لقد كُتب في ورقة غلاف المخطوط - بخطٍّ حديث يختلف عن خطِّ المخطوط تمامًا - ما يشير إلى أنّ هذا الكتاب «المفردات» لأبي يعلى، ولم يظهر سبب ذلك، ولا يمكن الاعتماد على هذه الكتابة الحديثة من غير دليل يدلّ عليها، وبعد الدراسة تبيّن لي أن هذا الكتاب «المفردات» لابن الزاغوني، ومما يؤكد نسبة هذا الكتاب لابن الزاغوني الأمور الآتية:
١ - غالب من ترجم لابن الزاغوني ذكر أن من ضمن مؤلفاته الفقهيّة: «المفردات»، منهم ابن رجب، وذكر أنه مبني على مئة مسألة في جزئين (^٣).
_________________
(١) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠٥.
(٢) ينظر: الإنصاف ٨/ ٩.
(٣) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠٥.
[ ٣٧ ]
وهذا الكتاب في المفردات كما ذكرتُ آنفًا، ويظهر أنّه مكوّن من جزئين، وأنّ عدد مسائله مئة مسألة.
يرجّح ذلك أنّ عدد المسائل في الجزء الأول المراد تحقيقه (٤٩) مسألة، وقد شملت تلك المسائل أبواب الفقه من كتاب الطهارة حتى كتاب الغصب.
كما يرجّحه - أيضًا - أنه جاء في آخر النسخة المراد تحقيقها ما نصه: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الذي يليه - إن شاء الله - مسألة إذا غصب أرضًا فزرعها».
فكون «المفردات» لابن الزاغوني مئة مسألة، وفي جزئين، وكون الجزء الأول - محل التحقيق - شمل نصف أبواب الفقه الأولى تقريبًا في (٤٩) مسألة، فإنّ الجزء الثاني - المتبقي من الكتاب، وهو يمثل نصف أبوب الفقه الأخيرة تقريبًا - يُرجّح أن يكون تمام المئة مسألة.
٢ - أنّ الكُتب التي أُلِّفت في مفردات الحنابلة بالقرن الخامس والسادس هي:
أ - «المفردات»، ويسمى «الخلاف الكبير»، ويسمى «الانتصار في المسائل الكبار»، لأبي الخطّاب (ت: ٥١٠ هـ)، وقد طُبع منه كتاب الطهارة والصلاة والزكاة، وبمقارنة مسائل هذين الكتابين يتبيّن أنّ هناك اختلافًا في المسائل، وهذا دليل على أنّ كتابنا هذا ليس هو مفردات أبي الخطّاب (^١).
ينضاف لذلك: أنّ عادة أبي الخطّاب في كتاباته إذا ورد ذكر أبي يعلى أن يقول: «قال شيخنا أبو يعلى»، أو يقول: «قال شيخنا» (^٢)، ولا يذكره بوصفه مجرّدًا، ومؤلف كتابنا هذا لا يذكر أبا يعلى إلا بوصفه «القاضي» فقط.
_________________
(١) مما تجدر الإشارة إليه إلى أنّ مؤلف كتابنا هذا قد استفاد من كتاب الانتصار لأبي الخطاب، ونقل منه في مواضع كثيرة، إلا أنه قد أتى بمسائل لم يتكلم عنها أبو الخطّاب، وأعرض عن مسائل تكلّم عنها أبو الخطاب، وتوافقوا في مسائل كان نفس مؤلف كتابنا فيها أطول.
(٢) ينظر مثلًا: الانتصار ١/ ٣٠٤، ٣/ ٢٧٥، التمهيد ١/ ٢٤١، ٣/ ٢٩٧.
[ ٣٨ ]
ب - «المفردات»، لأبي الوفاء ابن عقيل (ت: ٥١٣ هـ)، وكتابنا هذا ليس له؛ لأنه قد جرت عادته في كتاباته إذا ورد ذكر أبي يعلى أن يقول: «شيخنا الإمام أبو يعلى ابن الفراء كرّم الله وجهه»، أو يقول: «شيخنا ﵁»، أو يقول: «شيخنا» (^١)، ولا يذكره بوصفه مجرّدًا، ومؤلف كتابنا هذا لا يذكر أبا يعلى إلا بوصفه «القاضي» فقط.
ج - «المفردات»، ويسمى «رؤوس المسائل المفردات في الفقه»، لأبي الحسين، محمد بن القاضي أبي يعلى (ت: ٥٢٦ هـ)، وكتابنا هذا ليس له؛ لأنه قد جرت عادته في كتاباته إذا ورد ذكر أبي يعلى أن يقول: «قال الوالد السعيد» (^٢)، ولا يذكره بوصفه مجرّدًا، ومؤلف كتابنا هذا لا يذكر أبا يعلى إلا بوصفه «القاضي» فقط.
د - «المفردات»، لابن الحنبليّ، عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي (^٣) (ت: ٥٣٦ هـ)، وكتابنا هذا ليس له؛ لأنه لو كان له لنَقَل عن والده أبو الفرج الشيرازي (ت: ٤٨٦ هـ) شيخه وشيخ الحنابلة في الشام بوقته، وصاحب المصنّفات الشهيرة؛ كالمنتخب والمبهج والإيضاح والتبصرة في أصول الفقه، وكتابنا لم يرد فيه ذكر للشيرازي ولا نقل عنه.
هـ «المفردات»، للوزير أبي المظفّر، يحيى بن محمد بن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ)، وكتابنا هذا ليس له؛ لأنه قد جرت عادته في كتاباته - عند ذكر القاضي أبي يعلى - أن يقول: «القاضي أبو يعلى الفراء»، أو يقول: «القاضي أبو يعلى ابن الفراء»،
_________________
(١) ينظر مثلًا: الواضح في أصول الفقه ٣/ ٢٠١، ٢٠٦، ٢٠٧.
(٢) ينظر مثلًا: طبقات الحنابلة ١/ ١١٠، ٢/ ٦٦.
(٣) ذكر الشيخ الدكتور عبد الله الطريقي في هامش معجم مصنفات الحنابلة ٢/ ١٩٠ أن كتاب مفردات الشيرازي حُقق في عدد من الرسائل العلمية بجامعة الإمام، ولم يذكر أي معلومة تفيد للوصول إليه، وقد بحثت عنه في جامعة الإمام ولم أجده.
[ ٣٩ ]
أو يقول: «القاضي أبو يعلى» (^١)، ولا يذكره بوصفه مجرّدًا، ومؤلف كتابنا هذا لا يذكر أبا يعلى إلا بوصفه «القاضي» فقط.
و- «المفردات»، لأبي يعلى الصغير (ت: ٥٦٠ هـ) (^٢)، وكتابنا هذا ليس له؛ لأن المرداوي نقل عن الكتاب المذكور فقال: «قال أبو يعلى الصغير في مفرداته عن بعض الأصحاب: تسقط الزكاة بالتحيّل، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي» (^٣)، وفي كتابنا لما تكلّم عن هذه المسألة؛ لم يذكر إلا رواية واحدة، فقال: «لم تسقط الزكاة .. هذا مذهبنا، وهو اختيار الخرقي، وهو مذهب مالك. وعند أبي حنيفة والشافعي: أنها تسقط».
كما أنّ المرداوي نقل - أيضًا - عن مفردات أبي يعلى الصغير في مسألة: أيهما أفضل الحج ماشيًا أو راكبًا أو هما سواء؟ فقال: «قال أبو يعلى الصغير في مفرداته: المشي أفضل» (^٤)، وفي كتابنا انتهى قسم العبادات كاملًا ولم يتكلّم عن أي مسألة في الحج.
ينضاف لذلك: أنّ هذا الكتاب لو كان له لنَقَل عن شيخه ووالده محمد أبو خازم ابن أبي يعلى، صاحب المصنفات الشهيرة؛ كشرح الخرقي، ورؤوس المسائل، والتبصرة في الخلاف، وكتابنا لم يرد فيه ذكر لوالده.
_________________
(١) ينظر مثلًا: اختلاف الأئمة العلماء ١/ ٢٦٧، ٣٥٣، الإفصاح ٢/ ٢٤١.
(٢) أبو يعلى الصغير: هو حفيد القاضي أَبي يعلى الكبير (الجدّ)، وبيان ذلك أن القاضي محمد بن الحسين أبا يعلى الكبير له ثلاثة أبناء، وهم: (عبيد الله أبو القاسم، ومحمد أبو الحسين صاحب الطبقات (ت: ٥٢٦ هـ)، ومحمد أبو خازم (ت: ٥٢٧ هـ»، وأبو يعلى الصغير هو ابن لمحمد أبي خازم، فهو حفيد القاضي أبي يعلى الكبير، وإذا أطلق (أبو يعلى الصغير) فالمراد به الحفيد، ولا ينصرف اللقب لغيره. [ينظر المدخل المفصل ١/ ١٨٨].
(٣) ينظر: الإنصاف ٣/ ٣٢.
(٤) ينظر: الإنصاف ٤/ ٢٩.
[ ٤٠ ]
٣ - أنّ مفردات ابن الزاغوني موصوفة، فقد ذُكر أنها مئة مسألة، في جزئين، وغيرها من كتب المفردات لم تُوصف بهذه الأوصاف، وقد بيّنت وجه انطباق هذه الأوصاف على هذا الكتاب في صدر هذه الأسباب، والموصوف أحقّ بالوصف.
٤ - تكلّم ابن مفلح عن حكم الصلاة في المكان أو الثوب المغصوب أو ثوب الحرير، وقال: «وذكر ابن الزاغوني عن طائفة من أصحابنا لا تصح» (^١)، وفي المخطوط ما نصه: «مسألة: إذا صلى في ثوب غصب أو أرض غصب أو ثوب حرير لم تصح صلاته، هذا مذهبنا في أصح الروايتين، اختارها شيوخ المذهب ﵏»، وقال في موطن آخر: «قال بعض أصحابنا المتأخرين - والأرجح عندي - بطلان الصلاة»، وتطابقُ المعنى يُرجّح صحّة نسبة الكتاب لابن الزاغوني.
٥ - أنّ مؤلف هذا الكتاب لا ينقل عن تلامذة القاضي أبي يعلى ومن بعدهم، وإنما ينقل عن القاضي أبي يعلى ومن سبقه، وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن هذا الكتاب أُلِّف في زمن القاضي أبي يعلى أو بعده بقليل. الثاني: أن مؤلفه معاصر لتلامذة أبي يعلى. وابن الزاغوني جاء بعد أبي يعلى بفترة وجيزة، فهو معاصر لتلامذة أبي يعلى.
٦ - أنّ مؤلف هذا الكتاب لا يصف القاضي أبي يعلى بشيخه، وإنما ينقل عنه نقلًا مجرّدًا، وهذا يدل على أن مؤلف الكتاب لم يتتلمذ على أبي يعلى؛ لأنه لا يصفه بشيخه، وابن الزاغوني لم يتتلمذ على أبي يعلى.
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٣٣٤.
[ ٤١ ]