الفيء في اللغة: الراجع. يقال: فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق.
وفي الشرع: عبارة عما يذكره المصنف ﵀ بعد إن شاء الله تعالى. وفي الحقيقة يطلق على الغنيمة وبالعكس. وإنما خص كل واحد منهما باسم ليتميز به عن صاحبه.
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أَوْجَفْتم عليه من خيل ولا رِكابٍ الآية﴾ [الحشر: ٦].
قال المصنف ﵀: (وهو: ما أخذ من مال مشرك بغير قتال كالجزية والخراج والعشر، وما تركوه فزعًا. وخمس خمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فيصرف في المصالح. ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وكفاية أهلها وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين. ثم الأهم فالأهم من سد البثوق وكري الأنهار وعمل القناطر وأرزاق القضاة وغير ذلك).
أما قول المصنف ﵀: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال فبيان لمعنى الفيء شرعًا ليتميز عن غيره.
وأما قوله: كالجزية إلى لا وارث له؛ فتمثيل وتعداد لصور أموال الفيء ولأماكنه.
وأما كونه يصرف في المصالح فلأن نفعها عام والحاجة داعية إلى ذلك، ودفع الكفار هو المقصود الأعظم فيبدأ به، وقد يقدم على غيره.
وأما كونه يبدأ بعد ذلك بالأهم فالأهم من سد البثوق وهي ما انخرق مما تدعو الحاجة إلى سده، وكري الأنهار وعمل القناطر والمساجد والطرقات وأرزاق القضاة والعلماء والأئمة والمؤذنين ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع فلأن ذلك من المصالح العامة فقدمت على سائر الناس الآتي ذكرهم بعد.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
قال: (ولا يخمس. وقال الخرقي: يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه للمصالح).
أما كون الفيء لا يخمس وهو المنقول عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب الآيات﴾ [الحشر: ٦] جعله كله لجميع المسلمين. ولذلك لما قرأها عمر قال: «هذه استوعبت المسلمين. ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيه جبينه» (١).
وأما كونه يخمس على قول الخرقي فلأن الله تعالى لما قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧] اقتضى أن يكون جميعها لهؤلاء الأصناف وهم أهل الخمس والآية المتقدمة وما جاء عن عمر وغيره يدل على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كي لا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض. وفي إيجاب الخمس جمعًا بينهما وتوفيق فإن خمسه لمن ذكر في الآية وسائره مصروف إلى من في الخبر.
ولأنه مال مشرك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز.
وروى البراء بن عازب قال: «لقيت خالي ومعه الراية. فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل عرس بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس ماله» (٢).
فعلى هذا يصرف إلى أهل الخمس لأن المسمى في الآيتين واحد وباقيه للمصالح لما ذكر من الجمع.
والأول المذهب حملًا للفظ الآية الأولى على عمومه؛ وعملًا بقول عمر ﵁. والآية الأخرى تحمل على خمس الغنيمة.
قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي عن أحمد نصًا فأحكيه. وإنما نص على أنه غير مخموس.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٣٥١ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما جاء في قول أمير المومنين عمر ﵁ وأخرجه الشافعي في مسنده عن مالك بن أوس عن عمر (٤١٨) ٢: ١٣٠ كتاب الجهاد. نحوه.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن معاوية بن قرة عن أبيه «أن النبي ﷺ بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فأمره فضرب عنقه وخمس ماله» ٨: ٢٠٨ كتاب المرتد، باب مال المرتد إذا مات أو قتل على الردة.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال: (وإن فضل منه فضلٌ قُسم بين المسلمين. ويبدأ بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ، ثم الأنصار، ثم سائر المسلمين. وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من الفيء بعد ما تقدم ذكره من سد الثغور وما يتعلق بها وسد البثوق وما ذكر معها يقسم بين المسلمين فلما تقدم من الآية وقول عمر ﵁.
وأما كونه يبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ فـ «لأن عمر لما قدِم عليه أبو هريرة بثمانمائة ألف درهم أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! بك. إنك ولي ذلك. قال: لا. ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب» (١).
وأما كونه يقدم الأنصار بعدهم فلسابقتهم وآثارهم الجميلة.
وأما كون ما بقي لسائر المسلمين فليحصل التعميم بالدفع.
وأما كون من تقدم ذكرهم لا يفاضل بينهم على روايةٍ فلأن أبا بكر الصديق سوى بينهم (٢).
ولأن الغنائم تقسم بين من حضر بالسوية فكذا الفيء.
وأما كونهم يفاضل بينهم على روايةٍ «فلأن عمر ﵁ قسم بينهم على السوابق، وقال: لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه».
و«لأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلًا». وهذا في معناه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٣٦٤ كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب إعطاء الفيء على الديوان ومن يقع به البداية.
(٢) أخرج أبو عبيد في الأموال (٦٤٨) ص: ٢٤٤ باب: التسوية بين الناس في الفيء. عن يزيد بن أبي حبيب؛ «أن أبا بكر قسم بين الناس قسما واحدا، فكان ذلك نصف دينار لكل إنسان».
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قال: (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دُفع إلى ورثته حقه. ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده (١) الصغار كفايتهم، فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم، وإن لم يختاروا تركوا).
أما كون من مات بعد حلول وقت العطاء يدفع إلى ورثته حقه فلأن صاحب الحق مات بعد استحقاقه ذلك فانتقل إلى ورثته كسائر الموروثات.
وأما كون من مات من أجناد المسلمين يدفع إلى امرأته وأولاده الصغار كفايتهم فلما فيه من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم متى علموا أن عيالهم يُكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على الجهاد.
وأما كونه يفرض لمن بلغ من ذكورهم إذا اختاروا أن يكونوا في المقاتلة فلأنهم أهل لذلك ففرض لهم كآبائهم.
وأما كونهم يتركون إذا لم يختاروا ذلك فلأن الإنسان البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا لواجب عليه، ودخولهم في ديوان المقاتلة غير واجب.
_________________
(١) في هـ: وأولاد.
[ ٢ / ٣٣١ ]