أول مناسك الحج هو الإحرام، وهو نية الدخول في النسك، سمى بذلك لأن المسلم يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحا له قبل الإحرام من النكاح والطيب وتقليم الأظافر وحلق الرأس وأشياء من اللباس.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: "لا يكون الرجل محرما بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته؛ فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرما" انتهى.
وقبل الإحرام يستحب التهيؤ له بفعل أشياء يستقبل بها تلك العبادة العظيمة، وهى:
أولًا: الاغتسال بجميع بدنه؛ فإنه ﷺ اغتسل لإحرامه، ولأن ذلك أعم وأبلغ في التنظيف وإزالة الرائحة، والاغتسال عند الإحرام مطلوب، حتى من الحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل، رواه مسلم،
[ ١ / ٤١٣ ]
وأمر ﷺ عائشة أن تغتسل للإحرام وهي حائض، والحكمة في هذا الاغتسال هي التنظيف وقطع الرائحة الكريهة وتخفيف الحدث من الحائض والنفساء.
ثانيا: يستحب لمن يريد الإحرام التنظيف؛ بأخذ ما يشرع أخذه من الشعر؛ كشعر الشارب والإبط والعانة؛ مما يحتاج إلى أخذه؛ لئلا يحتاج إلى أخذه في إحرامه فلا يتمكن منه، فإن لم يحتج إلى أخذ شيء من ذلك؛ لم يأخذه؛ لأنه إنما يفعل عند الحاجة، وليس هو من خصائص الإحرام، لكنه مشروع بحسب الحاجة.
ثالثا: يستحب لمن الإحرام أن يتطيب في بدنه بما تيسر من أنواع الطيب؛ كالمسك، والبخور، وماء الورد، والعود؛ لقول عائشة ﵂: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطرف بالبيت".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه؛ فهو حسن، ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك؛ فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس".
[ ١ / ٤١٤ ]
رابعا: يستحب للذكر قبل الإحرام أن يتجرد من المخيط، وهو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه أو على بعضه كالقميص والسراويل؛ لأنه ﷺ تجرّد لإهلاله، ويستبدل الملابس المخيطة بإزار ورداء أبيضين نظيفين، ويجوز بغير الأبيضين مما جرت عادة الرجال بلبسه.
والحكمة في ذلك أنه يبتعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر بذلك أنه محرم في وقت، فيتجنب محظورات الإحرام، وليتذكر الموت، ولباس الأكفان، ويتذكر البعث والنشور إلى غير ذلك من الحكم.
والتجرد عن المخيط قبل نية الإحرام سنة، أما بعد نية الإحرام؛ فهو واجب.
ولو نوى الإحرام وعليه ثيابه المخيطة؛ صح إحرامه ووجب عليه نزع المخيط.
فإذا أتم هذه الأعمال؛ فقد تهيأ للإحرام، وليس فعل هذه الأمور إحراما كما يظن كثير من العوام؛ لأن الإحرام هو نية الدخول والشروع في النسك؛ فلا يصير محرما بمجرد التجرد من المخيط ولبس ملابس الإحرام من غير نية الدخول في النسك؛ لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات".
[ ١ / ٤١٥ ]
أما الصلاة قبل الإحرام؛ فالأصح أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن صادف وقت فريضة؛ أحرم بعدها؛ لأنه ﷺ أهل دبر الصلاة، وعن أنس أنه صلى الظهر ثم ركب راحلته.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "ولم ينقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر".
وهنا تنبيه لا بد منه:
وهو أن كثيرًا من الحجاج يظنون أنه لا بد أن يكون الإحرام من المسجد المبني في الميقات، فتجدهم يهرعون إليه رجالًا ونساءً، ويزدحمون فيه، وربما يخلعون ثيابهم ويلبسون ثياب الإحرام فيه، وهذا لا أصل له، والمطلوب من المسلم أن يحرم من الميقات، في أي بقعة منه، لا في محل معين، بل يحرم حيث تيسر له، وما هو أرفق به وبمن معه، وفيما هو أستر له وأبعد عن مزاحمة الناس، وهذه المساجد التي في المواقيت لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ، ولم تبن لأجل الإحرام منها، وإنما بنيت لإقامة الصلاة فيها ممن هو ساكن حولها، هذا ما أردنا التنبيه عليه، والله الموفق.
ويخبر أن يحرم بما شاء من الأنساك الثلاثة، وهي: التمتع، والقرآن، والإفراد:
[ ١ / ٤١٦ ]
ف "التمتع": أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه.
و"الإفراد": أن يحرم بالحج فقط من الميقات، ويبقى على إحرامه حتى يؤدي أعمال الحج.
و"القرآن": أن يحرم بالعمرة والحج معا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل شروعه في طوافها، فينوي العمرة والحج من الميقات أو قبل الشروع في طواف العمرة، ويطوف لهما ويسعى.
وعلى المتمتع والقارن فدية إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام.
وأفضل هذه الأنساك الثلاثة التمتع؛ لأدلة كثيرة.
فإذا أحرم هذه الأنساك، لبى عقب إحرامه، فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، يكثر من التلبية، ويرفع بها صوته.
[ ١ / ٤١٧ ]