واعلم أنه لا يجرئ دفع الزكاة إلا للأصناف التي عينها الله في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فهؤلاء المذكورون في هذه الآية الكريمة هم أهل الزكاة الذين جعلهم الله محلا لدفعها إليهم، لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعا.
وأخرج أبو داود وغيره عن زياد بن الحارث مرفوعا: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجرأها ثمانية أجزاء".
وقال النبي ﷺ للسائل: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"
[ ١ / ٣٥٩ ]
وذلك أنه لما اعترض بعض المنافقين على النبي ﷺ في الصدقات؛ بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين، وإلا؛ صرفت إلى الموجود منهم، ونقلها إلى حيث يوجدون".
وقال: "لا ينبغي منها إلا من يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين أو من يعاونهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات؛ لا يعطى منها، حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة" انتهى.
ولا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف التي عينها الله من المشاريع الخيرية الأخرى؛ كبناء المساجد والمدارس؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ الآية، و"إنما" تفيد الحصر، وتثبت الحكم لما بعدها، وتنفيه عما سراه، والمعنى: ليست الصدقات لغير هؤلاء، بل لهؤلاء خاصة، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية؛ إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وهذه الأصناف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المحاويج من المسلمين.
القسم الثاني: من في إعطائهم معونة على الإسلام وتقوية له
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ ففي هذه الآية الكريمة حصر لأصناف أهل الزكاة الذين يجوز صرف الزكاة إلا لهم، ولا يجزئ صرفها في غيرهم. وهم ثمانيه أصناف:
أحدهم: الفقراء، وهم أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، والفقراء هم الذين لا يجدون شيئا يكتفون به في معيشتهم، ولا يقدرون على التكسب، أو يجدون بعض الكفاية، فيعطون من الزكاة كفايتهم إن كانوا لا يجدون منها شيئا، أو يعطون تمام كفايتهم إن كانوا يجدون بعضها لعام كامل.
الثاني: المساكين، وهم أحسن حالًا من الفقراء؛ فالمسكين هو الذي يجد أكثر كفايته أو نصفها، فيعطى من الزكاة تمام كفايته لعام كامل.
الثالث: العاملون عليها، وهم العمال الذين يقومون بجمع الزكاة من أصحابها، ويحفظونها، ويوزعونها على مستحقتها بأمر إمام المسلمين، فيعطون من الزكاة قدر أجرة عملهم؛ إلا إن كان ولي الأمر قد رتب لهم رواتب من بيت المال على هذا العمل؛ فلا يجوز أن يعطوا شيئا من الزكاة؛ كما هو الجاري في هذا الوقت؛ فإن العمال يعطون من قبل
[ ١ / ٣٦١ ]
الدولة، فيأخذون انتدابات على عملهم في الزكاة؛ فهؤلاء حرام عليهم أن يأخذوا من الزكاة شيئا عن عملهم؛ لأنهم قد أعطوا أجرة عملهم من غيرها.
الرابع: المؤلفة قلوبهم: جمع مؤلف من التأليف وهو جمع القلوب، والمؤلفة قلوبهم قسمان: كفار ومسلمون؛ فالكافر يعطى من الزكاة إذا رجي إسلامه لتقوى نيته على الدخول في الإسلام وتشتد رغبته، أو إذا حصل بإعطائه كف شره عن المسلمين أو شر غيره، والمسلم المؤلف يعطى من الزكاة لتقوية إيمانه، أو رجاء لإسلام نظيره ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة المفيدة للمسلمين والإعطاء للتأليف إنما يعمل به عند الحاجة إليه فقط؛ لأن عمر وعثمان وعليا ﵃ تركوا الإعطاء للتأليف؛ لعدم الحاجة إليه في وقتهم.
الخامس: الرقاب، وهم الأرقاء المكاتبون الذين يجدون وفاء، فيعطى المكاتب ما يقدر به على وفاء دينه حتى يعتق ويخلص من الرق، ويجوز أن يشتري المسلم من زكاته عبدًا فيعتقه، ويجوز أن يفتدى من الزكاة الأسير المسلم؛ لأن في ذلك فك رقبة المسلم من الأسر.
السادس: الغارم، والمراد بالغارم المدين، وهو نوعان:
[ ١ / ٣٦٢ ]
أحدهما: غارم لغيره، وهو الغارم لأجل إصلاح ذات البين؛ بأن يقع بين قبيلتين نزاع في دماء أو أموال، ويحدث بسبب ذلك بينهم شحناء وعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالًا عوضا عما بينهم؛ ليطفئ الفتنة، فيكون قد عمل معروفا عظيما، من المشروع حمله عنه من الزكاة؛ لئلا تجحف الحمالة بماله، وليكون ذلك تشجيعا له ولغيره على مثل هذا العمل الجليل، الذي يحصل به كف الفتن والقضاء على الفساد، بل لقد أباح الشارع لهذا الغارم المسألة لتحقيق هذا الغرض؛ ففي "صحيح مسلم" عن قبيصة؛ قال: تحملت حمالة، فقال النبي ﷺ: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها".
الثاني: الغارم لنفسه؛ كأن يفتدي نفسه من كفار، أو يكون عليه دين لا يقدر على تسديده، فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ .
السابع: في سبيل الله؛ بأن يعطى من الزكاة الغزاة المتطوعة الذين لا رواتب لهم من بيت المال؛ لأن المراد بسبيل الله عند الإطلاق الغزو، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به سفره بسبب نفاذ ما معه أو ضياعه؛ أن لأن السبيل هو الطريق، فسمي من لزمه ابن السبيل، فيعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده،
[ ١ / ٣٦٣ ]
وإن كان في طريقه إلى بلد قصده؛ أعطي ما يوصله ذلك البلد، وما يرجع به إلى بلده، ويدخل في ابن السبيل الضيف كما قال ابن عباس وغيره، وإن بقى مع ابن السبيل أو الغازي أو الغارم أو المكاتب شيء ما أخذوه من الزكاة زائدًا عن حاجتهم؛ وجب عليهم رده؛ لأنه لا يملك ما أخذه ملكا مطلقا، وإنما يملكه ملكا مراعي بقدر الحاجة، وتحقيق السبب الذي أخذه من أجله، فإذا زال السبب؛ زال الاستحقاق.
واعلم أنه يجوز صرف جميع الزكاة في صنف واحد من هذه الأصناف المذكورة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾، ولحديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقال: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، متفق عليه، فلم يذكر في الآية والحديث إلا صنفا واحدًا، فدل على جواز صرفها إليه.
ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد، لأن النبي ﷺ أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، رواه أحمد، وقال ﷺ لقيبصة: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة؛ فنأمر لك بها"؛ فدل الحديثان على جواز الاقتصار على شخص واحد من الأصناف الثمانية.
[ ١ / ٣٦٤ ]
ويستحب دفعها إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﷺ: "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة"، رواه الخمسة وحسنه الترمذي.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى بني هاشم، ويدخل فيهم: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب؛ لقوله ﷺ: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس"، أخرجه مسلم.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى امرأة فقيرة إذا كانت زوج غني ينفق عليها، ولا إلى فقير إذا كان له قريب غني ينفق عليه؛ لاستغنائهم بتلك النفقة عن الأخذ من الزكاة.
ولا يجوز للإنسان أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه الذين يلزمه الإنفاق عليهم؛ لأنه يقي بها ماله حينئذ، أما من كان ينفق عليه تبرعا فإنه يجوز أن يعطيه من زكاته؛ ففي "الصحيح" أن امرأة عبد الله سألت النبيصلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها أيتام في حجرها؛ أفتعطيهم زكاتها؟ قال: "نعم".
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولا يجوز دفع زكاته إلى أصول، وهم آباؤه وأجداده، ولا إلى فروعه، وهم أولاده وأولاد أولاده.
ولا يجوز له دفع زكاته إلى زوجته؛ لأنها مستغنية بإنفاقه عليها، ولأنه يقي بها ماله.
ويجب على المسلم أن يتثبت من دفع الزكاة، فلو دفعها لمن ظنه مستحقا، فتبين أنه غير مستحق؛ لم تجزئه، أما إذا لم يتبين عدم استحقاقه؛ فالدفع إليه بجزيء؛ اكتفاء بغلبة الظن، ما لم يظهر خلافه؛ لأن النبي ﷺ حينما أتاه رجلان يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فبها لغني ولا لقوي مكتسب".
[ ١ / ٣٦٦ ]
باب في الصدقة المستحبة
وإلى جانب الزكاة الواجبة في المال هناك صدقة مستحبة تشرع كل وقت، لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة والترغيب فيها؛ فقد حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة﴾ .
وقال النبي ﷺ: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء"، رواه الترمذي وحسنه.
وفي "الصحيحين": "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
[ ١ / ٣٦٧ ]
ظله "، وذكر منهم: "ورجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا نعلم شماله ما تنفق يمينه". والأحاديث في هذا كثيرة. وصدقة السر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولأنه أبعد عن الرياء؛ إلا أن يترتب على إظهار الصدقة وإعلانها مصلحة راجحة من إقتداء الناس به.
وينبغي أن تكون طيبة بها نفسه، غير ممتن بها على المحتاج، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ .
والصدقة في حال الصحة أفضل، قال ﷺ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر".
والصدقة في الحرمين الشريفين أفضل؛ لأمر الله بها في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ .
والصدقة في رمضان أفضل؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه
[ ١ / ٣٦٨ ]
جبريل، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة".
والصدقة في أوقات الحاجة أفضل، قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
كما أن الصدقة على الأقارب والجيران أفضل منها على الأبعدين؛ فقد أوصى الله بالأقارب، وجعل لهم حقا على قريبهم في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، وقال ﷺ: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة"، رواه الخمسة وغيرهم، وفي "الصحيحين": "أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
ثم اعلم أن في المال حقوقا سوى الزكاة؛ نحو مواساة القرابة، وصلة الأخوان، وإعطاء سائل، وإعارة محتاج، وإنظار معسر، وإقراض، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
ويجب إطعام الجائع، وقري الضيف، وكسوة العاري، وسقي الظمآن، بل ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنه يجب على المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.
[ ١ / ٣٦٩ ]