هو الإمام الفقيه الزاهد شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي.
ولد في شعبان سنة (٥٤١) هـ ببلدة جمَّاعيل من أعمال نابلس قرب بيت المقدس من أرض فلسطين، وكان الصليبيون في ذلك الوقت قد استولوا على بيت المقدس وما حوله من البقاع، فهاجر والده أبو العباس أحمد ابن قدامة -رئيس ذلك البيت المبارك وتلك الشجرة الطيبة- بأسرته إلى دمشق مع ابنيه أبي عمر، وموفق الدين، وابن خالتهما الحافظ عبد الغني المقدسي، نحو سنة (٥٥١) هـ (١) فنزلوا في مسجد أبي صالح
_________________
(١) (*) ترجمته في "معجم البلدان" (٢/ ١٦٠) و"مرآة الزمان" (٨/ ٦٢٧) (مخطوط) و"التكملة لوفيات النقلة" (٣/ ١٠٧) و"ذيل الروضتين" ص (١٣٩) و"تاريخ الإسلام" (٦٢/ ٤٣٤) و"سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ١٦٥) و"دول الإسلام" (٢/ ١٢٨) و"العبر" (٥/ ٧٩) و"المختصر المحتاج إليه" (٢/ ١٣٤) و"الوافي بالوفيات" (١٧/ ٣٧) و"فوات الوفيات" (٢/ ١٥٨) و"ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ١٣٣) و"ذيل التقييد" (٢/ ٢٧) و"النجوم الزاهرة" (٦/ ٢٥٦) و"المقصد الأرشد" (٢/ ١٥) و"المنهج الأحمد" (٤/ ١٤٨) و"القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية" (٤٦٥) و"شذرات الذهب" (٧/ ١٥٥) و"الأعلام" (٤/ ٦٧) و"معجم المؤلفين" (٢/ ٢٢٧) طبع مؤسسة الرسالة.
(٢) وللحافظ ضياء الدين المقدسي كتاب في سبب هجرة المقادسة إلى دمشق، وهو مخطوط لم يطبع بعد.
[ ٧ ]
ظاهر باب شرقي بدمشق، ثم انتقلوا بعد سنتين من مسجد أبي صالح إلى جبل قاسيون في صالحية دمشق، وفي خلال هذه المدة كان موفق الدين يحفظ القرآن ويتلقى مبادئ علومه على أبيه أبي العباس -وكان من أهل العلم والفضل والزهد والصلاح- ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها، وحفظ "مختصر الخرقي" في فقه الإمام أحمد، وغيره من الكتب، وما زال يتقدم حتى بلغ العشرين من عمره، فقام برحلة إلى بغداد وبصحبته ابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسي، وكانا في سِنٍّ واحدة، وأقاما مدة يسيرة عند الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد، وكان الشيخ عبد القادر في التسعين من عمره، فقرأ موفق الدين عليه "مختصر الخرقي" قراءة فهم وتدقيق، لأنه كان يحفظه في دمشق كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ثم توفي الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀، فلازم موفق الدين الشيخ أبا الفتح ابن المَنِّي، وقرأ عليه المذهب والخلاف، ولبث في بغداد أربع سنين، وسمع بها أيضًا من هبة الله بن الدقاق وغيره، ثم رجع إلى دمشق فأقام في أهله مدة وعاد إلى بغداد سنة (٥٦٧) هـ، فأمضى سنة أخرى، سمع فيها من أبي الفتح بن المنِّي وعاد إلى دمشق وبقي فيها، وقصد الديار الحجازية سنة (٥٧٤) هـ لأداء فريضة الحج، وعاد إلى دمشق، وشرع بتأليف كتابه العظيم "المغني" وهو شرح مطوَّل لكتاب "مختصر الخرقي" ويعد من مفاخر التأليف في الفقه الحنبلي خاصة والفقه الإسلامي بصورة عامة (١). وقد قال فيه سلطان العلماء العز بن عبد السلام: لم تطب
_________________
(١) وقد قام بتحقيقه وتخريج نصوصه وضبط ألفاظه وإعداد فهارسه الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الحلو، ونشرته دار هجر بالقاهرة، وهي أفضل طبعات الكتاب وأوسعها انتشارًا.
[ ٨ ]
لي الفتيا حتى كانت عندي نسخة من "المغني".
وكان طلبة العلم يتلقون الدروس عليه في الفقه والحديث وغير ذلك من العلوم، وقد تفقه عليه خلق كثير، منهم ابن أخيه شمس الدين بن أبي عمر وطبقته.
وكان إلى ذلك يواصل التأليف والتصنيف في أنواع شتى من العلوم والفنون، لا سيما الفقه الذي حذقه وصنف فيه العديد من الكتب التي تشهد بعلو كعبه فيه، حتى أصبح عَلَمًا يشار إليه بالبنان، وتتحدث بفضائله ومناقبه وعلومه الركبان.