قال المصنف ﵀: (وهو حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئًا فعليه ما على المحرم في مثله).
أما حرمة صيد الحرم ونباته على الحلال والمحرم فلما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها مختصر» (١) متفق عليه.
وأما كون المتلِف لشيء من صيده عليه ما على المحرم في مثله فلأنهما لما استويا في التحريم وجب أن يستويا في الجزاء.
فعلى هذا إن كان الصيد مثليًا ضمنه بمثله وإلا بقيمته. وقد تقدم ذلك مفصلًا في إتلاف المحرم (٢).
قال: (وإن رمى الحلال من الحل صيدًا في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيدًا على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائرًا في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين).
أما الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن المتلِف لذلك أتلف صيدًا حرميًا فوجب أن يجب ضمانه عليه كما لو كان في الحرم.
ولأن صيد الحرم معصوم بمحله كحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٧٣٦) ٢: ٦٥١ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب لا ينفر صيد الحرم. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٥٣) ٢: ٩٨٦ كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها.
(٢) ص: ١٤٩ وما بعدها.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأما عدم الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأن الأصل براءة الذمة وقد وقع التردد في وجوب الكفارة بذلك لأنه إذا نظر إلى ما تقدم اقتضى وجوب الكفارة، وإذا نظر إلى الفاعل اقتضى عدم الوجوب فوجب أن لا تجب الكفارة؛ لأن الأصل لا يزول بمتردد.
قال: (وإن قتل من الحرم صيدًا في الحل بسهمه أو كلبه أو صيدًا على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين).
أما عدم الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن مفهوم قوله ﷺ: «لا ينفر صيدها» (١) يدل على إباحة الصيد في غيرها وإذا كان مباحًا فلا يجب ضمانه كسائر المباحات.
ولأن جميع ما ذكر غير حَرَمِيٍّ فلم يضمنه كصيد السمام (٢).
ولأنه صيد غير معصوم بالحرم والصائد له غير محرم فلم يحرم ولم يجب جزاء كما لو كانا في الحل.
ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو في الصيد في الإحرام وما ذُكر ليس بواحد منهما.
وأما وجوب الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأنه قريب من الحرم والغصن تابع للأصل فوجب الجزاء احتياطًا.
والأول أصح لما ذكر.
قال: (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيدًا في الحرم فعلى وجهين، وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه).
أما الضمان إذا أرسل كلبه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه أرسل كلبه على صيد يباح إرساله عليه، ودخوله الحرم لم يكن عن اختياره؛ لأن الكلب له قصد واختيار ولهذا يسترسل بنفسه.
_________________
(١) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٢) السمام: نوع من الطير. حكاه الجوهري في الصحاح ٥: ١٩٥٤.
[ ٢ / ١٥٨ ]
والثاني: عليه الجزاء وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه قتل صيدًا حَرَميًا فوجب جزاؤه كالمجمع على وجوب الجزاء فيه. وذكر المصنف ﵀ في المغني أن عدم الضمان منصوص الإمام أحمد.
وأما الضمان إذا فعل ذلك بسهمه فلأنه قتل صيدًا حرميًا فلزمه ضمانه كما لو رمى حجرًا فقتل صيدًا. يحققه أن الخطأ والعمد واحد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أن يكون واحدًا منهما بخلاف مسألة الكلب على الصحيح لأن للكلب قصدًا واختيارًا بخلاف السهم فإنه لا قصد له ولا اختيار فانتسب الفعل إلى فاعله.
[ ٢ / ١٥٩ ]
فصل [في شجر الحرم]
قال المصنف ﵀: (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه، إلا اليابس والإذخر وما زرعه الآدمي، وفي جواز الرعي وجهان).
أما تحريم قلع شجر الحرم وحشيشه فلما تقدم من قوله ﷺ: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» (١).
وأما عدم تحريم قلع الإذخر فلأن العباس ﵁ قال: «يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال رسول الله ﷺ: إلا الإذخر» (٢) متفق عليه.
وأما عدم تحريم قلع اليابس فلأنه بمنزلة الميت.
وأما ما زرعه الآدمي فيحتمل أن المصنف ﵀ أراد به مثل البقول والزروع والرياحين وما أشبه ذلك وهو ظاهر كلامه لأن المفهوم من إطلاق الزرع ذلك دون ما غرس من الشجر وهذا مما لا خلاف في إباحته؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك فلو حرم لأدى إلى ضرر عظيم.
ويحتمل أنه أراد جميع ما ينبته الآدمي مما ذكر ومن الأشجار المغروسة بفعله وفي تحريم ذلك وجهان:
أحدهما: يحرم وفيه الجزاء. قاله القاضي؛ لعموم قوله ﷺ: «لا يعضد شجرها» (٣).
والثاني: لا يحرم. اختاره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأن الزرع خص من عموم الحديث لمعنى موجود في الشجر المغروس بفعل الآدمي فيلحق به ويقاس عليه. ويعضد
_________________
(١) سبق تخرجه ص: ١٥٩.
(٢) سبق تخرج حديث ابن عباس ص: ١٥٩.
(٣) سبق تخرجه ص: ١٥٩.
[ ٢ / ١٦٠ ]
هذا تخصيص التحريم بالوحشي من الحيوان دون الإنسي فكذلك يختص التحريم بغير ما ينبته الآدمي من الشجر.
وأما جواز الرعي ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد.
والثاني: يجوز؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم ولم ينقل أنه كان تسد أفواهها.
ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر.
قال: (ومن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، فإن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين).
أما ضمان الشجرة الكبيرة والصغيرة بما ذكر فلما روى ابن عباس ﵄ أنه قال: «في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة» (١).
ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه لحرمة الحرم فكان منه ما يضمن بمقدّر كالصيد.
وأما ضمان الحشيش بقيمته فلأن الأصل وجوب القيمة لما تقدم في الصيد تُرك ذلك في الشجرة الكبيرة والصغيرة لقضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما ضمان الغصن بما نقص فلأنه نقص بفعله فكان الواجب فيه ما نقصه كما لو جنى على مال آدمي فنقص.
وأما سقوط الضمان بالاستخلاف ففيه وجهان:
أحدهما: يسقط كما إذا جرح صيدًا فاندمل وبرئ.
والثاني: لا يسقط؛ لأن الثاني غير الأول.
_________________
(١) لم أقف عليه. قال ابن حجر: أما أثر ابن عباس فسبقه -أي الرافعي- إلى نقله عنه إمام الحرمين وذكره أيضًا أبو الفتح القشيري في الإلمام ولم يعزه. تلخيص الحبير ٢: ٥٤٥. وأخرج عبدالرزاق في مصنفه عن عطاء «في الدوحة تقتل في الحرم بقرة يعني تقطع» (٩١٩٤) ٥: ١٤٢ كتاب المناسك، باب الدوحة وهي الشجرة العظيمة.
[ ٢ / ١٦١ ]
قال: (ومن قطع غصنًا في الحل أصله في الحرم ضمنه وإن قطعه في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين).
أما ضمان ما أصله في الحرم وغصنه في الحل فلأن الغصن تابع للأصل والأصل يجب ضمانه لو قطعه فكذلك ما يتبعه.
وأما ضمان ما أصله في الحل وغصنه في الحرم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن لما ذكر قبل.
والثاني: يضمن؛ لأنه غصن في الحرم أشبه ما أصله فيه.
[ ٢ / ١٦٢ ]
فصل [في صيد المدينة]
قال المصنف ﵀: (ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف).
أما تحريم صيد المدينة وشجرها وحشيشها غير ما استثني فلما روى أنس ﵁ «أن النبي ﷺ أشرفَ على المدينة. فقال: اللهم! إني أحرمُ ما بَينَ جَبَلَيْهَا مثلَ ما حرَّم إبراهيمُ مكة» (١).
وفي لفظ: «لا يقطع شجرها» (٢) متفق عليه.
وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» (٣) متفق عليه.
وأما عدم تحريم الرحل والعارضة والقائمة فلما روى جابر بن عبدالله ﵄: «أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد ﵀.
وأما عدم تحريم الحشيش للعلف؛ فلأن في حديث علي ﵁ عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥١٠٩) ٥: ٢٠٦٩ كتاب الأطعمة، باب الحيس. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٦٥) ٢: ٩٩٣ كتاب الحج، باب فضل المدينة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٧٦٨) ٢: ٦٦١ أبواب فضائل المدينة، باب حرم المدينة. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٦٢) ٢: ٩٩٢ كتاب الحج، باب فضل المدينة
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٣٧٤) ٦: ٢٤٨٢ كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٣٧٠) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة
[ ٢ / ١٦٣ ]
النبي ﷺ قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره» (١).
ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منع من الاحتشاش مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة.
قال: (ومن أدخل إليها صيدًا فله إمساكه وذبحه، ولا جزاء في صيد المدينة، وعنه: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه).
أما كون من أدخل إلى المدينة صيدًا له إمساكه فلما روي أن النبي ﷺ كان يقول: «يا أبا عمير! ما فعل النغير» (٢). وهو طائر صغير حديث صحيح.
ولم ينكر عليه إمساكه فدل على جوازه.
وأما كونه له ذبحه فلأن كل موضع جاز فيه إمساك الصيد جاز ذبحه دليله الحل.
وأما صيد المدينة ففيه روايتان:
أحدهما: لا جزاء فيه؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وُجّ.
والثانية: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه لأن النبي ﷺ حرم المدينة كتحريم مكة فوجب الجزاء في صيدها على الجملة كمكة.
ولما روى عامر بن سعد «أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع الشجر أو يخبطه فسلبه. فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم [ما أخذ من غلامهم] فقال: معاذ الله أن أرد عليهم شيئًا نفّلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم» (٣) رواه مسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٣٤) ٢: ٢١٦ كتاب المناسك، باب في تحريم المدينة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٨٥٠) ٥: ٢٢٩١ كتاب الأدب، باب الكنية للصبي قبل أن يولد للرجل. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢١٥٠) ٣: ١٦٩٢ كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٦٧) ٢: ٩٩٤ كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة
[ ٢ / ١٦٤ ]
وفي لفظ لأبي داود: «أن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: من وجد أحدًا يصيد فيه فله سلبه» (١).
قال: (وحد حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلًا حمى).
أما كون حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير؛ فلما تقدم من حديث علي ﵁ المتفق عليه (٢).
وأما جعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلًا حمى فلما روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ جعل حول المدينة اثني عشر ميلًا حمى» (٣) رواه مسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٣٧) ٢: ٢١٧ كتاب المناسك، باب في تحريم المدينة.
(٢) سبق تخريجه ص: ١٦٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٧٢) ٢: ١٠٠٠ كتاب الحج، باب فضل المدينة
[ ٢ / ١٦٥ ]