قال المصنف ﵀: (وهي الذهب والفضة. ولا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا فيجب فيه نصف مثقال، ولا في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم).
أما قول المصنف ﵀: وهي الذهب والفضة؛ فبيان للمراد بالأثمان من قوله: باب زكاة الأثمان.
وأما كون الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ عشرين مثقالًا فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالًا من الذهب صدقة وليس فيما دون مائتي درهم صدقة» (١) رواه أبو عبيد.
وأما كون الفضة لا زكاة فيها حتى تبلغ مائتي درهم فلما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٢). والأوقية أربعون درهمًا.
وأما كون الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا يجب فيه نصف مثقال فلما روى ابن عمر وعائشة «أن رسول الله ﷺ كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال» (٣) رواه ابن ماجة.
وعن علي: «على كل أربعين دينارًا دينار وفي كل عشرين دينارًا نصف دينار» (٤) رواه الأثرم. ورواه غيره مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٥).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٧٩١) ١: ٥٧١ كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب، قال في الزوائد: إسناد الحديث ضعيف، لضعف إبراهيم بن إسماعيل.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩٨٧٣) ٢: ٣٥٧ كتاب الزكاة، ما قالوا في الدنانير ما يؤخذ منها في الزكاة.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٥٧٣) ٢: ١٠٠ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة. عن علي.
[ ١ / ٧٣٢ ]
أما كون الفضة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها خمسة دراهم فلما روى أنس أن النبي ﷺ قال: «وفي الرقة ربع العشر» (١) متفق عليه.
وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال: «فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم» (٢).
قال: (ولا زكاة في مغشوشهما حتى يبلغ قدر ما فيه نصابًا، فإن شك فيه خير بين سبكه وبين الإخراج).
أما كون مغشوش الذهب وهو: ما خلط فيه فضة، ومغشوش الفضة وهو: ما خلط فيه نحاس لا زكاة فيهما حتى يبلغ الذهب الذي في مغشوشه عشرين مثقالًا، والفضة التي في مغشوشها مائتي درهم فلما تقدم من النصوص الدالة على اعتبار النصاب.
وأما كون من شك في ذلك يخير بين السبك والإخراج فلأن كل واحد منهما محصل للغرض لخروجه به عن العهدة. فعلى هذا إن سبكه فظهر نصابًا فما زاد أخرج ربع عشره لأن ذلك هو الواجب لما تقدم، وإن ظهر أقل من نصاب لم يجب عليه شيء لأن شرط الوجوب ملك نصاب ولم يوجد. وإن لم يسبكه نظرت فإن شك في بلوغه نصابًا أخرج الزكاة لأن فيه خروجًا عن العهدة بيقين، وإن تيقن عدم بلوغه ذلك فلا شيء عليه لأن الأصل براءة الذمة وهي مستمرة بيقين. وإن تيقن بلوغه النصاب وشك في الزيادة استظهر في الإخراج فإذا احتمل كون الخالص فيه خمسة وعشرين دينارًا [أو عشرين دينارًا كانت خمسة وعشرون دينارًا] (٣) لما في ذلك من حصول البراءة بيقين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٣٨٦) ٢: ٥٢٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم. ولم أره في مسلم.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٥٧٢) ٢: ٩٩ كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة.
(٣) ساقط من ب.
[ ١ / ٧٣٣ ]
قال: (ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه، فإن أخرج مكسرًا أو بهرجًا زاد قدر ما بينهما من الفضل. نص عليه).
أما كون الجيد الصحيح يخرج عنه الجيد الصحيح فلأن إخراج ما دون ذلك خبيث فلم يجز لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ولأن الزكاة سبب وجوبها هنا جيد صحيح فوجب أن يكون الواجب هنا (١) كذلك كسائر ما تجب فيه الزكاة.
وأما كون من أخرج مكسرًا أو بهرجًا وهو المختلط بغيره يزيد قدر الفضل بين المكسر وبين الصحيح وبين البهرج وبين الخالص فلئلا يؤدي إلى إخراج الرديء عن الجيد، وفي إخراج الفضل تنبيه على جواز إخراج الرديء مع وجوب الفضل وهو صحيح صرح به المصنف في المغني وقال: لأنه أخرج من جنس الأصل وإن خالف في الصفة.
وقال أبو الخطاب في الانتصار: قياس المذهب أنه لا يجزئه ذلك.
وقول أحمد محمول على روايةِ جواز إخراج القيمة.
ووجه ما ذهب إليه أبو الخطاب أنه حق الفقراء فلم يجز فيه ذلك كالمراض من السائمة لا يجزئ عن الصحاح منها.
قال: (وهل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو يخرج أحدهما عن الآخر؟ على روايتين).
أما كون الذهب يضم إلى الفضة على روايةٍ فلأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد ومنفعتهما واحدة فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات، فهما كأنواع الفضة. وقد خص الحديث الآتي في عروض التجارة فكذا محل النزاع.
وأما كونه لا يضم على روايةٍ فلقوله ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٢) متفق عليه.
ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلم يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
[ ١ / ٧٣٤ ]
وهذه أصح لأنها أقوى دليلًا وأصح تعليلًا لما فيها من موافقة الخبر الصحيح. وقياس الجنسين على النوعين لا يصح لافتراقهما في قدر النصاب، والتخصيص على خلاف الأصل.
وأما كون أحدهما يخرج عن الآخر على روايةٍ فلما ذكر في الضم.
وأما كونه لا يخرج على روايةٍ فلأن جنسهما مختلف فلم يخرج أحدهما عن الآخر كالحب عن التمر والإبل عن البقر.
وهذه أصح لأن إخراج أحدهما عن الآخر من باب إخراج القيمة.
وقال المصنف ﵀ في المغني: وهو -يعني الإخراج- أصح إن شاء الله تعالى لأن المقصود من أحدهما يحصل، وكما لو أخرج المكسر عن الصحاح.
وقيل: اختلاف الروايتين مبني على الضم. فإن قلنا: يضم أجزأ إخراج أحدهما عن الآخر، وإلا فلا.
قال: (ويكون الضم بالأجزاء. وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين، وتضم قيمة العروض إلى كل واحد منهما).
أما كون ضم الذهب إلى الفضة بالأجزاء على المنصوص عن الإمام أحمد فلأنه لو انفرد لاعتبر بنفسه لا بقيمته فكذلك إذا ضم إلى غيره كالمواشي.
ولأن الضم بالأجزاء متيقن بخلاف الضم بالقيمة فإنه ظنّ وتخمين والمتيقن أولى.
وأما كونه بالأحظ من الأجزاء والقيمة على قول فلأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب السرقة.
ولأن الأصل الضم لأجل الحظ فكذلك صفته.
فإن قيل: من القائل بذلك؟
قيل: أبو الخطاب، وجعله ظاهر كلام الإمام أحمد.
فإن قيل: ما مثال الضم بالأجزاء والضم بالقيمة؟
قيل: مثال الضم بالأجزاء أن يكون له عشرة دنانير ومائة درهم فكل واحد نصف نصاب فمجموعهما نصاب، وكذلك لو كان الربع من أحدهما والباقي من الآخر، ونحو ذلك.
[ ١ / ٧٣٥ ]
ومثال الضم بالقيمة التي فيها حظ للمساكين: أن يكون له تسعة دنانير قيمتها مائة درهم وله مائة أخرى فإذا اعتبرت القيمة بلغ ذلك نصابًا وإن اعتبرت الأجزاء لم يبلغ نصابًا. فعلى نص الإمام أحمد: لا زكاة، وعلى قول أبي الخطاب فيه الزكاة.
فإن قيل: لو كان له عشرة دنانير قيمتها تسعون درهمًا ومائة درهم فهل يخرج في المسألة خلاف نظرًا إلى القيمة تارة وإلى الجزء أخرى؟
قيل: لا. بل تجب الزكاة هنا على القول بالضم وجهًا واحدًا لأن الخلاف المذكور ليس مبنيًا على القيمة مطلقًا بل على القيمة بشرط كونها أحظ. ولهذا قال المصنف ﵀: وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين. والأجود أنه كان قال: ويكون الضم بالأجزاء، وقيل بالأحظ منها أو من القيمة لأن في ذلك شمولًا لهما. وإذا ثبت أن العبرة إما بالجزء أو بالأحظ ظهر أن الزكاة واجبة في هذه الصورة قولًا واحدًا لأن من اعتبر الجزء أوجبها هنا لوجوده، ومن اعتبر الأحظ أوجبها هنا أيضًا ليكون الضم بالجزء أحظ.
وأما كون قيمة العروض تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة كمن له عشرة دنانير ومتاع قيمته عشرة أخرى، أو له مائة درهم ومتاع قيمته مائة أخرى فلأن الواجب في العروض القيمة، والذهب والفضة قيم الأشياء فكانا مع [القيمة] (١) جنسًا واحدًا، فإذا اجتمع منهما نصاب زكاة قال الخطابي: لا أعلم عامتهم اختلفوا في ذلك.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ١ / ٧٣٦ ]
فصل [في زكاة الحلي]
قال المصنف ﵀: (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال في ظاهر المذهب. فأما الحلي المحرم والآنية وما أعد للكراء أو النفقة ففيه الزكاة إذا بلغ نصابًا).
أما كون الحلي المباح المعد للاستعمال لا زكاة فيه في ظاهر المذهب فلما روى جابر عن النبي ﷺ: «ليس في الحلي زكاة» (١).
ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم تجب فيه زكاة كالعوامل وثياب القنية.
وأما كونه فيه زكاة في رواية فلعموم قوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٢).
ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله ﷺ ومعها ابن لها وفي يديها مسكتان من ذهب. فقال لها: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» (٣) رواه النسائي والترمذي وأبو داود.
ولأنه من جنس الأثمان أشبه التبر.
وأما كون الأولى ظاهر المذهب فلما تقدم. وحديث عمرو بن شعيب الدال على الوجوب لا يصح.
قال أبو عبيد: لا نعلمه يروى إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديمًا وحديثًا.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن والآثار ٣: ٢٩٨ كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي. وقال: لا أصل له. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠١٧٧) ٢: ٣٨٣ كتاب الزكاة، من قال: ليس في الحلي زكاة. وأخرجه عبدالزاق في مصنفه (٧٠٤٦) ٤: ٨٢ كتاب الزكاة، باب التبر والحلي. وأخرجه الدارقطني في سننه (٤) ٢: ١٠٧ كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي، كلهم موقوف على جابر.
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٥٦٣) ٢: ٩٥ كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي. وأخرجه الترمذي في جامعه (٦٣٧) ٣: ٢٩ كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الحلي. وأخرجه النسائي في سننه (٢٤٧٩) ٥: ٣٨ كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي.
[ ١ / ٧٣٧ ]
وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء.
ويحتمل أنه أراد بالزكاة العارية كما فسره بعض العلماء الحسن وقتادة وغيرهما (١).
وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» (٢) قد قيل الرقة: هي الدراهم المضروبة.
وقال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة ذات السكة.
وعلى تقدير التناول يكون مخصوصًا لما ذكرنا من الدليل لأنه خاص.
وأما كون الحلي المحرم فيه الزكاة؛ فلأن اتخاذ الذهب والفضة حليًا محرمًا فعل محرم فلم يخرج به عن أصله، وأصله فيه الزكاة فكذلك هذا.
وأما كون المعد للكراء فيه الزكاة؛ فلأن الكراء إنما حصل في مقابلة الانتفاع فكان فيه الزكاة كمال التجارة بخلاف الإعارة واللبس فإنه لا يحصل منه نماء البتة.
وأما كون المعد للنفقة فيه الزكاة؛ فلأن الأصل وجوب الزكاة وهو متمكن من صرفه إلى جهة النماء على وجه مشروع فوجبت فيه الزكاة كمال التجارة.
قال: (والاعتبار بوزنه إلا ما كان مباح الصناعة فإن الاعتبار في النصاب بوزنه وفي الإخراج بقيمته).
أما كون الاعتبار في المحرم بوزنه نصابًا وإخراجًا فلعموم قوله ﵇: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٣).
فإن قيل: القيمة زائدة على الوزن؟
قيل: القيمة عن صنعه محرمة يجب إتلافها فلم يلتفت إليها.
وأما كون الاعتبار في نصاب مباح الصناعة بوزنه؛ فلما تقدم.
وقال ابن عقيل: يعتبر بالقيمة لأن الصناعة صفة للمال ولها قيمة مقصودة فوجب اعتبارها كالجودة، ولذلك لو أتلفها متلف وجبت القيمة.
_________________
(١) في ب: وغيرها.
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٣) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
[ ١ / ٧٣٨ ]
وأما كون الاعتبار في إخراجه بقيمته فلأنه لو أخرج قدر ربع عشره لوقعت القيمة المتقومة شرعًا لا حظ فيها للفقراء وهو ممتنع. فعلى هذا هو مخير بين أن يخرج ربع عشره مشاعًا ثم يبيعه الفقير بمفرده أو مع المالك بغير جنسه، وبين أن يخرج قيمة ربع عشره من جنسه.
فإن قيل: هذا فيه زيادة عن الذات.
قيل: لا يضر ذلك كما تقدم في إخراج المكسر عن الصحيح.
ولأنه لا ربا بين الرب وعبده.
قال: (ويباح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل، ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إليه الضرورة كالأنف وما ربط به أسنانه. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب).
أما كون الرجال يباح لهم من الفضة الخاتم فـ «لأن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق» (١) متفق عليه.
وأما كونهم يباح لهم منها قبيعة السيف فلأن أنسًا قال: «كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة» (٢).
وقال هشام بن عروة: «كان سيف الزبير محلى بالفضة» (٣) رواه الأثرم.
ولأن ذلك حلية معتادة للرجل أشبهت الخاتم.
وأما كونهم يباح لهم منها حلية المنطقة في رواية فـ «لأن الصحابة رضوان الله عليهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة».
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٥٣٥) ٥: ٢٢٠٤ كتاب اللباس، باب نقش الخاتم. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٩١) ٣: ١٦٥٦ كتاب اللباس والزينة، باب لبس النبي ﷺ خاتمًا من ورق
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٥٨٣) ٣: ٣٠ كتاب الجهاد، باب في السيف يحلى. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٦٩١) ٤: ٢٠١ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السيوف وحليتها.
(٣) ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا ٤: ١٤٦١ كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ١٤٤ كتاب الزكاة، باب ما ورد فيما يجوز للرجل أن يتحلى به
[ ١ / ٧٣٩ ]
وأما كونهم لا يباح لهم في رواية فلما فيه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
ولأن لبس المنطقة يشعر بالتخنث والانحلال أشبه الطوق والدملج.
وأما كون الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل على قياس المنطقة في الإباحة وعدمها فلأن ذلك كله يساوي المنطقة معنى فوجب أن يساويها حكمًا.
وأما كونهم يباح لهم من الذهب قبيعة السيف فـ «لأن عمر ﵁ كان له سيف فيه سبائك من ذهب» (١).
وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: «كان في سيف عثمان بن حُنيف مسمار من ذهب» (٢) قال (٣) فذلك الآن في السيف.
وأما كونهم يباح لهم منه ما دعت إليه الضرورة كالأنف وما يربط به أسنانه فلأنه روي «أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من وَرِق فأنتن عليه. فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفًا من ذهب» (٤) رواه أبو داود.
وروى الأثرم عن موسى بن طلحة وأبي جَمْرة الضُّبَعي وأبي رافع وثابت البناني وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبدالله «أنهم شدوا أسنانهم بالذهب» (٥).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ١٤٣ كتاب الزكاة، باب ما ورد فيما يجوز للرجل أن يتحلى به من خاتمه وحلية سيفه ومصحفه إذا كان من فضة، بلفظ: عن نافع «أن ابن عمر تقلد سيف عمر ﵁ يوم قتل عثمان ﵁ وكان محلى قال: قلت: كم كانت حليته؟ قال: أربعمائة».
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن عثمان بن حكيم قال: «رأيت في قائم سيف سهل بن حُنيف مسمار ذهب». (٢٥١٧٢) ٥: ١٩٧ كتاب اللباس والزينة، في السيوف المحلاة واتخاذها.
(٣) ساقط من ب.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤٢٣٢) ٤: ٩٢ كتاب الخاتم، باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب.
(٥) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٥٢٥٠) ٥: ٢٠٥ كتاب اللباس والزينة، في شد الأسنان بالذهب. عن طعمة الجعفري: قال: «رأيت موسى بن طلحة قد شد أسنانه بالذهب». وفي (٢٥٢٥٦) ٥: ٢٠٦ عن حماد قال: «رأيت ثابتًا البناني مشدود الأسنان بالذهب». وفي (٢٥٢٥٤) ٥: ٢٠٥ عن حماد قال: «رأيت المغيرة بن عبدالله يربط أسنانه بالذهب، قال: فسألت إبراهيم، قال: لا بأس به».
[ ١ / ٧٤٠ ]
وأما كونهم يباح لهم اليسير من الذهب على قول أبي بكر؛ فلما روي عن النبي ﷺ «أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا» (١).
والصحيح أنه لا يباح يسير الذهب كما لايباح كثيره لعموم الأدلة المقتضية للتحريم.
ولأنه يروى أيضًا «أن النبي ﷺ نهى عن التحلي بقدر الخُرَيْصيصة». وهي القطعة من الحلي بقدر عين الجرادة.
ولأن في الذهب سرفًا ومباهاة وإن قل.
قال: (ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. وقال ابن حامد: إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة).
أما كون النساء يباح لهن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة كالخلخال في الرجل، والسوارين في اليدين، والدملج في العضد، والطوق في الحلق، والقُرط -بضم القاف- في الأذن فلأن المرأة محتاجة إلى التجمل لزوجها والتزين له ولذلك قال رسول الله ﷺ: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» (٢).
ومفهوم كلام المصنف ﵀ أن ما لم تجر عادتهن بلبسه كالثياب المثقلة المنسوجة بالذهب ونعال الذهب لا يباح لهن لبسه وهو صحيح نقلًا لانتفاء التجمل بلبسه عادة.
والحديث المتقدم ذكره يرده.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٤٢٣٩) ٤: ٩٣ أول كتاب الخاتم، باب ما جاء في الذهب للنساء. وأخرجه النسائي في سننه (٥١٥٠) ٨: ١٦١ كتاب الزينة، تحريم الذهب على الرجال. وأخرجه أحمد في مسنده (١٦٩٤٧) ٤: ٩٨. كلهم عن معاوية ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٥٧) ٤: ٥٠ كتاب اللباس، باب في الحرير للنساء. وأخرجه النسائي في سننه (٥١٤٤) ٨: ١٦٠ كتاب الزينة، تحريم الذهب على الرجال. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣٥٩٧) ٢: ١١٩٠ كتاب اللباس، باب لبس الحرير والذهب للنساء. وأخرجه أحمد في مسنده (١٩٤٤٣) ٤: ٣٩٤. قال في زوائد ابن ماجة: في إسناده عبدالرحمن بن رافع، عنه مناكير. وقال ابن حبان: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية عبدالرحمن بن زياد بن أنعم. وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله. وقال أبو حاتم: شيخ حديثه منكر.
[ ١ / ٧٤١ ]
وأما كون ما يباح لهن لا فرق فيه بين القليل والكثير على المذهب فلأن المبيح للتحلي في حقهن بتجملهن لأزواجهن وتزينهن لهم وذلك موجود في القليل والكثير.
وأما كونه إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة على قول ابن حامد.
أما كونه يحرم فلأن ذلك يخرج عن الحد المعتاد في التزين إلى الإسراف المنهي عنه.
وأما كونه فيه الزكاة فلأنه محرم وقد روى جابر أنه قال: «لا زكاة في الحليّ. قيل له: فإن كان قيمته ألف مثقال قال: كثير» (١).
فإن قيل: الألف معتبر في مجموعه أو مفرداته.
قيل: في مجموعه لظاهر الحديث.
وقال ابن عقيل في مفرداته: لأن الخلخال أو شبهه إذا كان ألف مثقال تحقق السرف المذكور فيه ولم يبح من أجله.
_________________
(١) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٧٠٤٦) ٤: ٨٢ كتاب الزكاة، باب التبر والحلي. بمعناه. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ١٣٨ كتاب الزكاة، باب من قال: لا زكاة في الحلي.
[ ١ / ٧٤٢ ]