هناك بعض من الأعمال التي يحرم على المسلم إذا لم يكن على طهارة أن يزاولها لشرفها ومكانتها، وهذه الأعمال نبينها لك بأدلتها؛ لتكون منك على بال؛ فلا تقدم على واحد منها إلا بعد التهيؤ له بالطهارة المطلوبة.
اعلم يا أخي أن هناك أشياء تحرم على المحدث، سواء كان حدثه أكبر أو أصغر، وهناك أشياء يختص تحريمها بمن محدث حدثا أكبر.
فالأشياء التي تحرم على المحدث أي الحدثين:
١ مس المصحف الشريف؛ فلا يمسه المحدث بدون حائل؛ لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ أي: المتطهرون من الحدث جنابة أو غيرها، على القول بأن المراد بهم المطهرون من البشر، وهنالك من يرى أن المراد بهم الملائكة الكرام.
وحتى لو فسرت الآية بأن المراد بهم الملائكة؛ فإن ذلك يتناول البشر بدلالة الإشارة، وكما وردفي الكتاب الذي كتبه الرسول ﷺ إلي
[ ١ / ٢٣ ]
أهل اليمن من حديث عمرو بن حزم؛ قوله: "لا يمس المصحف إلا طاهر"، رواه النسائي وغيره متصلًا.
قال ابن عبد البر "إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول".
قال شيخ إسلام عن منع مس المصحف لغير المتطهر: "هو مذهب الأئمة الأربعة".
وقال ابن هبيرة في "الإفصاح": "أجمعوا "يعني: الأئمة الأربعة" أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف" انتهى.
ولا بأس أن يحمل غير المتطهر المصحف في غلاف أو كيس من غير أن يمسه، وكذلك لا بأس أن ينظر فيه ويتصفحه من غير مس.
٢ ويحرم على المحدث الصلاة فرضا أو نفلًا، وهذا بإجماع أهل العلم، إذا استطاع الطهارة؛ لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية،
[ ١ / ٢٤ ]
وقال النبي ﷺ: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور"، رواه مسلم وغيره، وحديث: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ"؛ فلا يجوز له أن يصلي من غير طهارة مع القدرة عليها، ولا تصح صلاته، سواء كان جاهلا أو عالما، ناسيا أو عامدًا، لكن العلم العامد إذا صلى من غير طهارة؛ يأثم ويعزر، وإن كان جاهلًا أو ناسيا؛ فإنه لا يأثم، لكن؛ لا تصح صلاته.
٣ يحرم على المحدث الطواف بالبيت العتيق؛ لقوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة؛ إلا أن أباح فيه الكلام"، وقد توضأ النبي ﷺ للطواف، وصح عنه ﷺ أنه منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، كل ذلك مما يدل على تحريم الطواف على المحدث حتى يتطهر.
[ ١ / ٢٥ ]
ومما يدل على تحريمه على المحدث حدثا أكبر قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أي: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا ماري طريق، فمنعه من دخول المسجد للبقاء فيه يقتضي منعه من الطواف من باب أولى.
وهذه الأعمال تحرم على المحدث سواء كان حدثه أكبر أو أصغر.
وأما الأشياء التي تحرم على المحدث حدثا أكبر خاصة؛ فهي:
١ يحرم على المحدث حدثا أكبر قراءة القرآن؛ لحديث علي ﵁: "لا يحجبه" يعني: النبي ﷺ "عن القرآن شيء، ليس الجنابة"، رواه الترمذي وغيره، ولفظ الترمذي: "يقرئنا مالم يكن جنبا"؛ فهذا يدل على تحريم قراءة القرآن على الجنب، وبمعناه الحائض والنفساء، ولكن رخص بعض العلماء كشيخ الإسلام للحائض أن تقرأ القرآن إذا خشيت نسيانه.
ولا بأس أن يتكلم المحدث بما وافق القرآن إن لم يقصد القرآن بل على وجه الذكر؛ مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب
[ ١ / ٢٦ ]
العالمين؛ لحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه".
٢ ويحرم على المحدث حدثا أكبر من جنابه أو حيض أو نفاس اللبث في المسجد بغير وضوء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أي: لا تدخلوا المسجد للبقاء فيه، ولقوله ﷺ: "لا أحل المسجد لحائض ولاجنب"، رواه أبو داود من حديث عائشة، وصححه ابن خزيمة.
فإذا توضأ من عليه حدث أكبر؛ جاز له اللبث في المسجد؛ لقول عطاء: "رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة"، الحكمة من هذا الوضوء الجنابة.
وكذلك يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمر بالمسجد لمجرد العبور منه من غير جلوس فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي: متجاوزين فيه للخروج منه، والاستثناء من النهي إباحة، فيكون ذلك مخصصا لعموم قوله ﷺ: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب".
[ ١ / ٢٧ ]
وكذلك مصلى العيد لا يلبث فيه من عليه حدث أكبر بغير وضوء، ويجوز له المرور منه؛ لأن النبي ﷺ قال: "وليعتزل الحيض المصلى".
[ ١ / ٢٨ ]