يجوز المسح على الجوربين الصفيقين (^١) الساترين لجميع محل الفرض (^٢)، نص عليه أحمد (^٣)، وهو مذهب عطاء (^٤)، والحسن البصري (^٥)، وسعيد بن المسيب (^٦)، والنخعي (^٧)، وسعيد بن جبير (^٨) (^٩)،
_________________
(١) الصفيق: الجلد، وثوب صفيق: متين محكم الصنعة. [ينظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٩١، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢١٣.
(٢) ينظر: الهداية ١/ ١٥، شرح الزركشي ١/ ٣٩٧، الإنصاف ١/ ١٧٩، المبدع ١/ ١٣٦.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية المروزي ٢/ ٢٨٨، مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ ١/ ٢١.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب من قال الجوربان بمنزلة الخفين ١/ ١٧٣، ح ١٩٩١ من طريق ابن جريج، عن عطاء، قال: المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفين.
(٥) ينظر: المغني ١/ ٢١٥.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧١، ح ١٩٧٦ من طريق عن سعيد بن المسيب، والحسن أنهما قالا: يمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧١، ح ١٩٧٥ من طريق حصين، عن إبراهيم، قال: الجوربان والنعلان بمنزلة الخفين. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٢، ح ١٩٧٧ من طريق حصين، عن إبراهيم، أنه كان يمسح على الجوربين، وأخرج نحوه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين والنعلين ١/ ١٩٩، ح ٧٧٥ من طريق هشام بن عائذ، عن أخيه، عن إبراهيم.
(٨) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، قال ابن عباس، وقد أتاه أهل الكوفة يسألونه، فقال: أليس فيكم سعيد بن جبير؟ خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، ثم إنه اختفى وتنقل في النواحي اثنتي عشرة سنة، ثم وقعوا به، فأحضروه إلى الحجاج، فقتله الحجاج، وذلك في شعبان سنة ٩٥ هـ بواسط. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٧١، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠٠].
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٣، ح ١٩٨٩ من طريق أبي العميس، عن فرات، قال: رأيت سعيد بن جبير، توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
[ ٢٢٢ ]
والأعمش (^١) (^٢)، وسفيان الثوري (^٣)، والحسن بن صالح (^٤)، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد (^٥)، وزُفَر (^٦)، وأبي ثور (^٧).
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يجوز إلا أن يكونا مجلدين، أو بنعلين (^٨).
_________________
(١) سليمان بن مهران الأعمش، الإمام أبو محمد الأسدي مولاهم، الكاهلي الكوفي الحافظ المقرئ، أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ٦١ هـ، كان يسمى المصحف من صدقه، قال يحيى القطان: هو علامة الإسلام. وكان مع جلالته في العلم والفضل صاحب ملح ومزاح. مات سنة ١٤٨ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٠، تاريخ الإسلام ٣/ ٨٨٣].
(٢) ينظر: المحلى ١/ ٣٢٤.
(٣) أخرجه حرب في المسائل، كتاب الطهارة ص ٣٩٥، ح ٥٨٢ من طريق حسان بن إبراهيم الكرماني قال: قال سفيان في المسح على الجوربين، فقال: هو بمنزلة الخفين. قال: وسواء جوربي خِرق أو صوف. وينظر - أيضًا - الاستذكار ٢/ ٢٥٣.
(٤) الحسن بن صالح بن حي، الفقيه، أبو عبد الله الهمداني الكوفي العابد، أحد الأعلام، أخو علي بن صالح، ولد سنة ١٠٠ هـ، وكان من كبار الفقهاء، له أقوال تحكى في الخلافيات، قال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان، وفقه، وعبادة، وزهد. مات سنة ١٦٩ هـ. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٣٣٤].
(٥) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي الفقيه العلامة، مفتي العراقيين، أبو عبد الله، أحد الأعلام، ولد سنة ١٣٢ هـ، وأخذ عن أبي حنيفة بعض كتب الفقه، ولزم القاضي أبا يوسف، وتفقه به، ونظر في الرأي، وغلب عليه، وسكن بغداد، وولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان إمامًا مجتهدًا من الأذكياء الفصحاء، له من المصنفات: الجامع الكبير، والجامع الصغير. مات سنة ١٨٩ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٨٤، تاريخ الإسلام ٤/ ٩٥٤].
(٦) زفر بن الهذيل العنبري الفقيه، صاحب أبي حنيفة، ولد سنة ١١٠ هـ، وكان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، وكان أبو حنيفة يفضله ويقول: هو أقيس أصحابي. مات سنة ١٥٨ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣١٧، تاريخ الإسلام ٤/ ٥١، تاج التراجم ص ١٦٩].
(٧) ينظر في مذاهب التابعين الذين ذكرهم المصنِّف: المحلى ١/ ٣٢٤، المغني ١/ ٢١٥، الأوسط ١/ ٤٦٤. وينظر مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن: المبسوط ١/ ١٠٢، بدائع الصنائع ١/ ١٠.
(٨) ينظر للحنفيّة: المبسوط ١/ ١٠١، بدائع الصنائع ١/ ١٠. وللمالكية: الاستذكار ٢/ ٢٥٣، الإشراف ١/ ١٧. وللشافعيّة: الأم ١/ ٣٤، المجموع ١/ ٤٩٩.
[ ٢٢٣ ]
لنا:
ما روى أحمد بإسناده (^١) / عن المغيرة بن شعبة (^٢)، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري (^٣) أن النبي - صلَّى الله عليه - مسح على الجوربين. وقد أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن خزيمة (^٤)، وقد عمل على ذلك
_________________
(١) ينظر: مسند الإمام أحمد ٣٠/ ١٤٤، ح ١٨٢٠٦، وسيأتي قريبًا كلام الأئمة في الحكم على الحديث.
(٢) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، كان من دهاة العرب، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، كان يقال له مغيرة الرأي، وهو أعور أصيبت عينه يوم اليرموك، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، ولاه عمر على الكوفة، وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة ٥٠ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٤٤٥، أسد الغابة ٤/ ٤٧١، الإصابة ٦/ ١٥٦].
(٣) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر أبو موسى الأشعري، قدم المدينة بعد فتح خيبر، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، واستعمله عمر على البصرة، فافتتح الأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت بالقرآن، قال النبي ﷺ: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وهو الذي فقّه أهل البصرة وأقرأهم. مات سنة ٤٢ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٧٩، أسد الغابة ٣/ ٢٦٣، الإصابة ٤/ ١٨١].
(٤) حديث المغيرة أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين ١/ ٤١، ح ١٥٩، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في المسح على الجوربين والنعلين ١/ ١٦٧، ح ٩٩، وابن خزيمة، كتاب الوضوء، باب الرخصة في المسح على الجوربين والنعلين ١/ ٩٩، ح ١٩٨، والنسائي، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين والنعلين ١/ ٨٣، ح ١٢٥ من طريق أبي قيس الأودي، عن الهزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. قال البيهقي: منكر. وضعفه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. [ينظر: علل أحمد رواية عبد الله ٣/ ٣٦٦، السنن الكبير للبيهقي ١/ ٤٢٦، معرفة السنن ٢/ ١٢٢]. وأما حديث ابن عمر فلم أقف عليه، ولكن أُثر عنه ذلك فيما رواه عبد الرزاق في مصنفه ١/ ٢٠١، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٦٢، وابن حزم في المحلى ١/ ٣٢٤. وأما حديث أبي موسى الأشعري فأخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين ١/ ١٨٦، ح ٥٦٠ من طريق عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. قال أبو داود: ليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال العقيلي: الأسانيد في الجوربين والنعلين فيها لين. وقال البيهقي: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به. [ينظر: سنن أبي داود ١/ ٤١، الضعفاء الكبير ٣/ ٣٨٣، السنن الكبير ١/ ٤٢٧].
[ ٢٢٤ ]
عمر (^١)، وعلي (^٢)، وابن عمر (^٣)، وابن عباس (^٤)، وابن مسعود (^٥)، وأبو موسى (^٦)، وأبو سعيد (^٧) (^٨)، وسهل بن سعد (^٩) (^١٠)،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧١، ح ١٩٧٤ من طريق جلاس بن عمرو، أن عمر، توضأ يوم جمعة، ومسح على جوربيه ونعليه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين والنعلين ١/ ١٩٩، ح ٧٧٣، وابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٢، ح ١٩٨٥، والبخاري في التاريخ ٧/ ٢٢٤) من طريق كعب بن عبد الله، أن عليًا، بال، ثم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
(٣) ينظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٠١، الأوسط ١/ ٤٦٢، المحلى ١/ ٣٢٤.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين ١/ ٢٠٠، ح ٧٨١، والطبراني في الكبير ٩/ ٢٥١، ح ٩٢٣٩ عن ابن مسعود، أنه: كان يمسح على الجوربين، والنعلين.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، الأنصاري، الخزرجي، أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها، وكان من أفقه أحداث الصحابة، وأحد المكثرين العلماء الفضلاء العقلاء. مات سنة ٧٤ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٦٧١، أسد الغابة ٢/ ٢١٣، الإصابة ٣/ ٦٥].
(٨) لم أقف عليه.
(٩) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي، من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حزنًا فغيره النبي ﷺ، توفي النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. مات سنة ٩١ هـ وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٦٦٤، أسد الغابة ٢/ ٣٢٠، الإصابة ٣/ ١٦٧].
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٣، ح ١٩٩٠ من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، أنه مسح على الجوربين.
[ ٢٢٥ ]
وعقبة بن عامر (^١) (^٢)، والبراء بن عازب (^٣) (^٤)، وبلال (^٥) (^٦)،
_________________
(١) عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة، الجهني، الصحابي المشهور، كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وشهد الفتوح، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وشهد صفين مع معاوية، وأمّره بعد ذلك على مصر. مات سنة ٥٨ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٠٧٣، أسد الغابة ٣/ ٥٥٠، الإصابة ٤/ ٤٢٩].
(٢) لم أقف عليه، ولعلّ مراد المصنِّف - أو الناسخ - هو: عقبة بن عمرو، فقد أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين والنعلين ١/ ١٩٩، ح ٧٧٤، وابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧١، ح ١٩٧٢، من طريق خالد بن سعد، عن عقبة بن عمرو، أنه مسح على جوربين من شعر.
(٣) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم الأنصاري الأوسي، له ولأبيه صحبة، غزا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة غزوة، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، وشهد مع علي الجمل وصفين، وقتال الخوارج، ونزل الكوفة وابتنى بها دارًا. مات سنة ٧٢ هـ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ١٥٥، أسد الغابة ١/ ٢٠٥، الإصابة ١/ ٤١١].
(٤) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين والنعلين ١/ ٢٠٠، ح ٧٧٨، وابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٢، ح ١٩٨٤، وابن المنذر، كتاب المسح على الخفين، باب ذكر المسح على الجوربين والنعلين ٢/ ١١٦، ح ٤٨١، والبيهقي في السنن الكبير، كتاب الطهارة، باب ما ورد في الجوربين والنعلين ١/ ٤٢٧، ح ١٣٥٥ من طريق إسماعيل بن رجاء، عن أبيه قال: رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه.
(٥) بلال بن رباح الحبشي، مولى أبي بكر الصديق، كان من السابقين إلى الإسلام، اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي ﷺ وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي ﷺ مجاهدًا إلى أن مات بالشام زمن عمر. [ينظر: الاستيعاب ١/ ١٧٨، أسد الغابة ١/ ٢٤٣، الإصابة ١/ ٤٥٥].
(٦) أخرجه ابن المنذر، كتاب المسح على الخفين، باب ذكر المسح على الجوربين والنعلين ٢/ ١١٦، ح ٤٨٢ من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: رأيت بلالًا قضى حاجته، ثم توضأ ومسح على جوربيه وخماره.
[ ٢٢٦ ]
وأبو أمامة (^١) (^٢)، وأنس بن مالك (^٣)، وعمرو بن حريث (^٤) (^٥) ﵃ فإنهم مسحوا على الجورب، وأمروا به في منازل مختلفة، ومواطن عدِّة.
فإن قيل: هذه قضية عين وحكاية حال، وإذا احتملت وقفت، فيحتمل أن يكونا مجلدين، أو منعلين، ونحن نقول بذلك.
قلنا: قد رُوي في بعض ألفاظ الخبر: كان يمسح. وذلك يقتضي الدوام، ويبعد أن يتفق كونهما على الصفة التي ذكرتم في عموم الأوقات.
على أن الجورب المطلق إنما يقع على ما لا نعل له، إذ ليس الاسم إلا على هذا، والعرب لا تعرف منعّلًا سوى الخف، وإنما هذه عادة الأعاجم،
_________________
(١) صُدَيّ بن عجلان بن الحارث بن وهب بن عريب بن وهب، أبو أمامة، الباهلي، مشهور بكنيته، سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص، ومات بها، وكان مع علي بصفين، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله ﷺ، وأكثر حديثه عند الشاميين. مات سنة ٨٦ هـ، وقيل غير ذلك. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٧٣٦، ٤/ ١٦٠٢، أسد الغابة ٥/ ١٦، الإصابة ٣/ ٣٣٩].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٢، ح ١٩٧٩، وابن المنذر، كتاب المسح على الخفين، باب ذكر المسح على الجوربين والنعلين ٢/ ١١٧، ح ٤٨٣ من طريق حماد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة.
(٣) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين ١/ ٢٠٠، ح ٧٧٩، وابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب في المسح على الجوربين ١/ ١٧٢، ح ١٩٧٨، والطبراني في الكبير ١/ ٢٤٤، ح ٦٨٦ من طريق قتادة، عن أنس، أنه كان يمسح على الجوربين.
(٤) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو سعيد، القرشي، له ولأبيه صحبة، ولد في أيام بدر، وقيل: قبل الهجرة بسنتين، مسح النبي ﷺ برأسه، ودعا له بالبركة، وروي عنه أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينة، نزل الكوفة وابتنى بها دارًا وسكنها، وقيل: إنه أول قرشي اتخذ بالكوفة دارًا، وكان له فيها قدر وشرف. مات سنة ٨٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٧٢، أسد الغابة ٣/ ٧١٠، الإصابة ٤/ ٥١٠].
(٥) لم أقف عليه.
[ ٢٢٧ ]
فيجب حمله على عادة العرب، والغالب دون النادر، والجورب المنعّل خف قصير له اسم يخصه، فلو كان منعلًا سماه [باسمه] (^١).
والفقه في المسألة أنا نقول: حائل طاهر حلال ساتر لمحل الفرض من الرجل تُستر به الرجل في العادة، أو نقول: نعل يستر الرجل غالبًا، فجاز المسح عليه كالخف.
ولأنه يجوز المسح عليه إذا خُرِز (^٢) بالنعل، فجاز المسح عليه وإن لم يخرز بالنعل كالخف.
فإن قيل: إلا أنه لا يمكن متابعة المشي فيه بخلاف الخف.
قلنا: ليس كل المقصود بالخف المشي، بل الستر لدفع الحر والبرد والغبار، وللجمال، ولتوقي السلاح في الحرب، يوضح هذا أن الراكب يسير بمشي غيره ويلبس الخف، فلو كان قصد/ العقلاء بالخف المشي لم يلبسه من استغنى عن المشي، والمتنقل في داره من مجلس إلى مجلس يلبس الخف كما يلبس النعل، وليس ذلك المشي مما يحتاج إلى خف، ويجوز للابسه المسح، ولو كان زَمِنًا (^٣) - أيضًا - جاز له المسح ولا مشي، وإذا ثبت أن للخف مقصودين وجب أن يجعل المسح جائزًا لكل واحد منهما.
فإن قيل: فالباتاواه (^٤) التي يلبسها الركابية (^٥)، والدَّيَالِم (^٦)
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (باسم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) خَرزَ الخف وغيره يخْرزه ويخرُزه خرزًا، فهو خرَّاز. والخرزة: الكُتْبَة الواحدة، والجمع خُرَز، قال الليث: الخرْز خياطة الأدَم، وكل كُتْبة منه خُرْزة، يعني كل ثُقْبة وخيْطَها. [ينظر: تهذيب اللغة ٧/ ٩٣، الصحاح ٣/ ٨٧٦].
(٣) زَمِن الرجل يزمَن زَمَنًَا وزُمْنَة وزَمَانَة، فهو زَمِنٌ، والجمع: زَمِنُونَ، وهو زَمينٌ، والجمع: زَمْنَى، وهو: عدم بعض أعضائه، أو تعطيل قواه، والزَّمانَة: العاهة. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٨٢٨، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٦٧].
(٤) لفائف تلف بها الرجل وتوضع في الخف، وهي فارسية. [ينظر: التلخيص في معرفة أسماء الأشياء ص ١٦٧].
(٥) كأنه منسوب إلى الركاب، وهي الإبل.
(٦) الدّيلم: اسم لجبل، والديالم: هم الأعاجم من بلاد الشرق، وقيل: هم التّرك، وضعهم بعض ملوك العجم في تلك الجبال. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٣٤٥، تاج العروس ٣٢/ ١٦٥].
[ ٢٢٨ ]
تحرس الرجل عن الحر والبرد، ولا يجوز المسح عليها، فبطل أن يكون ذلك مقصودًا مبيحًا للمسح.
قلنا: تلك يلزمكم منها ما يلزمنا، فإنها مما يمكن متابعة المشي فيها وما جاز المسح، وما ذاك إلا لأنها ليست حائلًا مستقلًا بنفسه، ولا تقوم إلا بغيرها، وهذا حائل مستقل بنفسه، ولهذا يلبسه الناس لما ذكرنا في مجالسهم وسفرهم وحضرهم كالصوفية، ومن يطلب الكن، والدفء، وتوقية الرجل.
احتجوا:
بأن الأصل غسل الرجلين، فلا يعدل عن ذلك إلا إلى ما نقل إليه، ونُص عليه وهو الخف، وبقي ما عداه على المنع، وإنما نقل الشرع إلى مسح الخف رخصة لأجل مشقة الخلع والرد، وذلك يمحق الزمان، ويورث التعب، وإنما يكون ذلك شاقا [إذا] (^١) كان الملبوس معتادا يشق خلعهما لعموم لبسهما، وإمكان إدمان المشي فيهما، فيدفع بالمسح مشقة عامة، وغيرهما فلا حاجة بالناس إليه غالبًا، ولا ينتقل إليه عن الأصل المستقر فرضه وهو الغسل، كما لا ينتقل عنه إلى مسح اللفائف والباتاواه.
الجواب:
قلنا: وقد نُص على الجوربين، واستعمل ذلك الصحابة فقولوا به، وما ذكروه من الحصر باطل بالخف الزجاج والخشب، والخف الذي لا نعل له، والخف/ الزرد (^٢) الذي يعمل للتوقي من السلاح في الحرب، هذه كلها ملبوسات بعضها للحال، وبعضها لتوقية الرجل من الحر والبرد،
_________________
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (فإذا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) الزَّرْد، والزَّرَد: حَلَقُ المِغْفَر والدِّرْع، والجمعُ: زُرُود. [ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٢٠].
[ ٢٢٩ ]
يُلبس للمشي على البُسُط، وللمتودِّع غير المسافر، ولا الماشي في الطريق، والراكب الذي لا يحتاج إلى المشي، ولا مشيًا غالبًا كالملوك والأجناد الذين يقل منهم المشي، ويدمنون الركوب للتودّع تارة، وللحروب أخرى، أو للزينة، وكذلك الجوربين من الجلود لا يتابع المشي فيهما ويجوز المسح عليهما، وإذا كان [استعمال] (^١) الناس ينقسم إلى نوع مشقة، ونوع تودّع، وجميعًا يستويان في استباحة النص فيهما، كذلك الخف مع الجورب، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبتها ليستقيم السياق.
[ ٢٣٠ ]