تناول الفقهاء أحكام الجوار وأحكام الطرقات؛ لما لهذا الموضوع من الأهمية البالغة:
فقد تعرض مشاكل بين الجيران يجب حلها وحسمه؛ لئلا تفضي إلى النزاع والعداوة، وحلها يكون بطرق:
منها: إجراء الصلح بينهم بما يحقق العدل والمصلحة.
ومن ذلك: لو احتاج الجار إلى إجراء الماء مع أرض جاره أو سطحه وتصالحا على ذلك بعوض؛ جاز هذا الصلح؛ لدعاء الحاجة إلى ذلك، ثم إن كان هذا العوض في مقبل الانتفاع مع بقاء ملك صاحب الأرض أو السطح عليه؛ فهذا العقد يعتبر إجازة، وإن كان مع زوال الملك؛ اعتبر بيعا.
وإذا احتاج إلى ممر في ملك جاره، وبذله له عن طريق البيع أو عن طريق الصلح؛ جاز هذا؛ لدعاء الحاجة إليه،
[ ٢ / ١١١ ]
ولا ينبغي للمالك أن يستغل حاجة جاره فيرهقه ببذل العوض أو يمتنع من استخدام هذا الممر فيحرج جاره ويحول بينه وبين مصلحته، وإذا امتد غصن من شجرته في هواء جاره أو في قرار ملكه؛ وجب على مالك الغصن إزالته: إما بقطعه أو ليه إلى ناحية أخرى؛ ليخلي ملك الغير، فإن أبي مالك الغصن أن يعمل شيئا من ذلك؛ فلصاحب الهواء أو القرار أن ضرره بأحد هذه الإجراءات؛ لأنه بمنزلة الصائل، فيدفعه بأسهل ما يمكن، وإن تصالحا على بقاء الغصن؛ جاز ذلك، سواء كان بعوض على الصحيح، أو على أن ثمرته بينهما.
حكم العرق إذا حصل في أرض الجار حكم الغصن على ما مر بيانه.
ولا يجوز أن يحدث الإنسان في ملكه ما يضر بجاره؛ كحمام أو مخبز.
أو مطبخ أو مقهى يتعدى ضرره، أو مصنع يقلق جاره حركاته وأصواته، أو فتح نوافذ تطل على بيت جاره.
وإذا كان بينه وبين جاره جدار مشترك؛ حرم أن يتصرف فيه بفتح طاق أو غرز وتد إلا بإذنه، ولا يجوز له وضع الخشب على الجدار المشترك أو الخاص بالجار إلا عند الضرورة، وإذا لم يمكنه التسقيف إلا به، وكان الجدار يتحمل وضع الخشب؛ فحينئذ يمكن من وضع الخشب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشيه على جداره"، ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم"، متفق
[ ٢ / ١١٢ ]
عليه، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب في جداره، ويجبره الحاكم إذا امتنع؛ لأنه حق ثابت لجاره بحكم الجوار.
هذا بعض ما يتعلق بالجوار من أحكام.
أما ما يتعلق في الطرقات:
فلا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم، بل يجب إفساح الطريق، وإماطة الأذى عنه؛ لأن ذلك من الإيمان؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ.
يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق الطريق؛ كأن يبني فوق الطرق سقفا يمنع مرور الركبان والأحمال، أو يبني دكة للجلوس عليها.
لا يجوز له أن يتخذ موقفا لدابته أو سيارته بطريق المارة؛ لأن ذلك يضيق الطريق، أو يسبب الحوادث.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يجوز لأحد أن يخرج شيئا في طريق المسلمين من أجزاء البناء، حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط؛ إلا أن يدخل رب الحائط منه في حده بقدر غلظه " انتهى.
ويمنع في الطريق الغرس والبناء والحفر ووضع الحطب والذبح فيها وطرح القمامة والرماد وغير ذلك مما فيه ضرر على المارة.
[ ٢ / ١١٣ ]
ويجب على المسئولين عن تنظيم البلد من رجال البلديات منع هذه الأشياء ومعاقبة المخالفين بما يردعهم، وقد كثر التساهل في هذا الأمر المهم، فصار كثير من الناس يحتجزون الطرقات لمصالحهم الخاصة، يوقفون فيه سياراتهم، ويضعون فيها الأحجار والحديد والإسمنت لبناياتهم، ويحفرون فيها الحفر، وغير ذلك، والبعض الآخر من الناس يلقي الأذى في الأسواق من الفضلات والنجاسات والقمامات، غير مبالين بمضارة المسلمين، وهذا كله مما حرمه الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وقال النبي ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" إلى غير ذلك من الأحاديث التي تحث على احترام حقوق المسلمين والامتناع من أذيتهم، ومن أعظم أذية المسلمين مضايقتهم في طرقاتهم وإلقاء العراقيل فيها.
[ ٢ / ١١٤ ]