
(١) عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى، من أهل نجد، أمه حبشية اسمها زبيبة، سرى إليه السواد منها، وكان من أحسن العرب شيمة، ومن أعزهم نفسًا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة. [ينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول ٥/ ١٥١، الأعلام للزركلي ٥/ ٩١].
(٢) القَنا: جمع قَناةٍ، وهي الرمح، وتجمع - أيضًا - على: قَنَوات، وقُنِيّ، وأَقْنَاء. [ينظر: الصحاح ٦/ ٢٤٦٨، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٥٦٨].
(٣) هذا بيت من معلقة عنترة، كما في جمهرة أشعار العرب ص ٣٦٥، وشرح المعلقات التسع ص ٢٤٣، وعندهم: فشككت، بدل: فطعنت، ولم يقل فطعنت غير ابن فارس في مقاييس اللغة ٥/ ١٨٦، وعنده: كعوبه، بدل: ثيابه.
(٤) المدَّثِّر: ٤.
(٥) قاله طاوس، كما في التفسير الوسيط ٤/ ٣٨٠، وتفسير السمعاني ٦/ ٨٩، وتفسير القرطبي ١٩/ ٦٥.
(٦) ما بين المعكوفين في الأصل: (أن)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٧) ما بين المعكوفين في الأصل: (نحمله)، وما أثبته هو الموافق للسياق نقلًا من الانتصار ١/ ٤٨٨.
(٨) ينظر: الجامع الصغير ص ٣٢، الروايتين والوجهين ١/ ٦٤.
[ ٢٢٠ ]
ثم يلزم عليه الثوب الذي يهلكه التراب؛ فإنه لا يشترط في الولوغ، ويشترط فيه العدد.
وأما إذا كانت على الأرض فالقياس يقتضي فيها السبع/ إلا أن النبي - صلَّى الله عليه - قال: «صبوا على بول الأعرابي دلوًا من ماء» (^١)، فأمرنا بالمكاثرة من غير عدد، فاتبعنا ذلك، وتركنا القياس.
ولأن مبنى النجاسة على الاختلاف في الحكم، ولهذا نجاسة الخف تزول بالدلك بالأرض، ونجاسة المني تزول بالفرك، وفي الأشياء الصَّقِلَة (^٢) تزول بالمسح، وفي بقية المحال بخلاف ذلك.
ولأن الشرع ورد في نجاسة الأرض بالمكاثرة بقوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء» (^٣)، وفي مسألتنا أمرنا بالسبع في حديث ابن عمر (^٤)، ولا يجوز قياس المنصوص على المنصوص عليه؛ لأنه يفضي إلى إسقاط أحد النصين.
وأما بول الغلام فليس بواجب الغسل، ولأنه نص فيه بالرش فلم يعدل إلى غيره.
وأما تعلقهم بطهارة الحدث؛ فلا يجوز اعتبار النجاسة بالحدث، فإن النجاسة غسلها سبعًا مستحب، وغسل الحدث فوق الثلاث مكروه، ولأن الحدث يتكرر في اليوم دفعات، فلو أوجبنا فيه العدد شقّ وحرّج الناس، بخلاف النجاسة، ولأن الحدث ليس من جنسه ما يجب فيه العدد، وهاهنا من جنس النجاسات ما يجب فيه وهو نجاسة الكلب والخنزير فدل على الفرق بينهما، والله أعلم.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أي: الصقيلة، صَقَل الشيء يَصْقُله صَقْلًا، وصِقالًا، فهو صَقِيل، ومَصْقُول، أي: جلاه. [ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٤٤، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢٠٥].
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٢٢١ ]