قال المصنف ﵀: (تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا، ويؤخذ منها لا من العروض).
أما كون الزكاة تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وأموال التجارة أعم الأموال فكانت أولى بالدخول في ذلك.
وأما السنة فما روى سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع» (١) رواه أبو داود.
فإن قيل: ما العروض؟
قيل: جمع عرض بسكون الراء، وهو: كل ما كان من المال غير الذهب والفضة على اختلاف أنواعه من الثياب والحيوان وسائر المال.
وأما كونها تؤخذ من القيمة لا من العروض فلأن النصاب معتبر بالقيمة وما اعتبر النصاب فيه وجب إخراج الزكاة منه كسائر الأموال.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
[ ١ / ٧٤٣ ]
قال: (ولا تصير للتجارة إلا أن يملكها بفعله بنية التجارة بها، فإن ملكها بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة، وإن كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة. وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية).
أما كون العروض لا تصير للتجارة إلا أن يملكها صاحبها بفعله كالشراء ونحوه بنية التجارة بها على المذهب فلأن ما لا يتعلق الزكاة به من أصله لا يصير محلًا لها بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى فيها السوم.
ولا فرق فيما ملكه بفعله بين أن يقابل ذلك بعوض كالبيع أو لا كالهبة لأن الكل حاصل بفعله.
وقال القاضي: يشترط أن يملكه بعوض كالبيع والخلع والنكاح فلو ملكه بهبة أو احتشاش أو غنيمة لم يصر للتجارة لأنه ملكه بغير عوض أشبه الموروث.
وأما كونها تصير بمجرد النية على روايةٍ فلأن التربص بالسلع لارتفاع الأسواق من صور التجارة ولا فعل فيه. وإنما اشترطت النية لما تقدم من حديث سمرة، وإنما اعتبرت حين الملك على الأول لأن في بعض ألفاظ الحديث: «مما يعد للبيع حال الشراء».
ولأن الأعمال بالنية والتجارة عمل فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.
وأما كون من ملك العروض بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة على الأول (١) فلأن الأول لم يملكها بفعله وفي الثاني لم تقترن النية بالفعل والتقدير اشتراطهما.
وأما كون من كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة على ذلك فلأنه بنيته القنية صار للقنية فإذا نواه للتجارة لم يصر للتجارة لعدم الفعل المشترط.
فإن قيل: لم يصير للقنية بمجرد النية (٢) ولا يصير للتجارة يمجرد نيتها؟
قيل: لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كالمسافر ينوي الإقامة.
_________________
(١) أي على القول باشتراط النية والفعل.
(٢) ساقط من ب.
[ ١ / ٧٤٤ ]
ولأن نية التجارة شرط في وجوب الزكاة في العروض وإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب.
فإن قيل: على القول باشتراط النية دون الفعل ما الحكم؟
قيل: إذا ملك العروض بإرث ونوى التجارة صارت للتجارة لوجود الشرط، وإذا كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة صار للتجارة.
قال المصنف ﵀ في المغني: والأول المشهور في المذهب.
قال: (وتقوم العروض عند الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق. ولا يعتبر ما اشتريت به).
أما كون العروض تقوم بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق فليحصل للمساكين ما هو الأحظ.
ولأن تقويمه لحظ المساكين فيعتبر ما لهم الأحظ فيه كما لو اشتراه بعروض وللبلد نقدان مستعملان تبلغ قيمة العروض بأحدهما نصابًا دون الآخر.
وأما كون ما (١) اشتريت به لا يعتبر فلأن ذلك يروى عن عمر.
ولأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالًا للتقويم بالأحظ. وقد تقدم دليل اعتباره فعلى هذا لو كانت العروض تساوي عند رأس الحول نصابًا بالذهب دون الفضة قومت بالذهب وإن اشتريت بالفضة للأحظ ولو كان بالعكس قومت بالفضة.
قال: (وإن اشترى عرضًا بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله. وإن اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن على حوله).
أما كون من اشترى عرضًا بنصاب من الأثمان يبني على حول نصاب الأثمان فلأن مال التجارة إنما تتعلق الزكاة بقيمته وقيمته هي الأثمان نفسها.
وأما كون من اشترى ذلك بعروض يبني على حول العروض فلأن الزكاة تتعلق في الموضعين بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يُبنى حول بعضها على بعض.
_________________
(١) في ب من.
[ ١ / ٧٤٥ ]
وأما كون من اشترى ذلك بنصاب من السائمة لا يبني على حول السائمة فلأن العرض تجب الزكاة في قيمته والسائمة إذا لم تكن للتجارة تجب في عينها فهما جنسان مختلفان، وإذا كان كذلك لم يُبْن حول أحدهما على الآخر.
قال: (وإن ملك نصابًا من السائمة للتجارة فعليه زكاة التجارة دون السوم، فإن لم تبلغ قيمتها نصاب التجارة فعليه زكاة السوم).
أما كون من ملك ما ذكر عليه زكاة التجارة إذا بلغت قيمة السائمة نصاب التجارة فلأنها أحظ لأنها تجب فيما زاد بالحساب، والتجارة يلحظ فيها الأحظ للفقراء بدليل التقويم بالأحظ.
وأما كونه عليه زكاة السوم إذا لم تبلغ القيمة نصاب التجارة فلأن السوم سبب يوجب الزكاة ولا معارض له فعمل عمله.
قال: (وإن اشترى أرضًا أو نخلًا للتجارة فأثمرت النخل وزرعت الأرض فعليه فيهما العشر ويزكى الأصل للتجارة.
وقال القاضي: يزكي الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق وجوب العشر حول التجارة فيخرجه).
أما كون من اشترى ما ذكر عليه العشر في الزرع والثمر، وزكاة التجارة في الأصل فلأنهما عينان تجب في إحداهما زكاة العين وفي الأخرى زكاة القيمة حال الانفراد فكذلك حال الاجتماع.
وأما كونه يزكي الجميع زكاة القيمة فلما ذكرنا من أنها أحظ للفقراء.
ولأنها إذا اجتمعت مع السوم كان الحكم لها فكذلك هنا.
ولأن الزرع والثمر كالولد لكون كل واحد منهما جزء الخارج منه فوجب أن يقوم مع الأصل كالسخال، والأرباح المتجددة إذا كانت الأصول للتجارة.
وأما كونه لا عشر عليه إذًا فلأنه لو وجب للزم الجمع بين زكاتين في مال واحد وفيه ضرر بالمالك.
واعلم أن في كلام المصنف ﵀ نظرًا من وجهين:
[ ١ / ٧٤٦ ]
أحدهما: أن النقل في هذه المسألة أنه يزكي الجميع زكاة القيمة على المذهب، والأصل زكاة القيمة، والزرع والثمار زكاة العشر على قول القاضي لأن المصنف في المغني الأول وأبا الخطاب ذكرا هذه المسألة فقالا: زكا الجميع زكاة القيمة. وقيل: يزكي الأصل زكاة القيمة، والثمرة والزرع زكاة العشر. ثم إن شارح الهداية صاحب الخلاصة عزا القول في شرحه إلى القاضي وابن عقيل.
وثانيهما: أن قوله: إلا أن يسبق إلى آخره ظاهره أنه استثناء من قوله: ولا عشر عليه ولا يصح ذلك نقلًا ولا معنى (١).
أما عدم صحته من حيث النقل فلأن المصنف نسب زكاة الجميع زكاة القيمة إلى القاضي.
وقال في المغني: قال القاضي: ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا مثل أن يثمر نخل التجارة وتنبت أرضها ويبدو الصلاح قبل مضي حول التجارة.
وأما عدم الصحة من حيث المعنى فلأن معنى قوله: ولا عشر عليه أن من وجبت عليه زكاة القيمة في الأصل والثمار لا يجب عليه عشر. ومن هذا شأنه لا يجب عليه عشر بحال بل ينبغي أن يعود الاستثناء إلى الخلاف المذكور في المسألة أي الخلاف في اعتبار القيمة في الكل أو في الأصل دون الثمار إذا اتفق وقت وجوب العشر وزكاة التجارة فلو سبق نصاب العشر وجب العشر وجهًا واحدًا. وكان الجيد في ذلك أن يقال: إلا أن يسبق وجوب أحدهما الآخر ليعم ما ذكر وما إذا سبق وجوب التجارة وجوب العشر وأن الحكم فيهما واحد. وقد صرح المصنف ﵀ في المغني وصاحب النهاية فيها بأن قالا في المسألتين واتفق حولاهما. ولو قدم المصنف رحمه الله تعالى زكاة القيمة في هذه المسألة فقال: زكى الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق حول أحدهما الآخر، وقال القاضي: يزكى الأصل زكاة القيمة والثمرة والزرع زكاة العشر لكان صحيحًا جيدًا سالمًا من أمور:
أحدها: مخالفة نقله في المغني الأول ومخالفة نقل الأصحاب.
_________________
(١) في ب: دليلًا.
[ ١ / ٧٤٧ ]
وثانيها: أن يكون قد قدم ما أومأ إليه الإمام أحمد فإنه في المغني ذكر زكاة القيمة للجميع ثم قال: أومأ إليه الإمام أحمد.
وثالثها: أن الاستثناء يعود إلى قوله: ولا عشر لأن كل من اعتبر القيمة شرط الاتفاق في كمال الحول، وقال: متى سبق أحدهما الآخر كان الحكم له لأنه لو لم يكن الحكم له للزم تأخير أداء الزكاة عن كمال الحول.
ورابعها: أنه يكون قول القاضي في المغني ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا لأن الاستثناء المذكور بناء على قول من يعتبر القيمة وليس ذلك قول القاضي على ما تقدم.
وقوله: فيخرجه مرفوع وليس معطوفًا على قوله: يسبق لأنه لو كان كذلك لكان السبق والإخراج شرطين لتعين العشر وليس الشرط كذلك بل الشرط سبق أحدهما الآخر في الوجوب.
قال: (وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته فأخرجاها معًا ضمن كل واحد نصيب صاحبه،، وإن أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الأول عَلِم أو لم يعلم، ويتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم).
أما كون كل واحد من المخرجين يضمن نصيب صاحبه في المسألة الأولى فلأنه انعزل حكمًا بإخراج المالك.
وأما كون الثاني يضمن نصيب الأول فلما ذكر قبل.
وأما كونه يضمن مع العلم وعدمه فلأن العزل الحكمي لا يختلف بذلك بدليل ما لو مات المالك، وما لو وكله في بيع عبده ثم أعتقه.
وأما كونه يتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم في المسألة الثانية فلأنه وكيل في الدفع فلم يضمن إذا لم يعلم كما لو وكله في قضاء دينه فقضاه المالك ثم الوكيل. وقد قيل: الفرق بينهما أنه في قضاء الدين يتمكن من الرجوع على رب الدين بخلاف مسألة الزكاة فإنه لا يتمكن من الرجوع على الفقير لأنها تنقلب تطوعًا.
[ ١ / ٧٤٨ ]