قال المصنف ﵀: (والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلًا: للجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومن غسل الميت، والمجنون، والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، وغسل المستحاضة لكل صلاة، والغسل للإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف).
أما كون الغسل للجمعة من الأغسال المستحبة فلقوله - ﷺ -: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١) رواه أحمد والترمذي والنسائي.
والضمير في فبها عائد إلى السنة أي فبالسنة أخذ، ونعمت يعني الخُلّة.
وعن الإمام أحمد أنه واجب لقوله ﵇: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
ولقوله ﵇: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٣) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه (٤٩٧) ٢: ٣٦٩ أبواب الصلاة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة. وأخرجه النسائي في سننه (١٣٨٠) ٣: ٩٤ كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٠١٧٦) ٥: ١٦.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٣٤٠) ١: ٩٤ كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة. وأخرجه الترمذي في جامعه (٤٩٢) ٢: ٣٦٤ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الإغتسال يوم الجمعة. وأخرجه النسائي في سننه (١٣٧٦) ٣: ٩٣ كتاب الجمعة، باب الأمر بالغسل يوم الجمعة. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٠٨٨) ١: ٣٤٦ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة. وأخرجه أحمد في مسنده (٥١٤٢) ٢: ٥٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٥٥) ١: ٣٠٥ كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم. وأخرجه مسلم في صحيحه (٨٤٦) ٢: ٥٨٠ كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به.
[ ١ / ١٨٩ ]
والصحيح الأول. والأمر في الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما تقدم.
و«لأن عثمان ﵁ أتى الجمعة ولم يغتسل» (١).
وأما قوله: واجب فقد قيل كان واجبًا ثم نسخ. وقيل: أطلق الواجب على ذلك لتأكد الاستحباب كما يقول: حقك واجب علي.
وأما كون الغسل للعيدين من الأغسال المستحبة فـ «لأن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» (٢) رواه ابن ماجة.
و«لأن عليًا وابن عمر ﵄ كانا يأمران بالغسل لهما» (٣).
ولأن صلاة العيد صلاة وقت شرط لها الجماعة أشبهت الجمعة.
فإن قيل: ما وقته؟
قيل: وقت غسل الجمعة. وقيل: يجوز قبل طلوع الفجر بخلاف الجمعة.
والفرق بينهما أن وقت العيد ضيق فلو لم يجز إلا بعد طلوع الفجر لتطرق الفوات إلى كثير من الناس بخلاف الجمعة فإن وقتها واسع فلا يؤدي عدم الجواز قبل الفجر إلى ذلك.
وأما كون الغسل للاستسقاء والكسوف من الأغسال المستحبة؛ فلأن الصلاة لكل واحد منهما يسن لها الاجتماع فيسن لها الغسل كالجمعة.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٢٩٤ كتاب الطهارة، باب الدلالة على أن الغسل يوم الجمعة سنة اختيار.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٣١٦) ١: ٤١٧ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الإغتسال في العيدين، وفي إسناده يوسف بن خالد، قال عنه ابن معين: كذاب، خبيث، زنديق، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، أفاد ذلك البوصيري في زوائده.
(٣) أما أثر علي فقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣: ٢٧٨ كتاب صلاة العيدين، باب: غسل العيدين. وأما أثر ابن عمر فقد أخرجه مالك في موطئه (٢) ١: ١٦٠ كتاب العيدين، باب: العمل في غسل العيدين عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر، قبل أن يغدو إلى المصلى. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣: ٢٧٨ كتاب صلاة العيدين، باب: غسل العيدين.
[ ١ / ١٩٠ ]
وأما كون الغسل من غسل الميت منها فلما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (١) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن.
وروي عن علي وأبي هريرة (٢) ﵄ أنهما قالا: «من غسل ميتًا فليغتسل» (٣).
وأدنى أحوال ذلك الاستحباب.
وأما كون الغسل للمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام منها: أما المجنون؛ فلأنه يستحب للمغمى عليه لما يأتي؛ فلأن يستحب للمجنون بطريق الأولى.
وأما المغمى عليه فـ «لأن النبي - ﷺ - أغمي عليه فاغتسل» (٤) متفق عليه.
ولأنه مختلف في وجوبه وأدنى أحواله الاستحباب.
وأما كون غسل المستحاضة لكل صلاة منها فـ «لأن النبي - ﷺ - أمر المستحاضة بالغسل فكانت تغتسل لكل صلاة» (٥) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٧٤٩) ٣: ٢٠١ كتاب الجنائز، باب الغسل من غسل الميت. وأخرجه الترمذي في جامعه (٩٩٣) ٣: ٣١٨ كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١٤٦٣) ١: ٤٧٠ كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت. وأخرجه أحمد في مسنده (٩٨٦٣) ٢: ٤٥٤.
(٢) في ب: وأبو هريرة.
(٣) أما أثر علي فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١١٤٩) ٢: ٤٧٠ كتاب الجنائز، من قال على غاسل الميت غسل. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣٠٥ كتاب الطهارة، باب الغسل من غسل الميت. بمثل لفظ المصنف. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٢٤) ١: ٣٣ بلفظ: كان علي إذا غسل ميتا اغتسل. وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١١٥٢) ٢: ٤٧٠ كتاب الجنائز، من قال على غاسل الميت غسل. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣٠٣ كتاب الطهارة، باب الغسل من غسل الميت.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٥) ١: ٢٤٣ كتاب الجماعة والإمامة، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤١٨) ١: ٣١١ كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢١) ١: ١٢٤ كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٣٤) ١: ٢٦٤ كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها.
[ ١ / ١٩١ ]
ولأنه يجوز انقطاع الدم المختص بالحيض حينئذ.
ولأن فيه تخفيفًا لحدثها لما تقدم في الجنب.
وأما كون الغسل للإحرام منها فـ «لأن النبي - ﷺ - أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتهل» (١) رواه مسلم.
فإن قيل: إنما أمرها بذلك لما هي فيه من النفاس وهذا المعنى مفقود في كل محرم.
قيل: ليس الأمر كذلك. وإنما أمرها به للإحرام لأن حدث النفاس مستمر والغسل لا يؤثر فيه.
فعلى هذا يستحب في حق كل محرم لاشتراك الكل في الإحرام. ويعضد ذلك «أن رسول الله - ﷺ - تجرد لإحرامه واغتسل» (٢) رواه الترمذي.
وعن عائشة «أنه كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأُشنان» (٣) رواه البخاري.
وأما كون الغسل لدخول مكة منها فلما روى ابن عمر «أن النبي - ﷺ - بات حتى صلى الصبح واغتسل ثم دخل مكة» (٤) رواه مسلم بمعناه.
وأما كون الغسل للوقوف بعرفة منها فـ «لأن النبي - ﷺ - كان يغتسل يوم عرفة» (٥) رواه ابن ماجة.
وروى مالك في الموطأ «أن ابن عمر كان يغتسل إذا راح إلى عرفة» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٠) ٢: ٨٦٩ كتاب الحج، باب إحرام النفساء
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٨٣٠) ٣: ١٩٢ كتاب الحج، باب ما جاء في الإغتسال عند الإحرام.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٣٥٠) ٦: ٧٨. وأخرجه الدارقطني في سننه ٢: ٢٢٦ كتاب الحج، ولم أره عند البخاري.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٧٨) ٢: ٥٦٢ كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢٥٩) ٢: ٩١٩ كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها.
(٥) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٣١٦) ١: ٤١٧ كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الاغتسال في العيدين.
(٦) أخرجه مالك في موطئه (٣) ١: ٢٦٤ كتاب الحج، باب الغسل للإهلال.
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما كون الغسل للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف منها؛ فلأنها مواضع يجتمع لها الناس ويزدحمون ويعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا بالعرق والرائحة فاستحب فيها الغسل تنظيفًا وتخفيفًا كالجمعة.
[ ١ / ١٩٣ ]