قال المصنف ﵀: (وهي أفضل تطوع البدن. وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء).
أما كون الصلاة أفضل تطوع البدن؛ فلقوله ﷺ: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (١) رواه الإمام أحمد.
ولأن الصلاة المفروضة آكد الفروض؛ «لأن النبي ﷺ سُئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها» (٢). فتطوعها آكد التطوع.
ولأن الصلاة تجمع أنواعًا من العبادة: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والصلاة على النبي ﷺ، والتسبيح، والتكبير إلى غير ذلك.
وأما كون صلاة الكسوف والاستسقاء آكدها؛ فلأنها تشرع لها الجماعة مطلقًا. وذلك دليل التأكيد لما فيه من التشبه بالفرائض.
وصلاة الكسوف آكد من صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ لم يَدَعْ صلاة الكسوف عند وجود سببها. وكان يستسقي تارة ويترك أخرى. ولذلك قدمها المصنف ﵀.
قال: (ثم الوتر. وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر).
أما قول المصنف ﵀: ثم الوتر؛ فمعناه: أنه أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاتي الكسوف والاستسقاء. وذلك يقتضي أمرين:
أحدهما: تأخيره في الفضيلة عن صلاتي الكسوف والاستسقاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢٢٤٨٩) ٥: ٢٨٢، من حديث ثوبان ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٠٩٦) ٦: ٢٧٤٠ كتاب التوحيد، باب وسمى النبي ﷺ الصلاة عملًا. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٥) ١: ٩٠ كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وثانيها: تقديمه على ما عدا ذلك.
أما الأول؛ فلما تقدم من مشروعية الجماعة لهما مطلقًا. وذلك غير موجود في الوتر. فإنه وإن شرعت له الجماعة مع التراويح لا تشرع له مع غيرها. بدليل أن النبي ﷺ لم يصله في جماعة مطلقًا.
وأما الثاني؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يفعله حضرًا وسفرًا».
ولأن الوتر شرع له الجماعة في الجملة. وقد قيل بوجوبه وهو ثابت بالقول الذي لا يحتمل التخصيص.
فإن قيل: الوتر مختلف في وجوبه فينبغي أن يكون أفضل من صلاتي الكسوف والاستسقاء.
قيل: وصلاة الكسوف مختلف في وجوبها فلا ترجيح للوتر عليها بذلك.
وصلاة الاستسقاء مشروعية الجماعة لها مطلقًا ترجحها على الوتر.
وأما كون الوتر ليس بواجب؛ فلما روى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل. ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل. ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (١) رواه أبو داود.
علقه على المحبة والواجب لا يعلق عليها.
ولأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة. ولا يجوز ذلك في واجب.
وأما كون وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة تصلونها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر» (٢) رواه الإمام أحمد.
وقال ﷺ: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٣) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢٢) ٢: ٦٢ كتاب الوتر، باب كم الوتر. وأخرجه النسائي في سننه (١٧١١) ٣: ٢٣٨ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب في الوتر.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢٧٢٧١) ٦: ٣٩٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦١) ١: ١٨٠ أبواب المساجد، باب الحلق والجلوس في المسجد. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٤٩) ١: ٥١٦ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال: (وأقله ركعة. وأكثره إحدى عشرة ركعة. يسلم من كل ركعتين. ويوتر بواحدة) (١).
أما كون أقل الوتر ركعة؛ فلما تقدم من حديث أبي أيوب.
وأما كون أكثره إحدى عشر ركعة فلما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة. يسلم من كل ركعتين. ويوتر بواحدة» (٢) متفق عليه.
قال: (وإن أوتر بتسع سرد ثمانية وجلس ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم. وكذلك السبع. وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن).
أما كون من أوتر بتسع أو بسبع يفعل كما ذكره المصنف ﵀؛ فلما روى سعد بن هشام قال: «قلت لعائشة ﵂: أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ. قالت: كنا نُعِد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه. فيتسوك ويصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة. فيذكر الله ويحمده ويدعوه. ثم ينهض ولا يسلم. ثم يقوم فيصلي التاسعة. ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه. ثم يسلم تسليمًا يسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه الأول» (٣) رواه مسلم وأبو داود.
وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم (٤) يجلس [إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» (٥).
_________________
(١) في ج: ويوتر بركعة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٧١) ١: ٣٧٨ أبواب التهجد، باب طول السجود في قيام الليل. بلفظ: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعةً ». وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٣٦) ١: ٥٠٨ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ واللفظ له.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٤٦) ١: ٥١٣ كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض. وأخرجه أبو داود في سننه (١٣٤٣) ٢: ٤١ كتاب التطوع، باب في صلاة الليل.
(٤) في ب: لا.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٣٤٢) ٢: ٤٠ كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وأما عدم جلوس من أوتر بخمس] (١) إلا في آخرهن؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة (٢) يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن» (٣) متفق عليه.
قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين. يقرأ في الأولى سبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد).
أما كون أدنى الكمال ثلاث ركعات؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أوتر بأقل من ثلاث.
وأما كونها بتسليمتين؛ فلما روى ابن عمر «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الوتر. فقال ﷺ: افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» (٤) رواه الأثرم.
وأما كون مصليها يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد؛ فلما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]» (٥) رواه أبو داود.
قال: (ويقنت فيها بعد الركوع. فيقول: اللهم! إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك. ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكّل عليك. ونُثْني عليك الخير كله. ونشكرك ولا نكفرك. اللهم! إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونَحْفِد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: ثلاث عشر. وإسقاط لفظ: ركعة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٨٩) ١: ٣٨٢ أبواب التهجد، باب كيف كان صلاة النبي ﷺ. بلفظ: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر». وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٣٧) ١: ٥٠٨ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه (١٩) ٢: ٣٥ كتاب الوتر، ما يقرأ في ركعات الوتر والقنوت فيه.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢٣) ٢: ٦٣ كتاب الوتر، باب ما يقرأ في الوتر. وأخرجه النسائي في سننه (١٧٢٩) ٣: ٢٤٤ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، نوع آخر من القراءة في الوتر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٧١) ١: ٣٧٠ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ملحق. اللهم! اهدنا فيمن هديت. وعافنا فيمن عافيت. وتولنا فيمن توليت. وبارك لنا فيما أعطيت. وقِنا شر ما قضيت. إنك تقضي ولا يُقضى عليك. إنه لا يذل من واليت. ولا يَعِزُّ من عاديت. تباركت ربنا وتعاليت. اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك. وبعفوك من عقوبتك. وبك منك لا نحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك. وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين).
أما كون من أوتر يقنت في الوتر؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
وأما كونه يقنت بعد الركوع؛ فلما روى أبو هريرة وأنس «أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع» (١) رواه مسلم.
وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه يقنت في الوتر في جميع السنة. وهو ظاهر المذهب لقول علي: «كان رسول الله ﷺ يقول في آخر وتره: اللهم! إني أعوذ بك الحديث» (٢).
ولفظ كان للدوام غالبًا.
ولأنه ذكرٌ مشروع فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار.
وعن أحمد: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى حسن عن عمر «أنه جمع الناس على أبيّ بن كعب. فصلى بهم عشرين ركعة ليلة لا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» (٣) رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نستعينك إلى مُلْحِق. فلما روي عن عمر ﵁ «أنه قنت في صلاة الفجر. فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٦٧٥) ١: ٤٦٧ كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢٧) ٢: ٦٤ كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر. وأخرجه الترمذي في جامعه (٣٥٦٦) ٥: ٥٦١ كتاب الدعوات، باب في دعاء الوتر. وأخرجه النسائي في سننه (١٧٤٧) ٣: ٢٤٨ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٧٩) ١: ٣٧٣ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر. وأخرجه أحمد في مسنده (٧٥١) ١: ٩٦.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢٩) ٢: ٦٥ كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر.
[ ١ / ٤٢٨ ]
اللهم! إنا نستعينك إلى قوله: بالكفار ملحق. اللهم! عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك» (١).
قال ابن قتيبة: الحفد الإسراع في الطاعة. وملحق بكسر الحاء وفتحها، والجد بكسر الجيم ضد اللعب.
وأما كونه يقول: اللهم! اهدنا إلى تباركت ربنا وتعاليت. فلما روي عن الحسن بن علي ﵁ قال: «علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم! اهدني فيمن هديت وذكره بلفظ الإفراد إلى قوله: تباركت ربنا وتعاليت» (٢) رواه أبو داود والترمذي. وقال: هذا حديث حسن.
وإنما قال المصنف ﵀: اهدنا بلفظ الجمع لأنه عنى الإمام. والإمام يستحب له أن يشارك معه المأمومين.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نعوذ بك إلى كما أثنيت على نفسك. لأن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك إلى قوله: كما أثنيت على نفسك» (٣) رواه الإمام أحمد.
وأما كونه يمسح وجهه بيديه على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ: «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدعُ بظهورهما. وإذا فرغت فامسح بهما وجهك» (٤) رواه أبو داود.
وأما كونه لا يستحب على روايةٍ؛ فلأنه عبث لم يصح معه تعبد. فهو كمسح الوجه عند قراءة قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ [الإسراء: ٨٢] والحديث رواية مجهولة.
والأولى أولى؛ للحديث.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٢١٠ كتاب الصلاة، باب دعاء القنوت.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢٥) ٢: ٦٣ كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤٦٤) ٢: ٣٢٨ أبواب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر. وأخرجه النسائي في سننه (١٧٤٦) ٣: ٢٤٨ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٧٨) ١: ٣٧٢ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٧٥١) ١: ٩٦.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٨٥) ٢: ٧٨ كتاب الوتر، باب الدعاء. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣٨٦٦) ٢: ١٢٧٢ كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء.
[ ١ / ٤٢٩ ]
و«لأن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح بهما وجهه» (١) رواه أبو داود.
إلا أن روايه ابن لهيعة. وهو ضعيف. والعمل بالحديث الضعيف في النوافل أولى من تركه.
قال: (ولا يقنت في غير الوتر. إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة. فللإمام خاصة القنوت في صلاة الفجر).
أما كون المصلي لا يقنت في غير الوتر إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة؛ فلأن الإجماع منعقد على أنه لا يقنت في غير الوتر إلا الصبح.
والحجة على المخالف فيها ما روت أم سلمة «أن النبي ﷺ نهى عن القنوت في الفجر» (٢).
وروى ابن مسعود وأنس «أن النبي ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على حيٍّ من أحياء العرب. ثم ترك» (٣) متفق عليه.
قال عبدالله بن عمر: «القنوت في الفجر بدعة» (٤).
وروى أبو مالك الأشجعي عن أبيه قال: «صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت. وصليت خلف أبي بكر ﵁ فلم يقنت. وصليت خلف عثمان ﵁ فلم يقنت. ثم (٥) قال: يا بني! إنها بدعة» (٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٩٢) ٢: ٧٨ كتاب الوتر، باب الدعاء. وأخرجه أحمد في مسنده (١٧٤٨٣) ط إحياء التراث.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٤٢) ١: ٣٩٣ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر. وأخرجه الدارقطني في سننه (٥) ٢: ٣٨ كتاب الصلاة، باب صفة القنوت وبيان موضعه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٨٦١) ٤: ١٥٠٠ كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٦٧٧) ١: ٤٦٩ كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
(٤) لم أقف عليه عن ابن عمر، وقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٢١٣ كتاب الصلاة، باب من لم ير القنوت في صلاة الصبح. وأخرجه الدارقطني في سننه (٢١) ٢: ٤١ كتاب الوتر، باب صفة القنوت وبيان موضعه، كلاهما من حديث ابن عباس.
(٥) ساقط من ب.
(٦) أخرجه الترمذي في جامعه (٤٠٢) ٢: ٢٥٢ أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك القنوت. وأخرجه النسائي في سننه (١٠٨٠) ٢: ٢٠٤ باب التطبيق، ترك القنوت. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٤١) ١: ٣٩٣ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر.
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال البخاري: أبو مالك اسمه سعد بن طارق بن الأشيم. له صحبة. وهذا الإسناد صحيح.
ولأنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات.
وأما كون الإمام يقنت في صلاة الفجر إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الفجر إذا دعى على قوم أو دعى لقوم» رواه سعيد في سننه.
وكلام المصنف ﵀ مشعر بأمرين:
أحدهما: أن ذلك مختص بصلاة الفجر. وهو صحيح لما ذكر من الحديث.
وقال أبو الخطاب: يدعو في المغرب والفجر؛ لما روى البراء بن عازب «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب» (١) رواه الترمذي.
وثانيهما: أن ذلك مختص بالإمام لأن النبي ﷺ هو الذي قنت فتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه وهو الإمام الأعظم أو نائبه دون غيرهما.
قال: (ثم السنن الراتبة. وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. وهما آكدها. قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر. ومن فاته شيء من هذه السنن سُنّ له قضاؤه).
أما كون قول المصنف ﵀: ثم السنن؛ فمعناه: أن أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الوتر السنن الرتبة. وذلك يقتضي أمرين:
أحدهما: تأخير السنن الراتبة عن ذلك.
وثانيهما: تقديمها على غير ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٦٧٨) ١: ٤٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. وأخرجه أبو داود في سننه (١٤٤١) ٢: ٦٧ كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤٠١) ٢: ٢٥١ أبواب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر.
[ ١ / ٤٣١ ]
أما الأول؛ فلما تقدم ذكره في تقديم الوتر.
وأما الثاني؛ فلأنه جاء في فضل السنن الراتبة ما لم يجئ في صلاة التراويح.
ولأن النبي ﷺ داوم عليها ولم يداوم على صلاة التراويح.
وأما قوله: وهي عشر ركعات إلى قوله: قبل الفجر؛ فبيان لعدد السنن الراتبة ولمواضعها.
والأصل فيها ما روى ابن عمر قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يُدخل على النبي ﷺ فيها. حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن فطلع الفجر صلى ركعتين» (١) متفق عليه.
وأما كون ركعتي الفجر آكد السنن الراتبة فلما روت عائشة «أن رسول الله ﷺ لم يكن على (٢) شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» (٣).
ولقوله ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٤) رواهما مسلم.
وأما قول المصنف ﵀: قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر؛ فمشعر بأمرين:
أحدهما: أنه لا سنة لها قبل العصر عند غير أبي الخطاب. وهو صحيح لأن ذلك ليس مذكورًا في حديث ابن عمر.
وثانيهما: أن سنتها أربع عند أبي الخطاب. والأصل في ذلك ما روى علي «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعًا بتسليمتين» (٥) [رواه الترمذي وحسنه] (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١١٢٦) ١: ٣٩٥ أبواب التطوع، باب الركعتان قبل الظهر. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٢٩) ١: ٥٠٤ كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن، وبيان عددهن.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٢٤) ١: ٥٠١ كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٢٥) ١: ٥٠١ كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر.
(٥) أخرجه الترمذي في جامعه (٤٢٩) ٢: ٢٩٤ أبواب الصلاة، باب ما جاء في الأربع قبل العصر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٦١) ١: ٣٦٧ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيما يستحب من التطوع بالنهار.
(٦) زيادة من ج.
[ ١ / ٤٣٢ ]
ولفظ كان: للدوام غالبًا.
وقال ﵇: «من صلى قبل العصر أربعًا حرم الله لحمه ودمه على النار» (١).
فإن قيل: ما وقت السنة؟
قيل: وقت السنة التي قبل الصلاة يخرج بفعل الصلاة؛ لأن بذلك تخرج عن القبلية وهي تشرع قبل. والتي بعدها يخرج بخروج الصلاة المفروضة؛ لأنها تابعة لها فإذا خرج وقت المتبوع فالتابع أولى.
وأما كون من فاته شيء من السنن المذكورة يسن له قضاؤه؛ فـ «لأن النبي ﷺ فاتته سنة الظهر فقضاها» (٢).
ولأن في القضاء تداركًا للفائت.
قال: (ثم التراويح. وهي عشرون ركعة. يقوم بها في رمضان في جماعة. ويوتر بعدها في الجماعة. فإن كان له تهجُّد جعل الوتر بعده. فإن أحب متابعة الإمام فأوتر معه قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى).
أما قول المصنف ﵀: ثم التراويح؛ فمعناه على نحو ما تقدم.
والأصل في تأخيرها عما تقدم ما تقدم، وفي تقديمها على سائر النوافل توقِيتها ومشروعية الجماعة لها. وما ورد في فضلها من قوله ﷺ: «من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦١١) ٢٣: ٢٨١ من حديث أم سلمة ﵂. بلفظ: «من صلى أربع ركعات قبل العصر حرم الله بدنه على النار».
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١١٧٦) ١: ٤١٤ أبواب السهو، باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٣٤) ١: ٥٧١ كتاب صلاة المسافرين، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ﷺ بعد العصر. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٥٥٤٥) ٦: ١٨٣ كلهم من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٩١٠) ٢: ٧٠٩ كتاب صلاة التراويح، باب فضل ليلة القدر. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٦٠) ١: ٥٢٣ كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
[ ١ / ٤٣٣ ]
فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها. وهو موجود في صلاة التراويح.
قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر. وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف. ولم أجد أحدًا من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف ﵀. وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي ﷺ على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم.
وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال: «لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة» (١).
وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في عهد عمر ﵁ بثلاث وعشرين ركعة» (٢).
قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي ﷺ قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» (٣).
وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٤) متفق عليه.
وقوله: «إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» (٥).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٤٩٦ كتاب الصلاة، باب: ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٥) ١: ١١٤ كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام رمضان.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٨٠٦) ٣: ١٦٩ كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان. وأخرجه النسائي في سننه (١٦٠٥) ٣: ٢٠٢ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام شهر رمضان. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٣٢٧) ١: ٤٢٠ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان. وأخرجه أحمد في مسنده (٢١٤٥٤) ٥: ١٦٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٥٣) ١: ٣٤٠ كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وترًا. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٥١) ١: ٥١٧ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٤٦) ١: ٣٣٨ كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٤٩) ١: ٥١٦ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل. وأخرجه النسائي في سننه (١٦٧٠) ٣: ٢٢٧ كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف صلاة الليل.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى.
قال: (ويكره التطوع بين التراويح. وفي التعقيب روايتان. وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة).
أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين. وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه.
ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه.
وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنسًا قال: «ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه».
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره ﷺ في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (١).
وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يَتَطوع إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب، وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة.
وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد.
والأصح أنه لا يكره مطلقًا لما تقدم.
وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة. ويعضده «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس» (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه قبل قليل.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١١٠٦) ١: ٣٨٨ أبواب التهجد، باب المداومة على ركعتي الفجر. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٣٨) ١: ٥٠٩ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٩٥) ١: ٣٧٧ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الركعتين بعد الوتر جالسًا.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام. أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولًا واحدًا. ذكره القاضي.
قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار. وأفضلها وسط الليل. والنصف الأخير أفضل من الأول).
أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله ﷺ: «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» (١) حديث حسن.
وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله ﷺ: «صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها».
ولأن داود ﵇ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
ووصف ابن عباس تهجد رسول الله ﷺ فقال: «نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر. ثم اضطجع حتى جاء المؤذن. فصلى ركعتين خفيفتين. ثم خرج فصلى الصبح» (٢) رواه مسلم.
وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨].
وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري. إلا أن العرش يهتز وقت السحر».
و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير. فيقول: من يدعوني فأستجيب له. من يسألني فأعطيه. من يستغفرني فأغفر له» (٣) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٤٢٩) ٢: ٣٢٣ كتاب الصوم، باب في صوم المحرم. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤٣٨) ٢: ٣٠١ أبواب الصلاة، باب ما جاء في فضل صلاة الليل.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٦٣) ١: ٥٢٦ كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٠٥٦) ٦: ٢٧٢٣ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٥٨) ١: ٥٢١ كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال: (وصلاة الليل مثنى مثنى. وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس. والأفضل مثنى).
أما كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ فلما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) متفق عليه (٢).
وقيل لابن عمر: «ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم من كل ركعتين» (٣).
وأما كون التطوع في النهار بأربع لا بأس به؛ فلأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة في النهار.
وأما كون الأفضل مثنى؛ فلأنه أبعد من السهو.
قال: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ويكون في حال القيام متربعًا).
أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ فلقول النبي ﷺ: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة» (٤) رواه مسلم.
ولا بد أن يلحظ في هذا القدرة لأن مع العجز هما سواء؛ لقوله ﷺ: «من صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم» (٥) رواه البخاري.
وقوله: «ما من أحد كان (٦) يعمل في صحته عملًا يعجز عنه عند مرضه إلا وكّل الله ملكًا يكتب له ثواب ما عجز عنه» (٧).
_________________
(١) ر. تخريج حديث: «إذا خشي أحدكم الصبح » ص: ٤٣٤.
(٢) ساقط من ب.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٤٩) ١: ٥١٩ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى وأخرجه أحمد في مسنده (٥٤٥٩) طبعة إحياء التراث.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٣٥) ١: ٥٠٧ كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمة وبعضها قاعدًا.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٦٤) ١: ٣٧٥ أبواب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد. والزيادة من الصحيح.
(٦) زيادة من ج.
(٧) لم أجده هكذا وقد أخرج أحمد معناه في مسنده (٦٨٩٥) ٢: ٢٠٣ بلفظ: عن عبدالله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله ﷺ «إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إليّ».
[ ١ / ٤٣٧ ]
وأما كونه في حال القيام يكون متربعًا فليخالف قيامه قعوده.
قال: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان. وأكثرها ثمان. ووقتها إذا عَلَت الشمس).
أما كون أدنى صلاة الضحى ركعتين؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١) متفق عليه.
وأما كون أكثرها ثمانيًا؛ فلما روت أم هانئ «أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة بيتها. وصلى ثماني ركعات. فلم أر صلاة قط أخف منها. غير أنه يتم الركوع والسجود» (٢) متفق عليه.
وأما كون وقتها إذا علت الشمس؛ فلقوله ﷺ: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٣) رواه مسلم.
قال: (وهل يصح التطوع بركعة؟ على روايتين).
أما كون التطوع بركعة يصح على روايةٍ؛ فلأن له نظير في الشرع وهو الوتر.
ولعموم قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ولأنه مصل عرفًا فيجب أن يكون مصليًا شرعًا.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن تنصيصه على كون صلاة (٤) الليل مثنى يدل بمفهومه على أنه لا يصح دون ذلك. والأولى أصح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٨٠) ٢: ٦٩٩ كتاب الصوم، باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧٢١) ١: ٤٩٩ كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١١٢٢) ١: ٣٩٤ أبواب التطوع، باب صلاة الضحى في السفر. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٣٦) ١: ٤٩٧ كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٤٨) ١: ٥١٥ كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال.
(٤) ساقط من ب.
[ ١ / ٤٣٨ ]
فصل [في سجود التلاوة]
قال المصنف ﵀: (وسجود التلاوة صلاة. وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع).
أما كون سجود التلاوة صلاة؛ فلأنه سجود لله تعالى. يقصد به التقرب إلى الله تعالى. له تحريم وتحليل. فكان صلاة كسجود الصلاة.
فعلى هذا يشترط له جميع ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والنجاسة في البدن والمكان والثوب وستر العورة واستقبال القبلة والنية لأنه صلاة فاشترط له ذلك؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (١).
وقياسًا على ذات الركوع.
وأما كونه يسن للقارئ والمستمع؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة في غير الصلاة. فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته» (٢) متفق عليه.
وأما كونه لا يسن للسامع؛ فـ «لأن عثمان بن عفان ﵁ مر بقاصٍّ فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه. فلم يسجد. وقال: إنما السجدة على من استمع» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٤) ١: ٢٠٤ كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٢٩) ١: ٣٦٦ أبواب سجود القرآن، باب من لم يجد موضعًا للسجود من الزحام. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٧٥) ١: ٤٠٥ كتاب المساجد، باب سجود التلاوة.
(٣) ذكره البخاري تعليقًا في أبواب سجود القرآن، باب من رأى أن الله ﷿ لم يوجب السجود. ١: ٣٦٥.
[ ١ / ٤٣٩ ]
قال: (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إمامًا له. فإن لم يسجد القارئ لم يسجد).
أما كون القارئ يعتبر أن يكون يصلح إمامًا للمستمتع؛ فلأن القارئ إمام للمستمع «لأن النبي ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة. ثم نظر إلى رسول الله ﷺ. فقال: إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا» (١) رواه الشافعي.
وإذا كان القارئ إمامًا للمستمع اعتبر أن يصلح إمامًا له كسائر الأئمة.
فعلى هذا لو كان القارئ امرأة والمستمع رجلًا لم يسجد؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجل. وعلى هذا فقس.
فإن قيل: لو كان القارئ أميًا أو عاجزًا عن القيام فسجد هل يسجد المستمع غير الأمي والقادر على القيام معه؟
قيل: نعم؛ لأن ذلك ليس بواجب في سجود التلاوة بخلاف الصلاة.
وأما كون المستمع لا يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ فلما تقدم من قوله ﷺ: «إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا».
ولقوله ﵇: «إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع».
قال: (وهو أربع (٢) عشرة سجدة: في الحج منها اثنتان).
أما كون عدد سجود التلاوة أربع عشرة سجدة فلما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وعن الإمام أحمد: أنه خمس عشرة لما روى عمرو بن العاص «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج» (٣) رواه أبو داود.
والصحيح أن سجدة ص ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» (٤) رواه النسائي.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده (٣٥٩) ١: ١٢٢ كتاب الصلاة، باب سجود التلاوة.
(٢) في ب: وأربع.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٠١) ٢: ٥٨ كتاب سجود القرآن، باب تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٠٥٧) ١: ٣٣٥ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب عدد سجود القرآن.
(٤) أخرجه النسائي في سننه (٩٥٧) ٢: ١٥٩ كتاب الافتتاح، السجود في ص.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ولأنه روي عن ابن عباس أنه قال: «ليس ص من عَزائمِ السجود» (١) رواه أبو داود.
وإذا خرجت ص من سجود التلاوة بقي من خمس عشْرة أربع عشْرة.
وأما كون الحج فيها من السجدات اثنتان؛ فلما تقدم من حديث عمرو بن العاص.
وروى عقبة بن عامر قال: «قلت لرسول الله ﷺ: في الحج سجدتان؟ قال: نعم. ومن لم يسجدها فلا يقرأهما» (٢) رواه أبو داود.
فإن قيل: ما مواضع السجدات؟
قيل: آخر الأعراف بعد قوله: ﴿وله يسجدون﴾ [٢٠٦]، وفي الرعد بعد قوله: [﴿بالغدو والآصال﴾ [١٥]، وفي النحل بعد قوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [٥٠]، وفي بني إسرائيل بعد قوله] (٣): ﴿ويزيدهم خشوعًا﴾ [١٠٩]، وفي مريم بعد قوله: ﴿سجدًا وبكيًا﴾ [٥٨]، وفي الحج الأولى بعد قوله: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [١٨]، والثانية بعد قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [٧٧]، وفي الفرقان بعد: ﴿وزادهم نفورا﴾ [٦٠]، وفي النمل بعد: ﴿العرش العظيم﴾ [٢٦]، وفي الم تنزيل بعد: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ [١٥]، وفي حم السجدة بعد قوله: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [٣٨]، وبعد آخر النجم [٦٢]، وفي: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] بعد: ﴿لا يسجدون﴾ [٢١] وبعد آخر: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١٩].
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠١٩) ١: ٣٦٣ أبواب سجود القرآن، باب سجدة ص. وأخرجه أبو داود في سننه (١٤٠٩) ٢: ٥٩ كتاب سجود القرآن، باب السجود في ص. وأخرجه الترمذي في جامعه (٥٧٧) ٢: ٤٦٩ أبواب الصلاة، باب ما جاء في السجد في ص.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٠٢) ٢: ٥٨ كتاب سجود القرآن، باب تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن. وأخرجه الترمذي في جامعه (٥٧٨) ٢: ٤٧٠ أبواب الصلاة، باب ما جاء في السجدة في الحج.
(٣) ساقط من ب.
[ ١ / ٤٤١ ]
قال: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس (١) ويسلم. ولا يتشهد).
أما كون من سجد للتلاوة يكبر إذا سجد وإذا رفع؛ فلأن ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن. فإذا مر بالسجدة كبر وسجد. وسجدنا معه» (٢) [رواه أبو داود] (٣).
ولأنه سجود منفرد فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه كسجود السهو بعد السلام.
وأما كونه يجلس ويسلم بعد ذلك؛ فلأنها صلاة يشترط لها التكبير فيشترط لها ذلك كالصلاة المسنونة.
وعن الإمام أحمد: لا يسلم لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ.
وأما كونه لا يتشهد؛ فلأن سجود التلاوة صلاة لا ركوع فيها فلم يشرع التشهد فيها كصلاة الجنازة.
وقال أبو الخطاب: يتشهد لأنه جلوس بعد سجود يعقبه السلام فشرع التشهد بعده كالصلاة.
قال: (وإن سجد في الصلاة رفع يديه. نص عليه. وقال القاضي: لا يرفعهما).
أما كون من سجد للتلاوة في الصلاة يرفع يديه على المنصوص؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي ﷺ كان يكبر إذا خفض. وإذا رفع. ويرفع يديه في التكبير» (٤).
قال الإمام أحمد: هذا يدخل في هذا.
وأما كونه لا يرفعهما على قول القاضي؛ فلأن الرفع مسنون في ثلاثة مواضع وليس هذا منها.
و«لأن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه إذا سجد» (٥) في حديث ابن عمر المتفق عليه. فكذا إذا سجد للتلاوة في الصلاة.
_________________
(١) في ب: يجلس.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٤١٣) ٢: ٦٠ كتاب سجود القرآن، باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب وفي غير الصلاة.
(٣) زيادة من ج.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (١٨٨٣٠) ٤: ٣١٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٠٢) ١: ٢٥٧ كتاب صفة الصلاة، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الإفتتاح سواء. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٩٠) ١: ٢٩٢ كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام
[ ١ / ٤٤٢ ]
قال: (ولا يستحب للإمام السجود في صلاة لا يجهر فيها. فإن فعل فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه).
أما كون الإمام لا يستحب له السجود في صلاةٍ لا يجهر فيها إذا قرأ سجدة فلما في ذلك من الالتباس على المأمومين لأنهم يظنوه سها عن الركوع.
وقال المصنف ﵀ في المغني: اتباع النبي ﷺ أولى. فإنه روي «أنه ﷺ سجد في الظهر. ثم قام فركع. فرأى أصحابه أن قرأ سورة السجدة» (١) رواه أبو داود.
وقوله: لا يستحب للإمام منقول عن بعض أصحابنا. كذا ذكره في المغني. ولم يعزه إلى الإمام.
وأما كون المأموم مخير بين اتباع إمامه إذا فعل ذلك وبين تركه على ما ذكره المصنف ﵀: أما الاتباع؛ فلقوله ﷺ: «فإذا سجد فاسجدوا» (٢).
وأما الترك؛ فلأن الإمام فعل مكروهًا في صلاته فناسب أن لا يُتبع.
قال المصنف ﵀ في المغني: وإذا سجد الإمام سجد المأموم.
وقال بعض أصحابنا: هو مخير بين اتباعه وتركه. والأولى اتباعه.
فظاهر الأول أنه واجب اتباعه. وهو صحيح لعموم الأدلة في وجوب متابعة الإمام.
قال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم. ولا يسجد له في الصلاة).
أما كون سجود الشكر يستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم فـ «لأن النبي ﷺ سجد. فسأله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك. فقال: أتاني جبريل ﵇
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٨٠٧) ١: ٢١٤ كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. وأخرجه أحمد في مسنده (٥٥٣١) ط إحياء التراث.
(٢) سبق تخريجه ص: ٣٩٥.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فبشرني أن من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا. فسجدت لله شكرًا» (١) رواه الإمام أحمد.
وروى أنس «أن النبي ﷺ بُشِّر بحاجة فخرَّ ساجدًا» (٢). رواه ابن المنذر.
[وروى أبو بكرة (٣) ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا» (٤). رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة] (٥). والدارقطني.
و«سجد أبو بكر لما بُشر بفتح اليمامة وقَتْل مسيلمة» (٦).
و«سجد عمر لما بُشر بفتح اليرموك والقادسية» (٧).
و«سجد علي لما وجد ذا الثدية في قتلى النهروان» (٨).
وأما كونه لا يسجد له في الصلاة؛ فلأن سبب السجدة ليس منها.
فإن قيل: يشترط لسجود الشكر جميع ما يشترط لسجود التلاوة من الطهارة وسائر شروط الصلاة؟
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٦٦٤) ١: ١٩١.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٣٩٢) ١: ٤٤٥ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. قال البوصيري في الزوائد: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٣) في ج: أبو بكر والتصويب من كتب السنة.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٢٧٧٤) ٣: ٨٩ كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر. وأخرجه الترمذي في جامعه (١٥٧٨) ٤: ١٤١ كتاب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٣٩٤) ١: ٤٤٦ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٠٤٧٣) ٥: ٤٥. وأخرجه الدارقطني في سننه (٣) ١: ٤١٠ كتاب الصلاة، باب السنة في سجود الشكر.
(٥) ساقط من ب.
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٣٧١ كتاب الصلاة، باب سجود الشكر. ولفظه: «أن أبا بكر ﵁ لما أتاه فتح اليمامة سجد». وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤١٣) ٢: ٢٣٠ كتاب الصلاة، في سجدة الشكر.
(٧) لم أقف عليه. وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٣٧١ كتاب الصلاة، باب سجود الشكر: «أن عمر ﵁ أتاه فتح أو أبصر رجلًا به زمانة فسجد». وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤١٥) ٢: ٢٣٠ كتاب الصلاة، في سجدة الشكر «أن عمر أتاه فتح من قبل اليمامة فسجد».
(٨) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٣٧١ كتاب الصلاة، باب سجود الشكر. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤٢٤) ٢: ٢٣٠ كتاب الصلاة، في سجدة الشكر.
[ ١ / ٤٤٤ ]
قيل: نعم لما ذكر فيه.
[ ١ / ٤٤٥ ]
فصل في أوقات النهي
قال المصنف ﵀: (وهي خمسة: بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تَضَيَّفَت للغروب حتى تغرب. ويجوز قضاء الفرائض فيها).
أما قول المصنف ﵀: وهي خمسة بعد طلوع الفجر إلى حتى تغرب؛ فبيان لأوقات النهي.
والأصل فيها ما روى (١) عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تَضَيّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (٢) رواه مسلم.
وروى أبو سعيد الخدري [﵁ أن رسول الله ﷺ قال] (٣): «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٤) متفق عليه.
فإن قيل: لفظ الحديث في الفجر والعصر واحد فلم جُعل النهي في الفجر متعلقًا بالوقت وفي العصر بالفعل؟
قيل: وقت النهي في الفجر في إحدى الروايتين متعلق بالفعل فلا فرق، وفي الأخرى بالوقت وهي الصحيحة؛ لأن الفجر اسم للوقت بخلاف العصر.
ولأن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» (٥) رواه أبو داود.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٨٣١) ١: ٥٦٨ كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٣) ساقط من ب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٦١) ١: ٢١٢ كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٢٧) ١: ٥٦٧ كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٢٧٨) ٢: ٢٥ كتاب التطوع، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤١٩) ٢: ٢٧٨ أبواب الصلاة، باب لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين. بلفظ: «لا صلاة بعد الفجر ».
[ ١ / ٤٤٦ ]
فاستثنى ركعتي الفجر وهذا لا يكون استثناء متصلًا إلا إذا أريد بالفجر الوقت.
وفي لفظ للدارقطني: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» (١).
وفي لفظ للترمذي: «إلا ركعتي الفجر» (٢).
وأما كون قضاء الفرائض يجوز فيها؛ فلقوله ﷺ: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» (٣) رواه مسلم.
قال: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد [طلوع الفجر و] (٤) العصر. وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين).
أما كون صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر تجوز؛ فلأن وقت النهي فيها يطول فجازت خوفًا على الميت من الفساد.
ولأنها من فروض الكفايات أشبهت الفرض.
وأما كونها تجوز في الأوقات الباقية على روايةٍ؛ فلشبهها بالفرائض.
ولما في ذلك من المبادرة إلى الدفن المطلوبة شرعًا.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فلأنه زمن يسير لا يخشى فساد الميت فيه.
وأما كون ركعتي الطواف بعد الفجر والعصر يجوزان؛ فلقوله ﵇: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» (٥) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٢) ١: ٢٤٦ كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر.
(٢) لم أجده مسندًا عند الترمذي وإنما ذكره تعليقًا على الحديث السابق.
(٣) سبق تخريجه ص: ٢٩٢ من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) زيادة من ج.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٨٩٤) ٢: ١٨٠ كتاب المناسك، باب الطواف بعد العصر. وأخرجه الترمذي في جامعه (٨٦٨) ٣: ٢٢٠ كتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٢٥٤) ١: ٣٩٨ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ولأنه تابع للطواف. وقد سماه النبي ﷺ صلاة. فإذا جاز فعل المتبوع؛ فلأن يجوز فعل التابع بطريق الأولى.
وأما كونهما في الأوقات الباقية يجوزان على روايةٍ؛ فلظاهر الحديث المتقدم.
وأما كونهما لا يجوزان على روايةٍ؛ فلعموم النهي عن الصلاة.
ولأنه لا يشق تأخير ركعتي الطواف في هذه الأوقات لقصرها بخلاف الوقتين الأولين.
وأما كون إعادة الجماعة بعد الفجر يجوز؛ فلما روى يزيد بن الأسود قال: «صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر. فلما قضى صلاته إذ هو برجلين لم يصليا معه. فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! ﷺ قد صلينا في رحالنا. قال: لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» (١) رواه أبو داود والترمذي والأثرم.
وأما كونها بعد العصر تجوز؛ فلمشاركته لما بعد الفجر في جميع ما تقدم.
وأما كونها في الأوقات الباقية تجوز على روايةٍ؛ فبالقياس على ما بعد الفجر.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فلعموم النهي عن الصلاة.
قال: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين).
أما كون التطوع بغير الصلوات المتقدم ذكرها مما لا سبب له كالنافلة المطلقة لا يجوز في شيء من الأوقات المذكورة؛ فلما تقدم من حديث أبي سعيد وحديث عقبة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٥٧٥) ١: ١٥٧ كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم. وأخرجه الترمذي في جامعه (٢١٩) ١: ٤٢٤ أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة. وأخرجه النسائي في سننه (٨٥٨) ٢: ١١٢ كتاب الإمامة، إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وأما التطوع الذي له سبب فعلى أضرب:
أحدها: صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة. وقد تقدم ذكر ذلك جميعه.
وثانيها: تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة وفيها روايتان:
إحداهما: لا يجوز في الكل لعموم النهي المتقدم.
والثانية: يجوز: أما تحية المسجد؛ فلقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) متفق عليه.
وأما سجود التلاوة؛ فلأن التلاوة مستحبة في جميع الأوقات والسجود لها مأمور به ومستحب.
وأما الكسوف؛ فلقوله ﵇: «إذا رأيتموها فصلوا» (٢).
وأما قضاء السنن الراتبة؛ فلما روت أم سلمة قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر. فصلى ركعتين. فقلت: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم أكن أراك تصليها. فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر. وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» (٣) رواه مسلم.
ولما روى قيس بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بعد الصبح ركعتين. فقال له رسول الله ﷺ: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن. فسكت النبي ﷺ» (٤) رواه أبو داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١١١٠) ١: ٣٩١ أبواب التطوع، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. وأخرجه مسلم في صحيحه (٧١٤) ١: ٤٩٥ كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٩٥) ١: ٣٥٣ كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦١٨ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤١١٢) ٤: ١٥٨٩ كتاب المغازي، باب وفد عبد القيس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٣٤) ١: ٥٧١ كتاب صلاة المسافرين، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ﷺ بعد.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (١٢٦٧) ٢: ٢٢ كتاب التطوع، باب من فاتته متى يقضيها. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤٢٢) ٢: ٢٨٤ أبواب الصلاة، باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الفجر. نحوه. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١١٥٢) ١: ٣٦٤ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وقال أبو الخطاب: الجواز فيما له سبب أصح لما ذكر من الحديث.
ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها كركعتي الطواف.
وقال القاضي: الصحيح من الروايتين أن ذلك لا يفعل لعموم النهي.
ولأن النهي عن ذلك نهي تحريم يحصل بفعله الإثم. وما ذكر من أدلة ومن الأمر المراد به ندب واستحباب، وترك المندوب أولى من فعل المحظور لما فيه من الاحتياط.
والصحيح ما ذهب إليه القاضي لأن حديث تحية المسجد وصلاة الكسوف عام بالنسبة إلى الوقت، وحديث النهي خاصة بالنسبة إليه فوجب تقديمه، وكذا الأمر بسجود التلاوة لما ذكر.
ونص المصنف ﵀ في المغني في صلاة الكسوف: أن النافلة لا تصلى في أوقات النهي سواء كان لها سبب أو لم يكن. ووجهه ما تقدم.
وأما حديث أم سلمة فإن تتمته أنها قالت لما قال لها رسول الله ﷺ: «هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال: لا» (١) رواه مسلم.
وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان ذلك خاصًا به فلا دلالة إذًا على جواز ما ذكر.
وحديث قيس إن دل على الجواز لأنه ﵇ سكت فما ذكرناه منطوق وهو راجح على دلالة السكوت.
ولأن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» (٢) رواه الترمذي.
_________________
(١) أصل الحديث في الصحيح كما تقدم ولم أجد هذه التتمة فيه، وقد أخرجها أحمد في مسنده (٢٦٧٢٠) ٦: ٣١٥.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٤٢٣) ٢: ٢٨٧ أبواب الصلاة، باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس.
[ ١ / ٤٥٠ ]