هذه الوظيفة الدينية المهمة التي تولاها رسول الله ﷺ بنفسه، وتولاها خلفاؤه الراشدون.
وقد جاء في فضل الإمامة أحاديث كثيرة؛ منها: قوله ﷺ: "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة"، وذكر: "أن منهم رجلًا أم قوما وهم به راضون "، وفي الحديث الآخر: "أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه ".
ولهذا؛ كان بعض الصحابة ﵃ يقول للنبي ﷺ: اجعلني إمام قومي؛ لما يعلمون في ذلك من الفضيلة والأجر.
لكن مع الأسف الشديد؛ نرى في وقتنا هذا كثيرًا من طلبة العلم
[ ١ / ٢١٥ ]
يرغبون عن الإمامة، ويزهدون فيها، ويتخلون عن القيام بها؛ إيثارًا للكسل وقلة رغبة في الخير، وما هذا إلا تخذيل من الشيطان.
فالذي ينبغي لهم بها بجد ونشاط واحتساب للأجر عند الله؛ فإن طلبة العلم أولى بالقيام بها وبغيرها من الأعمال الصالحة.
وكلما توافرت مؤهلات الإمامة في شخص؛ كان أولى بالقيام بها ممن هو دونه، بل يتعين عليه القيام بها إذا لم يوجد غيره:
فالأولى بالإمامة الأجود قراءة لكتاب الله تعالى، وهو الذي يجيد قراءة القرآن؛ بأن يعرف مخارج الحروف، ولا يلحن فيها، ويطبق قواعد القراءة من غير تكلف ولا تنطع، ويكون مع ذلك يعرف فقه صلاته وما يلزم فيها؛ كشروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها؛ لقوله ﷺ: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، وما ورد بمعناه من الأحاديث الصحيحة، مما يدل على أنه يقدم في الإمامة الأجود قراءة للقرآن الكريم، الذي يعلم فقه الصلاة؛ لأن الأقرأ في زمن النبي ﷺ يكون أفقه.
فإذا استووا في القراءة؛ قدم الأفقه "أي: الأكثر فقها "؛ لجمعه بين ميزتين: القراءة والفقه؛ لقوله ﷺ: "فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة"؛ أي: أفقههم في دين الله، ولأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة؛ لأن ما يجب في الصلاة من القراءة محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور.
[ ١ / ٢١٦ ]
فإذا استووا في الفقه والقراءة؛ قدم الأقدام هجرة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
فإذا استووا في القراءة والفقه والهجرة؛ قدم الأكبر سنا؛ لقوله ﷺ: "وليؤمكم أكبركم"، متفق عليه؛ لأن كبر السن في الإسلام فضيلة، ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء.
والدليل على هذا الترتيب الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سنا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقدم النبي ﷺ بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة، فإن استووا في العلم؛ قدم بالسبق إلى العمل الصالح، وقدم السابق باختياره إلى العمل الصالح "وهو المهاجر " على من سبق بخلق الله وهو كبر السن" انتهى.
وهناك اعتبارات يقدم أصحابها في الإمامة على من حضر ولو كان افضل منه، وهي:
أولًا: إمام المسجد الراتب إذا كان أهلًا للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه غيره، ولو كان أفضل منه؛ إلا بإذنه.
[ ١ / ٢١٧ ]
ثانيا: صاحب البيت إذا كان يصلح للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه.
ثالثا: السلطان، وهو الإمام الأعظم أو نائبه؛ فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه، إذا كان يصلح للإمامة.
والدليل على تقديم أصحاب هذه الاعتبارات على غيرهم ما رواه أبو داود من قوله ﷺ: "لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه"، وسلطانه محل ولايته أو ما يملكه.
قال الخطابي: "معناه: أن صاحب المنزل أولى فالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة، وإذا كان إمام المسجد قد ولاه السلطان أو نائبه أو اتفق على تقديمه أهل المسجد؛ فهو أحق؛ لأنها ولاية خاصة، ولأن التقدم عليه يسيء الظن به، وينفر عنه ".
مما تقدم يتبين لك شرف الإمامة في الصلاة وفضلها ومكانتها في الإسلام؛ لأن الإمام في الصلاة قدوة، والإمامة مرتبة شريفة؛ فهي سبق إلى الخير، وعون على الطاعة وملازمة الجماعة، وبها تعمر المساجد بالطاعة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى فيما حكاه من دعاء
[ ١ / ٢١٨ ]
عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ .
فالإمامة في الصلاة من الإمامة في الدين، ولا سيما إذا كان الإمام يبذل النصح والوعظ والتذكير لمن يحضره في المسجد، فإنه بذلك من الدعاة إلى الله، الذين يجمعون بين صالح القول والعمل، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ فلا يرغب عن القيام بالإمامة إلا محروم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٢١٩ ]