قال المصنف ﵀: (من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه، أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى [أو مذى] (١)، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم أو احتجم عامدًا ذاكرًا لصومه فسد صومه، وإن فعله ناسيًا أو مكرهًا لم يفسد).
أما كون من أكل أو شرب يفسد صومه فلأن الله تعالى قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] وحكم ما (٢) بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وقال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: عمل ابن آدم له كله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي» (٣) متفق عليه.
ولأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما فإذا لم يوجد ذلك لم يكن صائمًا شرعًا.
وأما كون من استعط. وهو: أن يدخل الماء في أنفه يفسد صومه فلقوله ﵇ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٤) ولو لم يفسد الصوم بدخول الماء من الخياشيم لما نهى عنه
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) مثل السابق.
(٣) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢) ١: ٣٥ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار. وأخرجه الترمذي في جامعه (٧٨٨) ٣: ١٥٥ كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الإستنشاق للصائم. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٤٠٧) ١: ١٤٢ كتاب الطهارة وسننها، المبالغة في الاستنشاق والاستنثار.
[ ٢ / ٢٣ ]
وأما كون من احتقن يفسد صومه فلأن ذلك يصل إلى الجوف أشبه الأكل.
ولأنه إذا بطل بالسعوط فبذلك أولى.
وأما كون من داوى الجائف بما يصل إلى جوفه يفسد صومه فلأن أوصل إلى جوفه شيئًا باختياره أشبه ما لو أكل.
وأما كون من اكتحل بما يصل إلى حلقه كالكحل الأسود والحاد يفسد صومه فلأن الحلق كالجوف.
ولأنه وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه أشبه ما لو دخل من فيه.
وأما كون من أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان؛ مثل أن يطعن نفسه ونحو ذلك يفسد صومه فلأنه أوصل إلى جوفه ما هو ممنوع عن إيصاله فوجب أن يفسد صومه كما لو أكل أو شرب. وأما كون من داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه يفسد صومه فلأن الدماغ أحد الجوفين فأفسد الصوم ما يصل إليه كالآخر. وأما كون من استقاء. وهو: أن يستدعي القيء يفسد صومه؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض» (١) رواه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وأما كون من استمنى. وهو: أن يستخرج المني بكفه يفسد صومه فلأنه إذا فسد بالقبلة المقترنة بالإنزال فلأن يفسد بالاستمناء بطريق الأولى. وأما كون من قبل فأمنى يفسد صومه فلما روي عن عمر أنه قال: «قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ: أرأيتَ لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال: فمه» (٢) رواه أبو داود. شبّه القبلة بالمضمضة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزول أفطر.
وأما كون من لمس فأمنى يفسد صومه فلأن اللمس كالقبلة لاشتراكهما في المباشرة المؤدية إلى المني.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٣٨٠) ٢: ٣١٠ كتاب الصوم، باب الصائم يستقيء عامدًا. وأخرجه الترمذي في جامعه (٧٢٠) ٣: ٩٨ كتاب الصوم، باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٣٨٥) ٢: ٣١١ كتاب الصوم، باب القبلة للصائم.
[ ٢ / ٢٤ ]
وأما كون من قبل أو لمس فمذى يفسد صومه كما لو أمنى فلأنهما مشتركان في كونهما خارجين تخللهما الشهوة.
وأما كون من كرر النظر فأنزل. والمراد به أنزل المني يفسد صومه فلأنه إنزال يتلذذ به أشبه الإنزال باللمس.
فعلى هذا لا يفسد مع إنزال المذي لأن الإنزال هنا ليس عن مباشرة فلم يلتحق المذي بالمني لضعفه عنه ولذلك قال المصنف ﵀ في الكافي: (١) وسواء في هذا كله المني والمذي إلا في تكرار النظر فلا يفطر إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه لأنه ليس بمباشرة.
وقال في المغني: ظاهر كلام الخرقي فساد صوم من كرر نظره فمذى لإطلاقه القول فيمن كرر فأنزل وهذا إنزال أشبه المني.
ومقتضى هذا التعليل أن يحمل كلام المصنف ﵀ على فساد صوم من كرر نظره فمذى لأنه قال: فأنزل وأطلق ذلك بإطلاق الخرقي.
وأما كون من حجم أو احتجم يفسد صومه فلأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢). رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
وفي لفظ: «احتجم رسول الله ﷺ فوجد ضعفًا شديدًا فنهى أن يحتجم الصائم» (٣) رواه الجوزجاني.
وأما قول المصنف ﵀: عامدًا ذاكرًا لصومه فراجع إلى جميع ما ذكر. ومعناه: أن شرط الفطر في كل واحد مما تقدم أن يتعمد الصائم فعله بأن يفعله اختيارًا وأن يكون ذاكرًا أنه صائم.
أما كون التعمد شرطًا فلقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).
_________________
(١) في ب زيادة: وتكرار.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٧٧٤) ٣: ١٤٤ كتاب الصوم، باب كراهية الحجامة للصائم.
(٣) لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج البخاري في صحيحه عن ثابت البناني أنه سأل أنس بن مالك ﵁: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا. إلا من أجل الضعف». (١٨٣٨) ٢: ٦٨٥ كتاب الصوم، باب الحجامة والقيء للصائم. وفي لفظ: «ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد». أخرجه أبو داود في سننه (٢٣٧٥) ٢: ٣٠٩ كتاب الصوم، باب في الرخصة في ذلك.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه (٢٠٤٣) ١: ٦٥٩ كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي. من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٢ / ٢٥ ]
ولأن النبي ﷺ قال (١): «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» (٢). نفى القضاء في ذلك لكونه يخرج بغير اختيار الصائم فيثبت الحكم فيه، ويقاس عليه ما عداه.
وأما كون الذكر لصومه شرطًا فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (٣) متفق عليه.
وفي لفظ: «فلا يفطر فإنما هو رزقٌ رزقه الله» (٤). نص على الأكل والشرب فثبت فيهما، ويقاس عليهما ما عداهما. وأما كون من فعل ذلك ناسيًا أو مكرهًا لا يفسد صومه فلأن شرط الفساد الذكر والاختيار وهما مفقودان في النسيان والإكراه.
قال: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو قطر في إحليله أو فكّر فأنزل أو احتلم أو ذرعه القيء أو أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه. وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين).
أما كون من طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو فكّر فأنزل أو احتلم لا يفسد صومه فلأن ذلك كله يوجد بغير اختياره، ولا يمكن التحرز منه، ولا يدخل تحت وسعه فلم يفسد الصوم به لأنه غير داخل في التكليف لأن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وأما كون من قطر في إحليله لا يفسد صومه فلأنه لا منفذ فيه إلى الجوف وإنما يخرج البول رشحًا فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئًا.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٣١) ٢: ٦٨٢ كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا. وأخرجه مسلم في صحيحه (١١٥٥) ٢: ٨٠٩ كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر.
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٧٢١) ٣: ١٠٠ كتاب الصوم، باب ما جاء في الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٢٦ ]
وأما كون من ذرعه القيء لا يفسد صومه فلما تقدم من قوله ﵇: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» (١).
ولأنه يخرج بغير اختياره أشبه المكره.
وأما كون من أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه لا يفسد صومه فلأنه لم يدخل الطعام في حلقه وابتلاع الريق الذي جرى عليه قبل علمه به لا يفطر لأن مثل هذا لا يمكن التحرز منه ولا يخلو منه صائم.
وأما كون من اغتسل لا يفسد صومه فـ «لأن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» (٢) متفق عليه.
وأما كون من تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لا يفسد صومه إذا لم يزد على الثلاث ولم يبالغ فيهما فلأنه واصل بغير اختياره أشبه الذباب.
وأما كون من زاد على الثلاث أو بالغ فيهما لا يفسد صومه على وجهٍ [فلأنه بغير اختياره أشبه التي قبلها.
والثاني يفسد بذلك] (٣): أما فيما إذا زاد على الثلاث؛ فلأن نزول الماء فيه متولد بسبب منهي عنه أشبه نزوله بالمبالغة في الاستنشاق.
وأما إذا بالغ في الاستنشاق؛ [فلأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق] (٤) إلا أن تكون صائمًا» (٥). استثنى المبالغة حفظًا للصوم فدل على أنه يفطر بسببها.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٢٥) ٢: ٦٧٩ كتاب الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا. وأخرجه مسلم في صحيحه (١١٠٩) ٢: ٧٨٠ كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب.
(٣) ساقط من ب.
(٤) مثل السابق.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (١٤٢) ١: ٣٥ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار. وأخرجه الترمذي في جامعه (٧٨٨) ٣: ١٧ كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الإستنشاق للصائم. وأخرجه النسائي في سننه (٨٧) ١: ٦٦ كتاب الطهارة؛ المبالغة في الإستنشاق. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٤٠٧) ١: ١٤٢ كتاب الطهارة؛ المبالغة في الاستنشاق والاستنثار. وأخرجه أحمد في مسنده (١٧٨٧٩) ٤: ٢١١.
[ ٢ / ٢٧ ]
وأما إذا بالغ في المضمضة؛ فلأنه يساوي الاستنشاق معنى فوجب أن يساويه حكمًا.
قال: (ومن أكل شاكًا في طلوع الفجر فلا قضاء عليه. وإن أكل شاكًا في غروب الشمس فعليه القضاء. وإن أكل معتقدًا أنه ليل فبان نهارًا فعليه القضاء).
أما [عدم وجوب القضاء إذا أكل شاكًا في طلوع الفجر؛ فلأن الأصل بقاء الليل.
وأما] (١) كون من أكل شاكًا في غروب الشمس عليه القضاء؛ فلأن الأصل بقاء النهار.
وأما كون من أكل معتقدًا أنه ليل فبان نهارًا عليه القضاء فلما روى حنظلة قال: «كنا في المدينة في رمضان وفي السماء سحاب فظننا أن الشمس إذًا قد غابت فأفطر بعض الناس. فقال عمر: من أفطر فليقض يومًا مكانه» (٢).
ولأنه أكل ذاكرًا مختارًا فأفطر، كما لو أكل يظن أن اليوم من شعبان فبان من رمضان.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩٠٤٥) ٢: ٢٨٧ كتاب الصيام، ما قالوا في الرجل يرى أن الشمس قد غربت.
[ ٢ / ٢٨ ]
فصل [فيمن جامع نهار رمضان]
قال المصنف ﵀: (وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلًا كان أو دبرًا فعليه القضاء والكفارة عامدًا كان أو ساهيًا. وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان. ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه؟ على روايتين. وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان).
أما كون من جامع في نهار رمضان في الفرج عليه القضاء فلأن في حديث المجامع في نهار رمضان الآتي ذكره بعد في بعض ألفاظه: «وصم يومًا مكانه» (١) رواه الأثرم.
وفي بعض ألفاظه: «ويصوم يومًا مكانه» (٢) رواه ابن ماجة.
وأما كونه عليه الكفارة فلما روى أبو هريرة قال: «بينما نجن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ. فبينما نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. والعَرَق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. [قال] (٣): فخذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٦٧١) ١: ٥٣٤ كتاب الصيام، باب ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان. قال في الزوائد: هذه الزيادة «وصم يومًا مكانه» قد انفرد بها ابن ماجة. وفي إسنادها عبدالجبار بن عمر، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وأبو داود والترمذي. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن يونس: منكر الحديث. وقال ابن سعد: وكان ثقة.
(٢) اللفظ المذكور في ابن ماجة هو اللفظ السابق.
(٣) ساقط من ب.
[ ٢ / ٢٩ ]
مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك» (١). متفق عليه.
وأما كون الدبر كالقبل في ذلك فلأن الدبر أحد الفرجين أشبه الآخر.
وأما كون الساهي كالعامد والمكره كالمختار على المذهب فلأن النبي ﷺ لم يستفصل الأعرابي ولو افترق الحال لوجب الاستفصال.
ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ الحديث وهو المجامعة في حال الصوم وهي موجودة في السهو والإكراه.
وأما كونه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان في رواية فلقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢).
وأما كون المرأة لا يلزمها الكفارة مع العذر كالمكرهة والناسية لصومها فلأنها معذورة.
ولأنها تدخل فيما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي الحديث».
وأما كونها يلزمها مع عدمه كالمطاوعة الذاكرة لصومها على روايةٍ فلأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل.
وأما كونها لا يلزمها على روايةٍ فلأن النبي ﷺ لم يذكر حكم المرأة لمّا أمر الأعرابي، ولا أوجب عليها شيئًا.
وأما كون الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره في كل أمر غُلب عليه على روايةٍ فلعموم ما تقدم من قوله ﵇: «عفي لأمتي الحديث».
ولذلك قال المصنف ﵀ عقيب ذلك فهذا يدل على إساقط القضاء إلى آخره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٣٤) ٢: ٦٨٤ كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر. وأخرجه مسلم في صحيحه (١١١١) ٢: ٧٨١ كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان
(٢) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
[ ٢ / ٣٠ ]
قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر. وفي الكفارة وجهان).
أما كون من جامع دون الفرج فأنزل كمن وطئ امرأته في فخذها أو يدها أو نحو ذلك فأنزل يفطر فلأنه إذا فطر اللمس مع الإنزال فلأن تفطر المجامعة معه بطريق الأولى.
وأما كون من وطئ بهيمة يفطر فلأنه وطء في فرج أشبه وطء الآدمية في فرجها.
وأما كون الكفارة تجب في المسألتين على وجهٍ فلأنه وطء أفسد الصوم وأوجب الكفارة كوطء الآدمية في فرجها.
وأما كونه لا تجب فيهما على وجهٍ فلأنه فطر بغير جماع تام فلم تجب الكفارة به كالقُبلة.
قال: (وإن جامع في يومٍ رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة).
أما كون من ذُكر عليه القضاء فلأنه أفطر من رمضان يومًا يلزمه صومه فوجب أن يلزمه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيام أُخر﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما كونه عليه الكفارة فلأنه أفطر يومًا من رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته.
ولأن رد شهادته لم ينف كون ذلك اليوم من رمضان في حقه فلم ينف وجوب الكفارة عليه كاليوم الثاني والثالث.
قال: (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ على وجهين).
أما كون من ذُكر يلزمه كفارة واحدة على وجهٍ فلأن الكفارة عقوبة فوجب أن تتداخل كالحدود، أو كفارةٌ عن غير إتلاف تكرر سببها قبل فعلها فاجتزئ بكفارة واحدة ككفارة اليمين والظهار.
وأما كونه يلزمه كفارتان على وجهٍ فلأن كل يوم عبادة منفردة فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين وكالحجتين.
قال: (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة. نص عليه، وكذلك كل من لزمه الإمساك إذا جامع. ولو جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط عنه).
أما كون من جامع ثم كفر ثم جامع في يومه عليه كفارة ثانية فلأن الصوم عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطئ بعد التكفير كالحج.
[ ٢ / ٣١ ]
ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كالأول.
ومفهوم هذا الكلام أنه لو وطئ ولم يكفر ثم وطئ أن عليه كفارة واحدة وصرح به المصنف ﵀ في المغني لأن الكفارات زواجر فتداخلت كالحدود.
وأما كون كل من لزمه الإمساك إذا جامع كذلك فلأنه هَتَك حرمة الزمن أشبه هتك حرمة الصوم.
ولأن الكفارة تجب على المستديم للوطء ولا صوم هناك فكذلك هاهنا.
ومراد المصنف ﵀ بقوله: كذلك وجوب الكفارة على من لزمه الإمساك إذا وطئ لمساواته مع [من] (١) جامع بعد ما جامع لاستوائهما معنى. لا تكرار الكفارة لأنه لا تكرار هاهنا لعدم تكرار الوطء.
وأما كون من جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لا تسقط عنه الكفارة فلأنه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام فوجبت الكفارة وجوبًا مستمرًا كما لو لم يفطر لعذر.
قال: (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه. وعنه عليه الكفارة).
أما كون من ذكر لا كفارة عليه رواية واحدة فلأن كل صوم أبيح فطره بالأكل أبيح فطره بالجماع كالتطوع. ولأن هذه محظورات [الصوم] (٢) فإذا لم يجب الصوم لم يحرم شيء منها، وإذا أبيح الفطر بذلك لم تجب الكفارة لأن الوجوب يستدعي حرمة الفطر وذلك غير موجود. وأما كونه عليه الكفارة على روايةٍ فلأنه صائم في رمضان أفطر بالجماع فوجبت عليه الكفارة كالمقيم الصحيح.
قال: (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان).
أما كون الكفارة لا تجب بغير الجماع فلأن غير الجماع لم يرد فيه نص، وقياسه على الجماع لا يصح لما بينهما من الفرق فوجب أن لا تجب الكفارة عملًا بالنافي لها السالم عن المعارض.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب الإحرام.
[ ٢ / ٣٢ ]
وأما كونها لا تجب بالجماع في صوم غير رمضان كقضائه، والصوم المنذور، وعن الكفارة فلأن الوجوب من الشرع ولم يرد في غير رمضان، ولا يصح قياسه على رمضان لأن رمضان له حرمة بخلاف غيره.
فإن قيل: هل في لفظ المصنف ﵀ ما يدل على عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير رمضان حتى يعلل؟ .
قيل: فيه إشعار بذلك، وذلك أن قوله: ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان يقتضي أمرين:
أحدهما: عدم وجوب الكفارة بغير الجماع كالوطء دون الفرج، والقبلة المقترنة بالإنزال، وكالإفطار بالأكل والشرب، وغير ذلك لأن ذلك كله غير جماع.
وثانيهما: عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير صوم رمضان كما تقدم ذكره لأنه وإن كان جماعًا فهو غير جماع في صيام رمضان.
قال: (والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه. وعنه لا تسقط. وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه).
أما كون الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا فلما روى أبو هريرة «أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فسكت النبي ﷺ. فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق من تمر. فقال: أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله!؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال له: أطعمه أهلك» (١) متفق عليه.
وأما كونها مرتبة على المذهب فلأن النبي ﷺ رتب الثانية والثالثة على عدم وجود ما قبلها، وذلك شأن المرتب.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
[ ٢ / ٣٣ ]
وأما كونها على التخيير على روايةٍ فلما روى أبو هريرة: «أن رجلًا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا» (١) رواه مالك في الموطأ. وأو للتخيير.
فعلى هذا بأيها كفر أجزأه لأن هذا شأن التخيير.
والأول أصح لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن للزيادة.
وأما كونه إذا لم يجد ذلك يسقط عنه على المذهب فلأن النبي ﷺ أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها ولا يجوز أن يأكل ما يجب عليه.
وأما كونه لا يسقط عنه على روايةٍ فلأن النبي ﷺ أمره بالتكفير لما دفع إليه المكيل بعد إخباره بحاجته وعجزه.
والأول أولى لأن الإسقاط منه آخر الأمرين فيجب تقديمه.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٨) ١: ٢٤٦ كتاب الصيام، باب كفارة من أفطر في رمضان.
[ ٢ / ٣٤ ]