الهدي: ما يذبح بمنى. سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله تعالى. وهو مشروع؛ «لأن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة» (١).
والأضاحي: جمع أضحية. وهي: ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق على وجه التقرب إلى الله تعالى.
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢].
وأما السنة فلما روى أنس ﵁ قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين. ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» (٢).
والأملح: الذي فيه بياض وسواد وبياضه أغلب. قاله الكسائي وأبو زيد.
وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٣١) ٢: ٦١٣ كتاب الحج، باب يتصدق بجلال البدن، عن علي ﵁. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) ٢: ٨٩١ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، عن جابر ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢٤٥) ٥: ٢١١٤ كتاب الأضاحي، باب التكبير عند الذبح. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٦٧) ٣: ١٥٥٧ كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال الشاعر:
حتى اكتسى الرأس قناعًا أشيبا أملح لا لدًا ولا محببا
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية في الجملة.
قال المصنف ﵀: (والأفضل فيها الإبل ثم البقر ثم الغنم والذكر والأنثى سواء).
أما كون الأفضل في الهدايا والضحايا الإبل ثم البقر ثم الغنم فلأن النبي ﷺ قال: «من راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا مختصر» (١). متفق عليه.
ولأنه يروى عن ابن عباس ﵄: «أنه قال لامرأة: عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك. قالت: أي النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة وإن شئت فبقرة. قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري ناقة» (٢).
ولأن ما كان أكبر كان أوفر لحمًا وأنفع للفقراء فكان أفضل لازدياد نفعه.
وأما كون الذكر والأنثى سواء والمراد به في الإجزاء والفضيلة: أما في الإجزاء فـ «لأن النبي ﷺ أهدى جملًا لأبي جهل في أنفه برة من فضة» (٣). رواه ابن ماجة.
وأما في الفضيلة فلأن المقصود هنا اللحم ولحم الذكر أطيب والأنثى أرطب فيتساويان. بخلاف الزكاة فإن المقصود فيها الدر والنسل فلذلك كانت الأنثى فيها أفضل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٤١) ١: ٣٠١ كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٥٠) ١: ٥٨٢ كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٧٢ كتاب الحج، باب المعتمر لا يقرب امرأته ما بين أن يهل إلى أن يكمل.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٤٩) ٢: ١٤٥ كتاب المناسك، باب في الهدي. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٠٠) ٢: ١٠٣٥ كتاب المناسك، باب الهدي من الإناث والذكور.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثني مما سواه. وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان ومن المعز ما له سنة).
أما عدم إجزاء غير الجذع من الضأن فلأنه لو أجزأ لما كان لتخصيص الجذع بالذكر فيما يأتي من الحديث فائدة.
وأما عدم إجزاء غير الثني من المعز «فلأن أبا بُردة بن نِيَارٍ قال للنبي ﷺ: عندي جَذعة من المعز هي أحَبُّ إليَّ من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: نعم ولا تجزئ عن أحد بعدك» (١) متفق عليه.
وأما إجزاء الجذع من الضأن فلما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: «يجوز الجذع من الضأن أضحية» (٢) رواه ابن ماجة.
والهدي مثله.
وعن مجاشع بن سليم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني» (٣) رواه أبو داود.
فإن قيل: هذا يدل على إجزاء الجذع من كل جنس.
قيل: الإطلاق هنا يجب حمله على المقيد في حديث أم بلال؛ لأن المطلق يجب حمله على المقيد لما في الجمع بينهما من العمل بهما.
وأما إجزاء الثني من غيرهما فلأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يذبحونه.
وأما كون الجذع من الضأن ما له ستة أشهر والثني من الإبل ما كمل له خمس سنين ودخل في السادسة فلأن الأصمعي وغيره قالوا ذلك. وسمي بذلك؛ لأنه حينئذ يلقي ثنيته.
وأما كون الثني من البقر ما له سنتان فلأن المسنة تجزئ لما تقدم في الحديث وهي ما لها سنتان.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩١٢) ١: ٣٢٥ كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٦١) ٣: ١٥٥٢ كتاب الأضاحي، باب وقتها.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٣٩) ٢: ١٠٤٩ كتاب الأضاحي، باب ما يجزئ من الأضاحي.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢٧٩٩) ٣: ٩٦ كتاب الضحايا، باب ما يجوز من السن في الضحايا.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال: (وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم).
أما إجزاء الشاة عن واحد فلا شبهة فيه لحصول الوفاء بذلك والخروج به عن عهدة الأمر المطلق الوارد في الكتاب والسنة، وتطابَق الخَلْق على الاكتفاء بها.
وأما إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة فلما روى جابر ﵁ قال: «كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها» (١).
وفي لفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة» (٢) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن» (٣) رواه ابن ماجة.
وأما التسوية في الإجزاء بين قصد الجميع القربة وبين قصد بعضهم القربة والباقين اللحم فلأن الجزء المجزئ لا ينتقص بإرادة الشريك غير القربة فوجب أن يجزئ كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخر قران.
قال: (ولا يجزئ فيهما العوراء البين عورها وهي: التي انخسفت عينها، ولا العجفاء التي لا تنقى وهي: الهزيلة التي لا مخ فيها، والعرجاء: البين طلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، والمريضة البين مرضها، والعضباء وهي: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها. وتكره المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف).
أما عدم إجزاء العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة الموصوفات بما ذكره المصنف ﵀ فلما روى البراء بن عازب ﵄ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣١٨) ٢: ٩٥٦ كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣١٨) ٢: ٩٥٥ كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٥١) ٢: ١٤٥ كتاب المناسك، باب في هدي البقر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٣٣) ٢: ١٠٤٧ كتاب الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تُنْقي مختصر» (١). رواه أبو داود والنسائي.
وفي تقييد المصنف ﵀ العوراء: بكونها بينًا عورها، والعجفاء: بكونها لا تنقي، والعرجاء: بكونها بينًا ضلعها، والمريضة: بكونها بينًا مرضها إشعار بأنها إذا لم تكن كذلك تجزئ.
أما العوراء فلأنها إذا لم يكن عورها بينًا مثل إن كانت عينها قائمة لم يذهب منها عضو مستطاب بخلاف البينة العور فإنه يذهب منه عضو مستطاب وهو شحمة العين.
وأما العجفاء فلأنها إذا كان فيها نُقي وهو المخ تكون قريبة من غيرها بخلاف التي لا مخ فيها.
وأما العرجاء التي لا يكون ضلعها بينًا فلأنها تقدر على المشي بخلاف التي ضلعها بين.
وأما المريضة التي لا يكون مرضها بينًا فلأنها قريبة من الصحيحة، وكذلك المرض اليسير لا يجوز معه الترخص بخلاف المرض الكثير.
وأما قول المصنف ﵀: وهي التي انخسفت عينها فتفسير للعوراء البين عورها.
وأما قوله: وهي الهزيلة التي لا مخ فيها فتفسير للعجفاء.
وأما قوله: فلا تقدر على المشي مع الغنم فتفسير للعرجاء البين ضلعها.
وأما عدم جواز العضباء فلما روي عن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن» (٢). رواه النسائي.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٠٢) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. وأخرجه النسائي في سننه (٤٣٦٩) ٧: ٢١٤ كتاب الضحايا، ما نهي عنه من الأضاحي. وفي ج: الكبيرة التي لا تنقي، وما أثبتناه من النسائي، وفي أبي داود: والكسير. ومعنى لا تُنقي: أي لا نقي لها أي لا مخ لها لضعفها وهزالها.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٠٥) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٥٠٤) ٤: ٩٠ كتاب الأضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن. وأخرجه النسائي في سننه (٤٣٧٧) ٧: ٢١٧ كتاب الضحايا، العضباء. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٤٥) ٢: ١٠٥١ كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به. وأخرجه أحمد في مسنده (١١٥٨) ١: ١٣٧.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وأما قول المصنف ﵀: وهي التي ذهب أكثر أذنها فتفسير للعضب، وفي تكملة الحديث المتقدم: «قال قتادة: سألت سعيد بن المسيب فقال: نعم العضب: النصف فأكثر من ذلك» (١).
وأما كراهة المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف فلقول علي: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نَستشرِفَ العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابَلةٍ ولا مُدابَرة ولا خَرقاء ولا شَرقَاء. قال أبو إسحاق السبيعي: المقابلة تقطع طرف الأذن. والمدابرة تقطع من مؤخر الأذن. والخرقاء تشق الأذن. والشرقاء تشق أذنها للسمة» (٢). رواه أبو داود.
فإن قيل: لم حمل هذا النهي على الكراهة؟
قيل: لأن ما ذكر لا ينقص اللحم ويمكن التحرز منه.
قال: (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي.
وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء).
أما إجزاء الجماء -وهي: التي لم يخلق لها قرن- على قول غير ابن حامد فلأن عدم ذلك لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد فيه نهي.
وأما عدم إجزائها على قول ابن حامد فلأن ما ذهب نصف قرنها لا تجزئ فالتي لا قرن لها بالكلية أولى أن لا تجزئ.
والأول أولى لما ذكر.
والفرق بين التي كسر قرنها وبين التي لم ينبت لها قرن أن التي كسر قرنها يكون كسره سببًا لنقصان لحمها ظاهرًا بخلاف التي لم ينبت لها قرن.
وأما إجزاء البتراء وهي: التي لا ذنب لها فلما ذكر في التي لا قرن لها.
وأما إجزاء الخصي فـ «لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوئين» (٣).
_________________
(١) تكملة للحديث السابق وقد سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٠٤) ٣: ٩٧ كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٤٩٨) ٤: ٨٦ كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢١٧٦١) ٥: ١٩٦. عن أبي الدرداء.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والموجوء: المرضوض الخصيتين. وسواء في ذلك ما قطعت خصيتاه أو رضت بيضتاه أو سُلّتا؛ لأنه عضو غير مستطاب وبذهابه يطيب اللحم ويسمن.
قال: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. ويذبج البقر والغنم. ويقول عند ذلك: بسم الله والله أكبر. اللهم! هذا منك ولك).
أما مسنونية نحر الإبل وذبح البقر والغنم فـ «لأن النبي ﷺ كان ينحر الإبل ويذبح غيرها». ولذلك لما كانت أكثر أموال العرب الإبل قال الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، ولما كانت غالب أموال بني إسرائيل البقر قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧].
وأما مسنونية نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فـ «لأن ابن عمر ﵄ مر على رجل قد أناخ بدنة لينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة رسول الله ﷺ» (١) متفق عليه.
وأما قول المصنف ﵀: فيطعنها بالحربة فصفة للنحر.
وأما كون ذلك في الوهدة المذكورة فلأن عنق البعير طويلة فلو طعن بالقرب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه.
وفي مسنونية نحر الإبل وذبح غيرها إشعار بجواز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: «أمْرِر الدم بما شئت» (٢).
وعن أسماء ﵂ قالت: «نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٢٧) ٢: ٦١٢ كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٢٠) ٢: ٩٥٦ كتاب الحج، باب نحر البدن قيامًا مقيدة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٢٤) ٣: ١٠٢ كتاب الضحايا، باب في الذبيحة بالمروة. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٧٧) ٢: ١٠٦٠ كتاب الذبائح، باب ما يذكى به.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢٠٠) ٥: ٢١٠١ كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الخيل. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٤٢) ٣: ١٥٤١ كتاب الذبائح والصيد، باب في أكل لحوم الخيل.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: «نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة» (١).
وأما مسنونية قوله عند النحر والذبح: بسم الله والله أكبر اللهم! هذا منك ولك فـ «لأن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر» (٢).
وفي لفظ: «اللهم! منك ولك عن محمد وأمته. بسم الله والله أكبر ثم ذبح» (٣) رواه أبو داود.
قال: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم. وإن ذبحها بيده كان أفضل فإن لم يفعل استحب أن يَشْهدها).
أما عدم استحباب أن يذبحها غير مسلم فلأن الذبح قربة فلا ينبغي أن يليه غير أهل القربة.
وفي قول المصنف ﵀: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم إشعار بأنه لو ذبحها غير مسلم ممن تباح ذبيحته أجزأ. وصرح غيره من الأصحاب بأن الكتابي إذا ذبحها فيه روايتان:
أحدهما: لا يجزئ لأن في حديث ابن عباس: «ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر».
ولأنه قربة فلا يليها غير أهلها.
ولأن الشحوم مما يذبحونه تحرم علينا في رواية.
والثانية: تجزئ وهي الصحيحة؛ لأن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم.
ولأن الكافر يجوز أن يتولى ما هو قربة كبناء المساجد والقناطر.
والحديث محمول على الأولى ونحن نقول به، وتحريم الشحوم ممنوع.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٥٠) ٢: ١٤٥ كتاب المناسك، باب في هدي البقر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٣٥) ٢: ١٠٤٧ كتاب الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٦١٥٢) ٦: ٢٤٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨١٠) ٣: ٩٩ كتاب الضحايا، باب في الشاة يضحي بها عن جماعة. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٥٢١) ٤: ١٠٠ كتاب الأضاحي، باب.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢٧٩٥) ٣: ٩٥ كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وأما كون ذبحها بيده أفضل فـ «لأن النبي ﷺ نحر من هديه ثلاثًا وستين بدنة بيده» (١).
و«ذبح كبشين في الأضحية بيده» (٢).
ولأن فعل القربة أولى من الاستنابة.
وأما استحباب حضورها إذا لم يذبحها بنفسه فلأن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: «احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها» (٣).
وفي حديث ابن عباس الطويل عن النبي ﷺ: «واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها».
قال: (ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق ولا يجزئ في ليلتهما في قول الخرقي. وقال غيره: يجزئ. فإن فات الوقت ذبح الواجب قضاء وسقط التطوع).
أما أول وقت الذبح فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا إذا مضى أحد أمرين من صلاة العيد وقدرها لأنه ذكر ذلك بلفظ أو وهي للتخيير، ولم يفرق بين من تقام صلاة العيد في موضع ذبحه أو لم تقم لأن الذبح عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتعلق أولها بالوقت كالصوم.
فعلى هذا إذا ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أو بعد قدر الصلاة وقبل قدر الخطبة يجزئ؛ لأنه لم يشترط مضيّ الخطبة أو قدرها؛ لأن خطبة العيد سنة وليست واجبة فلم يشترط مضيها ولا مضي قدرها بخلاف الصلاة فإنها فرض كفاية.
وقال الخرقي: يشترط مضي قدر الخطبة قياسًا على مضي قدر الصلاة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢٤٥) ٥: ٢١١٤ كتاب الأضاحي، باب التكبير عند الذبح. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٦٧) ٣: ١٥٥٧ كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ٢٨٣ كتاب الضحايا، باب ما يستحب للمرء من أن يتولى ذبح نسكه أو يشهده. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٧٥٢٥) ٤: ٢٤٧ كتاب الأضاحي.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وقد تقدم التنبيه على الفرق.
وظاهر كلام الإمام أحمد ﵀: أن من كان في مصر لا يذبح حتى
يصلي وهو الصحيح؛ لما روى جندب بن عبدالله البجلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» (١).
وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة فلا نسك له» (٢) متفق عليهما.
وفي لفظ: «إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم» (٣).
فعلى هذا إنما تعتبر الصلاة في حق أهل المصر والقرية التي يصلى فيها. فأما الموضع الذي لا يصلى فيه عيد فيعتبر مضي قدر الصلاة أو قدر الصلاة والخطبة على ما تقدم لأنه لا صلاة لهم فاعتبارها مع عدمها متعذر. وهذا في اليوم الأول فأما الثاني والثالث فيجوز من أول النهار لعدم الصلاة فيه.
وأما آخره فآخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة.
قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ.
و«لأنه ﷺ نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث» (٤) ويستحيل أن يباح ذبح الأضحية في وقت يحرم أكلها فيه. ثم رخص في الأكل ولم ينقل تغيير وقت الذبح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥١٨١) ٥: ٢٠٧١ كتاب الذبائح والصيد، باب قول النبي ﷺ: «فليذبح على اسم الله».
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٤٠) ١: ٣٣٤ كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٦١) ٣: ١٥٥٣ كتاب الأضاحي، باب وقتها.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٢٢) ١: ٣٢٨ كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٦١) ٣: ١٥٥٣ كتاب الأضاحي، باب وقتها.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢٤٩) ٥: ٢١١٥ كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٧٢) ٣: ١٥٦٢ كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وأما عدم إجزاء الذبح في ليلتي يومي الذبح المتقدم ذكرهما عند الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] واليوم اسم لبياض النهار.
وعن النبي ﷺ «أنه نهى عن الذبح بالليل» (١).
ولأن الليل يتعذر فيه تفريق اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود. وذكر المصنف ﵀ في المغني: أن قول الخرقي منصوص أحمد. رواه الأثرم عنه.
وأما الإجزاء على قول غير الخرقي فلأن الليل زمن يصح فيه الرمي فصح فيه الذبح كالنهار.
وقال المصنف ﵀ في المغني: أكثر من علمته من أصحابنا يذكرون رواية أنه يجوز الذبح بالليل ويختارونها.
وأما ذبح الواجب قضاء إذا فات الوقت فلأن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كما لو ذبحها ولم يفرق لحمها حتى يخرج الوقت.
وأما سقوط التطوع فلأن المحصل لتلك الفضيلة ذلك الزمان بدليل ما لو ذبحها قبل العيد فإذا فات سقط لفوات شرطه.
قال: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هدي أو تقليده وإشعاره مع النية. والأضحية بقوله: هذه أضحية. ولو نوى حال الشراء لم يتعين بذلك).
أما تعين الهدي بقوله: هذا هدي فلأنه لفظ يقتضي الإيجاب فوجب أن يترتب عليه مقتضاه كلفظ الوقف.
_________________
(١) ذكره ابن حجر في تلخيصه وعزاه إلى الطبراني من حديث ابن عباس، قال: وفيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك. ٤: ٢٦٠. وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى (٩: ٢٩٠) عن الحسن: «نهي عن جداد الليل، وحصاد الليل، والأضحى بالليل».
[ ٢ / ٢٤١ ]
وأما تعينه بتقليده وإشعاره مع النية فلأن ذلك بمنزلة ما لو بنى مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه.
وأما تعين الأضحية بقوله: هذه أضحية فلما تقدم في الهدي.
وأما عدم تعين الهدي والأضحية بنية ذلك حال الشراء فلأن جعلها المشتري هديًا أو أضحية إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر النية المقارنة للشراء فيه كالعتق والوقف.
قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها. وقال أبو الخطاب: لا يجوز أيضًا).
أما عدم جواز بيع ما تعين وهبته فـ «لأن النبي ﷺ أمر بقسم جلودها وجلالها ونهى أن يعطى الجازر منها شيئًا» (١) فلأن لا يجوز بيعها وهبتها المزيلان للملك بالكلية بطريق الأولى.
ولأنه جعل ذلك لله فلم يجز بيعه ولا هبته كالوقف.
وأما الإبدال فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يجوز بخير منها؛ لأنه عدل عن المعين إلى خير منه من جنسه فأجزأ عنه كما لو وجب عليه بنت لبون في الزكاة فأخرج حقة.
وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأنه نوع تصرف فلم يجز كالبيع.
وقول المصنف ﵀: بخير منها يدل بمفهومه على أنه لا يجزئ بمثلها ولا دونها وهو صحيح؛ لأنه لا فائدة في الإبدال.
وذكر القاضي في إبدالها بمثلها احتمالين:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يغير ما عينه لغير فائدة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٣٠) ٢: ٦١٣ كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣١٧) ٢: ٩٥٤ كتاب الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدى وجلودها وجلالها.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قال: (وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها).
أما جواز ركوبها عند الحاجة في الجملة؛ فلما روى أبو هريرة ﵁
«أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة. فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة. فقال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة» (١) متفق عليه.
وأما ما يشترط لجواز ذلك فأمران:
أحدهما: دعوة الحاجة لأن في حديث آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا» (٢) رواه أبو داود.
وثانيهما: عدم الإضرار بها؛ لأن ركوبها إذا كان يضر بها يؤدي إلى ضرر الفقراء وذلك غير جائز.
قال: (وإن ولدت ذبح ولدها معها، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها. ويجز صوفها ووبرها ويتصدق به إن كان أنفع لها. ولا يعطى الجازر بأجرته شيئًا منها).
أما ذبح ولدها معه وعدم الشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فلما روي «أن عليًا ﵁ جاءه رجل يسوق بقرة معها عجل لها. فقال: يا أمير المؤمنين! إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل. فقال علي ﵁: لا تحلبها إلا فضلًا عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» (٣) رواه سعيد بن منصور.
ولأن شرب اللبن الفاضل انتفاع لا يضر بها ولا بولدها أشبه الركوب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٨٠٨) ٥: ٢٢٨٠ كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٢٢) ٢: ٩٦٠ كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٦١) ٢: ١٤٧ كتاب المناسك، باب في ركوب البدن.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ٢٨٨ كتاب الضحايا، باب ما جاء في ولد الأضحية ولبنها. وأخرجه الرزاي في علل الحديث (١٦١٩) ٢: ٤٦ علل أخبار في الأضاحي والذبائح.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وأما جواز جز صوفها ووبرها إن كان أنفع لها مثل أن يكون زمن الربيع فتخف بجزه وتسمن فلأن ذلك لمصلحتها.
فعلى هذا يتصدق به كما لو أخذه بعد الذبح.
وفي تقييد جواز ذلك بكونه أنفع لها إشعار بأنه إذا كان الجز يضر بها لكون الصوف والوبر يقيها الحر والبرد لم يجز وهو صحيح؛ لأنه حينئذ قطع شيء يضر بها فلم يجز كما لا يجوز قطع بعض أعضائها.
وأما عدم إعطاء الجازر بأجرته شيئًا منها فلأن عليًا ﵁ قال: «أمرني يعني رسول الله ﷺ أن لا أعطي الجازر منها شيئًا. وقال: نحن نعطيه من عندنا» (١).
ولأنه إذا أعطاه ذلك أجرة كان بمنزلة المعاوضة، والمعاوضة في ذلك غير جائزة لما تقدم.
وقول المصنف ﵀: بأجرته فيه تنبيه على جواز إعطائه لغير ذلك مثلًا: أن يكون فقيرًا أو ممن يهدى إليه؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
فإن قيل: الحديث شامل للأجرة وغيرها.
قيل: المراد الأجرة لأن في قوله: «نحن نعطيه من عندنا» دليلًا على إرادتها.
قال: (وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئًا منها).
أما جواز الانتفاع بجلد الأضحية فلأنه جزء منها فجاز للمضحي فعله كاللحم، وقد روي عن عكرمة ومسروق ﵄ «أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه».
وأما جواز الانتفاع بجلها فلأنه إذا جاز الانتفاع بجلدها فلأن يجوز الانتفاع بالجل بطريق الأولى.
وأما عدم جواز بيع جلد الأضحية أو شيء منها فلما تقدم في بيع الأضحية وهبتها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٣٠) ٢: ٦١٣ كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣١٧) ٢: ٩٥٤ كتاب الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدى وجلودها وجلالها.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وإنما نص المصنف ﵀ على عدم جواز بيعه وهبته مع أن ما تقدم يدل عليه؛ رفعًا لتوهم الفرق بن حياة الأضحية وذبحها.
وذهب إليه الحسن البصري والنخعي فإنهما قالا: يباع الجلد ويشترى به الغربال والمنخل وآلة البيت.
والأولى عدم جواز البيع لما ذكر قبل؛ لأنه شيء ينتفع به هو وغيره ويجري مجرى لحمها.
وأما الجل فما تجلل به.
قال: (وإن ذبحها فسرقت فلا شيء عليه فيها، وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن أجزأت ولا ضمان على ذابحها).
أما عدم وجوب شيء على من سرقت أضحيته بعد ذبحها فلأنها أمانة في يده فلم تضمن بالسرقة كالوديعة.
وأما إجزاء ذبحها إذا ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن فلأن الذبح لا يفتقر إلى نية فإذا فعلها الغير أجزأت كإزالة النجاسة.
وأما عدم الضمان على الذابح فلأنها وقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان بإذن.
ولأنه إراقة دم متعين لحق الله تعالى فلم يضمن ذابحها كقاتل المرتد بغير إذن الإمام.
قال: (وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، وإن أتلفها صاحبها ضمنها بأكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها، فإن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز ويشتري به شاة أو سبع بدنة، فإن لم يبلغ اشترى به لحمًا فتصدق به أو يتصدق بالفضل. وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها).
أما ضمان الأجنبي الأضحية التي أتلفها بقيمتها فلأنها من المتقومات. وتعتبر القيمة يوم التلف لأنه لو أتلف غير الأضحية لاعتبر ذلك فكذلك الأضحية.
وأما صاحبها فقال أبو الخطاب: يلزمه أكثر الأمرين مما ذكر لأنه تعلق به حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه أكثر الأمرين ليوفي بحق الله تعالى فيها.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقال القاضي: لا يلزمه إلا القيمة كالأجنبي.
والأول أولى؛ لما ذكر قبل بخلاف الأجنبي.
وأما جواز إخراج فضل القيمة إذا ضمنها بمثلها فلأن ذلك بمنزلة ما لو أخرج في الزكاة عن الجياد مكسرة وأخرج الفضل.
فإن قيل: ما مثال فضل القيمة عن المثل؟
قيل: أن تكون الأضحية يوم الإتلاف تساوي عشرة فصار مثلها يساوي خمسة فإذا اشترى مثلها بخمسة بقي عليه خمسة.
فإن قيل: بقاء الخمسة المذكورة عليه على قولنا يلزمه أكثر الأمرين أو على قولنا يلزمه قيمتها؟
قيل: بل ذلك عليه على القولين جميعًا. ولذلك قال المصنف ﵀ في المغني في هذه الصورة: تلزمه عشرة وجهًا واحدًا. وهو صحيح لأن من قال تلزمه القيمة فالقيمة عشرة، ومن قال يلزمه أكثر الأمرين فالقيمة هنا أكثر الأمرين.
وأما ما يصنع بالفضل فنقول: إن أمكنه أن يشتري شاة أو سبع بدنة كما في هذه الصورة لزمه؛ لأن الذبح مقصود في الأضحية فإذا أمكنه الإتيان به لزمه وإن لم يتسع الفضل لشاة أو سبع بدنة فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا: أنه يتخير بين شراء لحم وبين التصدق بالفضل لأنه ذكره بلفظ أو المقتضية للتخيير وفي المسألة وجهان:
أحدهما: كما ذكر المصنف ﵀؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواء.
الثاني: يتعين عليه شراء اللحم مع القدرة عليه؛ لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر وهكذا حكم الأجنبي إذا لم تبلغ القيمة ثمن أضحية.
وأما عدم الضمان إذا تلفت بغير تفريط فلما تقدم من أنها أمانة فلم يضمنها بغير تفريط كالوديعة.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قال: (وإن عطب الهدي في الطريق نحره موضعه وصبغ نعله التي في عنقه في دمه وضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه، ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته).
أما نحره الهدي المذكور وفعله ما ذكر وعدم جواز الأكل له ولأحد من رفقته فلما روى ابن عباس ﵄ أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه «أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتًا فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» (١) أخرجه مسلم.
فإن قيل: فقد روى صاحب بدن رسول الله ﷺ «أنه قال: يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس» (٢).
فقوله: خل بينه وبين الناس يدل على تسوية الرفقة بالأجانب وهذا الحديث راجح على غيره.
قال ابن عبدالبر: هذا الحديث أصح من حديث ابن عباس وعليه العمل عند الفقهاء.
قيل: حديث ابن عباس صحيح أخرجه مسلم وهو متضمن لمعنى خاص يجب تقديمه على عموم ما يخالفه. والتسوية بين الرفقة والأجانب لا يصح لأن الرجل يشفق على رفيقه وربما أوسع عليه من ماله فيتهم في حقه دون الأجنبي.
وأما النعل فهي التي يقلد بها الهدي لما روي في حديث صاحب بدن رسول الله ﷺ.
وأما قول المصنف ﵀: ليعرفه الفقراء فتنبيه على أن صبغ النعل إنما كان من أجل معرفة الفقراء كون المذبوح هديًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٢٦) ٢: ٩٦٣ كتاب الحج، باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٩١٠) ٣: ٢٥٣ كتاب الحج، باب ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع به.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وأما الحكمة في منع السائق ورفقته من أكلها فلئلا يُقَصّر في حفظها فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها.
(وإن تعينت ذَبَحَها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة فإن عليه بدلها. وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين. وكذلك إن ضلت فذبح بدلها ثم وجدها).
أما ذبح المتعينة إذا تعينت عنده ولم يكن عن واجب في الذمة وإجزاؤه ذبحها من غير بدل فلما روى أبو سعيد ﵁ قال: «ابتعنا كبشًا نضحي به فأصاب الذئب من إليته. فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نضحي به» (١). رواه ابن ماجة.
ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة فلم يمنع الإجزاء كما لو حدث بها عيب لمعالجة الذبح.
وأما لزوم البدل إذا كانت عن واجب في ذمته مثل إن نذره، أو كان قد لزمه ذلك من تمتع أو قران أو حلق أو نحو ذلك ثم عين ذلك في شيء بعينه فتعيب فكما لو كان لرجل عليه دين فاشترى به منه مكيلًا فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته.
وأما جواز استرجاع هذا العاطب والمعيب ففيه روايتان:
أحدهما: له استرجاعه وتصرفه فيه بما شاء؛ لأنه إنما عيّنه عن ما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه على ما كان كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه.
والأخرى: ليس له ذلك؛ لأنه صار للمساكين أشبه الذي عيّنه ابتداء.
وأما كون حكم الضال حكم المتعين إذا تعيب في ذبح بدله وفي استرجاعه وعدمه؛ فلأنه يساويه معنى فوجب أن يساويه حكمًا. ويقوّي لزوم ذبحه مع ذبح الواجب ما روي عن عائشة ﵂ «أنها أهدت هديين فأضلتهما. فبعث إليها ابن الزبير
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٤٦) ٢: ١٠٥١ كتاب الأضاحي، باب من اشترى أضحية صحيحة فأصابها عنده شيء.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
هديين فنحرتهما. ثم عاد الضالان فنحرتهما. وقالت: هذه سنة الهدي» (١) وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٢٩) ٢: ٢٤٢ كتاب الحج، باب المواقيت.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فصل [في سَوْق الهدي]
قال المصنف ﵀: (سَوْق الهدي مسنون لا يجب إلا بالنذر. ويستحب أن يقفه بعرفة ويجمع فيه بين الحل والحرم ولا يجب ذلك).
أما مسنونية سوق الهدي فلأن النبي ﷺ كان يفعله. روى ابن عمر ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة» (١) متفق عليه.
وأما عدم وجوبه مع عدم النذر فلأن الغرض إراقة الدم وتفريق اللحم وهو حاصل بدون السوق.
وأما وجوبه مع النذر فلأنه سنة وطاعة فوجب الوفاء به لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٢) وقياسًا على نذر سائر القرب.
وأما استحباب وقفه بعرفة وجمعه فيه بين الحل والحرم (٣).
قال: (ويسن إشعار البدنة فيشق صفحة سنامها حتى يسيل الدم ويقلدها ويقلد الغنم النعل وآذن القرب والعري).
أما مسنونية إشعار البدنة وتقليدها فلما روت عائشة ﵂ قالت: «فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ثم أشعرها وقلدها» (٤) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٠٦) ٢: ٦٠٧ كتاب الحج، باب من ساق البُدن معه. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢٢٧) ٢: ٩٠١ كتاب الحج، باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٣١٨) ٦: ٢٤٦٣ كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة.
(٣) بياض في ج مقدار سطرين.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦١٢) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب إشعار البدن. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٢١) ٢: ٩٥٧ كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وروى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة ثم دعى ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها بيده» (١) رواه مسلم.
ومراد المصنف ﵀ بالبدنة الإبل والبقر؛ أما الإبل فلحديث ابن عباس؛ وأما البقر فلأنها من البدن فسن إشعارها وتقليدها كالإبل.
وأما قول المصنف ﵀ فيشق صفحة سنامها فبيان لصفة الإشعار.
وأما مسنونية تقليد الغنم فلأن عائشة ﵂ قالت: «كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ» (٢) رواه البخاري.
ولأنه هدي فاستحب تقليده كالإبل.
ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان معرفتها بالإشعار فالغنم أولى.
وفي ذكر المصنف ﵀ الإشعار والتقليد في البدنة والتقليد فقط في الغنم إشعار بأنه لا يسن إشعار الغنم وهو صحيح؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف.
قال: (وإذا نذر هديًا مطلقًا فأقل ما يجزئه شاة أو سُبُع بدنة. وإن نذر بدنة أجزأته بقرة).
أما كون الشاة أو سُبُع البدنة أقل ما يجزئ إذا نذر هديًا مطلقًا فلأن المطلق في النذر يجب حمله على معهود الشرع، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه فحمل عليه، ولهذا قال الله تعالى ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] في المتعة فحمل على ما ذكر.
وأما إذا (٣):
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢٤٣) ٢: ٩١٢ كتاب الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الاحرام.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦١٦) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب تقليد الغنم.
(٣) عدة كلمات غير واضحة في ج.
[ ٢ / ٢٥١ ]
أحدها: أن ينوي الإبل خاصة فلا يجزئه غير ذلك الجنس؛ لأن منه بعض فيتعين بها.
الثانية: أن ينوي الإبل والبقر فيجزئه كل واحد منهما؛ لما ذكر.
الثالثة: أن يطلق النذر فتجزئ البقرة عن البدنة لأنها تجزئ عن سبعة كالواحدة من الإبل.
ولأنه يصح إطلاق لفظ البدنة على البقرة اشتقاقا ونقلًا: أما الاشتقاق فإن لفظ البدنة مشتق من البدانة وهي الضخامة والكبر. يقال: بدن إذا كبر وسمن وكثر لحمه وهذا المعنى موجود في البقر.
وأما النقل فما روى جابر ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقرة فقال: وهل هي إلا من البدن» (١).
ولقائل أن يقول: لا يلزم من إجزاء البقرة في باب الهدايا والضحايا عن سبعة كالبدنة إجزاؤها عن نذر البدنة لأن اللفظ وإن أطلق عليها لكنه غالب في الإبل والظاهر من حال الناذر استعمال اللفظ فيما هو غالب فيحمل عليه، وحديث جابر في الهدايا في الحج ونحن نقول به.
قال: (فإن عين الهدي بنذره أجزأه ما عينه: صغيرًا كان أو كبيرًا من الحيوان وغيره، وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم إلا أن يعينه موضع سواه).
أما إجزاء ما عينه بنذره من صغير وكبير ومريض فلأن لفظه لم يتناول غيره فإذا صرف المعين إلى مستحقه فقد خرج عن عهدة نذره.
وأما إجزاء الهدي من الحيوان وغيره فلأن النبي ﷺ قال: «من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ١٣٧.
(٢) سبق تخريجه ص: ٢٣٤.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وأما وجوب إيصاله إلى فقراء الحرم إذا لم يعينه موضع سواه فلأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك. قال الله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]. ثم ينظر فإن كان الهدي مما ينقل نقل، وإن كان مما لا ينقل كالدور بيع وصرف ثمنه إليهم؛ لأنه لا يمكنه إهداؤه بعينه فانصرف إلى بدله، وعن ابن عمر ﵄ «أن رجلا سأله عن امرأة نذرت أن تهدي دارًا قال: تبيعها وتصدق بثمنها على فقراء الحرم».
وأما إيصاله إلى فقراء الموضع الذي عيّنه مثل: أن يعيّنه للمدينة أو للثغور وما أشبه ذلك فلأنه قصد نفع أهله فلزمه إيصاله إليهم كأهل مكة، وروي «أن رجلًا نذر أن ينحر بالأبواء فأمره النبي ﷺ بوفاء نذره» (١) رواه أبو داود.
قال: (ويستحب أن يأكل من هديه. ولا يأكل من واجب إلا من دم المتعة والقران).
أما استحباب أكله من الهدي المتطوع به فلأن الله تعالى قال: ﴿فكلوا منها﴾ [الحج: ٢٨].
ولأن النبي ﷺ أكل من بدنه التي أهداها تطوعًا (٢).
ولا فرق في الهدي المذكور بين أن يكون ذُبح من غير إيجاب وبين ما أوجبه ابتداء من غير أن يكون في ذمته شيء لاشتراكهما في أصل التطوع.
وأما مقدار ما يستحب أكله فقال ابن عقيل: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث كالأضحية.
والأولى أن يتصدق بجميعها إلا اليسير كما فعل النبي ﷺ حين نحر بدنه.
وأما عدم جواز أكله من هديٍ واجب غير المتعة والقران فلأنه وجب للفقراء فلم يجز الأكل منه كسائر الواجبات.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٣٣١٣) ٣: ٢٣٨ كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء بالنذر.
(٢) كما في حديث جابر الطويل، أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) ٢: ٨٨٦ كتاب الحج.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وأما جواز الأكل من دم المتعة والقران فلما روي «أن أزواج رسول الله ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة ﵂ الحج على المتعة حين حاضت فصارت قارنة فذبح رسول الله ﷺ عنهن البقر وأكلوا من لحومها» (١).
_________________
(١) عن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: «خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمسٍ بَقِينَ من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قالت: فدُخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه». أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٢٣) ٢: ٦١١ كتاب الحج، باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فصل [في الأضحية]
قال المصنف ﵀: (والأضحية سنة مؤكدة. ولا تجب إلا بالنذر. وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها).
أما مسنونية الأضحية فلأن النبي ﷺ ضحى وحث على فعلها. وقد تقدم ذلك في أول الباب مستقصى فلا حاجة إلى إعادته (١).
وأما عدم وجوبها مع عدم النذر فلأن النبي ﷺ قال: «ثلاث كتبت عليّ وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الفجر» (٢) رواه الدارقطني.
ولأن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا حتى يضحي» (٣) علقه على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة.
ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة.
ولا فرق في ذلك بين الغني والفقير لعموم ما تقدم.
وعن أحمد ﵀: هي واجبة على الغني لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» (٤).
ولما روي أنه قال: «يا أيها الناس! إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية أو عتيرة» (٥) أخرجهما ابن ماجة.
_________________
(١) ر. ص: .٢٣٣
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه (١) ٢: ٢١ كتاب الوتر. وأخرجه الحاكم في مستدركه (١١١٩) ١: ٤٤١ كتاب الوتر. قال في التلخيص: ما تكلم الحاكم عليه، وهو غريب منكر، ويحيى ضعفه النسائي والدارقطني.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٧٧) ٣: ١٥٦٥ كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة، وهو مريد التضحية، أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٢٣) ٢: ١٠٤٤ كتاب الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ .
(٥) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٢٥) ٢: ١٠٤٥ كتاب الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ .
[ ٢ / ٢٥٥ ]
والأول أصح لما ذكر.
وأما قوله: «فلا يقربن مصلانا» فضعيف عند أهل الحديث وعلى تقدير صحته يحمل على تأكيد الاستحباب كما حمل قوله ﷺ «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا» (١).
وأما قوله: «على أهل كل بيت الحديث» فمنسوخ بما يذكر في آخر فصل العقيقة (٢).
وعلى تقدير عدم نسخه يحمل على تأكيد الاستحباب كقوله ﷺ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٣).
وأما كون ذبحه أفضل من الصدقة بثمنها فلأن النبي ﷺ والخلفاء بعده عدلوا عن الصدقة بثمن الأضحية إلى ذبحها وواظبوا على ذلك وهم لا يواظبون إلا على الأفضل.
ولأن إيثار الصدقة بثمنها على ذبحها يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ.
قال: (والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها. فإن أكل أكثر جاز وإن أكلها [كلها] (٤) ضمن أقل ما يجزئ في الصدقة منها).
أما مسنونية أكل ثلثها وإهداء ثلثها والتصدق بثلثها فلأن ابن عباس روي عن النبي ﷺ أنه قال في الأضحية: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤّال بالثلث» أخرجه الحافظ أبو موسى في الوظائف وقال: هذا حديث حسن.
وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: «الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين».
وأما جواز أكل أكثرها فلأن الأمر بالأكل مطلق فإذا أكل الأكثر وتصدق بالباقي خرج عن العهدة وأن القصد لا يخلو من قربة وذلك يحصل بصدقة الأقل.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٣٨٢٧) ٣: ٣٦١ كتاب الأطعمة، باب في أكل الثوم.
(٢) ر ص: ٢٦١.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٣٤١) ١: ٩٤ كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة.
(٤) زيادة من المقنع.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وأما ضمان أقل ما يجزئ في الصدقة منها إذا أكلها كلها فلأن الله تعالى قال: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] أمر والأمر للوجوب فإذا وجب التصدق بشيء منها وجب أن يضمنه إذا أكله كسائر الواجبات المتلفة.
ولم يذكر المصنف ﵀ مقدار ما يجب. وصرح في الكافي بأن صدقة الأوقية تجزئ لأنه يحصل به الوفاء بالأمر.
فعلى هذا يضمن هذا القدر.
وقال أبو الخطاب: يضمن القدر المشروع للصدقة. وهو منصوص الإمام أحمد. وفيه نظر.
قال: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئًا. وهل ذلك حرام؟ على وجهين).
أما عدم أخذ من أراد أن يضحي فدخل العشر شيئًا من شعره وبشرته حتى يضحي فلأن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا حتى يضحي» (١).
وأما حرمة ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحرم ويكره: أما عدم الحرمة فلقول عائشة ﵂: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله ﷺ ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» (٢).
وأما الكراهة فلأن أدنى أحوال النهي الكراهة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٧٧) ٣: ١٥٦٥ كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة، وهو مريد التضحية، أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦١٣) ٢: ٦٠٩ كتاب الحج، باب من قلد القلائد بيده. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٢١) ٢: كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
والثاني: يحرم وحكاه ابن المنذر عن أحمد ﵀ عليه لما تقدم من قوله ﷺ: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا حتى يضحي» (١).
ومقتضى النهي التحريم.
_________________
(١) سبق تخريجه قبل الحديث السابق.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فصل [في العقيقة]
قال المصنف ﵀: (والعقيقة سنة مؤكدة).
أما ماهية العقيقة ففي الشرع: الذبيحة عن المولود. والأصل فيها الشعر على المولود وجمعها عقائق ثم سميت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة تسمية للشيء باسم ما جاوره.
قال ابن عبدالبر: أنكر أحمد ﵀ هذا التفسير فقال: إنما العقيقة الذبح نفسه لأنه يقال: عق إذا قطع ومنه عق والديه إذا قطعهما.
وأما كونها سنة مؤكدة فلما روى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه.
و«لأن النبي ﷺ عقّ عن الحسن والحسين» (٢).
قال: (والمشروع أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقًا، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين).
أما مشروعية ذبح شاتين عن الغلام وشاة عن الجارية فلما روت عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة» (٣) رواه أحمد وابن ماجة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٣٨) ٣: ١٠٦ كتاب الضحايا، باب في العقيقة. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٥٢٢) ٤: ١٠١ كتاب الأضاحي، باب من العقيقة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٤١) ٣: ١٠٧ كتاب الضحايا، باب في العقيقة. وأخرجه النسائي في سننه (٤٢١٩) ٧: ١٦٥ كتاب العقيقة، كم يعق عن الجارية. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٣٠٥١) ٥: ٣٥٥.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٦٣) ٢: ١٠٥٦ كتاب الذبائح، باب العقيقة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٥٢٨٩) ٦: ١٥٨.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
فإن قيل: الأمر للوجوب فلم حمل هنا على الاستحباب؟
قيل: لأنه ﷺ قال في حديث آخر: «من وُلد له مولود وأحب أن ينسك عنه فليفعل» (١) رواه مالك في الموطأ.
علقه على محبته والواجب لا يُعَلّق على المحبة فوجب حمل الأمر في الأول على تأكد الاستحباب جمعًا بينهما.
وأما مشروعية الذبح يوم السابع وحلق رأس المولود فلأن في حديث سمرة بن جندب: «يذبح يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» (٢) رواه أبو داود.
وأما الصدقة بزنة شعره ورقًا؛ «فلأن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂ لما ولدت الحسن: احلقي رأسه وتصدقي بزنته فضة» (٣) رواه أحمد.
وأما الذبح في أربعة عشرة إذا فات في السابع وفي إحدى وعشرين إذا فات في أربع عشرة فلأن ذلك يروى عن عائشة ﵂.
قال: (وينزعها أعضاءً، ولا يكسر عظمها. وحكمها حكم الأضحية).
أما نزع العقيقة أعضاء وعدم كسر عظمها فلأنه يروى عن عائشة ﵂ (٤).
ولأنه أول ذبيحة ذبحت عن الولد فلا يكسر عظمها تفاؤلًا بالسلامة.
ومعنى ينزعها أعضاء أي: يفصل أعضاءها بعضًا من بعض من غير كسر.
قال أبو عبيد الهروي في حديث العقيقة: «تقطع جدولًا» (٥) أي عضوًا عضوًا.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١) ٢: ٣٩٩ كتاب العقيقة، باب ما جاء في العقيقة.
(٢) سبق تخريج حديث سمرة بن جندب ص: ٢٦١.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (١٥١٩) ٤: ٩٩ كتاب الأضاحي، باب العقيقة بشاة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٧٢٢٦) ٦: ٣٩١.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٤٢٥٣) ٥: ١١٤ كتاب العقيقة، من قال: لا يكسر للعقيقة عظم.
(٥) ذكره البيهقي في السنن الكبرى تعليقًا قال: وكان عطاء يقول: «تقطع جدولًا ولا يكسر لها عظم أظنه قال: ويطبخ» ٩: ٣٠٢ كتاب الضحايا، باب من قال: لا تكسر عظام العقيقة ويأكل أهلها منها ويتصدقون ويهدون.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأما كون حكم العقيقة حكم الأضحية ومعناه أن يجتنب فيها ما يجتنب في الأضحية، ويأكل منها كما يأكل، ويستحب فيها ما يستحب وهلم جرا؛ فلأنها شبيهة بها فألحقت بها لذلك.
ولا بد أن يلحظ أنه يجوز بيع جلدها ورأسها وسواقطها ويتصدق به بخلاف الأضحية؛ لأن ذلك منقول عن الإمام أحمد. والأصل فيه أن الأضحية ذبيحة لله تعالى فلا يباع شيء منها كالهدي بخلاف العقيقة.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف ﵀ في كون حكم العقيقة كحكم الأضحية فيما سوى ذلك لئلا يناقض النقل.
وقال أبو الخطاب ﵀: يحتمل أن ينقل حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فتخرج في كل واحدة روايتان.
قال: (ولا تسن الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب).
أما عدم مسنونية الفرعة والعتيرة فلما روى أبو هريرة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «لا فرع ولا عتيرة» (١) متفق عليه.
فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: «على أهل كل بيت عتيرة» (٢)، وعن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ بالفرعة» (٣).
قيل: ما تقدم ناسخ؛ لأنه متأخر عنها ظاهرًا؛ لأن إسلام أبي هريرة متأخر.
وأما قول المصنف ﵀: بعد الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، وبعد العتيرة وهي ذبيحة رجب؛ فبيان لماهية الفرعة والعتيرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥١٥٧) ٥: ٢٠٨٣ كتاب العقيقة، باب العتيرة وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٧٦) ٣: ١٥٦٤ كتاب الأضاحي، باب الفرع والعتيرة.
(٢) سبق تخريجه ص: ٢٥٧.
(٣) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٧٩٩٧) ٤: ٣٤٠ كتاب العقيقة، باب الفرعة. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ٣١٢ كتاب الضحايا، باب ما جاء في الفرع والعتيرة.
[ ٢ / ٢٦١ ]