قال المصنف ﵀: (وهو الشرط الخامس لصحة الصلاة إلا في حال العجز عنه. والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير. وهل يجوز التنفل للماشي؟ على روايتين. فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين).
أما كون استقبال القبلة الشرط الخامس؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كونه شرطًا لصحة الصلاة في غير المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] أي نحوه.
كما أنشدوا:
ألا من مُبلغ عنا رسولًا وهل تُغْني الرسالة شَطْر عمرو
أي نحو عمرو.
وروي عن البراء قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا. ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة. فمر رجل كان صلى مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار. فقال: إن رسول الله ﷺ قد وُجّه إلى الكعبة. فانحرفوا إلى الكعبة» (١) أخرجه النسائي.
وأما كونه لا يشترط في حال العجز كالمصلوب يصلي على حسب حاله؛ فلأنه فرضٌ عجز عنه. أشبه القيام. وكالصلاة في حال المسايفة. وسيأتي ذكر ذلك في فصل صلاة الخوف إن شاء الله تعالى (٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه (٤٨٩) ١: ٢٤٣ كتاب الصلاة، باب فرض القبلة. وأصله عند البخاري في الإيمان، باب حسن إسلام المرء (٤١) ١: ٢٤.
(٢) ص: ٥١٨.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأما كونه لا يشترط في صلاة النافلة على الراحلة في السفر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. يومئ برأسه. وكان يوتر على بعيره» (١) متفق عليه.
و«كان يصلي على حماره» (٢) رواه أبو داود.
واعلم أن غرض المصنف ﵀ هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة في الجملة فأما تفصيل ذلك فالراحلة على ضربين:
أحدهما: ما يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه بفخذيه وساقيه كراحلة السرج والقتب فهذه يباح لراكبها ترك الاستقبال في جميع صلاته. ويومئ بالركوع والسجود؛ لأن النبي ﷺ هكذا كان يركب. وعلى مثل هذه الحالة كان يتنفل.
الثاني: ما لا يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه كالهودج والمحمل ونحوهما. فهذا إن أمكن راكبها الاستقبال في جميع الصلاة والركوع والسجود على ما هو عليه لزمه ذلك لأنه ممكن غير مشق.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك؛ لأن الرخصة إذا كانت عامة تعم من وجدت في حقه المشقة ومن لم يوجد.
ولأن في ذلك إضرارًا بدابته لتنقله وحركته. فلم يلزمه قياسًا على راكب السرج.
ويحتمل أن يكون غرض المصنف ﵀ هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة على كل راحلة كمذهب الآمدي. وظاهر إطلاقه يؤيد ذلك.
وأما كون ما تقدم ذكره في السفر الطويل والقصير؛ فلأن تجويز ذلك إنما كان تخفيفًا في التطوع كيلا يؤدي إلى تقليله وقطعه. وهذا المعنى موجود في القصير فوجب إلحاقه بالطويل ومساواته له في الجواز.
وأما كون التنفل للماشي يجوز على روايةٍ؛ فلأن الإفضاء إلى التقليل والقطع موجود فيه أشبه الراكب.
فإن قيل: الراكب كالماشي مطلقًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٤٧) ١: ٣٧١ أبواب تقصير الصلاة، باب ينزل للمكتوبة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٠٠) ١: ٤٨٦ كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٢٢٦) ٢: ٩ كتاب صلاة السفر، باب التطوع على الراحلة والوتر. وأخرجه أحمد في مسنده (١١٧١٩) ٣: ٧٣.
[ ١ / ٣٢٦ ]
قيل: لا. بل مثله في جواز ترك الاستقبال.
أما جواز الإيماء بالركوع والسجود فليس له ذلك. ويلزمه الركوع والسجود على الأرض مستقبلًا؛ لإمكان ذلك. بخلاف الراكب فإن له أن يومئ بهما.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك بل يومئ بهما كالراكب لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على روايةٍ. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن الرخصة وردت في الراكب، والماشي بخلافه لأنه يأتي في الصلاة بعمل كثير.
وأما كون مَن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه قادر عليه فلزمه كما لو قدر عليه في جميع الصلاة من غير مشقة.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يلزمه كبقية أجزائها، [والحديث يحمل على الندب] (١).
واعلم أن الضمير في قول المصنف ﵀: فإن أمكنه؛ يجب عوده إلى الراكب لا إلى الماشي ولا إليه وإلى الراكب، مع أن في عوده إلى الراكب أيضًا نظرٌ:
أما كونه لا يعود إلى الماشي وحده ولا إليه وإلى الراكب؛ فلأن الماشي يلزمه استقبال القبلة حال افتتاح الصلاة إذا أمكنه ذلك على روايةٍ واحدة ذكر ذلك صاحب النهاية. وحكى المصنف ﵀ في المغني أنه يلزمه الاستقبال ولم يحك خلافه. ولم يحك صاحب المستوعب ولا غيره ممن طالعت تصنيفه مع إمعان المطالعة والمبالغة من أجل تصحيح كلام المصنف ﵀ هنا غير ذلك.
وأما كون عوده إلى الراكب وحده فيه نظر؛ فلأن الروايتين المذكورتين في الاستقبال حال الافتتاح إنما هما في حال المسايفة: أما النافلة في السفر على الراحلة فإنه ينظر فيها: فإن كانت مقطورة [أو لا تطيع راكبها في انفتالها لم يلزمه الاستقبال؛ لأنه لا يمكنه إلا بمشقة. وإن كانت غير مقطورة] (٢) وتطيعه فالمذهب أنه يلزمه الاستقبال حال الافتتاح ذكره صاحب النهاية فيها وقدمه المصنف في المغني. واحتجا عليه بأن النبي
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) ساقط من ب.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ﷺ «كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» (١) رواه أبو داود.
وأما عدم لزوم الاستقبال حال الافتتاح فهو مُخَرّج على صلاة الخوف. ذكره المصنف ﵀ في المغني وصاحب النهاية فيها. ولم يحكه واحد منهما رواية. ولم أعلمه لأحد من الأصحاب. ويمكن أن يتعذر عن إطلاق المصنف ﵀ الروايتين إذا أراد بذلك الراكب بأن المخرج على روايةٍ قد يطلق عليه رواية نظرًا إلى أنه مأخوذ منها. أو يقال بأن المصنف ﵀ اطلع على روايةٍ لم يطلع عليها غيره ولم ينقلها إلا في مقنعه وفيه بُعْدٌ. وصرح في الكافي بأن في الاستقبال إذا كان سهلًا وجهين.
قال: (والفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب منها. وإصابة الجبهة لمن بعد عنها).
أما كون الفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب من الكعبة فلا خلاف فيه. ووجهه أنه قادر على التوجه إلى عين الكعبة قطعًا فلم يجز العدول عنه والتوجه إليها ظنًا.
والمراد بمن قرب المشاهِدُ لها ومن كان بمكة من أهلها أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالجدران:
أما المشاهد لها؛ فلأنه قادر على إصابة العين من غير مشقة البتة.
وأما من كان من وراء حائل ممن ذكر؛ فلأنه قادر على إصابة العين بأسباب موصلة إلى ذلك قطعًا على وجه السهولة واليسر فلزمه ذلك كمن صلى بحضرة الكعبة وبينه وبينها رجل قائم أو ستر معلق فإنه يلزمه أن يتسبب إلى أن يعلم عين الكعبة فكذلك هاهنا.
وأما كون الفرض فيها إصابة الجهة لمن بَعُد عنها؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
تُرك العمل به (٣) في حق من قرب لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٢٢٥) ٢: ٩ كتاب الصلاة، باب التطوع على الراحلة. وأخرجه أحمد في مسنده (١٣١٣١) ٣: ٢٠٣.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٣٤٤) ٢: ١٧١ أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٠١١) ١: ٣٢٣ كتاب إقامة الصلاة، باب القبلة.
(٣) زيادة من ج.
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولأن الإجماع منعقد على صحة صلاة المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما.
وظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أنه لا فرق فيمن بَعُد بين من كان قريبًا من مسجد النبي ﷺ وبين من لم يكن. ووجهه عموم ما تقدم.
وقال أبو الخطاب: حكم من قرب من مسجد النبي ﷺ حكم من قرب من الكعبة. وصرح به المصنف ﵀ في المغني. ووجهه أن قبلة مسجد النبي ﷺ صحيحة قطعًا لأنه لا يقر على الخطأ.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الفرض إذا كان الجهة لم يكن نصب القبلة إلى غير العين خطأ. وفي قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] دليل على أن الفرض الجهة؛ لأن الشطر قد فسر بالنحو. والنحو الجهة لا العين. ويعضده قوله ﵇: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (١).
قال: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به. وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لم يلتفت إليها).
أما كون من أمكنه معرفة القبلة بخبر ثقة عن يقين يلزمه العمل به؛ فلأن الخبر كالنص فلزم قبوله. ولم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص.
وأما كون من أمكنه ذلك باستدلالٍ بمحاريب المسلمين يلزمه ذلك؛ فلأن أهل الخبرة والمعرفة بنوها على الصحة. فجرى ذلك مجرى الخبر عن يقين.
وفي تقييد المصنف ﵀ خبر الثقة بكونه عن يقين إشعار بأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز له العمل بقوله. وهو صحيح. صرح به صاحب الهداية فيها. ووجهه أن العالم لا يجوز له العمل باجتهاد غيره فكذا هذا.
وأما كون من وَجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لا يلتفت إليها فلاحتمال كونها لغير المسلمين.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال: (وإن اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل، وأثبتُها القطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلًا للقبلة).
أما كون من اشتبهت عليه القبلة في السفر ولم يمكنه معرفتها بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين يجتهد في طلبها بالدلائل إذا كان عالمًا بها؛ فلأن له طريقًا إلى معرفتها بالاجتهاد فلزمه ذلك كالعالم بالحادثة.
والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها سواء كان عالمًا بأحكام الشرع أو لم يكن. فإن كل من علم أدلة شيء كان من أهل الاجتهاد فيه وإن جهل غيره.
فإن قيل: من دخل وقت الصلاة عليه وهو غير عارف بالقبلة ولا بدلائلها ما يصنع؟
قيل: إن أمكنه تعلم ذلك لزمه. فإن ضاق الوقت قبل التعلم جاز أن يقلد كتعلم الفاتحة يجب مع السعة، ويجزئ غيرها مع الضيق.
وهل يجب على من يريد السفر تعلم ذلك؟
قال قوم: يجب. وهو متجه.
ويحتمل أن لا يجب لأن جهة القبلة مما يندر التباسه، والمكلف يجب عليه تعلم ما يعم لا ما يندر.
فإن قيل: ما دلائل القبلة؟
قيل: أمور: أحدها النجوم. قال الله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧]. وباقيها يأتي ذكره.
وأما كون أثبت أدلة القبلة القطب؛ فلأنه لا يزول عن مكانه ويمكن كل واحد معرفته غالبًا.
فإن قيل: ما صفته؟
قيل: هو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل. تدور هذه الفراشة حول القطب دور الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة. وحول الفراشة بنات نعش وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة.
وأما كونه إذا جعله المصلي وراء ظهره يكون مستقبلًا للقبلة؛ فلأنه قد أخبر بذلك ثقات عن يقين.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ولا بد أن يلحظ في ذلك كون المصلي في الشام لأن ذلك إنما يكون كذلك في البلاد الشامية.
وقيل: أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلًا.
فإن قيل: لو استدبر الفرقدين أو الجدي.
قيل: يكون مستقبلًا للجهة.
قال: (والشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها كلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب عن يمين المصلي. والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه، والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب. والدبور تهب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن. والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها).
أما كون الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها من دلائل القبلة؛ فلأنها تطلع في الجملة من المشرق وتغرب في المغرب لكن الشمس تطلع من المشرق عن يسار المصلي وتغرب في المغرب عن يمينه.
وأما القمر فيبدو أول ليلة الشهر هلالًا في المغرب عن يمين المصلي. ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلًا حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في القبلة مائلًا عنها قليلًا إلى المغرب. ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدرًا تامًا. وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريبًا منها وقت الفجر. وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق. وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله.
وأما المنازل فثمانية وعشرون منزلًا وهي:
السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والدباغ، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، الصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلح، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت.
وصورة ذلك مذكورة في الكتب المطولة.
وأما كون الرياح من دلائل القبلة؛ فلأن العرب يعرفونها ويستدلون بها على القبلة.
[ ١ / ٣٣١ ]
والرياح التي ذكرها المصنف ﵀ دلائل قبلة العراق. وأما قبلة الشام فهي مشرقة عن قبلة العراق. فيكون مهب الجنوب لأهل الشام قبلة. وهو من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الشتاء.
والشمال: مقابلتها تهب من ظهر المصلي لأن مهبها من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف.
قال الأصمعي: وليس في الرياح ما له دري غيرها وهو ما تسقيه إلى حائط أو شجرة.
والصبا تهب من يسرة المصلي المتوجه إلى قبلة الشام لأن مهبها من مطلع الشمس في الصيف إلى مطلع العتوق. قاله الفراء.
والدبور: مقابلتها. وربما تدور هذه الرياح بين الحيطان والجبال فلا تعتبر إذًا.
قال: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه).
أما كون من اختلف اجتهادهما لا يتبع أحدهما صاحبه؛ فلأن فرض كل واحد منهما (١) ما يؤديه إليه اجتهاده فلا يجوز له أن يقلد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالمين المختلفين في الحادثة.
ولا فرق بين من اجتهد فأداه اجتهاده إلى جهة، وبين من لم يجتهد مع كونه أهلًا للاجتهاد؛ لأن الأهل أمكنه الاجتهاد فلزمه كالحاكم. ولا بين أن يكون الوقت متسعًا أو ضيقًا لما ذكر.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يقلد مع الضيق. وأشار إلى قول أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى وصلى إلى غير القبلة يعيد لأن عليه أن يسأل. فجعل فرضه السؤال.
وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر. بل فيه دلالة على أن المجتهد في المصر لا يجتهد؛ لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر عن يقين أو بطريق الاستدلال بالمحاريب.
وأما كون كل واحدٍ من الجاهل والأعمى يتبع أوثقهما في نفسه؛ فلأن الصواب إليه أقرب.
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ١ / ٣٣٢ ]
والمراد بأوثقهما في نفسه أعلمهما عنده وأصدقهما قولًا وأشدهما تحريًا لدينه. فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه. فلم يتسع له ذلك كالمجتهد إذا ترك اجتهاده.
قال: (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعادا. فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى. وفي الإعادة وجهان. وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد. وإن أصاب فعلى وجهين).
أما كون البصير إذا صلى في الحضر فأخطأ يعيد؛ فلأنه إنما عذر في الخطأ في السفر لأنه مظنة الاشتباه وعدم الأدلة الموصلة إلى الإصابة يقينًا. بخلاف الحضر فإنه يمكنه التوصل إلى ذلك بالخبر عن يقين وبالاستدلال بالمحاريب.
وتقييد الإعادة بالخطأ مشعر بأنه إذا أصاب لم يعد. وهو صحيح؛ لأنه مأمور بالصلاة إلى القبلة وقد وجدت.
وقيل: يعيد مع الإصابة؛ لأنه ترك فرضه وهو السؤال. والغالب عليه عدم الإصابة فوجب عليه الإعادة ولو أصاب لأنه ترك فرضه مع أنه يغلب على الظن عدم إصابته.
ولوجوب الإعادة عليه أخطأ أو أصاب أطلق المصنف ﵀ الحكم المذكور.
وأما كون الأعمى الذي لا يجد من يقلده يصلي؛ فلأن فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول.
ولأنه لو لم يصل لأدى ذلك إلى خلو الوقت عن صلاة في الجملة. وذلك لا يجوز. دليله من عدم الماء والتراب.
وأما كونه يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه مع عدم الدليل صلى شاكًا في تأدية فرضه فوجب عليه الإعادة وإن أصاب أشبه واجد الدليل إذا صلى بلا سؤاله.
وأما كونه لا يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه قد أتى بما في وسعه وما كلف به فلم تجب الإعادة عليه كالمجتهد.
وأما كونه إن أخطأ أعاد وجهًا واحدًا في قول ابن حامد؛ فلأنه اجتمع فيه أمران الصلاة بغير دليل وعدم الإصابة، وإن أصاب على وجهين؛ فلأن النظر إلى أن المقصود إصابة القبلة وقد وجد يقتضي أن لا يعيد.
فإن قيل: فرضه السؤال ولم يوجد.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قيل: فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول. وبه يظهر الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا صلى مع وجود الدليل ولم يسأله.
والنظر إلى أن العبادة جعلت في الوقت على نوع من الخلل يقتضي أن يعيد لما في ذلك من الاستدراك لما حصل من الخلل. ويعضد ذلك وجوب الإعادة على من صلى عادمًا للماء والتراب على إحدى الروايتين.
قال: (ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه قد أخطأ القبلة فلا إعادة عليه. وإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها. فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول).
أما كون من صلى بالاجتهاد ثم علم أنه أخطأ القبلة لا إعادة عليه؛ فلما روى عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة. فلم ندر أين القبلة. فصلى كل رجل منا على حياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿فأينما تولوا الآية﴾ [البقرة: ١١٥]» (١) رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أشعث السمان. وفيه ضعف.
ولأن عدم العلم عذر في ترك الاستقبال بدليل «أن أهل قباء لما أُخبروا بتحول القبلة لم يبتدئوا الصلاة» (٢).
وأما كونه إذا أراد صلاة أخرى يجتهد لها مرة أخرى؛ فلأنها واقعة جديدة فيستدعي اجتهادًا جديدًا كطالب الماء في التيمم.
وأما كونه يعمل بالثاني إذا تغير اجتهاده؛ فلأنه ترجح في ظنه. والعمل بالراجح متعين.
وأما كونه لا يعيد ما صلى بالأول؛ فلأنه لو وجبت الإعادة لكان نقضًا للاجتهاد بالاجتهاد. وذلك غير جائز لعدم تناهيه.
ولأنه لا يعيد مع يقين الخطأ فمع عدم اليقين بطريق الأولى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه (٣٤٥) ٢: ١٧٦ أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٠٢٠) ١: ٣٢٦ كتاب إقامة الصلاة، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم. قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٢١٨) ٤: ١٦٣٢ كتاب التفسير باب: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٢٦) ١: ٣٧٥ كتاب المساجد، باب تحويل القبلة.
[ ١ / ٣٣٤ ]