اعلموا أيها الإخوان أن السنن الراتبة يتأكد فعلها ويكره تركها، ومن داوم على تركها؛ سقطت عدالته عند بعض الأئمة، وأثم بسبب ذلك؛ لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه، وعدم مبالاته.
وجملة السنن الرواتب عشر ركعات، وبيانها كالتالي:
ركعتان قبل الظهر، وعند جمع من العلماء أربع ركعات قبل الظهر؛ فعليه تكون جملة السنن الرواتب اثنتي عشرة ركعة.
وركعتان بعد الظهر.
وركعتان بعد المغرب.
وركعتان بعد العشاء.
وركعتان قبل صلاة الفجر بعد طلوع الفجر.
والدليل على هذه الرواتب بهذا التفصيل المذكور هو حديث ابن عمر ﵄؛ قال: "حفظت من رسول الله عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته،
[ ١ / ١٧٢ ]
وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي فيها أحد، حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر؛ صلى ركعتين"، متفق عليه.
وفي "صحيح مسلم " عن عائشة ﵂: "كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع بيتي فيصلي ركعتين".
فيؤخذ من هذا أن فعل الراتبة في البيت أفضل من فعلها في المسجد، وذلك لمصالح تترتب على ذلك؛ منها: البعد عن الرياء والإعجاب ولإخفاء العمل عن الناس، ومنها: أن ذلك سبب لتمام الخشوع والإخلاص، ومنها: عمارة البيت بذكر الله والصلاة التي بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عن الشيطان، وقد قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا".
[ ١ / ١٧٣ ]
وآكد هذه الرواتب ركعتان الفجر؛ لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر"، متفق عليه، وقال: "ركعتان الفجر خير من الدنيا وما فيها"، ولهذا كان النبي يحافظ عليهما وعلى الوتر في الحضر والسفر.
وأما ما عدا ركعتي الفجر والوتر من الرواتب؛ فلم ينقل عن النبي أنه صلى راتبة في السفر غير سنة الفجر والوتر.
وقال ابن عمر ﵄ لما سئل عن سنة الظهر في السفر؛ قال: "لو كنت مسبحا؛ لأتممت ".
وقال ابن القيم ﵀: "وكان من هديه في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها؛ إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر".
[ ١ / ١٧٤ ]
والسنة تخفيف ركعتي الفجر؛ لما في "الصحيحين " وغيرهما عن عائشة ﵂: أن النبي كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، ويقرأ في الركعة الأولى من سنة الفجر بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقرأ في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في سورة البقرة، ويقرأ في الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ الآية التي في سورة آل عمران.
وكذلك يقرأ في الركعتين بعد المغرب بالكافرون والإخلاص؛ لما روى البيهقي والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود؛ قال: "ما أحصي ما سمعت من رسول الله يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب؛ فإنه يسن لك قضاؤه، وكذا إذا فاتك الوتر من الليل؛ فإنه يسن لك قضاؤه في النهار؛ لأنه قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين
[ ١ / ١٧٥ ]
بعد الظهر بعد العصر، حين شغل عنهما ويقاس الباقي من الرواتب في مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص، وقال: "من نام عن الوتر أو نسيه؛ فليصله إذا أصبح أو ذكر"، رواه الترمذي وأبو داود.
ويقضى الوتر مع شفعه؛ لما في "الصحيح " عن عائشة ﵂: "كان النبي صلى الله عليه وسلمإذ منعه من قيام الليل نوم أو وجع؛ صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة".
أيها المسلم، حافظ على هذه السنن الرواتب؛ لأن في ذلك اقتداء بالنبي، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
وفي المحافظة على هذه السنن الرواتب أيضا جبر لما يحصل في صلاة الفريضة من النقص والخلل، والإنسان معرض للنقص والخلل، وهو بحاجة ما يجبر به نقصه؛ فلا تفرط بهذه الرواتب أيها المسلم؛ فإنها من زيادة الخير الذي تجده عند ربك،
[ ١ / ١٧٦ ]
وهكذا كل فريضة يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها؛ كفريضة الصلاة وفريضة الصيام، وفريضة الزكاة، وفريضة الحج، كل من هذه الفرائض يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها؛ تجبر نقصها وتصلح خللها، وهذا من فضل الله على عباده، حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات، ويحط عنهم الخطايا.
فنسأل الله لنا جميعا التوفيق لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.
[ ١ / ١٧٧ ]