قال المصنف ﵀: (كل إناء طاهر مباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثمينًا كالجوهر ونحوه إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء. فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته؟ على وجهين. إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة كتشعيب القدح (١) فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال).
أما كون كل إناء طاهر ليس ذهبًا ولا فضة ولا مضببًا بأحدهما يباح اتخاذه؛ فلأنه يباح استعماله لما يأتي، وما يباح استعماله يباح اتخاذه. دليله الثياب المباح استعمالها.
وأما كونه يباح استعماله؛ فلأن النبي - ﷺ - توضأ من جفنة، ومن تور من صفر، ومن تور من حجارة، ومن إداوة، وقربة. فيثبت الحكم فيما ذكر لفعله، وفيما بقي من الصور لأنه في معناه.
وأما قول المصنف ﵀: ولو كان ثمينًا فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الإناء الثمين كالجوهر والبلور وغير الثمين؛ لأن العلة المحرمة للذهب والفضة مفقودة في الثمين؛ لأن الثمين لا يعرفه إلا الخواص من الناس فلا يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
وأما كون آنية الذهب والفضة يحرم اتخاذها؛ فلأنه (٢) يحرم استعمالها لما يأتي، وما يحرم استعماله يحرم اتخاذه. دليله الطنبور.
_________________
(١) في المقنع زيادة: ونحوه.
(٢) في ب: فأنه.
[ ١ / ١١٢ ]
وأما كونها يحرم استعمالها فلقوله - ﷺ -: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١).
وقال ﵇: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم» (٢) متفق عليهما.
فتوعّد على ذلك النار. وذلك دليل الحرمة.
ولأن فيه سرفًا وخيلاء وكسرًا لقلوب الفقراء.
فإن قيل: الحديث المتقدم إنما دليله حرمة الأكل والشرب.
قيل: الشيء إذا خرج مخرج الغالب لا يتقيد الحكم به. ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الرهن يصح في الحضر وذِكْر السفر خرج مخرج الغالب.
وأما كون المضبب بالذهب أو بالفضة يحرم اتخاذه واستعماله ما لم تكن الضبة يسيرة من فضة؛ فلأن علة تحريم الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهي موجودة في المضبب المذكور فوجب ثبوت حكمهما فيه.
وأما قول المصنف ﵀: على الرجال والنساء فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم الأحاديث.
وأما كون الوضوء من الآنية المذكورة المحرم استعمالها يصح على وجه؛ فلأن الوضوء جريان الماء على الأعضاء وليس ذلك بمعصية.
وأما كونه لا يصح على وجه؛ فلأن ذلك استعمال المعصية في العبادة أشبه الصلاة في الدار المغصوبة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥١١٠) ٥: ٢٠٦٩ كتاب الأطعمة، باب: الأكل في إناء مفضض. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٦٧) ٣: ١٦٣٨ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة عن حذيفة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٣١١) ٥: ٢١٣٣ كتاب الأشربة، باب: آنية الفضة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٦٥) ٣: ١٦٣٤ كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة عن أم سلمة ﵂.
[ ١ / ١١٣ ]
والأول أصح؛ لأن استعمال الماء في الوضوء يكون بعد فعله المعصية بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة فإن نفس العبادة واقعة معصية وذلك لا يجامع الطاعة فلزم انتفاء كونها عبادة.
وأما كون الضبة اليسيرة من فضة لا بأس بها فـ «لأن قدح رسول الله - ﷺ - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة» (١) رواه البخاري.
ولأن الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك.
وفي تقييد المصنف ﵀ الضبة بكونها يسيرة من فضة إشعار (٢) بأمرين:
أحدهما: أنه يشترط فيما ذكر ذلك. وهو صحيح لأن مقتضى الدليل حرمة المضبب مطلقًا. تُرك العمل به فيما ضبته يسيرة من فضة للحديث المذكور فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وثانيهما: أنه لا يشترط غير ذلك. فعلى هذا لا يشترط أن تكون الضبة لحاجة. وصرح به في المغني. ووجهه أنها ضبة يسيرة لا خيلاء فيها ولا كسر.
وقال أبو الخطاب: لا بد من الحاجة لأن الرخصة وردت في الحاجة فيجب قصر الحكم عليها.
فإن قال قائل: قول المصنف ﵀ لا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال يدل على وجود البأس عند وجود المباشرة والبأس ظاهر في التحريم والأمر ليس كذلك.
قيل: مراده نفي الكراهة إذا لم يباشرها وهو عند المباشرة مكروه الاستعمال لأنه يكون شاربًا على فضة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٩٤٢) ٣: ١١٣١ أبواب الخمس، باب: ما ذُكر من درع النبي - ﷺ - وعصاه عن أنس ﵁.
(٢) في ب: إشعارًا.
[ ١ / ١١٤ ]
قال: (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها.
وعنه: ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه.
وعنه: أن من لا تحل ذبيحتهم لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله، ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها).
أما كون ثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥].
و«لأن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا يلبسون من نسج الكفار».
و«أكل رسول الله - ﷺ - من عند يهودي خبزًا وإهالةٍ سَنِخة» (١) رواه الإمام أحمد.
و«توضأ عمر رضي الله من جرة نصرانية» (٢).
وأما كون ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه على روايةٍ؛ فلأن الغالب نجاسته.
وأما كون من لا تحل ذبيحته كالمجوس وعبدة الأوثان لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله على روايةٍ؛ فلأنها تتنجس بذبيحتهم ضرورة كونها ميتة.
وأما كونهم لا يؤكل من طعامهم غير الفاكهة ونحوها؛ فلأنه يتنجس بتنجس آنيتهم (٣).
وأما كونهم يؤكل من طعامهم الفاكهة ونحوها؛ فلأن الظاهر سلامتها من النجاسة.
فإن قيل: من يتعبد بالنجاسة كبعض النصارى ما حكمه؟
قيل: حكم من لا تحل ذبيحته لا شتراكهما في التنجيس. ويعضده ما روى أبو ثعلبة قال: «قلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٣٨٨٧) ٣: ٢٧٠.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣٢ كتاب الطهارة، باب التطهر في أواني المشركين إذا لم يعلم نجاسة.
(٣) في ب: بآنيتهم.
[ ١ / ١١٥ ]
آنيتهم؟ فقال: لا تأكلوا بها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها» (١) متفق عليه.
فإن قيل: هذا يدل على النجاسة في أهل الكتاب كلهم.
قيل: يجب حمله على أهل الكتاب الذين يتعبدون بالنجاسة كبعض النصارى جمعًا بينه وبين قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] وبين فعل النبي - ﷺ - (٢) وفعل عمر (٣).
قال: (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ، وهل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين.
وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة، ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة).
أما كون جلد الميتة لا يطهر بالدباغ على الصحيح في المذهب فلما روي عن عبدالله بن عُكيم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله - ﷺ - بأرض جهينة -وأنا غلام شاب- أن لا تَنتفعُوا من الميتةِ بإهَابٍ ولا عَصَب» (٤).
قال أحمد: ما أصلح إسناده.
ولأنه جزء من الميتة ينجس بالموت فلم يطهر بالدبغ كاللحم.
فعلى هذه الرواية هل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥١٦١) ٥: ٢٠٨٧ كتاب الذبائح والصيد، باب صيد القوس. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٣٠) ٣: ١٥٣٢ كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
(٢) ر ص: ١١٥.
(٣) ر ص: ١١٥.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤١٢٨) ٤: ٦٧ كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٧٢٩) ٤: ٢٢٢ كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت. وأخرجه أحمد في مسنده (١٨٧٦٦) ٤: ٣١٠. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
[ ١ / ١١٦ ]
إحداهما: لا يجوز لعموم قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (١).
والثانية: يجوز لقوله: «فهلا أخذوا إهابها فانتفعوا به» (٢).
فإن قيل: هذا يعم الانتفاع بعد الدبغ وقبله فلِم خص الانتفاع ببعد الدبغ؟
قيل: قد روي «فدبغوه فانتفعوا به» (٣) والمطلق يحمل على المقيد فيجب أن لا يجوز الانتفاع به قبل الدبغ لما تقدم من حديث ابن عكيم السالم عن معارضة حديث ميمونة.
فإن قيل: الاختلاف جار في كل جلد دبغ.
قيل: لا بل في كل جلد اختلف في طهارته بالدبغ فأما الجلد الذي لا يطهر بالدبغ قولًا واحدًا كجلد الكلب والحنزير فلا يجوز استعماله في اليابسات رواية واحدة.
وأما كون جلد ما كان طاهرًا في الحياة يطهر بالدباغ على روايةٍ؛ فلأن ذلك ينقسم إلى مأكولٍ كالشاة ونحوها فيجب أن يطهر بالدبغ؛ لقوله ﵇ في حديث ميمونة: «هلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» (٤).
وإلى غير مأكول كالبغل والحمار فيجب أن يطهر بالدبغ لقوله - ﷺ -: «دباغ الأديم ذكاته» (٥). أي يطيبه من قولهم رائحة ذكية أي طيبة.
ولأنه حيوان طاهر فطهر بالدباغ قياسًا على جلد الشاة.
ولأن الحيوان كان طاهرًا في الحياة وإنما ينجس بالموت لأنه يجمع الرطوبات والعفونات. والدباغ يُذهب ذلك فيجب أن يعود إلى ما كان عليه من الطهارة.
وإنما لم يطهر إذا كان نجسًا في الحياة؛ «لأن النبي - ﷺ - نهى عن افتراش جلود السباع» (٦).
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) سيأتي تخريجه من حديث ميمونة.
(٣) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٣٦٣) ١: ٢٧٧ كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٢١ كتاب الطهارة، باب اشتراط الدباغ في طهارة جلد ما لا يؤكل لحمه وإن ذكي.
(٦) أخرجه الترمذي في جامعه (١٧٦٢٣) ٤: ٢٤١ كتاب اللباس، باب ما جاء في النهي عن جلود السباع.
[ ١ / ١١٧ ]
ولأن قوله ﵇: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (١) عام خولف في جلد الشاة وما في معناه لما تقدم. فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون جلد غير المأكول لا يطهر بالذكاة فلعموم نهيه ﵇ عن افتراش جلود السباع.
ولأنه ذبح غير مشروع فيجب أن يكون كعدمه.
قال: (ولبن الميتة وأنفحتها نجس (٢) في ظاهر المذهب. وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر).
أما كون لبن الميتة وأنفحتها نجسًا في ظاهر المذهب؛ فلأن كل واحد منهما مائع في وعاء نجس فكان نجسًا كما لو وقع في إناء نجس.
وأما كونهما طاهرين على روايةٍ؛ فلأن الصحابة ﵃ أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن. وهو يعمل بالأنفحة وذبائحهم ميتة.
فإن قيل: ما ذكر يدل على طهارة الأنفحة فما بال اللبن؟
قيل: هو في معناها.
وقال بعض أصحابنا: لا خلاف في نجاسة اللبن كذلك.
والخلاف المذكور في الأنفحة لما ذكر.
والأصح نجاستهما لما تقدم.
وأما أكل الصحابة جبن المجوس فقد قيل ما كان أهل المدائن يتولون الذبح. بل كان اليهود جزّاريهم.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ١١٦.
(٢) في المقنع: نجسة.
[ ١ / ١١٨ ]
وأما كون عظمها وقرنها وظفرها نجسًا؛ فلأنه جزء من الميتة بدليل قوله تعالى: ﴿من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وما يُحْيى فهو ميت.
ولأنها توجد فيها أمارة الإحساس والألم.
وعن الإمام أحمد أن ذلك طاهر لما روى ثوبان «أن رسول الله - ﷺ - قال له: اشتر لفاطمة سوارًا من عاج» (١) رواه أبو داود.
والأول أصح.
والجواب عن هذا أنه مطعون فيه. وعلى تقدير الصحة المراد به الذَّبْل. قاله ابن قتيبة والأصمعي.
وأما كون صوفها وشعرها وريشها طاهرًا؛ فلأنه لا روح فيه ولا يحله الموت لأن الحيوان لا يألم بأخذه.
وعن الإمام أحمد أنه نجس؛ لأنه نمى بنماء الحيوان أشبه بعض أعضائه. وقد روي «ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة» (٢).
والصحيح الأول لما ذكر.
والحديث منكر. والنماء ليس دليل الحياة بدليل النبات.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٤٢١٣) ٤: ٨٧ كتاب الترجل، باب ما جاء في الانتفاع بالعاج. وأخرجه أحمد في مسنده (٢١٨٥٨) ط إحياء التراث. وفيهما: «سوارين من عاج».
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٢٣ كتاب الطهارة، باب المنع من الانتفاع بشعر الميتة. وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير ٢: ٢٧٩ كلاهما من طريق عبدالله بن عبدالعزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع عن ابن عمر. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. قد روي في دفن الظفر والشعر أحاديث أسانيدها ضعاف. وقال العقيلي في عبدالله بن عبدالعزيز: أحاديثه مناكير غير محفوظة، وليس ممن يقيم الحديث.
[ ١ / ١١٩ ]