للصيام مفسدات يجب على المسلم أن يعرفها؛ ليتجنبها، ويحذر منها لأنها تفطر الصائم، وتفسد عليه صيامه.
وهذه المفطرات منها:
١ الجماع: فمتى جامع الصائم؛ بطل صيامه، ولزمه قضاء ذلك اليوم الذي جامع فيه، ويجب عليه مع قضائه الكفارة، هي: عتق رقبة، فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد قيمتها؛ فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين؛ بأن لم يقدر على ذلك لعذر شرعي؛ فعليه أن يطعم ستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع من الطعام المأكول في البلد.
٢ إنزال المني بسبب تقبيل أو لمس أو استمناء أو تكرار نظر، فإذا حصل شيء من ذلك؛ فسد صومه، وعليه القضاء فقط بدون كفارة؛ لأن الكفارة تختص بالجماع.
والنائم إذا احتلم فأنزل؛ فلا شيء عليه، وصيامه صحيح؛ لأن ذلك وقع بدون اختيار، لكن يجب عليه الاغتسال من الجنابة.
[ ١ / ٣٨٢ ]
٣ الأكل أو الشرب متعمدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ .
أما من أكل وشرب ناسيا؛ فإن ذلك لا يؤثر على صيامه، وفي الحديث: "من أكل أو شرب ناسيا؛ فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
ومما يفطر الصائم إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو ما يسمى بالسعوط، وأخذ المغذي عن طريق الوريد، وحقن الدم في الصائم، كل ذلك يفسد صومه؛ لأنه تغذية له.
ومن ذلك أيضا حقن الصائم بالإبر المغذية؛ لأنها تقوم مقام الطعام، وذلك يفسد الصيام، أما الإبر غير المغذية، فينبغي للصائم أيضا أن يتجنبها محافظة على صيامه، ولقوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ويؤخرها إلى الليل.
[ ١ / ٣٨٣ ]
٤ إخراج الدم من البدن بحجامة أو فصد أو سحب دم ليتبرع به لإسعاف مريض؛ فيفطر بذلك كله.
أما إخراج دم قليل كالذي يستخرج للتحليل؛ فهذا لا يؤثر على الصيام، وكذا خروج الدم بغير اختياره برعاف أو جرح أو خلع سن؛ فهذا لا يؤثر على الصيام.
٥ ومن المفطرات التقيؤ، وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم متعمدًا؛ فهذا يفطر به الصائم، أما إذا غلبه القيء، وخرج بدون اختياره؛ فلا يؤثر على صيامه؛ لقوله ﷺ: "من ذرعه القيء؛ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا؛ فليقض"، ومعنى "ذرعة القىء" أي: خرج بدون اختياره، ومعنى قوله: "استقاء" أي: تعمد القيء.
وينبغي أن يتجنب الصائم الاكتحال ومداواة العينين بقطرة أو بغيرها وقت الصيام؛ محافظة على صيامه.
ولا يبالغ في المضمضة والاستنشاق؛ لأنه ربما ذهب الماء إلى جوفه، قال ﷺ: "وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما".
[ ١ / ٣٨٤ ]
والسواك لا يؤثر على الصيام، بل هو مستحب ومرغب فيه للصائم وغيره في أول النهار وآخره على الصحيح.
ولو طار إلى حلقه غبار أو ذباب؛ لم يؤثر على صيامه.
ويجب على الصائم اجتناب كذب وغيبة وشتم، وإن سابه أحد أو شمته؛ فليقل إني صائم؛ فإن بعض الناس قد يسهل عليه ترك الطعام والشراب، ولكن لا يسهل عليه ترك ما اعتاده من الأقوال والأفعال الرديئة، ولهذا قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب.
فعلى المسلم أن يتقي الله ويخافه ويستشعر عظمة ربه وإطلاعه عليه في كل حين وعلى كل حال، فيحافظ على صيامه من المفسدات والمنقصات؛ ليكون صيامه صحيحا.
وينبغي للصائم أن يشتغل بذكر الله وتلاوة القرآن والإكثار من النوافل، فقد كان السلف إذا صاموا؛ جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدًا، وقال ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وذلك لأنه يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، روي عن أبي هريرة مرفوعا: "الصائم في عبادة ما لم يغتب مسلما
[ ١ / ٣٨٥ ]
أو يؤذه"، وعن أنس: "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس"، فالصائم يترك أشياء كانت مباحة في غير حالة الصيام؛ فمن باب أولى أن يترك الأشياء التي لا تحل له في جميع الأحوال؛ ليكون في عداد الصائمين حقا.
[ ١ / ٣٨٦ ]
باب في بيان أحكام القضاء للصيام
من أفطر في رمضان بسبب مباح؛ كالأعذار الشرعية التي تبيح الفطر، أو بسبب محرم؛ كمن أبطل صومه بجماع أو غيره؛ وجب عليه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١.
ويستحب له المبادرة بالقضاء؛ لإبراء ذمته، ويستحب أن يكون القضاء متتابعا؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وإن لم يقض على الفوز وجب العزم عليه، ويجوز له التأخير؛ لأن وقته موسع، وكل واجب موسع يجوز تأخيره مع العزم عليه؛ كما يجوز تفرقته؛ بأن يصومه متفرقا، لكن إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه؛ يجب عليه التتابع إجماعا؛ لضيق الوقت، ولا يجوز تأخير إلى ما بعد رمضان الآخر لغير عذر؛ لقول عائشة ﵂: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ" متفق عليه، فدل هذا على
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ١٤٨.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ماتت وعليها صيام نذر؛ أفأصوم عنه؟ قال: "نعم". والولي هو الوارث.
قال ابن القيم ﵀: "يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس وعائشة، وهو مقتضى الدليل والقياس؛ لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه؛ فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين، وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء؛ فهو أحد أركان الإسلام؛ فلا تدخله النيابة بحال؛ كما لا تدخل الصلاة والشهادتين؛ فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبورية التي خلق لها وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يطعم عنه كل يوم مسكين، وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما، وهو مقتضى النظر كما هو موجب الأثر؛ فإن النذر كان ثابتا في الذمة فيفعل بعد الموت، وأما صوم رمضان؛ فإن الله لم يوجبه على العاجز عنه، بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين، والقضاء إنما على من قدر عليه لا من عجز عنه؛ فلا يحتاج إلى أن يقضي أحد عن أحد، وأما الصوم لنذر وغيره من المنذورات؛ فيفعل عنه بلا خلاف؛ للأحاديث الصحيحة.
[ ١ / ٣٨٩ ]