الخسوف والكسوف واحد.
وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والصلاة لهما سنة.
والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧].
وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين. وقد نبه النبي ﷺ على ذلك بفعله.
قال المصنف ﵀: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه).
أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة ﵂ روت: «كُسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى» (١).
وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى.
وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال: «كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا».
وفي روايةٍ وقال: «إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله ﷺ فعل».
_________________
(١) سيأتي تخريجه بعد قليل.
[ ١ / ٥٧٥ ]
ولأنه أحد الكسوفين فسن له فزع الناس إلى الصلاة كالآخر.
وأما كون الصلاة المذكورة جماعة فلما ذكر قبل.
وأما كونها فرادى؛ فلعموم قوله ﷺ: «فإذا رأيتموها فقوموا فصلوا» (١) متفق عليه.
ولأنها نافلة ليس من شرطها الاستيطان فلم يشترط لها الجماعة كسائر النوافل.
وأما كونها بإذن الإمام وبغير إذنه؛ فلأنها نافلة وإذن الإمام ليس شرطًا في النوافل.
قال: (وينادى لها: الصلاة جامعة. ثم يصلي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة. ويجهر بالقراءة. ثم يركع ركوعًا طويلًا. ثم يرفع فيسمع ويحمد. ثم يقرأ الفاتحة وسورة. ويطيل وهو دون القيام الأول. ثم يركع فيطيل وهو دون الركوع الأول. ثم يرفع. ثم يسجد سجدتين طويلتين. ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك. ثم يتشهد ويسلم).
أما كون الصلاة المتقدم ذكرها ينادى لها الصلاة جامعة؛ فـ «لأن النبي ﷺ بعث مناديًا فنادى: الصلاة جامعة مختصر» (٢) متفق عليه.
وأما كون صفتها كما ذكر المصنف ﵀؛ فلما روت عائشة ﵂ قالت: «خُسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ. فخرج إلى المسجد. فقام فكبر وصف الناس وراءه. فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة. ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا. ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك (٣) الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعًا هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم سجد. ثم فعل في
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٩٥) ١: ٣٥٣ كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦١٩ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠١٦) ١: ٣٦١ كتاب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦٢٠ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف.
(٣) في ب: لك.
[ ١ / ٥٧٦ ]
الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس» (١) متفق عليه.
وأما كون مصليها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن عائشة ﵂ روت «أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف» (٢) رواه مسلم.
وأما كونه يطيل السجود؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ سجد فلم يكد يرفع رأسه» (٣) رواه أبو داود.
وفي حديث آخر: «ما سجد سجودًا كان أطول منها» (٤) رواه البخاري.
فإن قيل: لم لم يقدر المصنف ﵀ طول السورة؟
قيل: نظرًا إلى الإطلاق في الحديث حيث قالت: «فاقترأ قراءة طويلة» (٥).
وقدّرها أصحابنا في القيام الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة؛ لما روى ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ قام قيامًا طويلًا نحو من قراءة سورة البقرة» (٦).
ولأن ابن عباس ﵄: «لما صلى بالبصرة قرأ في الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة».
قال الإمام أحمد ﵁: أصح حديث في الباب حديث ابن عباس وعائشة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٩٩) ١: ٣٥٥ كتاب الكسوف، باب خطبة الإمام في الكسوف. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦١٩ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦٢٠ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١١٩٤) ١: ٣١٠ كتاب الاستسقاء، باب من قال يركع ركعتين.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٠٣) ١: ٣٥٧ كتاب الكسوف، باب طول السجود في الكسوف.
(٥) سبق تخريجه قريبًا.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٠٤) ١: ٣٥٧ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة.
[ ١ / ٥٧٧ ]
قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة. وإن تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم يصل).
أما كون مصلي صلاة الكسوف يتمها خفيفة إذا تجلى الكسوف فيها: أما الإتمام؛ فلئلا يقطع الصلاة وهو منهي عن قطعها بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣].
وأما التخفيف؛ فلزوال السبب.
وأما كونه لا يصليها إذا تجلى الكسوف قبل ذلك؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي» (١). جعل الانجلاء غاية للصلاة.
ولأن المقصود من الصلاة زوال العارض وإعادة النعمة بضوئهما فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة.
وأما كونه لا يصليها إذا غابت كاسفة أو طلعت والقمر خاسف؛ فلأنه ذهب وقت الانتفاع بهما.
قال: (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع فلا بأس).
أما كون من أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات لا بأس؛ فلأن ابن عباس روى «أن النبي ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات» (٢) رواه مسلم.
وأما كون من أتى في كل ركعة بأربع لا بأس؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ وابن عباس عن النبي ﷺ (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٩٠٤) ٢: ٦٢٣ كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، من حديث جابر ولفظه: «فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي».
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٩٠١) ٢: ٦٢١ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، عن عائشة.
(٣) عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ صلى في كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع والأخرى مثلها». أخرجه مسلم في صحيحه (٩٠٩) ٢: ٦٢٧ كتاب الكسوف، باب ذكر من قال: إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات. وأخرجه أبو داود في سننه (١١٨٣) ١: ٣٠٨ كتاب الاستسقاء، باب من قال: أربع ركعات. وأخرجه النسائي في سننه (١٤٦٨) ٣: ١٢٩ كتاب الكسوف، باب كيف صلاة الكسوف. وفي لفظ: «صلى النبي ﷺ حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات». أخرجه مسلم في صحيحه (٩٠٨) ٢: ٦٢٧ كتاب الكسوف، باب ذكر من قال إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات. قال مسلم: وعن علي مثل ذلك.
[ ١ / ٥٧٨ ]
والمختار الأول؛ لأنه أصح وأشهر.
قال: (ولا يصلي لشيء من سائر الآيات إلا الزلزلة الدائمة).
أما كونه لا يصلي لشيء من سائر الآيات ما عدا المستثنى؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه رضوان الله عليهم فعل ذلك مع أنهم وُجد في زمانهم آيات منها: انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ «أنه كان إذا هبت ريح شديدة اصفر لونه. وقال: اللهم! اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا» (١).
وإنما قال ذلك لأن الرياح جعلها الله نعمة فقال: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٦]. والريح نقمة فقال: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا﴾ [الأحزاب: ٩]. والمعنى اللهم! اجعل (٢) ذلك سبب خير ولا تجعله سبب شر.
وأما كونه يصلي للزلزلة الدائمة؛ فـ «لأن ابن عباس ﵁ صلى لها بالبصرة».
ولأن النبي ﷺ علل صلاة الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده. والزلزلة الدائمة أشد تخويفًا فيلحق بالكسوف دون سائر الآيات للشدة.
ولأنها من جنس الكسوف؛ لأن منفعة الأرض تحصل بسبب الأرض والشمس بخلاف بقية الآيات.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٣٣) ١١: ٢١٣. وأخرجه الشافعي في مسنده (٥٠٢) ١: ١٧٥ كتاب الصلاة، باب في الدعاء.
(٢) ساقط من ب.
[ ١ / ٥٧٩ ]