وبعد طواف الإفاضة يوم العيد يرجع إلى منى، فيبيت بها وجوبا؛ لحديث ابن عباس؛ قال: "لم يرخص رسول الله ﷺ لأحد يبيت بمكة؛ إلا للعباس لأجل سقايته"، رواه ابن ماجه.
فيبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل، وإن تعجل؛ بات ليلتين: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر.
ويصلي الصلوات فيها قصرًا بلا جمع، بل كل صلاة في وقتها.
ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال؛ لحديث جابر ﵁: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد؛ فإذا زالت الشمس"، رواه الجماعة،
[ ١ / ٤٤٤ ]
وقال ابن عمر: "كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا"، رواه البخاري وأبو داود، وقوله: "نتحين" أي: نراقب الوقت المطلوب، ولقوله ﷺ: "لتأخذوا عني مناسككم".
فالرمي في اليوم الحادي عشر وما بعده يبدأ وقته بعد الزوال، وقبله لا يجزئ؛ لهذه الأحاديث؛ حيث وقته النبي ﷺ بذلك بفعله، وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فكما لا تجوز الصلاة قبل وقتها؛ فإن الرمي لا يجوز قبل وقته، ولأن العبادات توقيفيه.
قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀ وهو يصف رمي النبي ﷺ كما وردت به السنة المطهرة؛ قال: "ثم رجع ﷺ بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح؛ انتظر زوال الشمس، فلما زالت؛ مشى من رحله إلى الجمار، ولم يركب، فبدا بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الحيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، ويقول مع كل حصاة: الله أكبر، ثم يتقدم على الجمرة أمامها، حتى أسهل، فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا دعاءً طويلًا بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلكن ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه، فاستبطن الوادي، واستعرض الجمرة، فجعل
[ ١ / ٤٤٥ ]
البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك ".
إلى أن قال: "فلما أكمل الرمي؛ رجع من فوره، ولم يقف عندها [يعني: جمرة العقبة]، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة؛ فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو في صليها" انتهى.
ولا بد من ترتيب الجمرات على النحو التالي ك يبدأ بالجمرة الأولى، وهي التي تلي منى قرب مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، وهي التي تلي الأولى، ثم الجمرة الكبرى، وتسمى جمرة العقبة، وهي الخيرة مما يلي الكعبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات متوالية، يرفع مع كل حصوة يده، ويكبر، ولا بد أن تقع كل حصاة في الحوض، سواء استقرت فيه أو سقطت منه بعد ذلك فإن لم تقع في الحوض لم تجز.
ويجوز للمريض وكبير السن والمرأة الحامل أو التي يخاف عليها من شدة الزحمة في الطريق أو عند الرمي، يجوز لهؤلاء أن يوكلوا من يرمي عنهم.
ويرمي النائب كل جمرة عن مستنيبه في مكان واحد، ولا يلزمه أن يستكمل رمي الجمرات على نفسه، ثم يبدأ برميها عن مستنيبه؛ لما في
[ ١ / ٤٤٦ ]
ذلك من المشقة والحرج في أيام الزحام، والله أعلم، وإن كان النائب يؤدي فرض حجه؛ فلا بد أن يرمي عن نفسه كل جمرة أولًا، ثم يرميها عن موكله.
ثم بعد رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر؛ إن شاء تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس، وإن شاء تأخر وبات ورمى الجمرات الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وغن غربت عليه الشمس قبل أن يرتحل من منى؛ لزمه التأخر والمبيت والرمي في اليوم الثالث عشر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ واليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل؛ فما تعجل في يومين.
والمرأة إذا حاضت أو نفست قبل الإحرام ثم أحرمت، أو أحرمت وهي طاهرة ثم أصابها الحيض أو النفاس وهي محرمة؛ فإنها تبقى في إحرامها، وتعمل ما يعمله الحاج من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى؛ إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر من حيضها أو نفاسها.
لكن لو قدر أنها طافت وهي طاهرة، ثم نزل عليها الحيض بعد الطواف؛ فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ولا يمنعها الحيض من ذلك؛ لأن السعي لا يشترط الطهارة.
[ ١ / ٤٤٧ ]
فإذا أراد الحاج السفر من مكة والرجوع إلى بلده أو غيره؛ لم يخرج حتى يطوف للوداع بالبيت سبعة أشواط إذا فرغ من كل أموره ولم يبق إلا الركوب للسفر؛ ليكون آخر عهده بالبيت؛ إلا المرأة الحائض؛ فإنها لا وداع عليها، فتسافر بدون وداع؛ كما ورد عن ابن عباس ﵄؛ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض"، متفق عليه، وفي رواية عنه؛ قال: كان الناس ينصرفون من كل وجه؛ فقال النبي ﷺ: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه. وعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت للإفاضة"، رواه أحمد. وعن عائشة ﵂؛ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك رسول الله ﷺ، فقال: "أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله! إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: "فلتنفر إذًا" متفق عليه.
[ ١ / ٤٤٨ ]