الاستسقاء: استفعال من السقي وطلب له. والمصلي طالب لذلك.
وهي مسنونة. والأصل فيها فعل النبي ﷺ لها وكذلك الخلفاء بعده.
قال المصنف ﵀: (وإذا أجدبت الأرض وقحط المطر فزع الناس إلى الصلاة. وصفتها في موضعها. وأحكامها صفة صلاة العيد).
أما كون الناس يفزعون إلى صلاة الاستسقاء؛ فلما تقدم من فعل النبي ﷺ لذلك والخلفاء بعده.
وأما كون صفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد؛ فلأنها في معناها ولذلك قال ابن عباس ﵁: «سنة الاستسقاء سنة العيدين» (١).
فعلى هذا يسن أن تكون في الصحراء. وأن يصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا. وأن يصلي من غير إذن ولا إقامة. وأن يجهر فيها بالقراءة. ويقرأ بعد الفاتحة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية ونحو ذلك.
أما كونها تسن في الصحراء؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يقيمها في الصحراء» (٢).
ولأنها يسن لها الاجتماع من أهل القرى والأمصار فشرعت في الصحراء كالعيد.
ولأن ذلك أوسع وأرفق بالناس لكثرتهم. ولينظروا ما يبدو من السحاب ويجيء من المطر.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣: ٣٤٨ كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدليل على أن السنة في صلاة الاستسقاء السنة في صلاة العيدين.
(٢) روى عبدالله بن زيد قال: «خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي». أخرجه البخاري في صحيحه (٥٩٨٣) ٥: ٢٣٣٥ كتاب الدعوات، باب الدعاء مستقبل القبلة.
[ ١ / ٥٨٠ ]
وأما كونها تصلى ركعتين يكبر فيها كالعيد؛ فلأن ابن عباس ﵄ روى «أن النبي ﷺ صلى ركعتين كما يصلي في العيد» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد روي عن الإمام أحمد ﵁: لا يكبر فيها بل يصلي كصلاة التطوع لأن عبدالله بن زيد قال: «استسقى النبي ﷺ وصلى ركعتين» (٢) رواه البخاري.
ولم يذكر التكبير.
والأول أصح؛ لأن رواية عبدالله مطلقة مجملة ورواية ابن عباس مبينة مقيدة، والمطلق المجمل يحمل على المقيد المبين.
ولأنه روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا» (٣) رواه الشافعي في مسنده.
وأما كونها تصلى من غير أذان ولا إقامة؛ فلما روى أبو هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة مختصر» (٤) رواه الأثرم وابن ماجة.
وأما كونها يجهر فيها؛ فلحديث ابن عباس.
وروى عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٥) رواه البخاري.
وأما كونها يقرأ فيها بسبح وهل أتاك؛ فلحديث ابن عباس.
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٥٨٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٨٠) ١: ٣٤٨ كتاب الاستسقاء، باب صلاة الاستسقاء ركعتين. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٤) ٢: ٦١١ كتاب صلاة الاستسقاء.
(٣) أخرجه الشافعي في مسنده (٤٥٧) ١: ١٥٧ كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٦٨) ١: ٤٠٣ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأخرجه أحمد في مسنده (٨١٢٨) ط إحياء التراث.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٧٨) ١: ٣٤٧ كتاب الاستسقاء، باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء.
[ ١ / ٥٨١ ]
وفي حديث عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد وقرأ فيهما ما يقرأ في العيد: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (١) متفق عليه. ورواه ابن قتيبة أيضًا في غريب الحديث.
قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والصيام والصدقة وتركِ التشاحن. ويَعدهم يومًا يخرجون فيه).
أما كون الإمام يعظ الناس إذا أراد الخروج؛ فلأنه سبب لرقة قلوبهم ووسيلة إلى امتثالهم ما يقول.
وأما كونه يأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم؛ فلأن ذلك من الواجبات.
ولأن المعاصي والظلم سبب للقحط. والتقوى سبب للبركات قال الله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦].
وأما كونه يأمرهم بالصيام؛ فلأن الصوم وسيلة إلى نزول الغيث؛ لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «دعوة الصائم لا ترد» (٢).
ولأن في الصوم كسر الشهوة وحضور القلب والتذلل للرب.
وأما كونه يأمرهم بالصدقة؛ فلأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث.
وأما كونه يأمرهم بترك التشاحن؛ فلأن التشاحن ربما منع نزول الخير. ومنه قوله ﵇: «خرجتُ لأعلمكم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت» (٣).
_________________
(١) حديث عبدالله بن زيد سبق تخريجه. ولم أقف على هذا اللفظ عندهما.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٣٥٩٨) ٥: ٥٧٨ كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٧٥٢) ١: ٥٥٧ كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٩) ١: ٢٧ كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
[ ١ / ٥٨٢ ]
ولأن التشاحن يُخرج غالبًا إلى المعصية والبهت. وقد تقدم أن ذلك يُطلب عدمه وأنه سبب للقحط.
وأما كونه يَعِدُهُم يومًا ومعناه يعين لهم اليوم الذي يخرج فيه إلى الاستسقاء فليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة.
وفي الحديث «أن النبي ﷺ وعد الناس يومًا يخرجون فيه» (١) رواه أبو داود.
قال: (ويتنظف لها. ولا يتطيب. ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ).
أما كون الخارج إلى الاستسقاء يتنظف لصلاته. والمراد به أنه يسن له إزالة الرائحة وتقليم الأظفار وما أشبه ذلك لأجل الصلاة فلئلا يؤذي الناس.
ولأنه يوم يجتمع له الناس أشبه الجمعة.
وأما كونه لا يتطيب؛ فلأن يوم الاستسقاء يوم استكانة وخضوع.
وأما كونه يخرج على الصفة المذكورة؛ فلما روى ابن عباس «خرج رسول الله ﷺ للاستسقاء متبذلًا متخشعًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى مختصر» (٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما كونه يخرج ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ؛ فلأن ذلك أسرع لإجابتهم.
وجاء في الحديث: «إن الله يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة في الإسلام» (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١١٧٣) ١: ٣٠٤ كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء. قال أبو داود: هذا حديث غريب، إسناده جيد.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١١٦٥) ١: ٣٠٢ كتاب الصلاة، جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها. وأخرجه الترمذي في جامعه (٥٥٨) ٢: ٤٤٥ أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء. كلاهما بدون قوله: «متخشعا». وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٦٦) ١: ٤٠٣ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء.
(٣) ذكره البرهان فوري من حديث أنس بلفظ: «إن الله يستحيى من ذي الشيبة أن يسأله فلا يعطيه» وعزاه إلى ابن النجار (٤٢٦٤٤) ١٥: ٦٦٦.
[ ١ / ٥٨٣ ]
وفي آخر: «إذا بلغ العبد ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (١).
قال: (ويجوز خروج الصبيان. وقال ابن حامد: يستحب).
أما كون خروج الصبيان يجوز فلا خلاف فيه؛ لأن الرزق مشترك بينهم وبين الرجال.
وأما كونه لا يستحب على المذهب؛ فلأنهم غير مكلفين فلم يستحب إخراجهم وإن كان لهم حظ في الرزق كالبهائم.
وأما كونه يستحب على قول ابن حامد؛ فلأنه روي: «لولا أطفال رُضّع. وشيوخ ركع. وبهائم رُتّع لصب عليكم العذاب صبا» (٢).
ولأنهم لا ذنوب لهم فيكون دعاؤهم مستجابًا كالمشايخ.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والحديث لا يدل على الاستحباب. وإلا لزام استحباب خروج البهائم. وعدم الذنب مع عدم التكليف لا أثر له بدليل البهيمة.
قال: (وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا. ولم يختلطوا بالمسلمين).
أما كون أهل الذمة إذا خرجوا إلى الاستسقاء لا يمنعون؛ فلأنه خروج إلى طلب الرزق والله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين.
وأما كونهم لا يختلطون بالمسلمين؛ فلأنهم كفار عصاة فربما نزل عليهم أذى فعم المسلمين. وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا
_________________
(١) ذكره البرهان فوري من حديث عثمان بلفظ: «وإذا بلغ تسعين سنة قالت الملائكة: أسير الله في أرضه. فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشفع في أهله» وعزاه إلى الحكيم الترمذي. (٤٢٦٣٤) ١٥: ٦٦٤.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣: ٣٤٥ كتاب صلاة الاستسقاء، باب استحباب الخروج بالضعفاء والصبيان والعبيد والعجائز.
[ ١ / ٥٨٤ ]
منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]. فإذا لم يختلطوا اختص نزول العذاب بهم ولهذا جعلت مقابرهم منفردة عن المسلمين.
قال: (فيصلي بهم. ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد. ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به).
أما كون الإمام في الاستسقاء يصلي بالناس؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يخطب خطبة واحدة؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﵇ أنه خطب في الاستسقاء أكثر من واحدة.
وأما كونه يخطب بعد الصلاة؛ فلأن أبا هريرة ﵁ قال: «صلى بنا النبي ﷺ ثم خطبنا مختصر» (١) رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ولأنها صلاة ذات تكبير فكانت خطبتها بعد الصلاة كالعيد.
وعن الإمام أحمد: أنه يخطب قبل الصلاة لقول عبدالله بن زيد: «فتوجه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه ثم صلى» (٢) متفق عليه.
وعنه: أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لأن الجميع مروي.
وعنه: لا خطبة لها لقول ابن عباس ﵄: «فلم يخطب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع» (٣) رواه النسائي وابن ماجة.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة: «صلى ثم خطبنا» (٤). وثم للترتيب.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٦٨) ١: ٤٠٣ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأخرجه أحمد في مسنده (٨١٢٨) ط إحياء التراث.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٧٩) ١: ٣٤٧ كتاب الاستسقاء، باب كيف حول النبي ﷺ ظهره إلى الناس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٤) ٢: ٦١١ كتاب صلاة الاستسقاء، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، في أيام العيد.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٥٥٨) ٢: ٤٤٥ أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأخرجه النسائي في سننه (١٥٠٦) ٣: ١٥٦ كتاب الاستسقاء، باب الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها إذا خرج. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٦٦) ١: ٤٠٣ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء.
(٤) سبق تخريجه قبل قليل.
[ ١ / ٥٨٥ ]
والجواب عن حديث عبدالله بن زيد أنه ليس فيه تصريح بالخطبة قبل الصلاة. وإنما قال: «دعا». وعن قول ابن عباس: «فلم يخطب خطبتكم هذه» (١) أنه نفى الصفة لا أصل الخطبة. والمعنى أنه كان جُلُّ خطبته الدعاء والتضرع والتكبير.
وأما كونه يفتتح الخطبة بالتكبير؛ فلأنه يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيدين» (٢).
وأما كونه يكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا؟ يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]. وقوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣]؛ فلأن الاستغفار سبب لنزول المطر؛ لما تقدم من الآية.
ولأنه يروى عن عمر ﵁ «أنه استسقى فلم يزد على الآيات. فقيل له. فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي ينزل بها الغيث» (٣).
وعن علي ﵁: «عجبت من يبطئ عنه الرزق ومعه مفاتيحه. قيل: وما مفاتيحه؟ قال: الاستغفار» (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه قبل قليل.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١١٦٥) ١: ٣٠٢ كتاب الصلاة، باب: جماع أبواب صلاة الاستسقاء. ولفظه: «أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى متبذلًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين». وأخرجه الترمذي في جامعه (٥٥٨ و٥٥٩) ٢: ٤٤٥ أبواب الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأخرجه النسائي في سنننه (١٥٢١) ٣: ١٦٣ كتاب الاستسقاء، باب: كيفية صلاة الاستسقاء. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٦٦) ١: ٤٠٣ كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٤٢٣) ١: ٢٦٩. كلهم نحو لفظ أبي داود.
(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ٣: ٣٥١ كتاب صلاة الاستسقاء، باب ما يستحب من كثرة الاستغفار في خطبة الاستسقاء. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٣٤٣) ٢: ٢٢٣ كتاب الصلاة، من قال: لا يصلى في الاستسقاء.
(٤) أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
[ ١ / ٥٨٦ ]
قال: (ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي ﷺ: اللهم! اسقنا غيثًا مُغيثًا هنيئًا مريئًا غَدَقًا مُجَلّلًا سَحًاّ عامًاّ طَبقًا دائمًا. اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم! إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم! أنبت لنا الزرع وَأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك. اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارًا).
أما كون المستسقي يسن له أن يرفع يديه في دعاء الاستسقاء؛ فلما روى أنس قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه لشيء من الدعاء إلا في الاستسقاء يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه» (١) متفق عليه.
وأما كونه يسن له أن يدعو بما ذكره المصنف ﵀؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ كان إذا استسقى قال: اللهم! اسقنا غيثًا مُغيثًا هنيئًا مريئًا مَريعًا غَدقًا مُجَلّلًا طبقًا سَحًّا دائمًا. اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم! إن بالبلاد والعباد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم! أنبت لنا الزرع وأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك. اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٨٤) ١: ٣٤٩ كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٥) ٢: ٦١٢ كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١١٦٩) ١: ٣٠٣ كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، عن جابر بن عبدالله قال: أتت النبي ﷺ بواكي فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل» قال: فأطبقت عليهم السماء. ولم أره بكامله بالنص الذي ساقه المصنف عن ابن عمر.
[ ١ / ٥٨٧ ]
وروى المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق مختصر» (١) رواه الشافعي في مسنده وهو مرسل.
فإن قيل: ما معنى هذه الألفاظ؟
قيل: الغيث مصدر. سمي به المطر. والغيث المجيء بإذن الله تعالى. يقال: غاث الله الأرض إذا أَنزل عليها المطر. وإغاثة الله إذا أجاب غُواثه بالضم. والفتح للغين أي أزال شكواه بالمطر.
والهنيء: الذي يحصل من غير مشقة.
والمريء: السهل النافع.
والمرتع: المقيم. من قولك: رتعت بمكان كذا إذا أقمت فيه. وروي مُريعًا وهو فعل من المرع وهو الخصب. ويروى مربعًا من ربعت الإبل إذا رعت.
والغدق: الكثير القطر.
والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر. فكنى هنا بالسحاب عن المطر الذي يعم.
والطبق: الذي يطبق الأرض.
والسح: الغيث والدائم المتصل إلى أن يحصل الخصب.
والقانط: الآيس.
واللأواء: الشدة.
والضنك: الضيق.
والجهد: بالضم والفتح المشقة. وقيل: بالفتح البلاء وبالضم الطاقة.
والمدرار: الدائم إلى وقت الحاجة.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده (٤٩٩) ١: ١٧٣ كتاب الصلاة، باب في الدعاء.
[ ١ / ٥٨٨ ]
قال: (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة. ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوا مع ثيابهم).
أما كون الإمام يسن له أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة وأن يحول رداءه؛ فلما روى عبدالله بن زيد «أن النبي ﷺ خرج يستسقي. فحوّل إلى الناس ظهره. واستقبل القبلة يدعو. ثم حوّل رداءه» (١) رواه البخاري.
وأما كونه يجعل الأيمن منه على الأيسر والأيسر على الأيمن؛ فلأن في روايةٍ: «حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، [وجعل عِطافه الأيسر] (٢) على عاتقه الأيمن» (٣) رواه أبو داود.
قال أبو عبيد: إنما يفعل ذلك لتغير الحال وانتقاله من الجدب إلى الخصب.
وأما كون الناس يفعلون ذلك كالإمام؛ فلأن النبي ﷺ فعله. وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ولأنه روي: «ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن وتحول الناس معه» (٤).
ولأن ما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على تخصيصه.
وأما كونهم يترك كل واحد منهم رداءه على حاله حتى ينزعوه مع ثيابهم؛ فلأنه لم ينقل أن النبي ﷺ ولا أحدًا من الصحابة رد رداءه إلى الحالة التي كان عليها قبل خلع ثيابه.
قال: (ويدعو سرًا حال استقبال القبلة. فيقول: اللهم! إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ٥٨٥.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١١٦٣) ١: ٣٠٢ كتاب الاستسقاء، جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (١٦٠٣٠) ط إحياء التراث.
[ ١ / ٥٨٩ ]
أما كون المستسقي يدعو حال استقبال القبلة؛ فلأن البخاري ذكره في حديث عبدالله بن زيد (١).
وليجمع بين الدعاء سرًا وجهرًا كما فعل نوح ﷺ (٢).
ولقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥].
وأما كونه يقول: اللهم! إنك أمرتنا إلى آخره؛ فلأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله حيث قال: ﴿إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال: (فإن سقوا وإلا عادوا ثانيًا وثالثًا. وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله).
أما كون المستسقين يعودون ثانيًا وثالثًا إذا لم يسقوا؛ فلأن الله ﷿ يحب الملحين في الدعاء.
ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فاستحب ثانيًا وثالثًا كالأول.
وأما كونهم يشكرون الله ويسألونه المزيد من فضله إذا سقوا (٣) قبل الخروج؛ فلأنهم إذا فعلوا ذلك زادهم الله من فضله لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧]. وقوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠].
وظاهر كلام المصنف ﵀: أنهم لا يصلون؛ لأن الشكر حقيقة في القول لا الفعل.
وإنما لم تستحب الصلاة حينئذ؛ لأن الصلاة تراد لنزول المطر وقد وجد.
ولأن التشاغل بغير الصلاة يستحب؛ لما يأتي.
_________________
(١) عن عبدالله بن زيد «أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين». أخرجه البخاري في صحيحه (٩٦٦) ١: ٣٤٣ كتاب الاستسقاء، باب تحويل الرداء في الاستسقاء.
(٢) قال الله تعالى: ﴿ثم إني دعوتهم جهارًا؟ ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا؟ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا؟ يرسل السماء عليكم مدرارًا؟ ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهارًا﴾ [نوح: ٨ - ١٢].
(٣) ساقط من ب.
[ ١ / ٥٩٠ ]
ونص المصنف ﵀ في غير هذا وغيره من الأصحاب على أنهم إن سقوا قبل الخروج يصلوا شاكرين لأن الصلاة شرعت لزوال العارض من الجدب وذلك لا يحصل بمجرد النزول فلذلك تستحب الصلاة ليديم الله عليهم ذلك.
ويؤيد قول المصنف ﵀ أنهم لا يقتصرون على الشكر والدعاء: أن التشاغل بالدعاء عند نزول المطر مستحب؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث» (١).
وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: صَيِّبًا نافعًا» (٢) رواه البخاري.
قال: (وينادى لها الصلاة جامعة. وهل من شرطها إذن الإمام؟ على روايتين).
أما كون صلاة الاستسقاء ينادى لها الصلاة جامعة؛ فلقول ابن عباس ﵁: «سنة الاستسقاء سنة العيد» (٣).
ولأن كل صلاة شرع فيها الجهر والاجتماع والخطبة ولم يسن لها أذان سن لها النداء؛ لما ذكر.
وأما كونها ليس من شرطها إذن الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة الاستسقاء نافلة فلم يكن من شرطها إذن الإمام كبقية النوافل.
وأما كونها من شرطها ذلك على روايةٍ؛ فبالقياس على اشتراطه في العيد على روايةٍ. فعلى هذا إذا خرجوا بغير إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاة.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة بلفظ: «ثلاث ساعات للمرء المسلم ما دعا فيهن إلا استجيب له ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثما: حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقي الصفان حتى يحكم الله بينهما، وحين ينزل المطر حتى يسكن» ٩: ٣٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٨٥) ١: ٣٤٩ كتاب الاستسقاء، باب ما يقال إذا أمطرت. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٤١٩٠) ٦: ٤٢.
(٣) سبق تخريجه ص: ٥٨٠.
[ ١ / ٥٩١ ]
قال: (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله وثيابه ليصيبها).
أما كون المستسقي يستحب له أن يقف في أول المطر؛ فلما روى أنس «أن النبي ﷺ لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته» (١) رواه البخاري.
ولأنه قريب العهد من الله فاستحب الوقوف فيه ليصيب الواقف فيه من بركته.
وأما كونه يستحب له أن يُخرج رحله وثيابه ليصيبها ذلك؛ فلما روي «أن رسول الله ﷺ كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الإزار يتزر به» (٢).
و«لأن ابن عباس ﵁ كان يأمر غلامه إذا كان المطر في أوله بإخراج رحله وفراشه ليصيبه المطر ويقول: إنه قريب عهد بالله ﷿».
قال: (وإذا زادت المياه فخيف منها استحب أن يقول: اللهم! حوالينا ولا علينا. اللهم! على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به الآية﴾ [البقرة: ٢٨٦]).
أما كون من خاف من زيادة المياه يستحب له أن يقول: اللهم! حوالينا إلى ومنابت الشجر؛ فلما روى أنس ﵁ قال: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي. فقال رسول الله ﷺ: اللهم! على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانجابت عن المدينة انجياب الثوب» (٣) متفق عليه.
وفي حديث آخر: «اللهم! حوالينا ولا علينا» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٩١) ١: ٣١٥ كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة.
(٢) لم أقف عليه هكذا. وقد روى أنس ﵁ قال: «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر. فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه». أخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٨) ٢: ٦١٥ كتاب صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٧٠) ١: ٣٤٥ كتاب الاستسقاء، باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء. عن أنس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٧) ٢: ٦١٢ كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٦٩) ١: ٣٤٤ كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء على المنبر.
[ ١ / ٥٩٢ ]
وأما كونه يستحب له أن يقول: ﴿ربنا ولا تحملنا إلى آخر الآية﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فلأنه قول لائق بالحال فاستحب قوله كسائر الأقوال اللائقة بمحالّها.
[ ١ / ٥٩٣ ]