قال المصنف ﵀: (وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يَلَمْلَم، وأهل نجد قرَن، وأهل المشرق ذات عرق. وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومَنْ منزله دون الميقات فميقاته من موضعه).
أما كون المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة فلما روى ابن عباس ﵄ قال: «وقّتَ رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم. قال: فهن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة. فمن كان دونهن مَهِلّه من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها» (١) متفق عليه.
وفي لفظ لعائشة: «ولأهل العراق ذات عرق مختصر» (٢) رواه أبو داود.
وروى البخاري «أن عمر ﵁ حد -يعني لأهل العراق- ذات عرق» (٣).
وأما كون ميقات مَنْ منزله دون الميقات من موضعه فلما تقدم من حديث ابن عباس من قوله: «فمن كان دونهن مهله من أهله» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٥٧) ٢: ٥٥٥ كتاب الحج، باب مهل أهل اليمن. وأخرجه مسلم في صحيحه (١١٨١) ٢: ٨٣٨ كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٣٩) ٢: ١٤٣ كتاب المناسك، باب في المواقيت.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٥٨) ٢: ٥٥٦ كتاب الحج، باب ذات عرق لأهل العراق.
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٨٠ ]
قال ﵀: (وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل. وإن أرادوا الحج فمن مكة. ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم).
أما كون ميقات المكي لعمرته من الحل فـ «لأن النبي ﷺ أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» (١) متفق عليه.
ولأن أفعال العمرة كلها في مكة فلم يكن بد من الحل ليجمع بين الحل والحرم في إحرامه بخلاف ما إذا حج فإنه لا بد أن يخرج إلى عرفات فيحصل له الجمع بينهما.
وأما كون ميقاته بحجة من مكة فلأن في الحديث المتقدم: «وكذلك أهل مكة يهلون من مكة» (٢).
فإن قيل: الحديث شامل للحج والعمرة فلم اختص بالحج؟
قيل: لما فيه من الجمع بينه وبين إعمار عائشة من التنعيم.
فإن قيل: الكلام في المكي، وعائشة ﵂ لم تكن مكية؟
قيل: المراد بأهل مكة من كان قاطنًا بها ومن هو فيها على كل حال لاستوائهما معنى.
وأما إحرام من لم يكن طريقه على ميقاتٍ إذا حاذى أقرب المواقيت إليه فـ «لأن عمر ﵁ قال لأهل العراق لما سألوه الميقات: انظروا حذوها من طريقكم» (٣) رواه البخاري.
ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة.
قال ﵀: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إحرام إلا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطّاب ونحوه. ثم إن بدا له النسك أحرم من موضعه. ومن جاوزه مريدًا للنسك رجع فأحرم منه. فإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع إلى الميقات).
أما عدم جواز تجاوز الميقات غير مُحْرِم لمن أراد دخول مكة لغير قتال وحاجة متكررة فلأن النبي ﷺ وقّت المواقيت المتقدمة وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٨٢٣) ٣: ١٠٨٩ كتاب الجهاد والسير، باب إرداف المرأة خلف أخيها. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٢) ٢: ٨٨٠ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) سبق تخريجه ص: ٨٢.
[ ٢ / ٨١ ]
ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه تجاوز الميقات غير محرم إلا فيما يأتي ذكره ولو كان ذلك جائزًا لفعل ولو مرة تبيينًا للجواز.
ولأنه لو جاز تجاوز غير محرم لما وجب على من نذر دخول مكة الإحرام وهو واجب لما يأتي في موضعه.
وأما جواز تجاوزه غير محرم لمن أراد دخول مكة لقتال مباح فـ «لأن النبي ﷺ دخل يوم فتح (١) مكة وعلى رأسه المغفر» (٢) ولم ينقل أنه أحرم هو ولا أحد من أصحابه.
وأما جوازه لمن له حاجة متكررة كالحطّاب والحشّاش فلأنه لو وجب ذلك عليه مع تكرره لأدى إلى ضرره وحصول المشقة وذلك منفي شرعًا.
وأما إحرام من بدا له النسك بعد تجاوزه الميقات غير محرم من موضعه فلأنه حينئذ بدا له النسك فيحرم من موضعه كمن منزله دون مكة.
وأما رجوع من جاوزه مريدًا للنسك إلى الميقات وإحرامه منه فلأن الإحرام من الميقات واجب ومن قدر على الواجب لزمه فعله.
وأما وجوب الدم عليه إذا أحرم من موضعه فلأنه ترك الواجب.
وأما قول المصنف ﵀: وإن رجع إلى الميقات فتنبيه على أن الرجوع إلى الميقات بعد الإحرام من دونه لا يُسقط الدم لأنه استقر وجوبه بإحرامه من دون الميقات فلم يسقط كمن لم يرجع.
قال ﵀: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإن فعل فهو محرم. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة).
أما كون الاختيار أن لا يحرم قبل الميقات فـ «لأن النبي ﷺ أحرم من ذي الحليفة» (٣) ولم يكن يترك المختار.
_________________
(١) في ج: الفتح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٨٧٩) ٣: ١١٠٧ كتاب الجهاد والسير، باب قتل الأسير وقتل الصبر، عن أنس بن مالك.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٤٤) ٢: ٥٥٢ كتاب الحج، باب: قول الله تعالى ﴿يأتوك رجالًا ﴾.
[ ٢ / ٨٢ ]
وأما كونه لا يُحْرِم بالحج قبل أشهره فلأنه إحرام بالعبادة قبل وقتها فلم يكن مختارًا كميقات المكان.
وأما صيرورته محرمًا إذا أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني فلما روي عن الصبي بن معبد «أنه أحرم قبل الميقات قارنًا فذكر ذلك لعمر ﵁ فقال: هديت لسنة نبيك» (١).
وأما كون أشهر الحج شوالًا وذا القعدة وعشرًا من ذي الحجة فلأن ابن مسعود وجابرًا وابن الزبير قالوا: «أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ٦٨.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٤٢ كتاب الحج، باب بيان أشهر الحج.
[ ٢ / ٨٣ ]